id
int64 1
2.4k
| title
stringlengths 6
118
| description
stringlengths 1
273
| content
stringlengths 0
61k
| url
stringlengths 43
248
| image
stringlengths 77
252
| datePublished
timestamp[s] | dateModified
timestamp[s] | section
stringclasses 14
values |
---|---|---|---|---|---|---|---|---|
101 | علماء النفس ترتيبك بين إخوتك يؤثّر على نمط شخصيتك | يشيع المزاح حول ترتيب الإخوة وارتباطه بشخصياتهم، فهل في هذا طرف من الحقيقة؟ أيعقل أن يؤثر موقعك بين أشقائك على شخصيتك؟ | يشيع المزاح حول ترتيب الإخوة وارتباطه بشخصياتهم؛ الامتياز الذي يتمتع به الشقيق الأكبر سنا واستبداده، والاضطهاد الذي يكال لأوسطهم، والدلال الذي ينعم به أصغرهم. فهل في هذا الهزل طرف من الحقيقة؟ أيعقل أن يؤثر موقعك بين أشقائك على شخصيتك؟ كيف لا وقد كانت مكانة عالم النفس ألفرد أدلر كابنٍ ثانٍ يرجو لو يملك حظوة أخيه الأكبر عند أبويه كفيلة بإثراء شخصه ودافعا له لوضع أشهر نظرياته.
في ضواحي فيينا بعد ولادة أدلر عام 1870 وتوالي الأعوام وبلوغه الأربع سنوات وتعافيه من الكساح والالتهاب الرئوي، قرر أنه لا بد أن يصبح طبيبا عله يتحصن بذلك من المرض1. في تلك الأحيان، كانت قد تكونت لديه عادة التطلع إلى شقيقه الذي يكبره سيغموند وعقد مقارنات خفية مستمرة بينهما، لِمَا جانبه من إحساس بالدونية والغيرة؛ فبينما كان عليلا راقدا في سنواته الأولى كان أخوه بصحة سليمة ويلهو في الأرجاء. في كتاباته، يصف يوما بصحبة عائلته على الشاطئ يمكنه الجري والقفز والتنقل دون عناء، أما أنا فكان من شأن أي حركة أن تجهدني.
تمددت تلك المقارنة إلى مستقبله الوظيفي، إذ عاصر المعالج النفسي العتيد سيغموند فرويد الذي حاز على شهرة جعلت عددا ممن خلفوه يقبعون في ظله، فقورن أدلر أحيانا بفرويد رغم خلافه العلني معه في بعض نظرياته وتأسيسه لجمعية علم النفس الفردي Society for Individual Psychology2. اعتقد أدلر أن كل سلوك بشري مدفوع بالرغبة المطلقة في التفوق التي تحركها مشاعر النقص أو الدونية. إننا جميعا نملك بعضا من تلك المشاعر المتصلة بالجانب الاجتماعي أو النفسي. يخبرنا أدلر في نظريته أن الجوانب الاجتماعية والمجتمعية لحياة الشخص لا تقل أهمية عن أفكاره وعواطفه الداخلية، ليمتد اهتمام أدلر ليشمل نمو الطفل ونظرية ترتيب الميلاد Birth Order theory.
نعم توجد العديد من العوامل التي يمكن أن تسهم في شخصية الطفل، كالحالة الاقتصادية وهيكل الأسرة والتبني والأضرار العقلية أو الجسدية وغيرها، يتفق معظم علماء النفس مع أدلر على أن الأطفال لديهم سمات شخصية فريدة خاصة بهم اعتمادا على ترتيب ميلادهم.
تنص نظرية أدلر حول ترتيب الميلاد على أن موقع الفرد في عائلته سيؤثر على حياته وتطور شخصيته، وهو ما اعتنقه كثير من علماء النفس، كالدكتور النفسي كيفين ليمان الذي درس ترتيب الميلاد منذ عام 1967 وألف كتاب ترتيب الولادة لماذا أنت على ما أنت عليه، وأكد فيه أن سر الاختلافات الشخصية بين الأشقاء يكمن في ترتيب الميلاد وكيف يتعامل الآباء مع أطفالهم بشكل مختلف بناء على ما إذا كانوا أكبرهم أو أوسطهم أو أصغرهم أو طفلهم الوحيد34.
وذهب بعض الباحثين إلى أن ذلك قد يؤثر أيضا على الصحة، إذ تشير دراساتهم إلى أنه إذا كنت أكبر سنا فمن المرجح أن يكون وزنك عند الولادة أقل من وزن إخوتك. يشرح أدلر كيف تلعب البيئات والديناميكيات الأسرية دورا في تكوين الطفل، وإن اختلفت الأسر، لوجود أوجه تشابه عامة بين تفاعلات الوالدين مع أطفالهم، وكذلك الأشقاء فيما بينهم.
وقد أتى أدلر على ذكر ترتيب الولادة النفسي أو وضعك المتصور داخل أسرتك واعتباره أكثر أهمية من الترتيب العددي للولادة والذي يمكن أن يكون مختلفا في بعض الأحيان، كأن يكون الطفل متوسطا ولكنه يتحمل مسؤوليات الطفل الأكبر بسبب إعاقة ما أو لثقافة الأبوين ورؤيتهم وخلفيتهم الاجتماعية، ففي بعض الثقافات، حتى لو ولد الصبي بعد أربع فتيات، فقد يظل يُعامَل على أنه الأكبر.
ويلاحظ أدلر أنه إذا كان فارق العمر لدى الأطفال يتعدى الثلاث سنوات، فقد تتشكل مجموعات فرعية ذات ديناميكيات مختلفة5. يتفق معظم الخبراء، لكنهم يضفون أن الفجوة العمرية هي خمس سنوات، وأن التوائم غالبا ما يحظون باهتمام خاص من الوالدين، لذا ينوه الخبراء إلى أن هذه القواعد لا تنطبق بالضرورة على جميع الفئات، وأن ترتيب الميلاد، وإن ساعد في تشكيل الشخصية، فإنه ليس العامل الوحيد.
يستخدم العديد من المعالجين النفسيين هذه النظرية اليوم، لكن هل هي مبنية على أساس علمي؟ فيما يلي نظرة فاحصة على الحقيقة والعلم وراء ترتيب الولادة. دعنا نلقي نظرة فاحصة على نظرية ولادة أدلر ونرى السمات التي يعتقد أنه يمكن ربطها بترتيب الميلاد.
يغدق الأبوان على الطفل الأكبر سنا الاهتمام، يكونان أكثر حرصا بكل ما يتعلق بتربيته. ويتوجس الطفل من ولادة أخيه الثاني، إذ يجد نفسه مجبرا على مشاطرة والديه الاهتمام بالمولود. وفي حال تضاءل الفارق الزمني بينهما عن الثلاث سنوات لن يكون قادرا على فهم ما استجد وإن شُرح له مرارا بالكلمات أو المفاهيم، فيصعب عليه تقبل الوضع، وينظر بعداء تجاه شقيقه الأصغر لكونه مَن تسبب في خلعه عن العرش.
عادة ما يكون الطفل الأكبر سنا مطيعا، وحذرا، ومنظما ومحافظا، وذا علاقات محدودة، وعلى قدر كبير من الجدية، ومهيمنا في الأوساط الاجتماعية، معرضا للعصابية Neurosis، أو الكآبة والقلق الناشئين من التركيز غير الصحي على نواقص الإنسان، أو الاعتقاد الخاطئ بتفوقه على من سواه6. يعزو أدلر هذا إلى فقدان الطفل اهتمام الوالدين الكامل، ومحاولة تعويض ذلك من خلال العمل على استعادته.
يلقي عليه الوالدان توقعات عالية حقا، وربما يمسيان أكثر صرامة معه، مطالبين بأن يكون قدوة ويتحمل مسؤولية إخوته الصغار. يتنقل ذلك الطفل من كونه طفلا وحيدا إلى أكبر طفل، فيجد نفسه مضطرا لتعلم كيفية المشاركة. هذا ما يجعل الطفل يتجه إلى نهج سلطوي وصارم، يشعر فيه بأنه مسؤول عن الأشقاء الآخرين، ومن ثم يشعر بأنه مسيطر. يميل هذا الطفل إلى أن يكبر ليكون قياديا ويتبع القواعد، لكنه يبدو أيضا ذا موقف متسلط.
تلك المهارات القيادية قد تجعل منه رائدا في عمله. ففي منتصف التسعينيات قام عالم النفس الأميركي فرانك ج سولاوي بتمشيط كتب التاريخ بحثا عن شخصيات بارزة من البكر والمتمردين الذين ولدوا فيما بعد، فرأى من بين المواليد المتأخرين مفكرين وثوريين من مثل تشارلز داروين وكارل ماركس والمهاتما غاندي. واكتشف بين البكر قادة مثل جوزيف ستالين وبينيتو موسوليني.
يخامر الأخ الأكبر غالبا خوف شديد من الفشل، ينشد الكمالية والمثالية ونزعة للتفوق، ولأنه يخشى ارتكاب زلة غير مقصودة ولكونه شخصية غير مرنة ولا تحب التغيير، فإنه يتردد في الخروج من منطقة راحته. يميل الأخ الأكبر أيضا إلى إكمال تعليمه بالدراسات العليا واختيار المهن التقليدية المرموقة، مثل الطب أو الهندسة. في إطار مجهوداته لإرضاء الآخرين.
يجد المولود الثاني أن الابن الأكبر يحظى بانتباه والديه فتنتابه شعور بأنه مهمل ومستبعد وغير محبوب وأن الحياة غير عادلة فهو لا يفقد مكانته كالطفل الأصغر سنا فحسب، لكنه لا يتمتع بحقوق ومسؤوليات الأخ الأكبر أو امتيازات الأصغر. فينظر إلى شقيقه الأكبر سنا كنموذج يحتذى به، محاولا مواكبته والتنافس معه لجذب الانتباه إليه ولأجل شعوره بالحاجة إلى إثبات قيمته الذاتية يقاتل من أجل الأهمية والامتياز وغالبا ما يدوم هذا التوجه في حياته المهنية بعمله بكد أكثر ممن حوله ليكون الأفضل لكنه قد يضع لنفسه أهدافا غير واقعية، تقوده للفشل النهائي. ليؤدي ذلك ربما إلى العصابية في وقت لاحق من الحياة.
وقد وجدت إحدى الأبحاث في مجلة الموارد البشرية عام 2016 أن الآباء بالفعل لا يقدمون للأطفال المولودين في وقت لاحق نفس الدعم المعرفي الذي يقدمونه لأبنائهم البكر. في ذات السياق يكون الابن الأوسط أكثر تعاونا ومرونة وغالبا ما يسعى لإرضاء من حوله وذو قدرة على التنازل وإن رفض التساوي بإخوته الذين يصغرونه ما جعل علماء النفس يصفونه بحمامة السلام 78. كما يستمتع بالتفاوض والمساومات وعلى الأغلب فإنه يتواصل مع أشخاص من مختلف الأعمار بسهولة. كل ذلك يجعل الطفل يطور موقفا شديد السواد والبياض مما يجعله نافد الصبر وأكثر اتزانا وتمردا في وقت واحد وعلى الأرجح الأكثر استقلالية بين أشقائه.
يلقى الطفل الأخير عناية زائدة من والديه، إذ يكون معظم إخوته الأكبر سنا قد وصلوا إلى مراحل نمو مختلفة في الحياة، ولم يعودوا يعتمدون على أبويهم في كل شيء. وفي كثير من الأحيان يظهر بقية أفراد الأسرة مسؤولية تجاه أصغرهم مما يؤدي بهذا الطفل إلى الرغبة في النمو بشكل أسرع والتحكم بشكل أكبر في حياته، وأن يصبح أكثر استقلالية 9. لكن تلك الرعاية قد تفسد الطفل الأصغر وإن تمتع بحريات لم يتمتع بها أشقاؤه الأكبر سنا.
من المحتمل أن يكون الطفل الأصغر معاديا للأشقاء الأكبر سنا، وقد يطور الأخ الأصغر طرقا خاصة به لجذب الانتباه، فتميل العائلة أحيانا بشكلٍ مُفرِط إلى أن يكون الطفل الأصغر متأكدا من مكانته في العائلة وربما مبدعا ومتمردا ومنفتحا اجتماعيا لا عجب إذن أن العديد من الممثلين والكوميديين المشهورين هم الأصغر في عائلاتهم. ولذا نجد الطفل الأصغر في الغالب يحبِّ المرح ويسترعي الانتباه وربما نشعر بأنّ الطفل الأصغر أناني أكثر من الّلازم، وعادة ما يكون مُغامرا ومُخاطِرا، وقد يكون الأبناء الأوائل ذوي الروح الحرة أكثر انفتاحا على التجارب غير التقليدية والمخاطر الجسدية مقارنة بإخوتهم.
التصنيف الرابع الذي وصفه أدلر هو الطفل الوحيد الذي يعرف بأنه طفل ليس له أشقاء. نظرا لعدم وجود منافسين أشقاء فإنه ينعم بكامل الاهتمام من والديه طوال فترة تربيتهم وغالبا ما يتم تدليلهم يمكن أن يؤدي ذلك إلى الشعور بالاستحقاق والتبعية حتى عندما تكون خارج الأسرة. لكن، قد يشعر بعض هؤلاء الأطفال فقط بالاختناق بسبب الانتباه من عائلاتهم ويسعون إلى الاستقلال والحكم الذاتي 10
تطعن العديد من الدراسات المبكرة في صحة ودقة هذه النظرية، لعيب منهجي من مثل حجم الأسرة، إذ يرتبط حجمهم بعدة عوامل اجتماعية كالعرق والتعليم والثروة. لتظهر دراسات أن الآباء الأكثر ثراء وذوي التعليم العالي ينجبون عددا أقل من الأطفال، مما يعني أن الأطفال الذين يكبرون في بيئات مريحة أو مترفة هم أكثر عرضة لأن يتطبعوا بسمات الابن الأكبر يُستشهد بذلك بمنزلين لطفلين مقابل منزل لخمسة أطفال في الأول، الطفل لديه 50٪ من كونه بكرا؛ في الثانية ، لدى الطفل فرصة 20٪ أن يكون بكرا
بالرغم من هذه الشكوك، إلّا أنّ بعض الدراسات الحديثة التي خضعت للتدقيق كانت نتائجها داعمة لنظرية ترتيب الولادة على المستوى البيولوجي. على سبيل المثال، أظهرت دراسة في عام 2007 في النرويج أن معدل الذكاء لدى الأطفال البكر أعلى بمقدار نقطتين إلى ثلاث نقاط من الطفل التالي. فيما أثبتت دراسة أخرى في عام 2009 أن ترتيب الميلاد يؤثر على اختياراتنا لأصدقائنا وشركائنا. يمرجح أن يرتبط البكر بالأبناء البكر، والوسطى المولودين بالوسطى، والأخير مع آخر المولودين. مما يعني أن ثمة عوامل شخصية تلعب دورا لا يستهان به في حياتهم 1112.
وجدت التحليلات الحديثة الأخرى لهذه الدراسات أن ترتيب الولادة قد يكون له بعض التأثير على نمو الطفل وإن لم يكن عميقا كما تدعي النظرية، ومن شواهد ذلك ما خَلُصَت إليه مُراجعة بحثية أجريت عام 2015 من أنّ الأطفال البكر لديهم مستويات ذكاء أعلى بالفعل من الأطفال في أوضاع ترتيب الولادة الأخرى. لكن الباحثين لم يجدوا أي اختلافات بين الأطفال البكر وغيرهم من حيث السمات الشخصية الأوسع مثل الانبساط، أو الاستقرار العاطفي، أو الخيال.
ومن الواضح أنّ مسألة ترتيب الولادة، تتداخل فيها عوامل ثقافية وبيولوجية بقائية، تتعلّق بمخاوف الأهل على الطفل الوحيد أو على الطفل الأكبر ونحو ذلك، فقد أظهرت دراسة سابقة أنّه وبالمقارنة مع المواليد اللاحقين تقل احتمالية مشاركة المواليد البكر في الرياضات الخطرة بسبب مخاوف من الإصابة الجسدية. وأظهرت دراسة أُجريت عام 1980 على 170 أنثى و 142 طالبا جامعيا انخفاضا في مستويات القلق وغرورا أعلى لدى الأطفال البكر، كما تم قياسه بواسطة استبيان شخصية هوارث. لكن في بعض الأحيان ، استخدمت هذه التحقيقات أساليب مشكوك فيها. كأن يُطلب من أفراد العائلة نفسها تقييم أنفسهم من حيث الانبساط والانفتاح على التجارب والانضباطية والتسامح والعصابية 13. لكن هذه الاستطلاعات أجريت في وقت واحد فقط كما أن شخصا واحدا فقط هو الذي حكم على شخصيته وشخصية أشقائه. هذه التفاصيل مهمة لأن إدراك الذات وإدراك الآخرين يمكن أن يختلف اختلافا كبيرا في بعض الأحيان. بالإضافة إلى ذلك، قد يكون الأشخاص الخاضعون للاختبار قد أدمجوا لا شعوريا كليشيهات الأشقاء الأكبر سنا والمولودون العالميون في وقت لاحق في تقييمهم، وبالتالي كان بإمكانهم تحقيق النتيجة المتوقعة بأنفسهم.
وأيّا كان ترتيبك في العائلة، وبصرف النظر عن مدى دقّة الأوصاف التي تظهرها الدراسات على حالتك، نجد أنّ الاتّفاق العامّ بين الباحثين يكمن بخصوصية كل عائلة من العائلات، ولذلك سيكون من الجدير بالاهتمام أن تلحظ أثر ترتيبك بين أخوتك على تشكّل شخصيتك عبر فهمك لشخصية والديك، ومن ثمّ تلحظ كيف يتعاطون مع الأخ الأكبر أو الأصغر أو معك شخصيا بناء على تخوّفاتهم وتوقّعاتهم، ومن ثمّ ستبدأ بتعميق فهمك لنفسك ولمشكلاتك العائلية إن وجدت. وختاما تذكّر أنّ هذه مساحة لتساعد نفسك وأسرتك على تجاوز المشكلات، لا من أجل افتعالها أو تعظيمها أو إلقاء الاتّهامات جِزافا.
______________________________________
المصادر والمراجع | https://www.aljazeera.net/sukoon/2023/1/6/%d8%b9%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d8%b3-%d8%aa%d8%b1%d8%aa%d9%8a%d8%a8%d9%83-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a5%d8%ae%d9%88%d8%aa%d9%83-%d9%8a%d8%a4%d8%ab%d9%91%d8%b1-%d8%b9%d9%84%d9%89 | 2023-01-06T05:50:42 | 2024-06-06T11:54:09 | أبعاد |
|
102 | الصين وأميركا في 2025 والصراع الذي قد يغير شكل العالم | كثيرا ما يُقال “إن التاريخ يعيد نفسه” وإن ثمة تشابها بين قصص صعود وهبوط الإمبراطوريات الكبرى والدول العظمى عبر التاريخ، ولذا غالبا ما يدرك الأميركيون أن الصين قد تحاكي قصة صعود بلادهم. | كثيرا ما يُقال إن التاريخ يعيد نفسه وإن ثمة تشابها بالغا بين قصص صعود وهبوط الإمبراطوريات الكبرى والدول العظمى عبر التاريخ، ويدرك الإستراتيجيون الأميركيون ذلك، ولذا غالبا ما يحذرون من أن الصين قد تحاكي نفس قصة صعود بلادهم، حيث يمكن حينها أن يبدأ التاريخ دورة كونية جديدة لا تكون فيها الولايات المتحدة متفردة على قمة العالم.
ففي بدايات القرن الـ19 لم تكن الولايات المتحدة قد صارت بعد قوة عظمى، لكنها اكتفت ببناء قوتها الداخلية وإزالة التهديدات في محيطها الإقليمي، ومن ثم حجّمت نفوذ القوى العظمى آنذاك بريطانيا وفرنسا على الأميركيتين وأحكمت سيطرتها على بحر الكاريبي، والتزمت لاحقا الحياد في الحرب العالمية الأولى حتى عام 1917 واكتفت بالاستفادة من مبيعات السلاح قبل أن تدخلها بصورة جعلت موازين القوة فيها تميل لصالح الحلفاء الوفاق الثلاثي.
أما اللحظة الحاسمة، فكانت في منتصف سنوات الحرب العالمية الثانية، والتي صعدت الولايات المتحدة على إثرها إلى مسرح القوى العالمية التي كانت قد أنهكتها جميعا سنواتُ الحروب، لتعيد القوة الفتية الصاعدة صياغة العالم وبناء أسس جديدة للنظام العالمي.
ويعتقد المنظّرون الأميركيون أن إنكار الصين لطموحاتها العالمية خلال العقود الماضية لا يعدو محاولة لإعادة القصة التاريخية المكررة، ولذا تعْمَد الإستراتيجية الأميركية إلى قطع الطريق مبكرا على صعود الصين، ومنعها ابتداءً من أن تصبح قوة إقليمية في جنوب شرق آسيا، فضلا عن منع سيطرتها على بحر جنوب الصين الذي يسميه الأميركيون بالكاريبي الصيني.
ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى أوائل القرن الـ20، اعتمدت الولايات المتحدة تجاه الصين إستراتيجية المشاركة والدمج، فبينما تحافظ واشنطن على وضعها العسكري المهيمن في منطقة آسيا والمحيط الهادي للتحوط ضد صعود الصين، انتهجت سياسة طويلة الأجل لإشراك بكين في بنية النظام العالمي ومحاولة تطويعها سلميا.
ولكن بدءا من عام 2011 رأت الولايات المتحدة أن سياستها لم تأت بالنتائج المرجوة، وإن حققت نجاحا جزئيا على مدى عقود، وخاصة مع صعود الرئيس الصيني شي جين بينغ في 2008 والذي بدا خطابه مختلفا عن أسلافه ومعبرا عن طموح واسع للصين، فوضعت إستراتيجية المحور الآسيوي والذي يهدف لتعميق علاقات الولايات المتحدة مع مجموعة من الحلفاء الآسيويين بغية محاصرة نفوذ الصين واحتواء صعودها.
وفي عام 2017؛ اتخذت إدارة دونالد ترامب الأولى خطوات أكثر جدية تجاه الصين، فصنفتها باعتبارها منافس إستراتيجي للولايات المتحدة وأنها قوة مراجعة أي أنها تسعى لإعادة ترتيب هيكل القوة العالمي مما سيضعها يوما في مواجهة حتمية مع الولايات المتحدة. ومن ثمّ؛ أصدرت إدارة ترامب سلسلة من الوثائق الإستراتيجية تشرح هذه السياسة الجديدة تجاه الصين، أهمها إستراتيجية الأمن القومي لعام 2017 وإستراتيجية الدفاع الوطني الأميركية لعام 2018.
ورغم أن إدارة بايدن قد ورثت هذا الخط الإستراتيجي واستمرت في تبنيه؛ إلا أن ثمة فروقا جوهرية بين إدارة بايدن التي يغلب عليها العقلية الأمنية الكلاسيكية وإدارة ترامب التي يغلب عليها العقلية التجارية من جانب وعقيدة أميركا أولا من جانب آخر.. فماذا يمكن أن تضيف ولاية ترامب الثانية وخاصة في عامها الأول 2025 للتنافس الأميركي الصيني؟ وماذا يمكن أن تُكتب من فصول جديدة خلال هذا العام لقصة الحرب الباردة بين الطرفين؟
ومع تقدم سنوات التنافس بين البلدين وتصاعد النمو الاقتصادي الصيني وتزايد نشاطها في الساحة الدولية، تعقدت خطوط التماس بين القوتين الكبيرتين، إلا أنه لا يزال أهمها أولا الحرب التجارية وقضية فرض التعريفات الجمركية على الصادرات الصينية للولايات المتحدة، وثانيا التنافس الجيوسياسي في جنوب شرق آسيا أو ما بات يُعرف في الأدبيات الأميركية بمنطقة الإندوباسيفيك. وفي السطور التالية نقف على الوضعية الإستراتيجية لهذين الملفين مع استشراف أهم ملامح تطوراتهما المحتملة في 2025.
كانت إحدى أبرز وعود الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، خلال حملته الانتخابية هي زيادة التعريفات الجمركية على جميع السلع الواردة من الصين بنسبة تصل إلى 60 بشكل تدريجي تبدأ بـ10 يوم تنصيبه.
ويُطلق ترامب على نفسه رجل التعريفات ويعتبر التعريفات الجمركية أداته المفضلة لتقليل العجز التجاري الأميركي ومنع المزيد من تآكل قاعدة التصنيع في أميركا من جهة، وتهديد خصومه وابتزازهم من جهة أخرى، كما أنه يزعم دائما أن الحروب التجارية جيدة والفوز بها سهل.
وخلال ولايته السابقة؛ فرض ترامب مجموعة من الرسوم الجمركية، ففي عام 2018 فرض رسوما على ما يمثل حوالي 13 من إجمالي قيمة واردات الولايات المتحدة من الصين. كما فرض عقوبات ثانوية كان أبرزها على شركة هواوي الصينية، الرائدة في مجال الاتصالات في الصين، وأطلق مبادرة الشبكة النظيفة لإزالة الأجهزة والبرمجيات الصينية من البنية التحتية في الولايات المتحدة والدول الصديقة في دائرة واشنطن الدبلوماسية.
وبعد عام ونصف من الحرب التجارية، وقّعت الصين في ينايركانون الثاني 2020 المرحلة الأولى من الاتفاقية التجارية مع الولايات المتحدة، وبموجبها ألغت واشنطن قرابة نصف الرسوم المفروضة على الواردات الصينية مقابل تعهد الأخيرة بأن تشتري بضائع أميركية بقيمة 200 مليار دولار خلال مرحلة تمتد إلى عامين.
روّج ترامب للاتفاقية بوصفها أحد أهم إنجازاته في حماية مصالح الأميركيين، بيْد أن تداعيات فيروس كوفيد-19 كورونا التي تفاقمت خلال أسابيع لم تترك الفرصة للاتفاقية أن تُؤتي ثمارها، وتسببت في إحداث ضرر بالغ للاقتصاد الأميركي دفع ترامب ثمنه شخصيا بتراجع حظوظه الانتخابية وخروجه من البيت الأبيض.
واختتم ترامب ولايته بانتقادات حادة للرئيس الصيني، ففي مايوأيار عام 2020، على سبيل المثال، قال لا أريد التحدث معه، موجها اللوم إلى الصين على عدم وقف انتشار الجائحة خارج حدودها، وزعم أن الولايات المتحدة يمكن أن تقطع العلاقة مع الصين بالكامل.
ويُرجح تقرير صادر عن مجموعة الأزمات الدولية، في أكتوبرتشرين الأول الماضي، أن إدارة ترامب القادمة سوف تتبنى أجندة عدائية تجاه الصين، وسيكون دافعها الأول هو رغبة ترامب في جعل الصين تدفع ثمن الفوضى التي أحدثها فيروس كورونا في الولايات المتحدة.
ويقول التقرير إن ترامب في حين كان متفائلا بشأن مستقبل العلاقات الاقتصادية الأميركية الصينية عندما أعلن عن المرحلة من اتفاق التجارة في 15 ينايركانون الثاني 2020، إلا أن مزاجه قد تدهور بشكل كبير بحلول الصيف، عندما كان الفيروس قد انتشر بشكل واسع في جميع أنحاء العالم. ونقل التقرير عنه قوله آنذاك لمستشاريه يمكنني إبرام 100 صفقة تجارية مع الصين، ولكنها لن تعوض عن الضرر الذي ألحقته الجائحة باقتصادنا.
لكنّ الحرب الحرب التجارية التي ينوي ترامب شنّها على الصين ستترك آثارا جانبية على الاقتصاد الأميركي، فبحسب تحليل نشرته مجلة فورين بوليسي، من المرجح أن تؤدي الرسوم الجمركية المرتفعة على الواردات الصينية، تزامنا مع رسوم أخرى بقيمة تتراوح من 10 إلى 20 ينوي ترامب فرضها على صادرات باقي الدول، إلى ارتفاع حاد في نسب التضخم نتيجة الحرمان المفاجئ للسوق من سلع عديدة قد لا تجد خطوط الإمداد الأميركية بدائل مباشرة لها.
ولذا؛ توقع التقرير الاستشرافي السنوي لمركز ستراتفور أن الولايات المتحدة ستستخدم التعريفات الجمركية الكبيرة على سبيل التهديد لدفع الدول إلى تقديم تنازلات مثل الوعود بشراء المزيد من السلع الأميركية أو تقييد صادرات سلع معينة إلى الولايات المتحدة، لكنها لن تلجأ في الأغلب إلى إقرارها على نطاق واسع، لكن الأمر يختلف بالنسبة للصين، فمن المرجح أن تفرض بالفعل نسب تدريجية من هذه الرسوم الموعود بها.
ونتيجة لذلك، ستؤدي أي تعريفات كبيرة إلى اتخاذ تدابير انتقامية من جانب تستهدف الصادرات الأميركية، حيث ستتحمل المنتجات الزراعية والسلع المصنعة في الولايات التي يسيطر عليها الجمهوريون العبء الأكبر من أي انتقام محتمل. وفي المقابل؛ من المرجح أيضا أن تتسبب التعريفات الكبيرة على الصين في دفع بعض البلدان الأخرى إلى فرض تعريفاتها الجمركية الخاصة على بعض السلع الصينية كذلك لحماية أسواقها من هجوم من السلع الصينية الرخيصة التي كانت تُباع سابقا إلى الولايات المتحدة.
ولكن؛ من المرجح أن تكون بكين هذه المرة أكثر ثقة بنفسها وأشد جرأة على اتخاذ إجراءات انتقامية في مواجهة الحرب التجارية من تلك التي كانت 2018 و2019، حيث تستعد منذ وقت طويل لخوض هذه الحرب المتوقعة، من خلال زيادة استثماراتها في جنوب شرق آسيا، سعيا إلى تنويع سلاسل التوريد وحماية اقتصادها من الصدمات التجارية.
ولتعزيز موقفها، كثفت بكين التدابير المضادة ضد الشركات الأميركية، وتحولت من إطلاق طلقات تحذيرية إلى توجيه ضربات ملموسة، بحسب وصف فورين بوليسي.
فعلى سبيل المثال؛ تواجه شركة سكاي ديو، أكبر شركة أميركية لتصنيع الطائرات المسيّرة، اضطرابات حرجة في سلسلة التوريد بعد أن فرضت عليها الصين عقوبات بسبب مبيعاتها إلى وكالة الإطفاء الوطنية في تايوان، وهذا أجبر الشركة على تقنين صادراتها.
كما تخضع شركة إنتل للتدقيق حيث تضغط جمعية الأمن السيبراني في الصين من أجل التحقيق في العيوب الأمنية المزعومة، وهذا يهدد سيطرة إنتل في سوق تمثل ما يقرب من ربع إيراداتها. وتكشف هذه العقوبات والتحقيقات عن أن ترسانة بكين للانتقام ستكون أقوى بكثير مما كانت عليه خلال فترة ولاية ترامب الأولى.
وفي المقابل؛ يتوقع ستراتفور أن تبدأ المحادثات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، ولكن من غير المُرجح أن تتقدم بشكل كبير في عام 2025. وفي الوقت نفسه، من المرجح أن تعمل الصين على توسيع التحفيز المالي تدريجيا بما يتناسب مع التعريفات الجمركية الأميركية، وإصدار تريليونات من عملتها اليوان في الديون السيادية لدعم المصدرين، وتثبيت مخاطر الديون، وتمويل الاستثمارات مثل البنية التحتية للمياه والاستهلاك على سبيل المثال، برامج مقايضة السلع.
في السنوات الماضية؛ ارتفعت الأهمية الجيوسياسية لمنطقة المحيطين الهندي والهادي إندوباسيفيك ارتفاعا هائلا، على وقع أصداء التنافس الأميركي- الصيني في المنطقة، حتى باتت دول جزرية صغيرة، لا تتعدى مساحتها بضعة كيلومترات ولا يتعدى عدد سكانها مئات الآلاف، تحظى بأولوية كبرى في خريطة تحالفات البلدين لأهميتها من جهة انتشار القوات وتأمين الخطوط الدفاعية واللوجستية.
وقد أصدرت إدارة ترامب الأولى وثيقة الإطار الإستراتيجي لمنطقة الإندوباسيفيك، بينما صدرت أحدث الإستراتيجيات الأميركية تجاه المنطقة في عهد جو بايدن في فبرايرشباط 2022، بعنوان إستراتيجية الولايات المتحدة لمنطقـة المحيـط الهنــدي والمحيـط الهـادي، وذلـك بعـد يـوم مــن اجتماع وزراء خارجية الحـوار الأمني الرباعي كواد QUAD في أستراليا، الذي يضم إلى جانب الولايات المتحدة كلا من الهند وأستراليا واليابان. ويرجع إحياء هذه الرباعية إلى فترة ترامب الأولى من خلال مسؤولين كبار من الدول الأربعة، ثم ارتفع التمثيل فيها لمستوى قادة الدول في عهد بايدن.
وعلى الرغم من أن هذه الرباعية باتت أهم نقاط الارتكاز الأميركية لاحتواء النفوذ الصيني ومحاصرته في المنطقة، إلا أن العقلية التجارية لترامب قد تدفعه لتقييم جدوى هذه التحالفات بشكل مختلف، حيث يشير دائما إلى أن حلفاء الولايات المتحدة وشركاءها قد استغلوها ماليا، وربما بتكلفة أكبر من تكلفة تنافسها مع الخصوم.
فبحسب مجموعة الأزمات الدولية؛ سُئل ترامب عام 2019 عما إذا كان ينبغي على الولايات المتحدة الخروج من معاهدتها الدفاعية طويلة الأمد مع اليابان، فأجاب بأن هناك ما يدفع للتفكير في ذلك، كما أنه ضغط على كوريا الجنوبية لدفع زيادة بقيمة 400 في عام 2020 على تكلفة نشر القوات الأميركية في البلاد.
كما سبق أن وصف منظمة حلف شمال الأطلسي الناتو بأنها عتيقة وادعى في تجمع انتخابي في فبرايرشباط الماضي أنه أثناء فترة ولايته، أخبر زعيم دولة كبيرة في الناتو بأنه سيخبر روسيا بأن تفعل ما تريده إذا كانت تلك الدولة متخلفة عن سداد فواتيرها في المنظمة، كما يُعتقد على نطاق واسع بأن ترامب يفكر في إعادة هيكلة حلف الناتو على مرحلتين، حيث سيقوم بتقليص العلاقات الأمنية بشكل حاد مع الدول الأعضاء التي لا تنفق على الأقل 2 من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع والتسليح.
وفي هذا السياق؛ فإن خطط ترامب ووعوده بشأن إنهاء الحرب في أوكرانيا؛ تثير قلق الإستراتيجيين الصينيين، بسبب أن احتمالية التفاهم الأميركي-الروسي قد تضعف تعمق التحالف الصيني-الروسي، ومع أن بكين طوال مدة الحرب الأوكرانية حرصت على ترك مسافة بينها وبين موسكو، إلا أنها قدمت دعما غير مباشر لها، ومن المؤكد أن انشغال الولايات المتحدة والغرب في حرب طويلة مع روسيا كان يعطي بكين شعورا بالارتياح بسبب تشتت جهود الغرب.
لعل أكثر نقاط الإندوباسيفيك سخونة هي جزيرة تايوان التي باتت العنوان الأبرز لصراع الإرادات الأميركي-الصيني. وخلال حملته، ألقى ترامب مرارا وتكرارا بظلال من الشك على مدى الدعم الأميركي الموجه لتايوان في المستقبل، وطبق نهجه التجاري المعتاد على الجزيرة التي تربطها بالولايات المتحدة علاقات أمنية عميقة، حيث قال -ترامب- في مقابلة أجريت معه في يوليوتموز مع بلومبيرغ بيزنس ويك يجب على تايوان أن تدفع لنا مقابل الدفاع.. كما تعلمون، نحن لا نختلف عن شركة تأمين... تايوان لا تعطينا أي شيء.
وبحسب فورين بوليسي؛ دفعت مثل هذه التصريحات بعض خبراء الصين إلى الاعتقاد بأن ترامب سوف يسعى إلى إبرام صفقة مع تايوان في مقابل المزيد من الدعم الدفاعي الأميركي. ويبلغ الإنفاق العسكري في تايوان حوالي 2.6 من ناتجها المحلي الإجمالي، وقد يطلب ترامب من الجزيرة زيادة هذا الرقم، كما اقترح ذلك مستشار الأمن القومي السابق لترامب روبرت أوبراين ومسؤول الدفاع إلبريدغ كولبي.
وفي حين قد يحاول ترامب إبرام صفقة صعبة أثناء محاولته الضغط على تايوان، فمن غير المرجح أن يتخلى فعليا عن دعمها نظرا لاعتبارها خط دفاع أمامي متقدم في مواجهة الصين. وفي كل الأحوال ستظل تايوان نقطة توتر رئيسة بين البلدين، ومجالا مستمرا للمناورات العسكرية الصينية، خاصة في ظل الرئيس الحالي للجزيرة، لاي تشينغ تي، الذي يتبنى خطابا انفصاليا غير معهود على الساسة التايوانيين.
وفي غضون ذلك؛ ستستمر محاولات كلا البلدين لزيادة التأثير والنفوذ على الدول الجزرية الصغيرة في المحيط الهادي، فكما اعترفت الولايات المتحدة رسميا في سبتمبرأيلول 2023 بجزر كوك ونييوي كدولتين مستقلتين تتمتعان بالسيادة، وأقامت معهما علاقات دبلوماسية في سياق مواجهة نفوذ الصين، استطاعت الصين من جانبها إبرام اتفاقية أمنية ذات بنود واسعة مع دولة جزر سليمان في أبريلنيسان 2022، ووقعت اتفاقية دفاعية مع جزر المالديف في مارسآذار 2024، وسوف تظل تسعى لتكرار هذا النموذج بغية كسر الطوق الذي تفرضه عليها الولايات المتحدة عبر الوجود العسكري في سلسلة من الجزر في بحر جنوب الصين.
وكذلك يُتوقع أن تستثمر الصين في مزيد من العلاقات في المجال الجيوسياسي التنافسي المتمثل في الدول الصغيرة والمتوسطة الواقعة بينها وبين الهند، وذلك على الرغم من توقيع بكين ونيودلهي في أكتوبرتشرين الأول اتفاقا ينهي خلافا تاريخيا على الحدود بينهما، في حين بدا خلال السنوات الأخيرة أن الولايات المتحدة باتت تراهن على الهند كأداة لاحتواء وعرقلة صعود الصين.
وسيتجلى ذلك بصورة أساسية في مزيد من دعم الصين للسلطة الجديدة في بنغلاديش، التي تتهم الهند بدعم رئيسة الحكومة المخلوعة حسينة واجد، كما ستستمر الصين في دعم المجلس العسكري في ميانمار، فضلا عن احتمالية نشوب تطورات أخرى في المنطقة التي تتسم بقدر كبير من الهشاشة السياسية والأمنية.
وفي صورة أوسع؛ فإن التحولات الجارية منذ سنوات في هيكل توزيع القوى في العالم، لا تزال بعيدة عن إنتاج شكلها النهائي، ولا تزال مجموعة من التفاعلات والتغيرات في إطار حالة من الغموض وعدم اليقين وستكون هي السمة الغالبة على السنوات القادمة. | https://www.aljazeera.net/politics/2025/1/1/%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%8a%d9%86-%d9%88%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1%d9%83%d8%a7-%d9%81%d9%8a-2025-%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d9%88%d8%b4%d9%8a%d9%83%d8%a9-%d8%a3%d9%85 | 2025-01-01T10:13:21 | 2025-01-03T10:28:50 | أبعاد |
|
103 | أسلحتنا مجربة في الميدان.. هكذا تستغل إسرائيل المجازر لزيادة مبيعاتها من الأسلحة | وهكذا تستفيد إسرائيل من احتلال الشعب الفلسطيني، وتعامله بوصفه ساحة اختبار لمعدات وتقنيات وأسلحة جديدة، تخدم جيوشا وأنظمة استبدادية. | نحن الآن في منتصف عام 2014، في مدينة رفح، يقود الشاب أحمد سعيد النجار سيارته الأُجرة محاولا مساعدة العائلات الفلسطينية على الوصول إلى مناطق آمنة في جنوب غزة. كان يركب معه في السيارة 6 أشخاص، منهم صديقه المقرب ساهر، حين اخترق سقف السيارة صاروخ أطلقته طائرة بدون طيار، متسببا في استشهاد الركّاب الستة. وحده أحمد نجا من الحطام حيًّا، لكنه أُصيب بحروق شديدة، وجروح متعددة، وفقد إحدى عينيه، وبتر الانفجار ساقه اليمنى 1.
تبين لاحقا أن الصاروخ الذي استهدف السيارة من طراز سبايك، وهو صاروخ إسرائيلي الصنع من إنتاج شركة رافائيل للأنظمة القتالية يمكن تعديله ليحمل قنبلة من نوع دايم DIME، وهو اختصار لاسمها Dense Inert Metal Explosive، وتعني متفجرات المعدن الخامل الكثيفة، وتؤدي إلى قتل ضحاياها عبر بتر أطرافهم بما يشبه عمل المنشار الآلي 2.
بحلول عام 2014، كان الطلب مرتفعا على الطائرات المسيّرة التي تحمل صاروخ سبايك من عدّة دول مختلفة حول العالم وتُدعى طائرة إيتان، أو هيرون-تي بي، وهي المسيّرة الجوية الأكبر حجما لدى إسرائيل، وبإمكانها الطيران لمدة تصل إلى 40 ساعة متواصلة وتحمل أربعة صواريخ سبايك، وقد دخلت الخدمة عام 2007، وتصنعها شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية IAI المملوكة لدولة الاحتلال. استخدمها جيش الاحتلال في حرب غزة في ديسمبركانون الأول عام 2008 لأول مرة في هجمات ضد المدنيين، وفقا لما ذكره تقرير من منظمة Drone Wars UK، وهي منظمة غير حكومية في المملكة المتحدة تُجري أبحاثا حول استخدام الطائرات والمركبات المسلحة بدون طيار 3.
وفقا للتقرير، شهدت الشركة بعد الحرب زيادة في الطلب على نماذج مختلفة من طائرات هيرون المسيّرة من دول مختلفة حول العالم، وأشار أيضا إلى أن إسرائيل صدَّرت تكنولوجيا الطائرات المسيّرة إلى نحو 50 دولة من أصل 76 دولة يُعتقد أنها كانت تملك هذا النوع من التكنولوجيا حينها.
بالمثل، وفي الحرب الدائرة حاليا على قطاع غزة، يستخدم جيش الاحتلال أسلحة جديدة للمرة الأولى ضد المدنيين العُزل، مثل قذيفة الهاون الجديدة عالية الدقة اللدغة الحديدية Iron Sting، من تصنيع وإنتاج شركة أنظمة إلبيط Elbit Systems الإسرائيلية 4. وهو أمر ليس بجديد، ففي في كل حرب إسرائيلية ضد القطاع، تُستخدم مجموعة من الأسلحة، وتقنيات المراقبة، ضد الفلسطينيين، ثم تُسوِّقها دولة الاحتلال وتبيعها لعدد من دول العالم. الفكرة الرئيسية هنا في إستراتيجية التسويق التي تعتمدها إسرائيل في كل مرة وتزعم فيها أن أسلحتها مُجربة في ميدان المعركة، ما يجعل فلسطين، وغزة على وجه الخصوص، أشبه بـمختبر مفتوح للأسلحة الإسرائيلية.
هذا ما يؤكده أنتوني لوينشتاين، الصحفي الاستقصائي الأسترالي الألماني، في كتابه المختبر الفلسطيني 5، حيث يذكر أن دولة الاحتلال طورت صناعة الأسلحة لديها على مدار السنوات الماضية عبر اختبارها على مواطني فلسطين المحتلة، ثم سوَّقت لهذه الأسلحة على أنها مُجربة في ميدان المعركة. تلك الإستراتيجية أدت إلى انتشار العلامة التجارية لجيش الاحتلال الإسرائيلي بنجاح عالميا، وجعلت شركات الأمن والسلاح الإسرائيلية من بين أكثر الشركات تحقيقا للمكاسب في هذا المجال، لأن فكرة المختبر الفلسطيني تُعَدُّ نقطة بيع إسرائيلية مميزة مقارنة بأي شركة سلاح أخرى أمام العملاء.
يحكي أندرو فاينستاين، وهو سياسي جنوب أفريقي وأحد خبراء صناعة السلاح، أنه في عام 2009 حضر معرض باريس الجوي Paris Air Show، أكبر معرض لصناعة الطيران في العالم، حينها شاهد عرضا لشركة أنظمة إلبيط الإسرائيلية، وهي واحدة من أكبر شركات السلاح هناك، تروج فيه منتجاتها لجمهور النخبة من العملاء المحتملين، وكان مقطع الفيديو يعرض طائرات مسيّرة هجومية، من تلك التي تُستخدم في حروب إسرائيل ضد غزة وفي الضفة الغربية المحتلة. صور جيش الاحتلال هذا المقطع قبلها بشهور في الحرب، وأظهر كيف استطلعت الطائرة بعض المواطنين الفلسطينيين، ثم ألقت قذيفة واغتالت الهدف.
بعدها بأشهر قليلة، أجرى فاينستاين تحقيقا وراء هذا المقطع، واكتشف أن عملية القصف أدت إلى استشهاد عدد من المدنيين الأبرياء، من ضمنهم مجموعة من الأطفال. بالطبع لم تعرض الشركة تلك الحقيقة الواضحة في مقطعها الدعائي، لكن فاينستاين تفاجأ حينها من الأسلوب التسويقي لصناعة الأسلحة الإسرائيلية، وذكر أن أي دولة أخرى، تُنتج الأسلحة، لن تجرؤ على عرض لقطات فعلية وحقيقية مثل تلك اللقطة 5.
يؤكد فاينستاين أنه لا يتخيل أن شركات الأسلحة الأشهر عالميا، مثل لوكهيد مارتن Lockheed Martin أو بي أيه إي سيستمز BAE Systems، يمكنها أن تعرض للعملاء لقطات حية لقصف المدنيين من نساء وأطفال في الأماكن التي تبيع فيها أسلحتها حول العالم. لكن إسرائيل، وشركاتها الخاصة، يمكنها التعامل بهذه الطريقة وبأريحية كبيرة، نظرا لعدم اهتمامها أصلا بأي قوانين دولية أو حتى الخوف من أي عقوبات أو ضغط دولي، لأنها ببساطة ترى نفسها فوق كل هذه الأمور.
في الواقع، يقوم جزء أساسي من اقتصاد الاحتلال في الوقت الراهن على تصدير الأسلحة وتقنيات التجسس الإلكتروني التي اكتسبت شهرة واسعة عالميا خلال السنوات القليلة الماضية. فمثلا وصلت قيمة صادرات دولة الاحتلال من الأسلحة إلى 12.5 مليار دولار خلال عام 2022، وهذا الرقم يُمثِّل زيادة بنسبة 50 عن السنوات الثلاث السابقة، وبنسبة 100 مقارنة بالعقد السابق 6. من بين هذه الصادرات كانت 25 منها مخصصة للطائرات بدون طيار، سواء الهجومية أو التي تجمع المعلومات الاستخباراتية، وبنسبة 19 للقذائف والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي. ربما السبب في هذه الزيادة هو حرب روسيا وأوكرانيا، خاصة أن صادرات الأسلحة الإسرائيلية للدول الأوروبية تُشكِّل 29 من إجمالي صادراتها.
لكن حتى في عام 2021، كانت صادرات الأسلحة الإسرائيلية في أعلى مستوياتها، إذ وصلت إلى 11.3 مليار دولار 7، بزيادة قدرها 55 مقارنة بالعامين السابقين، وكانت الدول الأوروبية حينها هي أكبر مشترٍ لتلك الأسلحة، تليها دول آسيا والمحيط الهادئ. شملت قائمة الصادرات أيضا الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي والتقنيات السيبرانية وغيرها، والنتيجة أن إسرائيل أصبحت الآن من أكبر عشرة تجار الأسلحة في العالم.
يذكر لوينشتاين أن حكومة الاحتلال، وشركات الأسلحة الخاصة التابعة لها، تستغل خبراتها في احتلال الشعب الفلسطيني في تحقيق تلك المكاسب المادية الهائلة. مثلا، باعت الحكومة تقنياتها للولايات المتحدة بوصفها حلًّا لمواجهة المواطنين غير المرغوب فيهم على الحدود الأميركية المكسيكية، إذ كانت منتجات شركة أنظمة إلبيط الإسرائيلية لاعبا رئيسيا في صد المهاجرين ومنعهم على الحدود. كما أرادت الحكومات الأوروبية أيضا مراقبة اللاجئين، لذا لجأت لاستخدام الطائرات المسيّرة للاستطلاع التي تبيعها شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية لهذه المهمة.
على صعيد التجسس السيبراني، وخلال السنوات الأخيرة، انفجر سوق المرتزقة السيبرانيين، وهو مصطلح يشير إلى مجموعة متنوعة من الشركات التي تعمل بمجال الأمن الإلكتروني وتطور وتبيع أجهزة ومعدات وخدمات إلكترونية لأغراض اختراق أجهزة الضحايا. تشير بعض التقديرات إلى وصول قيمة هذا السوق إلى أكثر من 12 مليار دولار عالميا. هذا النمو كان مدفوعا، في جزء كبير منه، بسبب الحكومات التي تسعى إلى الوصول بسهولة لهذا النوع من الأدوات، والأهداف المعلنة هي محاربة الإرهاب والعصابات الإجرامية الكبيرة، أما الأهداف غير المعلنة فهي مراقبة النشاط الإلكتروني عموما. مثلا أشارت مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي إلى 74 حكومة على الأقل تعاقدت مع هذه الشركات، بين أعوام 2011-2023، لتحصل على برمجيات التجسس وتقنيات التحقيقات الرقمية.
دولة الاحتلال الإسرائيلي هي أكبر مصدر لهذا النوع من الشركات والبرمجيات الخاصة بالتجسس، إذ اشترت 56 حكومة، من أصل 74 حكومة، تلك البرمجيات والتقنيات الرقمية من شركات مقرها إسرائيل أو على صلة بها، مثل الشركة الإسرائيلية الشهيرة إن إس أو غروب NSO Group، التي طورت برمجية التجسس بيغاسوس Pegasus، تلك البرمجية التي تستخدمها مخابرات وأجهزة أمنية لأكبر دول العالم المتقدم ومنها المخابرات الأميركية 8.
لكن الوظيفة الأهم لصادرات الأسلحة تتجاوز كل تلك الإيرادات التي تجلبها لإسرائيل. على مدى العقود الماضية، أفادت التقارير أن إسرائيل باعت أسلحة إلى نحو 130 دولة حول العالم 9، لكن عند البحث الدقيق، من المستحيل العثور على قائمة كاملة بهذه البلدان، إذ لا تنشر إسرائيل أي معلومات رسمية حول صادراتها من الأسلحة، وربما هناك أسباب وجيهة وراء رغبة دولة الاحتلال في إخفاء تلك المبيعات، لأن كثيرا من عملائها ضمن أكبر الديكتاتوريات الاستبدادية في العالم.
يُفضِّل عملاء إسرائيل عدم الإعلان عن أي تفاصيل، وبالتالي ستجد في أغلب الحالات أن عناوين الأخبار تتحدث عن بيع إسرائيل لنظام صاروخي، أو برنامج تجسس جديد، لإحدى دول منطقة آسيا والمحيط الهادئ أو دولة في أوروبا، بهدف الحفاظ على سرية العميل.
يرى لوينشتاين أن هذه السرية التي تحيط بالصفقات العسكرية لدولة الاحتلال تهدف بالأساس إلى عزل نفسها عن أي رد فعل شعبي أو سياسي على احتلالها المستمر للأراضي الفلسطينية. ومَن يفكر في مخالفة سياستها، أو انتقادها علنا، فستقرر دولة الاحتلال معاقبته بحرمانه من تلك الإمدادات العسكرية، كما حدث مؤخرا مع رئيس كولومبيا غوستافو بِترو الذي رفض إدانة هجمات المقاومة الفلسطينية على جيش الاحتلال في عملية طوفان الأقصى، بل وقارن انتهاكات إسرائيل ضد الفلسطينيين بالجرائم التي ارتكبها هتلر والنازيون ضد اليهود على حد تعبيره. وردا على ذلك، أوقفت الحكومة الإسرائيلية كل صادراتها من المعدات الدفاعية والأمنية والخدمات المرتبطة بها إلى كولومبيا 10.
هؤلاء الحلفاء، سواء كانوا حلفاء حقيقيين أو حلفاء مصلحة، منحوا إسرائيل الحماية التي ترغب بها من العقوبات الدولية، أو المثول أمام محكمة العدل الدولية لمحاسبتها على جرائم الحرب التي ترتكبها يوميا في غزة وباقي الأراضي الفلسطينية. وللأسف تلك الإستراتيجية ناجحة حتى الآن، لأن الولايات المتحدة وحلفاءها في الغرب هم مَن يتحكمون فعليا في مسار منظومة العدالة الدولية العرجاء.
في النهاية، يوضح كل هذا أن إسرائيل تستفيد من احتلال الشعب الفلسطيني، وتعامله بوصفه ساحة اختبار لمعدات وتقنيات وأسلحة جديدة، تخدم جيوشا وأنظمة استبدادية، أو حتى أنظمة ديمقراطية تدّعي احترامها لحقوق الإنسان. ولكن للمفارقة، حين جاءت لحظة الاختبار الحقيقية لتلك الأسلحة والتقنيات في أرض المعركة فعلا أمام قوات المقاومة الفلسطينية ضعيفة التسليح بعد عملية طوفان الأقصى، شاهد العالم أجمع كيف فشلت تلك الأسلحة والتقنيات في تنفيذ هذا الوعد الدعائي الذي زعمته أمة التكنولوجيا والشركات الناشئة.
___________________________________________
المصادر | https://www.aljazeera.net/politics/2023/12/13/%d8%a3%d8%b3%d9%84%d8%ad%d8%aa%d9%86%d8%a7-%d9%85%d8%ac%d8%b1%d8%a8%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8a%d8%af%d8%a7%d9%86-%d9%87%d9%83%d8%b0%d8%a7-%d8%aa%d8%b3%d8%aa%d8%ba%d9%84 | 2023-12-13T18:08:44 | 2024-07-08T07:29:46 | أبعاد |
|
104 | هذا المقال لن يغير قناعاتك.. والسبب يشرحه علماء النفس | هل البَشر “كائنات عاقلة” حقّا؟ ولو كُنّا كذلك، فلماذا نعتاد على ممارساتٍ وسلوكياتٍ قاتلة وخطيرة ومؤذية؟ ولماذا نُؤمن ونتعلّق بما ثبتَ خطؤه بالفعل؟ وهل الحقائق وحدَها ما يُملي على النّاس سلوكياتهم؟ | مقدمة
أحيانا نُحبّ ما يُؤذينا، ونكره ما يَنفَعنا، ولعلّنا نُدمنُ ما يَضرُّنا ونشمئز ممّا يَشفينا. أحيانا نَرى الصواب لكنّنا نتجنّبه، ونرى الخطأ لكنّنا نُقدِم عليه، ذلك أن لنا أسبابنا الأخرى، الأكثر عُمقا، والتي قد تحرمنا القدرة على التراجع عن الخطأ، واتّخاذ القرارات الأكثر صوابا.
هل البَشر كائنات عاقلة حقّا؟ ولو كُنّا كذلك، فلماذا نعتاد على ممارساتٍ وسلوكياتٍ قاتلة وخطيرة ومؤذية؟ ولماذا نُؤمن ونتعلّق بما ثبتَ خطؤه بالفعل؟ ولماذا لا يُغيّر النّاس أفكارهم بالرغم من وجود الدلائل العقلية الواضحة أمامهم؟ ولماذا لا تُجدي الكثير من النقاشات والحوارات العقلية في تغيير قناعات الأهل أو الجيران أو الأصدقاء من حَولنا؟
هل الحقائق وحدَها ما يُملي على النّاس سلوكياتهم؟
بحسب منظّمة الصحّة العالَمية1، يقتل تدخين السجائر 8 ملايين شخص سنويا حول العالَم، بالرغم من أنّ عُلَب التدخين مُرفَقة بها مُلصَقات تحذيرية توضّح خطورة التدخين وما يتسبّب به من أمراض وسرطانات ووفيات وعواقب صحّية، جُزئية وكُلّية. وبالرغم من الخلاصات العِلمية الواضحة التي تُشير إلى خطورة التدخين، فإنّ النّاس يُدخّنون السجائر وبكثرة، بالرغم من إدراكهم التامّ وعدم جهلهم بمخاطر التدخين وعواقبه الوَخيمة ذات الأثر المُباشِر على المُستوى الصحّي.2
في الواقع، فإن أحد أكثر الأسئلة الملحّة في حقل العلوم الإنسانية، هو سؤال هل الإنسان كائن عَقلاني؟ أي هَل يتّخذ الإنسان قراراته ويتبنّى مُعتقداته بناء على ما يظهر أمامه من أدلّة؟ وهل تزويد البشر بالقدر الكافي من المعلومات العِلمية والصحيحة يكفي للتأثير على معتقداتهم وسلوكياتهم؟
يُمكِن اختبار هذه الفكرة بشكلٍ بسيط ومباشر، فمثلا لو صحّت الفكرة القائلة بأنّ الإنسان كائن عَقلانيّ على إطلاقها، فهذا يعني أنّ تزويد أيّ مُدخِّن بدراسات علمية مُحكَمة تخبره بأنّ التدخين ضارّ بالصحة سيكون كَفيلا بجعل هذا المُدخِّن يترك التدخين. لكن ما يحدث هو أنّ النّاس لا يتركون التدخين لمُجرّد عِلمهم بهذه الحقائق، فبعضهم قد يُقرّ بالحقيقة ويخبركَ أنّه بالرغم من علمه بذلك فهو لَن يخطو خطوات حقيقية باتجاه ترك عادة التدخين، وبعضهم ربّما يشكّك بتلك المعلومات، والبعض الآخر قد يجعل من أضرار التدخين مسألة احتمالات لا تَعفي من المَوت الحَتمي الذي سيأتي على أيّ حال.
من هنا حَصَل إشكالٌ مَبدَئي بين تصوّرين حول الإنسان وسلوكياته، أحدها قادم من علم الاقتصاد، والآخر قادم من علم النفس.3 ويمكن أن نلخص هذا الاختلاف في التصوّرات عبر توضيح التنازع بين مَفهومَي الإنسان الاقتصادي العَقلانيّ Homo-Economicus، والإنسان النَفساني العاطفيّ Homo-Psychologicus، وهو اختلاف مَبدئي تجاه الكيفية التي سنُعرِّف بها سلوك الإنسان وآلية اتّخاذه قراراته.4
كان التصوّر الكلاسيكيّ قائم على فكرة الإنسان الاقتصاديّ، والذي يعني أنّ الإنسان يقوم بحِسبَة عقلانية للخيارات المُتاحة أمامه، وفق المعلومات المُتوفِّرة لديه، ومن ثَمّ تقييم المَنافع والأضرار، وبناء على هذه الحِسبة يتخذ قراره. أمّا التصوّر الحديث المُسمّى بالإنسان النَفساني، فيعني أنّ الإنسان لا يتّخذ قراراته من خلال حِسبة عَقلانية للمُعطيات المُتوفّرة أمامه فحسب، وإنّما يتداخل في هذه الحِسبة بعض الانحيازات النفسية والرغبات العميقة التي تتحكّم بالنتائج، فنحن قد نتوصّل بحسبة عقلانية إلى ضرر سلوك التدخين، لكنّ رغبتنا وتعلّقنا بهذه العادة السلوكية، وحبّنا لما تمنحه لنا من صفاءٍ ذهنيّ وإزاحةٍ مؤقتةٍ للقلق، تجعلنا نقرّر في نهاية المطاف أنّنا سنستمرّ بالتدخين على أيّ حال.5
كلّ إنسان حاولَ التخلّص من الوزن الزائد يعرف جيدا أن اتّباع حمية غذائية لتخفيف الوَزن مسألة أشبه بالحرب الشاملة على النفس ورغباتها. وهكذا تكون الحقائق العلمية عن خطورة الوَزن الزائد وأضراره واضحة أمامَكَ وضوح الشمس، بل أنتَ تُعاني منها دقيقة تلوَ الأخرى، وبإمكانِكَ إدراكُ هذا، بينما تُملي عليكَ رغباتُكَ وعواطفكَ أن تخرق الحِمية وأن تتناول مزيدا من الحلويات والوجبات السريعة.
لماذا نُمجِّد العقل ونقلّل من قدر المشاعر؟
لعلّك سمعتَ النّاس ينتقدون فُلانا بقولهم هذا شخصٌ عاطفيّ، ويريدون بهذا أنّه يُفكِّر تفكيرا عاطفيا، تُسيطر فيه مشاعره على عقله، أو لأنّ عواطفه تَغْلب عليه في حياته اليومية. ولعلّ هذا الانتقاد فيه شيء من الصواب، حين يتعلّق الموضوع باتّخاذ قرارات مهمة، يجعل من الاندفاعية والانفعال والغضب أدوات تدمير تزيد من احتمالات الخطأ وتعقيد المسائل اليومية أو تفاقم المشكلات البسيطة.
فالعاطفيّ أو الشعوريّ قد يحمل في أذهاننا مَعاني رومانسية حين نريد مَدحَ أحدهم، أمّا حين نودّ انتقاده والتقليل من شأن أحكامه، فنحنُ نستخدم العاطفيّ أو الشعوريّ في سياق الانتقاد للأحكام الخاطئة غير المبررة. لكن ما الذي يجعل العواطف نقيضا للعقلانية؟ وما مدى صحّة هذا المُعتقد الضمني السائد الذي يجعل من العاطفة كما لو أنّها محلول كيميائيّ يُفسِد العقل، أو كما لو أنّ العاطفة عيب يخرق عملية التفكير ويُفقد أحكام العقل ونتائج التفكير شرعيتها؟
من المعلوم أنّ البشرية تنبّهت من مرحلة مُبكّرة إلى خطورة المشاعر والعواطف وأثرها على عملية التفكير واتّخاذ القرارات، ولكنّ هذه الفكرة أخذت مَجدها وبلغت ذروتها ومركزيتها خلال عصر التنوير، العصر الذي أعلى من شأن العقل حدّ تأليهه، وجعله مُتساميا على كلّ انفعال أو شعور أو عاطفة أو انحياز. وكان الفيلسوف الفرنسيّ إدغار مورغان قد وجّه نقدا حادّا إلى العقلانية الأوروبية في كتابه ثقافة أوروبا وبربريتها، وخاصّة حينما تتحوّل العقلنة إلى إلهٍ يُعبَد ويُؤدّى لذاته.6
لآلاف السنين ظلّت الفلسفة الغربية تتحرّك ضمنَ إطارٍ نظريّ يُقدِّس العقل، ويُقلِّل من شأن العاطفة والشعور بوصفها عيوبا إدراكية تخرق من قيمة التفكير الإنسانيّ وصوابيته.7 صيغت ثلاث نماذج فلسفية لتحليل العقل البشريّ والطريقة المُثلى للتفكير والوصول لنتائج صحيحة. كان النموذج الأوّل وهو الأكثر شهرة وشيوعا النموذج الأفلاطونيّ الذي يعتقد أنّ العَقل يجب أن يكون الحاكم لعملية التفكير، وأنّ يكونَ سيدا وفوق كلّ الاعتبارات الأخرى من شعور أو رغبة، حتى ولو كان الفلاسفة وعدد قليل جدّا من البشر بإمكانهم تحييد مشاعرهم والالتزام بتحكيم العقل بشكلٍ مُطلَق، فإنّ هذا هو النموذج الأمثل بحسب أفلاطون، وهو ما انتهجته الفلسفة الغربية إلى اليوم ولو بشكلٍ ضمنيّ.8
أمّا النموذج الثاني، فقد صاغه الفيلسوف الإسكتلنديّ، ديفيد هيوم، الذي رأى أنّ العَقل في حقيقة الأمر ليسَ إلّا عبدا تابعا للشعور ورغباتنا النفسية، فنحن نستخدم العقل لتبرير ما نرغب به أساسا، ومن ثم فعملية التفكير ليسَت إلّا عملية لاحقة لنتيجة قد حدّدتها رغباتنا مُسبَقا. والنموذج الثالث صاغه الفيلسوف الأميركيّ توماس جيفرسون، الذي رأى بأنّ العَقل والمشاعر نظامَان مُختَلفان، يُقرّر كلّ منهما بشكلٍ مُستقلٍ عن الآخر9، ولا يتسيّد أحدهما الآخر، فأيّ النماذج كانت على صواب؟
لعلّنا نقترب من الإجابة عن هذا السؤال عبر مُراجعة التطوّرات الأخيرة التي حدثت في حقول علم الدماغ والأعصاب وعلم النفس المعرفيّ، والفضل في ذلك يعود للتطوّر التقنيّ الهائل الذي مكّن البشرية من رصد المراكز الدماغية المسؤولة عن التفكير والمشاعر واتّخاذ القرار بشكلٍ دقيق. ونتيجة لهذا التطوّر فقد بدأ العُلماء منذ مُدّةٍ قريبة بتغيير التصوّرات القديمة عن العقل والمشاعر وعمليات التفكير واتّخاذ القرار، إذ يبدو أنّ فكرة الفصل بين القرار العقلاني والعاطفيّ فكرة حالمة ونظرية بعض الشيء.
في هذا السياق، قام أنطونيو داماسيو، الطبيب وعالِم الأعصاب البرتغالي، بإجراء سلسلةٍ من الدراسات على المَرضَى الذين تضرّر لديهم الجزء المُسمّى بقشرة الفصّ الجَبهي البَطني vmPFC من القشرة الدماغية، وهو الجزء المَسؤول عن السيطرة على الانفعالات والعواطف واستدخال المشاعر ضمن عمليات الإدراك والتفكير واتّخاذ القرارات.10
على سبيل المثال، وعند رؤية هؤلاء المرضى لصور مُبهِجة أو مُقزّزة أو مؤلمة، فإنّهم لَم يكونوا يشعرون بأيّ شيء، بالرغم من أنّهم على معرفة تامّة بمحتوى الصورة وما تستدعيه من صواب أو خطأ، لكنّهم لا يشعرون بشيءٍ حيالها. الجدير بالذكر هنا أنّ هؤلاء المَرضى لم يُظهروا أيّ مشكلات على مستوى اختبارات الذكاء IQ، وكانت قدراتهم العقلية سليمة تماما، كما أنّهم سجّلوا نتائج جيّدة على اختبار كولبرغ للاستنتاجات الأخلاقية، لكنّهم لَم يكونوا يشعرون بشيء حيال المواقف التي كانوا يفكّرون بها.
كانت تجارب داماسيو لافتة، إذ إنّ المَرضى الذين أشرفَ على حالاتهم كانت مشاعرهم قد انخفضت إلى الصفر تقريبا، وفَقدوا القدرة على استحضار العواطف والانفعالات خلال عمليات تفكيرهم واتخاذهم القرارات، وهو ما دعا العلماء للافتراض بأنّ قرارات هؤلاء المَرضى ستصير أكثر عقلانية وأكثر دقّة وصوابا، لأنّهم تحرّروا من سَطوة العواطف والانفعالات الشعورية.
لكنّ ما حدَث نتيجة لهذا العطَب الدماغيّ كان مناقضا تماما لافتراضات العلماء، إذ إنّ جزءا من هؤلاء المَرضى صاروا أكثرَ تهوّرا، بالرغم من قرارهم العقلانيّ الخاضع لحِسبة دقيقة للخسارة والربح والمَنفَعة والضرر، ولكنّهم بالوقت نفسه صاروا أقلّ مبالاة لأنّهم لَم يستحضروا مخاوف شعورية عديدة، أيّ أنّهم صاروا لامُبالينَ أكثرَ من قبل، وهو ما جعل سلوكياتهم أكثرَ تهوّرا وخطرا بالرغم من صحّتها التجريدية عقلانيا.
ولكي تتخيّل تَبِعات هذا العطب في الدماغ، دعونا نوضّح المثال التالي لنتخيّل ما يجري عند قيامِ الإنسان بحِسبة عقلانية للمنافع والأضرار المُترتّبة على ارتكاب جريمة قتل بحقّ والدَيه، في حال رَجحَت كفّة المَنافع والمكاسب لقتلهم، فإنّ ما يمنعه من الإقدام على قتلهم بالأصل هو الشعور التلقائي برُعب الفكرة وغرابتها الشديدة والخَوف من عواقب الجريمة، حتى وإن كانت حسابيا وعقلانيا ذات احتمالات ضئيلة للغاية، لكنّ هذا الرعب والخوف سيتلاشى لو تعرّض هذا الجزء الدماغيّ للعطب، وهو ما سيزيد من سرعة وفُرَص استجابة الفَرد للإقدام على قتل والدَيه في حال تأكّد عقلانيا من منافع ومكاسب هذه الجريمة، لأنّ شعوره بالخوف أو الندم أو الامتنان لَن يكونَ حاضرا ليمنعه من القيام بذلك.
من جهةٍ أخرى، كانت عواقب تعطّل الجزء الدماغي المسؤول عن العواطف والمشاعر من نوعٍ آخر، إذ لَم يستطع جزء آخر من المَرضى اتّخاذَ أيّ قرار، بل ظلّوا عالقين في حلقة مُفرَغة من التفكير العَقلاني والحيرة، لأنّ المَرضى فقدوا القدرة على استحضار الحوافز الشعورية والمُنطلقات الانفعالية التي تُعينهم على خلق قفزة شعورية أمام حيرة العقل تدفعهم لحسم القرار. فالخوف أو الرغبة مثلا من المشاعر التي تُعين المَرء على الخروج من الحيرة أمام خيارات عقلانية متساوية، فالإنسان يُفضِّل خيارا ما بناء على رغبته أو شغفه، أو يبتعد عن خيارٍ ما، بناء على خوفه أو كراهته لهذا القرار. وحين يظلّ النّاس عالقين دون أن يتّخذوا أيّ قرار، فإنّ هذا من شأنه أن يُعرِّضَهم للخطر وإضاعة الفُرَص، خاصّة في مواقف ضرورية يلزَم فيها اتّخاذ القرار.
كانت خلاصة داماسيو البحثية أنّ العواطف والمشاعر -في حدّها الطبيعيّ- عناصر أساسية لاستكمال العقلانية، وليسَت عَيبا ولا مَنقصة لعملية التفكير. ويُشبّه عالِم النفس المَعرفيّ ستيفن بينكر العَقل من الداخل كما لو أنّه بَرلمان تتصارَع فيه الأفكار العَقلانية مع المشاعر والعواطف، ويحاول كلّ طَرَف منها الهيمَنة على العقل وقراراته وتفكيره على الدوام. وعليه لَم يَعُد التيّار العِلميّ المُعاصر ينظر للعواطف كما لو أنّها نقيض للعقل، بل هي عنصر أساسيّ لاستكمال القرار الأكثر عقلانية والأكثر سلامة ودقّة، بشرط عدم وجود اختلال يجعل من الحضور الانفعالي زائدا عن حدّه المَعقول والطبيعيّ أو أقلّ منه.
حسنا، كيف نتصرّف حينما تكذِّب الحقائق ما نريد وما نعتقد؟
شكّلت نظرية التنافر المَعرفي في علم النفس نقلة نوعية في فهم السلوك البشريّ. وقد اشتُهِرَ ليون فستنغر، عالم النفس الاجتماعيّ، بهذه النظرية التي رصد بها الانزعاج الذي يحدث للفرد حين تتناقض مُعتقداته مَع سلوكه، وكذلك حين تتعارض توقّعات المَرء مع واقعه الفعليّ.10
كانت ملاحظة فستنغر هي أنّ النّاس ينزحون لتقليل التناقض، فحين نؤمن بشيءٍ ما ونتصرّف بشكلٍ مُعاكس، يُثير في النّاس شعورا من الإرباك وعدم الراحة، ولهذا يلجأ النّاس لتخفيف هذا الشعور إمّا بتغيير مُعتقداتهم لتتماشى مع السلوك المُخالف، وإمّا بالتراجع عن أداء السلوك المُخالف لمُعتقداتها. لكنّ الأكثر حدوثا هو أن نُبرّر لأنفسنا أو لغيرنا بأنّ السلوك الذي قُمنا به لا يتناقض مع مبادئنا عن طريق إيجاد تبرير أو عوامل خارجية مثل كنتُ غاضبا، لَم أتناول أيّ وَجبةٍ منذ الصباح، كنتُ على عجلةٍ من أمري، الجميع يفعل ذلك....
أراد فستنغر أن يدرس أكثر التناقضات المُمكنة وضوحا بين واقع المَرء ومُعتقداته، فقام هو وفريقه البحثيّ بالانضمام لجَمَاعة دينية تحمل مجموعة من المُعتقدات، أهمّها أنّ العالَم سيتحطّم بأكمله عبر طوفان سيعمّ الأرض في 21 ديسمبر عام 1954. كانت دوروثي مارتن هي زعيمة هذه الجماعة، وكانت قد ادّعت أنّها تلقّت نبوءَة من كائنات عُليا خارج الأرض تخبرها أنّ العالَم سينتهي، وأنّه سينجو من هذا الطوفان فقط مَن يؤمن بعقيدة الجماعة التي تَدين بها دوروثي مارتن وأتباعها.10
لَم يكن لدى فستنغر وفريقه البَحثيّ أيّ فكرة إذا ما كانت مُعتقدات هذه الجماعة صحيحة أم لا، لكنّهم كانوا يأملون أن تكونَ خاطئة لكيّ يَرصدوا ردود الفعل البشرية لهذا التناقض الصارخ حين تفشل النبوءة. وفي ليلة 21 ديسمبر، ترقّب الأتباع الّليلة المُنتظرة في منزل دوروثي مارتن ظنّا منهم أنّ الكائنات العُليا سترسل طائرة فوق منزل دوروثي مارتن لإنقاذ المؤمنين ورفعهم إلى السماء الآمنة.
كانت هذه المعتقدات عميقة إلى درجة دفعت أتباعها للاستقالة من وظائفهم قبل أيامٍ من اليوم المُرتَقَب، وقد تحضّروا جيّدا لهذه الليلة، فتجهّزوا بملابس مجرّدة من أيّ معادن أو أجهزة، وكان ليون فستنغر وأتباعه شاهدين على هذه الليلة بأنفسهم بوصفهم أتباعا لهذه الجماعة، يترقّبون نهاية العالم من داخل منزل الزعيمة الدّينية. مرّت 24 ساعة ظلّ فيها الأتباعُ يترقّبون قدوم الطوفان والخلاص من الكائنات العليا عبر الطائرة أو السفينة الفضائية المُرسَلة لرفع المُؤمنين إلى السماء وإنقاذهم، ولكن دون أن يحدثَ أيّ شيء.
راقب فستنغر وفريقه البحثي ما يجري بعناية، فبعد انقضاء الليلة بأكملها، تساءل الأتباع عن سبب عدم حدوث أيّ شيء، فأجابتهم الزعيمة دوروثي مارتن لقد نشر الأتباع الطيّبون في هذه الغرفة الصغيرة نورَهم على الأرض بأكملها، فمنعوا حدوث الطوفان، لقد أنقذتم النّاس بإيمانكم. وبالفعل فإنّ العدد الأكبر من الأتباع صدّقوا كلامها، ولَم يتخلّوا عن معتقداتهم ولا إيمانهم، ولَم يُزعزعهم فشل النبوءة.
كانت خلاصة فستنغر هي أنّ النّاس لا يتخلّون عن معتقداتهم لمجرّد تعارضها مع الواقع أو الحقائق، بل قد يحدث أن يزداد اعتناق النّاس لمعتقداتهم عند فشلها أو مهاجمتها. فحين يفشل المُعتقَد أو النبوءة فإنّ المؤمنين بها سيغيّرون من تفسيرهم الأوّلي لصالح تفسير آخر منطقيّ يخدم النبوءة ذاتها.
وفقا لنظرية التنافر المَعرفيّ، فإنّ النّاس يقلّلون من مواجهة المصادر التي تذكّرهم بتناقضهم أو بفشل قناعاتهم، لذلك حين تخبرهم بأنّكَ لا تؤمن بما يؤمنون به، فهُم غالبا سيبتعدون عَنك. قدّم لهم الحقائق العِلمية، سيسألونكَ عن مصادرك، زوّدهم بالمصادر، سيشكّكون بمدى مصداقيتها، قدّم لهم تفسيراتٍ أكثر علمية ومنطقية، وسيقولون لكَ إنّكَ تتفلسف وإنّك لا تفهم ما تقول.
وفي دراسة مشابهة، فقد قامت إحدى الدراسات11 بعرض مجموعة من التقارير الصوتية المُسجّلة مُسبقا على المَبحوثين في موضوعاتٍ متعدّدة، وقد وُجِدَ أنّ المُدخنّين يقومون بالانتباه بشكلٍ أكبر للتقارير التي تنفي وجود علاقة بين التدخين والضرر الصحّي، فيما قام غير المُتديّنين برفع صوت المذياع حينما يسمعون تقريرا ينتقد مُعتقدات المُتديّنين، بينما كان المُتديّنون لا يجدون أيّ مانع بوجودِ تشويش أو ضجيجٍ مُحيط خلال التقارير التي تنتقد الدّين، الأمر الذي يُعينهم على عدم الاستماع لما يخالف معتقداتهم.
يُقوّي الناسُ قناعاتهم عبر انحيازٍ نفسيّ يُعرَف بالاستدلال المَدفوع Motivated Reasoning، والذي يعني أنّ النّاس تبحث عن الأدلّة والحقائق والتقارير العِلمية التي تخدم قناعاتهم المُسبقة وتعززها، فيما يتجاهلون الأدلّة والحقائق والتقارير العلمية التي تخلُص لنتائج تعارض قناعاتهم المُسبَقة. ويساند هذا كلّه ما يُعرف بالانحياز التأكيديّ Confirmation Bias، وهو الانحياز الذي يجعلنا نتنبّه أكثر ونُصغي بعناية للأدلّة التي تؤكّد قناعاتنا المُسبَقة، ويشمل هذا عملية التذكّر بأثر رَجعي، فالانحياز التأكيدي يعمل بالذاكرة بوصفه أداة استحضار انتقائية لا تستدعي من ذاكرتك إلّا ما يُقوّي قناعتك الحالية.12
للأسباب السابقة ذاتها جميعا، فإنّ النّاس يُكرّرون أخطاءَهم نفسها -مرّة تلو الأخرى- حين يَحمون تصوّراتهم وقناعاتهم للمساءلة بين الحين والآخر، هذا لا يعني أن تكون قناعاتنا المُسبَقة خاطئة بالضرورة، ولكنّه يعني أن نكون شُجعانا بما فيه الكفاية لتقبّل فكرة أنّنا قد نكون على خطأ. لهذا يحتاج الإنسان لكيّ يتطوّر مَعرفيا ووجدانيا إلى التواضع المَعرفيّ، وإلى الشجاعة للاعتراف بالخطأ، وإلى ممارسة النقد الذاتي بين الحين والآخر.
______________________________________
المصادر
| https://www.aljazeera.net/sukoon/2021/8/23/%d8%b3%d8%a3%d8%ae%d8%a8%d8%b1%d9%83-%d8%a3%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%ac%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d8%aa%d8%b3%d8%a8%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%b1%d8%b7%d8%a7%d9%86-%d9%84%d9%83%d9%86%d9%83-%d9%84%d9%86 | 2021-08-23T08:30:27 | 2024-05-30T10:00:41 | أبعاد |
|
105 | هل أنت شخص نرجسي أم واثق بنفسك؟.. هذا التقرير العلمي يشرح لك | كثيرا ما نستخدم مصطلح “نرجسي/ة” في حياتنا اليومية لوصف الإنسان الذي يحب ذاته بشكل مفرط، أو يتّصف بغرور مبالغ به، لكن كيف يرى علم النفس النرجسية؟.. التفاصيل بهذا القرير. | منذ أكثر من 2000 عام، عرف البشر مصطلح النرجسية Narcissism بالإنجليزية ودلالاته من خلال قصة نرجس أو نرسيس، وعرفوا كذلك مآلات هذه الصفة من القصة ذاتها التي ذهب فيها نرجس ضحيةً لحبّ ذاته1. لكن، لماذا اكتسبت النرجسيّة هذا القدر من الاهتمام في الفترة الأخيرة؟ وكيف أحدثت كل هذه الضوضاء حتى صارت مفهومًا يُناقش على المستوى الاجتماعي والسياسي، لا العلمي فقط؟ وما النرجسية أصلا؟ وكيف يمكن تفريقها عن الثقة بالنفس أو ما يسميه البعض بـالنرجسية الصحية؟
في هذا التقرير، نتناول مفهوم النرجسية بدءًا من موقعها في علم وطب النفس، ونشرح المعايير التي يضعها الطب النفسي لتشخيص النرجسية المرضيّة والفرق بينها وبين ما يُدعى بـالنرجسية الصحية والثقة بالنفس، فضلًا عن تناول أسباب نشأتها وأنواعها المختلفة. بالإضافة إلى ذلك، يشرح التقرير الكيفيات التي تظهر فيها النرجسية في الحياة اليومية والمآلات الخطيرة لها على مستوى الشخص وتجاه المحيطين به.
كثيرا ما نستخدم مصطلح نرجسية في حياتنا اليومية لوصف الإنسان الذي يحب ذاته بشكل مفرط، أو يتّصف بغرور مبالغ به ويتصرف مع الآخرين بفوقية واضحة وكأنه لا يرى إلا نفسه. ومن الشائع أيضًا استخدام كلمات مشابهة لتؤدي ذات الغرض، مثل مغرور أو متكبّر.
في علم النفس، كما في أي علم آخر، يتم ضبط المفاهيم بتعريفات محدّدة لتجنّب حدوث لَبسٍ لدى تداولها، إلّا أنّ علم النفس والطب النفسي لم يتطوّرا بشكل كبير إلا بعد زمن طويل من نشوء مصطلح النرجسية، وتحديدًا إلى أن جاء القرن العشرين. منذ ذلك الوقت، أصبح التعامل مع هذه المفاهيم والصفات النفسية والاضطرابات أكثر موضوعيّةً من خلال توافق المتخصصين على معايير معينة لتشخيصها وتعريفها، وإيجاد لغة علمية مشتركة وواضحة.
يُعد من أهم مظاهر هذا التوافق وزيادة الموضوعية في التعامل مع المرضى والاضطرابات، وجودُ دليل مرجعي تُصَنَّف فيه الاضطرابات والتشخيصات النفسية والمعايير التي يجب أن يُشخّص الاضطراب اعتمادًا عليها، ألا وهو الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية المعروف باختصار DSM.
ليس هناك تعريف علميّ متّفق عليه بالمُطلق في علم النفس لمفهوم النرجسية، لكن عددًا من علماء النفس يُعرّفونها على أنها مجموعة من الأفكار والسلوكات والمشاعر التي تتّسم بشكل أساسي بالاعتداد بالنفس والتمركز حول الذات، وبتصوّر متضخم عن أهميتها مع شعور بالاستحقاق والحاجة لتقدير الآخرين وإعجابهم رغم فقدان القدرة على التعاطف معهم، بل والتقليل منهم2،3.
هذا النمط من التفكير والشعور والسلوك يشكّل طيفًا طويلًا، فوجوده وشكله وشدّته أمر نسبي، ويختلف من شخص إلى آخر. إلّا أن حضور النرجسية الأهم في الطب النفسي كان عندما أُضيف اضطراب الشخصية النرجسية بوصفه اضطرابا مستقلّا ضمن فصل اضطرابات الشخصية في النسخة الثالثة من الدليل التشخيصي والإحصائي DSM عام 19804. وهو أحد أكثر اضطرابات الشخصية شيوعًا، فهو يصيب 6 تقريبًا من البشر حول العالم، مع حضور نسبي أكبر في الذكور 7.7 من الإناث 4.85. وعادةً ما يُقصد هذا التشخيص بالتحديد حين يُذكر مفهوم النرجسية المَرَضية.
يعتمد التشخيص في الطب النفسي على وجود مجموعة من المعاييرالأعراض، وليس على وجود سلوك واحد أو فكرة نرجسية واحدة لدى الشخص، وتقع مسؤولية التفريق بين السلوك النرجسي الذي يمكن وصفه بـغير المرضيّ من جهة واضطراب الشخصية النرجسية من جهة أخرى على عاتق الطبيب النفسي Psychiatrist أو المتخصص في علم النفس العيادي Clinical Psychologist؛ لأنه أمر أكثر تعقيدًا وحساسية من مجرد وجود المعايير، ويحتاج إلى حكم شخص ذي خبرة علمية وعملية.
بحسب النسخة الأخيرة من الدليل التشخيصي للاضطرابات النفسية DSM-56، يتكوّن اضطراب الشخصية النرجسية من معايير تشخيصية عدّة، كما يظهر في الإنفوجراف أدناه
ربّما يشعر البعض حين يقرأ هذه المعايير أو الأوصاف للوهلة الأولى أنه مصاب بالاضطراب، أو أنه يعرف الكثيرين ممن هم كذلك، لكن الأمر ليس بهذه البساطة، فهذا ما يشعر به كثير من البشر حين قراءة معايير الاضطرابات النفسية. ومن هنا جاءت أهمية التشخيص السريري من قبل متخصص؛ لأن الاضطرابات النفسية تقع عموما على طرف أو جزء معين من طيف طويل وواسع من أنماط السلوك والتفكير الإنسانية التي تبدأ من الطبيعي وتمتدّ إلى غير الطبيعي، ومن النادر في الطب النفسي على عكس معظم فروع الطب الأخرى أن تكون الحالة المرضية شديدة الوضوح والانفصال عن طيف الأنماط الطبيعية من السلوك والتفكير. التشخيص الذاتي غير ممكن وليس علميًّا حتى من طبيب نفسي لنفسه؛ لأن هذه الأنماط مخادعة ونحن متحيّزون مع أو ضد ذواتنا غالبا.
من جهة أخرى، يمكن وصف بعض السلوكات بالنرجسية دون أن تتعدّى ذلك إلى اضطراب، مثل تصرّف شخص ما بأنانية مع أحد أصدقائه ثم تصحيح الخطأ والاعتذار، أو الموظّف الذي يحصل على ترقية ما في عمله فيبدأ بالتصرّف بطريقة نرجسية مع زملائه في الشركة ثم يعود إلى أسلوبه الاعتيادي بعد قليل من الوقت، أو الطالب الذي يحصل على نتيجة ممتازة في أحد الامتحانات فيشعر أنه أفضل بكثير من غيره من الطلاب ويتصرف بنوع من الاستعلاء تجاههم، لكن ذلك التفكير لا يتحول إلى أوهام بالعَظَمة أو فقدان الحس بالتعاطف مع غيره من الطلاب بشكل مطلق.
النرجسية التي لا تصل مرحلة الاضطراب تبدو سلوكات أو أفكارًا مؤقتة سرعان ما تختفي أو يتم تعديلها بشكل ما، لكن الشخصية النرجسية هي نمط عام وثابت ومتكرر وطاغي الحضور في حياة الشخص8.
انتشر في الآونة الأخيرة مصطلح مثير للاهتمام والجدل في الوقت نفسه، وهو النرجسية الصحية، أو بمعنى آخر النرجسية التي لا تُعدّ غير مَرَضيّة فقط، بل صحّية وإيجابية إذا امتلكها الشخص. وقد نوقشت فكرة الدور الصحي للنرجسية في تطور الذات منذ عقود طويلة، خصوصا لدى علماء مدرسة علم النفس التحليلي، ابتداء من فرويد وتلاميذه ومن بعدهم9.
مع ذلك، ما زال هذا المصطلح خلافيًّا بين العلماء، حيث يعتبر البعض النرجسية الصحية جزءا أساسيا من تطور الذات وتكوينها الصحي، بل إن بعضهم يصل إلى القول بأنها غير منفصلة عن احترام الذات10، بينما ما زال كثيرون يرون أنه يجب ألّا يتم إضفاء أي نوع من الإيجابية على مصطلح مذموم الدلالة مثل النرجسية11، 12.
ومن النقاط التي تُثار أيضًا حول هذه المسألة، هي المشكلات التي قد يسبّبها أن يجد الشخص نفسه يقف على الطرف الآخر من طيف النرجسية، بحيث إن النسب المتدنّية جدًّا منها النرجسية قد ترتبط بمشكلات عديدة، مثل فقدان الثقة بالنفس وقدراتها والقلق والاكتئاب وحتى التفكير بالانتحار. فكثيرٌ من مرضى الاكتئاب، مثلًا، يعانون من نقص بالثقة في أنفسهم وتقديرها، ولذلك فإن أحد الأهداف الرئيسية للتدخلات العلاجية هو جعلُهم أكثر قدرة على حبّ ذواتهم وتقديرها وعدم توجيه اللوم تجاهها بشدّة. كما أنّ بعضهم يرى النرجسية الصحية صفة ضرورية لحماية النفس ضد النرجسية المَرَضية نفسها لدى التعامل معها عند أشخاص آخرين13.
من جهةٍ أخرى، تكمن مشكلة كثير من المتخصصين المعارضين لهذا المفهوم في كون انتشاره أو تصديره للمجال العام سيسبّب فهما غير دقيق للنرجسية على الأغلب، وقد يتم استخدامه من قبل العديد من المدربين غير المتخصّصين علميا مثل من ينشطون في مجالات التنمية البشرية، ومدربي الحياة اللايف كوتشنج Life coaching، وما يُدعى بعلم الطاقة وقانون الجذب، وغيرهم.. للترويج لمفاهيم مغلوطة وغير سويّة وخطابات غير واقعية تصوّر الذات البشرية على أنّها خارقة، وقادرة على التميز والتخلّي عن الآخرين والمجتمع بسهولة دون كلفة نفسية واجتماعية، بل وتُحرّضهم على ذلك من باب أنه الأفضل لهم، وهذا خطاب مُغرٍ للناس، وسيجعل المفهوم يتجاوز بسهولة ما طرحه المتخصصون المؤيدون إلى مساحات أخرى خطيرة ويصعب ضبطها. لذلك فإن الكثير من المختصين يفضّلون استخدام المصطلحات الأكثر وضوحًا في دلالتها الإيجابية، مثل الثقة بالذات.
أثناء القراءة، قد يقفز إلى أذهان عدد من القرَّاء مجموعة من سمات التشابه بين بعض أعراض اضطراب الشخصية النرجسية واضطراب الشخصية المعادية للمجتمع Antisocial Personality Disorder أو السيكوباثية كما يُتعارف عليها.
ورغم وجود تقاطع مهم بين الاضطرابين، حيث إن الشخص في كلتا الحالتين يستغلّ الآخرين لتحقيق مآربه الشخصية، فإن النرجسي عادة ما يريد الوصول إلى مكانة اجتماعية مرموقة يترافق معها وجود تقدير واعتراف بهذا من الآخرين، فيما يكون الدافع الرئيسي للشخصية السيكوباثية هو إيذاء الآخرين وانتهاك حقوقهم والاستمتاع بإخضاعهم لسُلطته. إلّا أن الشخص الذي يصاب بالاضطرابين معا وهو أمر ممكن، بل هو الترافق الأكثر شيوعا لاضطرابين معًا من اضطرابات الشخصية جميعها يكون الأسوأ مآلًا، تبعًا لمدى سوء الأنماط السلوكية والنفسية في هذين الاضطرابين حين يجتمعان. ويصف العلماء الحالة التي يجتمع فيها الاضطرابان معًا بـالمثلث المظلم Dark Triad، بإضافة ما يُسمّى بـالميكافيليّة وهي التلاعب بالآخرين واستغلالهم مع فقدان للحسّ الأخلاقي والعاطفي الطبيعي.
يتقاطع اضطراب الشخصية النرجسية أيضا مع اضطراب الشخصية الدرامية Histrionic Personality Disorder، والذي يتميز بالهوس الكبير بآراء الآخرين، والتصرف بطريقة انفعالية متهورة، والمشكلات الكبيرة في بناء العلاقات. فكلاهما يتميز بالاهتمام المبالغ به بآراء الآخرين وتقديرهم، لكن أصحاب الشخصيات الدرامية عادة ما يكونون أكثر قدرة على بناء العلاقات وأكثر تعبيرا عن الذات وتقبّلًا للآخرين14.
لا تزال أسباب نشوء النرجسية غير معروفة على وجه الدقة علميًّا، غير أنّ هناك بعض الفرضيات والدراسات التي حاولت تفسير الأمر، ومنها15
يؤدي الاستعداد الجيني دورًا مهمًّا في جميع الاضطرابات النفسية تقريبًا، مع تفاوت واضح في مدى تأثير هذا الدور. هناك دراسات عديدة أكّدت وجود ارتباط بين مجموعة من الجينات ونشوء النرجسية لدى من يمتلكها، إلّا أنها تبقى بطبيعة الحال دراسات ارتباطية وليست سببية، ولذلك يسميه العلماء استعدادًا جينيًّا أو عُرضةً جينيّة.
ركّز الكثيرون من علماء النفس التحليلي على مرحلة الطفولة المبكرة في تفسير النرجسية المرضية، وخَلُصوا إلى أنّ السلوك غير المتوازن من قبل الوالدين في التربية خصوصًا عبر المُكافأة والعقاب هو أحد الأسباب الرئيسية في نشوئها، سواء كان ذلك بالمبالغة في توكيد الذات وتعزيز الطفل من قبل والديه دون نقد أو توجيه فتنشأ النرجسية نتيجةً مباشرة لذلك، أو نقده بقسوة والتدخل الزائد في شؤونه وحرمانه من التقدير والتعزيز فتنشأ النرجسية مُحاوَلةً لتعويض ذلك. وقال بعضهم باحتمال وجود الأسلوبين معًا دون نهج واضح، وهذا الاختلاف بين المقاربتين المتطرفتين يخلق عند الطفل شرخا عميقا في تصوره لذاته وتعامله مع الآخرين16.
ومن المثير للانتباه أن دراسات حديثة وجدت أن الميول النرجسي والشعور بالتميز والتفرّد تبدأ بالظهور في شخصيته منذ عمر مبكر حول الـ8 سنوات، وهو أمر يؤكد أهمية هذه المرحلة16.
تكمن المشكلة الأساسية في مثل هذه الفرضيات في قدرتنا التجريبية على اختبارها، فمن الصعب جدًّا تتبّع الطفولة المبكرة لعدد كبير من الأطفال، بالإضافة إلى صعوبة تسجيل التفاعلات في العلاقة بينهم وبين آبائهم وأمهاتهم على مدى زمني طويل. إلّا أن إحدى أهم الدراسات التي أُجريت حديثًا في هولندا على أكثر من 500 طفل، وجدت أنّ المبالغة في مدح الطفل وتعزيزه كان العامل الأهمّ في توقع نشوء شخصية ذات ميول نرجسية لديه. وتبقى هذه الفرضيات بحاجة إلى المزيد من الدراسات وأعداد أكبر للتأكد من هذه النتائج17.
الفرق بين قيم المجتمعات ذات الطابع الفرداني مقابل الجَمعيّ، وتغيّر الأجيال عبر الزمن، واختلاف الثقافة الشائعة في تربية الآباء والأمهات لأطفالهم، ووسائل التواصل الاجتماعي، وتأثير الشخصيات المتصدّرة في المجال العام على الناس مثل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفترات الازدهار مقابل الركود الاقتصادي.
وكإجابة مختصرة عن سؤال كيف تنشأ النرجسية المَرَضية؟، تقول لنا الدراسات العلمية إنه على الأرجح مزيج من الاستعداد الجيني العامل الوراثي الذي يحدد كيفية التعامل مع البيئة ومدخلاتها بشكل عام، والأحداث والتفاعلات المبكرة مع البيئة الاجتماعية، وتحديدا العائلة، وما ينتجه ذلك كله من شخصية وديناميكيات نفسية، وأخيرًا البيئة الاجتماعية الكبيرة وثقافة المجتمع التي يوجد فيها الشخص وتشكّل جزءًا من طريقة تفكيره وسلوكه15.
هل سبق لكَ أن رأيتَ نرجسيًّا خجولًا؟ ربما يكون السؤال غريبًا بعض الشيء، فكيف يمكن لنرجسي أن يخجل؟
الحقيقة أنه يمكن للنرجسية أن تتمظهر بأشكال عديدة، كما يمكن لشدّة الأعراض أن تختلف كثيرًا من شخص إلى آخر، وهذا يجعل من اضطراب الشخصية النرجسية أحد أكثر الاضطرابات تنوّعًا وصعوبة في التعامل معه على المستوى العملي لدى المعالجين والأطباء، لكن أحد المفاتيح المهمّة التي يمكن أن تساعدنا في فهم هذا التنوّع هو التقسيم الثنائي لأنواع النرجسية18،19
وهي التي تتّسم بشكل رئيسي بأوهام العظمة واعتقاد الشخص التامّ بتميّزه واتّساق ذلك مع سلوكاته عامّةً. وعادةً ما يكون أصحابها أكثر جاذبية اجتماعيا وأكثر قدرة على إبهار الآخرين وإشعارهم بقوة حضورهم رغم حاجتهم الماسّة إلى تقديرهم طبعا.
وهي التي تتّسم أكثر بالحساسية المفرطة تجاه النّقد وآراء الناس وتقييماتهم، وهشاشة الذات الواضحة، والشعور بالحسد بشكل شديد، ومركزية المقارنة مع الآخرين في نظرتهم لأنفسهم. ويكون القلق الذاتي أكثر ظهورًا في سلوكاتهم ومظهرهم، بل وربما يظهرون وكأنهم خجولون رغم اعتقادهم الداخلي بتميزهم عن الآخرين. وهذا النوع أكثر صعوبة في التمييز والتشخيص؛ لأنّه لا يَظهر فجًّا وواضحًا كما النوع الأول20. ورغم أنّ هذا النوع يسبّب معاناة أكبر لأصحابه، فإنّه يعتبر أوفر حظًّا من حيث قابلية التغيير من خلال العلاج النفسي؛ لأنّ الشخص يكون أكثر شعورًا بالمشكلة، ووعيًا بتناقضات شخصيته. ويمكن تصوّر المشكلة هنا على أنّها عملية خداع فاشلة للذات، بينما النرجسية الواضحة هي عملية خداع ناجحة للذات21.
هذا التقسيم ليس صلبًا تمامًا، فالنوعان يتقاطعان في الكثير من الأعراض، لكنه مهم جدًّا للفت الانتباه إلى أن النرجسية لا تعني بالضرورة مظهر الثقة بالنفس والغرور والغطرسة الذي يتبادر مباشرةً إلى الذهن، بل تتنوّع في أشكال ظهورها كثيرًا. ويرى بعض العلماء أن ظهور مفهوم النرجسية الخفيّة لعب دورًا أساسيًّا في التداول المتزايد لظاهرة النرجسية بشكل عام؛ لأنّه أحدث تغييرًا مهمًّا في كيفية تصوّرهم للأشكال الممكنة التي قد يكون عليها النرجسي في الحياة الواقعية.
وهناك وصف ثالث مهم في تصنيف أشكال النرجسية، وعادة ما يتم استخدامه من قبل المعالجين والباحثين، وهو ما يُدعى بالنرجسية غير المعيقة High-functioning Narcissism، وهي التي لا تعيق النرجسيين في حياتهم اليومية كثيرا، وربما يكون من الصعب جدا -حتى على المعالجين- التعرّف على هؤلاء؛ لأنهم يديرون حياتهم بشكل جيد رغم هذه الديناميكيات الداخلية، ويظهرون كفاءة وتميزًا أيضًا، فهم يتّسمون بالذكاء الكافي لاستخدام نرجسيتهم للنجاح على الصعيد المهني أو الاجتماعي.
ليس من السّهل دائما تمييز الشخص النرجسي، فرغم أن الأعراض العامّة تبدو جليّة الوضوح، فإنّ النرجسية مختلفة التشكّلات في الأفراد المختلفين، كما أنّ الكثير من النرجسيين ماهرون جدَّا في ترك انطباعٍ إيجابي مبدئي، ولا تظهر مساوئهم إلا بكثرة المعاملة ومضي الوقت. المشكلة في هذا الأمر أننا عادة ما نشكل انطباعاتنا الأولية عن الآخرين في الدقائق الأولى ونثق بها، وهذا يفيدهم جدا؛ لأنهم يستطيعون ترك صورة سطحية إيجابية ومفعمة بالثقة. والمخيف أكثر أنّ أحد الأبحاث وجد أن أكثر مظاهر النرجسية ارتباطا بالانطباعات الأولى الإيجابية لدى الآخرين كانت الاستغلال والشعور بالاستحقاق. أي أنّ أكثر النرجسيين قدرة على إثارة إعجاب الآخرين هم أكثرهم استغلالًا وشعورًا بالاستحقاق. وهنا تأتي أهمية التفكير الواعي بانطباعاتنا عن البشر، وعدم التسليم لتأثير اللقاءات الأولى والنظرة الأولى والهالة السحرية للأشخاص.
من المظاهر المهمّة للسلوك النرجسي في الحياة اليومية كذلك هو التناقض الواضح ما بين حاجة النرجسي إلى الآخرين وسلوكه بالتقليل منهم في الوقت نفسه. ولعلّ ذلك يظهر أكثر ما يظهر في العلاقات الحميمية. فالنرجسي من جهة يريد أن يقيم علاقات مع الآخرين لأنه يحتاج إليهم لدعم تصوّره عن ذاته لتعويض هشاشته، لكنه في الوقت نفسه يخشى ولا يستطيع التواصل بشكل عفوي معهم لأن هذا يهدّد شعوره بالتميز، حيث إن التواصل الإنساني الحميم يُظهر بوضوح محدوديتنا ومكامن ضعفنا وهشاشتنا Vulnerabilities. وهكذا، لا يبقى أمام النرجسي إلا الانسحاب من هذه العلاقات حين يحدث هذا الانكشاف الذي يهدد هويته وجوديًّا، أو الدخول في علاقات سطحية لا تُوجِب انكشافًا حقيقيًّا، ليحمي تصوراته من التهديد والخطر. وفي جميع الأحوال، لا يترك انشغال النرجسي بذاته والحفاظ على تصوراته أي مجال للاهتمام بمشاعر الآخرين أو التعاطف معهم. وغالبًا ما يُقصد بمفهوم العلاقات السّامّة Toxic Relationships أو مصطلح Gaslighting شكلٌ من العلاقات التي يكون فيها أحد الطرفين على الأقل نرجسيًّا أو سيكوباثيًّا مُتلاعبًا، ويسود فيها هذا النمط من التفاعل.
________________________________________________
هامش
هذا المعنى التفت إليه مُبكِّرًا العالِم المسلم أبو بكر الرازي وذكره في كتابه الطب الروحاني عبر تناوله للعُجب والإفراط في حبّ الذات، إذ عرض نصًّا بديعًا يقول فيه إذا كانت للإنسان أدنى فضيلةٍ عَظُمَت عند نفسه وأحبّ أن يُمدَح عليها فوق استحقاقه، وإذا تأكدت فيه هذه الحالة صار عُجبًا، ولا سيمّا إن وجد قومًا يساعدونه على ذلك ويبلغون من تزكيته ومدحه ما يحب. ومن بلايا العُجب أنه يؤدي إلى النقص في الأمر الذي يقع به العُجب، لأنّ المُعجب لا يروم التزيُّد ولا الاقتناء والاقتباس من غيره في الباب الذي منه يُعجَب بنفسه. لأنّ المُعجَب بفرسه لا يروم أن يستبدل به ما هو أفرهُ منه لأنه لا يرى أنّ فرسًا أفرهُ منه، والمُعجب بعمله لا يتزيَّد منه لأنه لا يرى أنّ فيه مزيدًا.
المصادر | https://www.aljazeera.net/sukoon/2022/1/5/%d9%88%d9%83%d9%8f%d9%86-%d9%86%d9%8e%d8%b1%d8%ac%d8%b3%d9%8a%d9%8b%d9%91%d8%a7-%d8%a5%d8%b0%d8%a7-%d9%84%d8%b2%d9%85%d9%8e-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%b1-%d9%87%d9%84-%d9%87%d9%86%d8%a7%d9%83 | 2022-01-05T10:30:19 | 2024-05-29T10:33:39 | أبعاد |
|
106 | ثغرة قاتلة في هواتف سامسونغ.. فريق غوغل يكشف كيف يمكن اختراقك عن طريق مكالمة فقط | ليست ثغرة واحدة، ولكنها 18 ثغرة، ولكي تدرك حجم الكارثة يكفي أن نخبرك أن هذه الثغرات المكتشفة تؤدي إلى اختراق الهاتف بالكامل عن طريق معرفة رقم بطاقة الهاتف فقط. | نحن نعرف أن مسألة الاختراق الإلكتروني من النطاقات المثيرة للشائعات والدراما، تحديدا ما يتعلق بالوسائل التي يستخدمها المخترقون للإيقاع بالضحية. لكن بعيدا عن الدراما، عادة ما يستخدم المخترقون وسائل تبدو معروفة لأغلبنا، ورغم علمنا بها فإننا لا نتوقف عن الوقوع فريسة لها. فعلى تطبيق ماسنجر مثلا، تجد شقيقك قد أرسل إليك رسالة انظر لقد وجدت صورتك منشورة على موقع إباحي، ويليها رابط، من هول فظاعة الرسالة، وبسبب ثقتك في المرسل شقيقك قد تضغط على الرابط لتجد نفسك أمام موقع يطلب منك البريد الإلكتروني وكلمة السر، لتُفاجأ فيما بعد أنك أرسلت محتوى الرسالة المبعوثة إليك إلى جميع أصدقائك على فيسبوك.
في تلك اللحظة سوف تعرف أنك وقعت ضحية لعملية اختراق، لكن الجديد والخطير حقا أننا وصلنا إلى مرحلة لم يعد فيها المخترقون بحاجة إلى أن يقوم المستخدمون بالنقر على رابط أو القيام بأي فعل آخر action، وهذا النوع من الهجمات يسمى Remote code execution أو اختصارا RCE؛ حيث ينفذ المهاجمون أوامر عن بُعد لوضع برامج ضارة أو تعليمات برمجية ضارة أخرى على جهاز الحاسوب أو الشبكة.
خلال هذا الاعتداء، ليست هناك حاجة إلى أي تدخل منك بوصفك مستخدما، حيث يمكن أن تؤدي الثغرة الأمنية التي تنفذ التعليمات عن بُعد إلى تعريض بياناتك الحساسة للخطر دون حاجة المخترقين إلى الوصول الفعلي إلى شبكتك، حسب ما صرح به خبير الأمن السيبراني، ومؤسس شركة Seekurity، محمد عبد الباسط لـميدان. ونتيجة لذلك، فإن الثغرة التي اكتشفها فريق Project Zero مؤخرا قد تغير اللعبة تماما.
حسنا، هي ليست ثغرة واحدة، ولكنها 18 ثغرة اكتشفها الفريق التابع لشركة غوغل في أجهزة المودم المدمجة ضمن شرائح إكسينوس Exynos التي تصنعها شركة سامسونغ لمنافسة شرائح سنابدراجون Snapdragon الأشهر والأوسع استخداما. والمودم هو القطعة المسؤولة عن الاتصالات بأنواعها، سواء كانت مكالمات على الجوال أو على الإنترنت، ولكي تدرك حجم الكارثة يكفي أن نخبرك أن هذه الثغرات المكتشفة تؤدي إلى اختراق الهاتف بالكامل عن طريق معرفة رقم بطاقة الهاتف فقط. 1
يؤكد عبد الباسط في حوار له مع ميدان بأن ما حدث تطور مقلق في عالم الاختراق، حيث يقول فيما مضى، كان مطلوبا من الهاكر أن يبذل مجهودا لخداع الضحية عن طريق إرسال صفحة أو رابط ما فيه ثغرة تُستغل للوصول إلى معلوماته وأجهزته، أو أيٍّ من طرق الخداع الأخرى، وكان هذا يتطلب معرفة وسائل تواصل للضحية مثل البريد الإلكتروني أو حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، أما الآن، فكل ما تحتاج إليه هو رقم الهاتف لأجل اختراقه.
يرى عبد الباسط أن هذا التطور يُعيدنا سنوات إلى الوراء، حيث بات بالإمكان أن تُنفذ هجمات بدون تدخل المستخدم نهائيا عن طريق مكالمة هاتفية فقط، وهذا يعني أنه مهما كان المستخدم واعيا فإن ذلك على الأغلب لن يحميه. رُصدت الثغرات الجديدة في العديد من هواتف سامسونغ مثل أجهزة غالاكسي، وفي عدة إصدارات من هواتف فيفو Vivo وغوغل بيكسل 2، ومن المهم الإشارة إلى أن الأجهزة تكون عُرضة للثغرات الأمنية فقط إذا كانت مزودة بإحدى شرائح إكسينوس المتأثرة.
تتضمن الأجهزة المصابة وفقا لما نشرته غوغل على مدونتها الأجهزة المحمولة من سامسونغ، بما في ذلك تلك الموجودة في سلسلة Galaxy S22 وM33 وM13 وM12 وA71 وA53 وA33 وA21 وA13 وA12 وA04. كما ذكرت المدونة أن الأجهزة المحمولة من فيفو Vivo، بما في ذلك إصدارات S16 وS15 وS6 وX70 وX60 وX30، ربما تكون عرضة للخطر، كما يمتد الخطر أيضا إلى الأجهزة القابلة للارتداء وحتى السيارات التي تستخدم الرقاقات نفسها. 3
لحُسن الحظ فإن 4 ثغرات فقط من إجمالي 18 ثغرة أمنية وجدها بروجكت زيرو هي منافذ الشياطين التي تسمح بتنفيذ التعليمات البرمجية عن بُعد أو Internet-to-baseband remote code execution. وقد صرحت غوغل أنّها لن تنشر أي معلومات للثغرات الأربع الخطيرة، رغم أنّها في العادة تُفصح عن جميع البيانات، لكن عملاق التقنية يخشى أن تُستغل لتنفيذ هجمات أعنف بسهولة شديدة. ما تبقى من الثغرات كان صغير التأثير، أو لنقل مألوفا لدى خبراء الأمن السيبراني، لأنه يتطلب تصريح وصول إلى الجهاز إما عن طريق الضغط على رابط أو تحميل برنامج ضار.
حذرت غوغل سامسونغ من الثغرات المذكورة في أجهزتها، لكن الشركة الكورية لا تزال تتباطأ في حل الأزمة، غير أن هذا التباطؤ لن يفيدها طويلا. هناك سيناريوهان يتبعهما خبراء الأمن السيبراني في الكشف عن الثغرات، في السيناريو الأول، سينتظر الباحثون الأمنيون حتى تسد الثغرة من قِبَل مزودي الخدمات قبل الإعلان عن اكتشافهم للخطأ حتى لا يُستغل، وفي الثاني، عادة ما يتم الانتظار حتى انقضاء فترة زمنية معينة منذ الإبلاغ عن الثغرة دون أي إصلاح يلوح في الأفق، وكما يبدو، فإن الحالة الأخيرة ستكون هي المتبعة في حالة سامسونغ، حيث غردت الباحثة مادي ستون على تويتر بأن المستخدمين النهائيين لن يحصلوا على معالجة للثغرات حتى بعد مرور 90 يوما.
End-users still dont have patches 90 days after report.... httpst.codkA9kuzTso
Maddie Stone maddiestone March 16, 2023
لكن رغم هذا الوضع المأساوي، توصلت الأيادي الرحيمة لفريق بروجكت زيرو إلى حل يُمكِّن مستخدمي الهواتف السابق ذكرها من حماية أنفسهم حتى يقوم عملاق التقنية الكوري بمعالجة الأمر بحل جذري من جانبه.
رشح الفريق أن يعطل المستخدمون خاصيتين ألا وهما اتصال الواي فاي WiFi، عن طريق اتباع الخطوات التالية من إعدادات الهاتف اختر الواي فاي، ثم اختر إعدادات البطاقة والشبكة SIM and Network، هنا إذا كان هاتفك يدعم أكثر من شريحة اتصالات فيجب عليك اختيار أيهما تريد تعطيلها، أو تعطيل كليهما عبر الضغط عليهما ثم إلغاء تفعيل خيار Wifi calling أو اتصالات وايفاي بالعربية.
أما الخاصية الثانية المطلوب تعطيلها فهي ما يُعرف بـVoLTE، وهي الخاصية المسؤولة عن جعل مكالماتك الصوتية أكثر وضوحا وبجودة عالية، كما تسمح لك باستخدام بيانات الإنترنت الخاصة بك لإجراء مكالمات عبر الإنترنت، ولتعطيلها ستذهب للإعدادات ثم شبكات المحمول Mobile Networks، وباختيار الشريحة الأساسية، وضغطك على زر الإطفاء لخاصية VoLTE تكون قد أوقفت الخطر مؤقتا. تعطيل هاتين الخاصيتين بالطبع سيجعل اتصالاتك أبطأ وأقل جودة، لكنه حل مريح وعملي في الوقت الراهن. لكن هذا الحل المريح لن يكون مريحا لمدة طويلة لسامسونغ إذا قررت التمادي في تجاهل الأخطاء القاتلة، ولها في شركة تي موبايل T-mobile عبرة.
تي موبايل هي إحدى أكبر شركات الاتصالات اللاسلكية في الولايات المتحدة، كان لها نصيبها العادل من مشكلات الأمان على مر السنين. ولكن في الآونة الأخيرة، واجهت تي موبايل العديد من انتهاكات البيانات التي كشفت عن معلومات العملاء الحساسة، حدث أبرزها في أغسطسآب 2021، عندما اخترق المتسللون أنظمة الشركة وسرقوا البيانات من أكثر من 50 مليون عميل. 4
تضمنت البيانات المسروقة معلومات شخصية مثل الأسماء والعناوين وتواريخ الميلاد وأرقام الضمان الاجتماعي، بالإضافة إلى معلومات حول الفواتير. أثار هذا الحادث مخاوف بشأن ممارسات تي موبايل الأمنية، ودفع الشركة إلى اتخاذ تدابير أكثر صرامة لحماية بيانات عملائها.
لاحقا في نوفمبرتشرين الثاني من العام نفسه، اكتشف باحثو الأمن خللا في موقع الشركة الإلكتروني سمح لأي شخص بالوصول إلى بيانات حساب العميل برقم هاتفه فقط، وهو سيناريو متطابق مع تجربة سامسونغ. سارعت الشركة إلى تصحيح الثغرة الأمنية، لكن الحادث أثار تساؤلات حول عمليات اختبار الأمان ومراقبة الجودة للشركة، مما دفع المواطنين الأميركيين المسربة بياناتهم إلى رفع دعوى جماعية كلفت الشركة ما يزيد على 500 مليون دولار تعويضات ونفقات محامين، ومن بينها 150 مليون دولار لإعادة تأهيل البنى التحتية للأمن السيبراني. 5
يُعَدُّ الاستثمار في البنية التحتية الأمنية أمرا لا مفر منه حتى لا يقع الباحثون أمام الأخطاء الصفر اليومية أو ما يطلق عليها Zero day، وسميت الأخطاء الصفر اليومية بهذا الاسم لأنها شديدة الحداثة، حتى إن الباحثين والخبراء لديهم صفر من الأيام لإيجاد حلول وعلاج للمشكلات أو الأعطال الناجمة عنها، وبالطبع لتقليل الخسائر المادية التي قد تطول دولا بأكملها وليست مجرد شركة أو مؤسسة. 6
ولكن حتى يخترع العلماء جهازا مناعيا شاملا ضد الفيروسات والأمراض الرقمية، يظل الحفاظ على أمنك الرقمي المتمثل في بياناتك هو مسؤوليتك أنت، فيجب عليك الالتزام بالتحديثات الأمنية أولا بأول، والتثقُّف عن كل المخاطر الحديثة كما تتثقف صحيا عن جسدك البشري، فالجسد الإلكتروني حاليا بلا مناعة، وهو لا يقل أهمية عن جسدك الحقيقي في العالم الرقمي.
____________________________________
المصادر | https://www.aljazeera.net/tech/2023/3/22/%d8%ab%d8%ba%d8%b1%d8%a9-%d9%82%d8%a7%d8%aa%d9%84%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%87%d9%88%d8%a7%d8%aa%d9%81-%d8%b3%d8%a7%d9%85%d8%b3%d9%88%d9%86%d8%ba-%d9%81%d8%b1%d9%8a%d9%82-%d8%ba%d9%88%d8%ba%d9%84 | 2023-03-22T13:43:22 | 2024-07-02T09:05:54 | أبعاد |
|
107 | الحروفية.. حاولوا استمالة السلطان محمد الفاتح وكشفهم الشيخ العجمي | كانت الفرقة الحروفية من جملة الفرق التي ظهرت في إبان النصف الثاني من القرن الثامن الهجري، إلى أن كشف العجمي عن عقائد وأهداف الفرقة للسلطان ولعامة الناس، وجهر بخطورتها على الشريعة الإسلامية. | قُبيل انهيار الخلافة العباسية على يد التتار، كانت إيران تحوي أهم قلاع الشيعة الإسماعيلية في الألموت وغيرها، التي بُدئ بتأسيسها قبل ذلك بقرنين على يد الحسن الصبّاح، ذلك الداعي الإسماعيلي الذي آمن بحق نزار ابن الخليفة الفاطمي المستنصر بالله في الإمامة. ومن ثم عمل النزارية الذين اشتهروا فيما بعد باسم الحشاشين والباطنية على جعل الإمامة في نزار وذريته، لا سيَّما في بلاد فارس وإيران، ثم امتدت دعوتهم إلى الهند فيما بعد. ولقد افترقوا إلى العديد من الفرق مثل القرامطة والبُهرة وغيرهم، كما حاولوا أن ينشروا دعوتهم عبر التحالف مع دولة فتية تنصر مذهبهم، وخصوصا بعد قضاء المغول على وجودهم في قلاع فارس.
لهذا السبب حاول الإسماعيلية اختراق العديد من الدول مثل التيمورية في فارس وأذربيجان، وبعض الإمارات التركمانية في الأناضول، وأخيرا الدولة العثمانية بعدما احتضن السلطان محمد الفاتح جماعة منهم في قصره بمدينة أدرنة قبل فتح القسطنطينية بعشرة أعوام، بل وكاد يؤمن بعقيدتهم وأفكارهم لولا أن القدر لعب دوره في الحيلولة دون ذلك كما سنرى بعد قليل.
يختلف الإسماعيليون عن الشيعة الجعفرية الإثناعشرية في العديد من الأمور، على رأسها أن الجعفرية يؤمنون بانتقال الإمامة بعد وفاة الإمام جعفر الصادق إلى ولده موسى الكاظم بالنصّ ثم إلى بقية الأئمة من بعده حتى الإمام الثاني عشر المهدي الغائب بحسب اعتقادهم، ولهذا يقفون عنده، ويتسمُّون باسم أئمتهم. أما الإسماعيلية فيرون أن الإمامة انتقلت بعد وفاة جعفر الصادق إلى ولده الأكبر إسماعيل ثم إلى ابنه محمد المكتوم، ومن بعده جعفر المصدق ثم محمد الحبيب ثم عبد الله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية، وقد انقسم هؤلاء إلى نزارية ومستعلية.
وتسمى هذه الفرقة بالباطنية لأنها ترى أن للقرآن تفسيرا ظاهرا يعلمه العامة، وآخر باطنا لا يعلمه إلا خواص الإسماعيلية، ويرى الشيخ محمد أبو زهرة أن الإسماعيلية انشعبت منها فرق مختلفة وبعضها خرج بآرائه عن الإسلام كالحاكمية الذين يعتقدون في حلول الإله في الإمام، ولا تزال تطلع على بقايا من هذه النِّحَل الخارجة عن الإسلام في أفريقيا وبعض بلاد باكستان والهند1.
لقد قضى هولاكو والمغول على وجود الإسماعيلية النزارية وأبادوهم في قلاع الألموت وبلاد فارس، وقام السلطان الظاهر بيبرس بالأمر نفسه في بلاد الشام في أثناء النصف الثاني من القرن السابع الهجريالثالث عشر الميلادي. ثم خرجت مِن رحمهم العديد من الحركات التي عملت على إعادة بعث مذهبهم في فارس وجنوب القوقاز والأناضول قبل ظهور الدولة الصفوية التي فرضت المذهب الشيعي الجعفري بحد السيف في إيران وأذربيجان، وكانت الفرقة الحروفية من جملة هذه الفرق التي ظهرت في إبان النصف الثاني من القرن الثامن الهجريالرابع عشر الميلادي.
اشتقّت هذه الفرقة عقائدها من مذاهب الإسماعيلية الفارسية مع مسحة صوفية، وتأسست على يد شخص اسمه فضل الله الأسترابادي، الذي بدأ حياته صوفيا إسماعيليا متجولا في فارس ثم قرر الحج، وبعد ذلك زعم أنه رأى عدة رؤى وإشارات على معرفته بالتعبير والغيب وأدرك في نفسه أنه مختار لأداء مهمة كبرى، ومن ثم شهد -على ما يزعم- ظهور الكبرياء أو التجسيد الإلهي فيه كما يُسميه. ولذا فإن عقيدته تمُت لعقيدة الحلول والاتحاد بصلة كبيرة، حيث ترى تجسُّد الإله في البشر، وفوق ذلك آمن أن للحروف معاني وأسرارا باطنية لا يعلمها إلا مَن أوتي تأويلها مثله. ويرى الأسترابادي وأتباعه من بعده أن الحروف الفارسية وعددها 32 تستوعب الكون وأسراره.
بمعنى آخر تدَّعي الفرقة الحروفية أن الحقائق مخفية في الحروف، وتحاول فك جميع الظواهر في الكون بناء على الحروف وربطها بقيمتها العددية وأسرارها، فكل حرف من الحروف الأبجدية له قيمة عددية، وأسرار لا تتأتى لأي أحد، والأمر يشبه فكرة حساب الجُمّل عند العرب، لكنه يرتبط بمعانٍ باطنية تستهدف ما وراء الحروف. وعلى هذا شرعوا في تفسير القرآن الكريم بناء على القيم العددية لكل حرف وانعكاساتها على أرض الواقع، بل راح فضل الله الأسترابادي يقول إن محمدا صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء، وعليا أول الأولياء وآخرهم الحسن العسكري، وإنه هو نفسه تجسيد للإله، وإنه المهدي الذي تجسدت فيه النبوة والولاية والألوهية.
وسبب ذلك -في زعمه- أن كلمة فضل الله تساوي بحروف الجُمّل العربية الرقم 800، فاستنبط من ذلك إشارة دالة على كونه مُجدِّد القرن التاسع الهجري، وأن الحروف الفارسية 32 حرفا تُكمِل الحروف العربية التي يبلغ عددها 28 فقط، بمعنى أنها تتمها وتفصلها وتفسرها. 2.
استغل فضل الله معرفته بتأويل الرؤى كما رأينا، وشخصيته الجاذبة، وشُهرته بين الناس في نشر مذهبه الفكري الجديد في بلاد فارس وأذربيجان التي كان يحكمها تيمورلنك وأبناؤه. وكانت دعوته تقوم على أنه خليفة الله مثل آدم وعيسى ومحمد، اجتمعت فيه الصوفية والتشيع لإنقاذ العالم بالسيف فكان مهديا وختما للأولياء ونبيا وإلها في وقت واحد على حدِّ زعمه. ولما انتشرت دعوته بين الناس وسمع بها أهل السُّنة الذين ساءهم هذا التعدِّي والانحراف الفكري والعقدي ثاروا ضده، وطالبوا بعقد محاكمة له، فهرب من تيمورلنك إلى ابنه ميران حاكم أذربيجان وكان يظن أنه ينصره ويؤيده، لكن ميران بن تيمور عقد محاكمة له أسفرت عن إنزال عقوبة الإعدام فيه عام 796هـ، وقيل عام 804هـ1401م3.
غير أن الحروفية لم تمت بموت الأسترابادي، وإنما حملها من بعده ثمانية رجال واحد من بعد آخر، أولهم ابنه نور الله ثم تلميذه علي الأعلى، ثم الشاعر المعروف عماد الدين نسيمي وآخرون. ونظرا للملاحقة الكبيرة التي جرت لأتباع هذه الفرقة في فارس والعراق وأذربيجان، هرب علي الأعلى إلى الأناضول في القرن التاسع الهجريالخامس عشر الميلادي، وكانت تنقسمُ إلى دويلات متنافسة والدولة العثمانية في مرحلة توسُّعها فضلا عن دولة المماليك في الجنوب.
ورغم هذا التشرذم التركي-التركي، كانت الحركة الصوفية البكتاشية ذات جذور في الأرض منذ عقود، وقد مكث علي الأعلى بين دراويشها وصوفيتها واختلط بهم، وأخذ يُدرِّس تعاليم أستاذه الأسترابادي سِرًّا بين الفرق الصوفية البكتاشية والملامية البيرامية والقزل باش وغيرهم، بل وثبت أن نور الله، ابن فضل الله، جاء إلى الأناضول فترة من الزمان وأخذ هو الآخر يدعو سِرًّا إلى مذهب الحروفيين، لكن حين اكتُشف أمره في مدينة بتليس جنوب الأناضول سُجن لفترة من الزمن4.
في تلك الأثناء كان السلطان العثماني بايزيد الأول، الذي بزغ نجمه آنذاك بسبب انتصاراته المتوالية على البيزنطيين، قد تفاجأ بهجوم تيمورلنك على الأناضول، ووقعت بين الفريقين معركة أنقرة الشهيرة عام 804هـ حين انهزم السلطان العثماني ودخل العثمانيون من بعده في مرحلة الحرب الأهلية للظفر بالعرش بين أبنائه، وهي مرحلة عُرفت في التاريخ العثماني بـعهد الفترة. وفي أثناء هذا الاختلال الأمني استغلت الحركات المنحرفة مثل المهدوية والمسيحانية والحروفية الأحداث وبدأت بالدعوة إلى عقائدها بصورة واسعة، لكنَّ الحروفيين كانوا قد تعلَّموا من أخطائهم التي ارتكبوها في إيران وأذربيجان وحلب حين أعلنوا عن عقائدهم جهرا، ثم تسبَّب ذلك في مقتل أهم زعمائهم الأسترابادي ونسيمي، ولهذا السبب شرعوا يذوبون في الفرق التي كانت تدعو إلى وحدة الوجود والقائلين إن للحروف أسرارا، وهي فرق وإن تشابهت مع الحروفية في بعض الأمور لكنها اختلفت عنهم في تصورهم الكامل حول العقائد والإسلام وادعاء الألوهية لزعيمهم الأسترابادي.
لم يمر نصف قرن على إعدام الأسترابادي حتى انتشرت الحركة الحروفية بين قطاعات كبيرة من أهل الأناضول، بل وانتقلت إلى الرومللي والبلقان. ولم يكن هذا الانتشار بفضل خلفاء فضل الله وعلي الأعلى من الناطقين بالفارسية فحسب، بل كان لـعماد الدين نسيمي الشاعر الشهير الفضل الأكبر في كتابة الشعر الذي لخَّص أفكار الحروفية باللغة التركية، وأثَّر شعره تأثيرا ضخما في قطاعات واسعة من عامة الأتراك وخاصتهم ممن أحبوا الشعر الصوفي منذ جلال الدين الرومي. ومن بعده جاء تلميذه ومريده رفيعي الذي سار على درب أستاذه، ثم أكد فرشته أوغلي جهود سابقيه من الحروفية بترجمة مؤلفات الأسترابادي من الفارسية إلى التركية، كل ذلك أدى إلى توسع لافت لأفكار الحروفية بين قطاعات كبيرة من الأتراك5.
ولئن تمكن الحروفية من نشر مذهبهم بين كثير من عامة الأتراك في الأناضول وبلغوا حتى الروملي والبلقان، فإنهم منذ زمن الأسترابادي كانوا يعلمون أن أي مذهب فكري يحتاج إلى الدعم السياسي ليتمكن في الأرض وينتقل من الخفاء إلى العلن. ولذا عملوا على التقارب مع كثير من الدول الحاكمة آنذاك لعلهم يتمكنوا من اختراقها وتسخيرها لأهدافهم، مثل محاولة فضل الله التقرب من الحكومة الجلائرية التي كانت تحكم العراق وإيران، ونجاحهم في جعل أمير تركماني في وسط الأناضول هو الأمير نصر الدين يتبنى مذهبهم، ثم تطلَّعوا لاستمالة الشاب الذي فتح القسطنطينية فيما بعد، السلطان محمد الفاتح، لمذهبهم لما شعروا بميله إلى أفكارهم؛ استغلالا لصغر سنه الذي كان في حدود الثانية عشرة حينذاك إبان سلطنته الأولى في حياة والده.
يذكر طاشْكُبري زاده في كتابه الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية تفاصيل هذه الواقعة، فيقول إن السلطان الفاتح وهو لما يزل في حياة والده السلطان مراد في العاصمة أدرنة قبل أن تُفتح القسطنطينية قد مال إلى هؤلاء الحروفية، بل وخصص لهم مكانا في قصره دار السعادة ليزيد من اجتماعه بهم، وقد لاحظ الصدر الأعظم رئيس الوزراء محمود باشا اقتراب السلطان الشاب من هذه الجماعة الخطرة، وعلم أنه إن نصح السلطان بصورة مباشرة ربما انقلبت نصيحته ضده، وكان ضررها أكبر من نفعها، فاهتدى إلى فكرة أخرى، وهي طلب المساعدة من أحد كبار علماء أدرنة، ومدرس جامع الشُّرفات الثلاث الشيخ فخر الدين العجمي. وقد رتَّب الصدر الأعظم لقاءً مع أحد كبار رجالات الحروفية في بيته يوهمه أنه يريدُ معرفة أفكار هذه الفرقة ومعتقداتها وأهدافها.
وبينما استمع الصدر الأعظم من ذلك الرجل الذي تزعَّم الحروفية في الدولة العثمانية وقتذاك، وقد آواه السلطان محمد الفاتح في قصره دار السعادة، كان الشيخ فخر الدين العجمي يسمعه هو الآخر من وراء حجاب، وهنا نترك طاشكبري زاده يتكلم قائلا دعا محمود باشا ذلك الملحد إلى بيته وأظهر أنه مال إلى مذهبهم، فتكلَّم الملحد جميع قواعدهم الباطلة، والمولى المذكور الشيخ فخر الدين العجمي يسمع كلامه حتى أدَّت مقالته إلى القول بالحلول تجسُّد الله وحلوله في المخلوقات والبشر، وعند ذلك لم يصبر المولى المذكور حتى ظهر من مكانه وسبَّ الملحد بالغضب والشِّدَّة، فهرب الملحد إلى دار السعادة، والمولى المذكور خلفه.. ثم أتى المولى الجامع الجديد بأدرنة فأذَّن المؤذنون، واجتمع الناسُ في الجامع، وصعد المولى المنبر، وبيَّنَ مذاهبهم الباطلة، وحكم بكفرهم وزندقتهم6.
كان ما قام به الشيخ فخر الدين العجمي نقطة فاصلة في تاريخ الدولة العثمانية، فحين كشف العجمي عن عقائد وأهداف الفرقة الحروفية للسلطان ولعامة الناس، وجهر بخطورتها على الشريعة الإسلامية، ما انفك العثمانيون طوال القرن السادس عشر وعلى رأسهم السلطان محمد الفاتح يستأصلون وجودهم من الدولة العثمانية بالكلية.
___________________________________________
المصادر | https://www.aljazeera.net/politics/2023/9/28/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d9%88%d9%81%d9%8a%d8%a9-%d8%ad%d8%a7%d9%88%d9%84%d9%88%d8%a7-%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d9%85%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%b7%d8%a7%d9%86-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af | 2023-09-28T10:12:29 | 2024-07-10T09:44:45 | أبعاد |
|
108 | كيف سرق نتنياهو منزله الفلسطيني في القدس؟ | لا شيء أصدق أنباءً بماضي إسرائيل وحاضرها، بل ومستقبلها، من قصة منزل نتنياهو وأمثاله من البيوت المنهوبة التي يسكنها الإسرائيليون، حيث تظل شواهد تاريخية يصعب طمسها أو محوها. | وسط التطورات السريعة للأحداث في الحرب الجارية على غزة، وآخرها مشهد النهاية الملحمي للشهيد يحيى السنوار رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس، وقع حدث نال نصيبا وافرا من التغطية الإعلامية، ألا وهو استهداف طائرة مسيرة أطلقها حزب الله اللبناني لمنزل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في قيساريا شمال تل أبيب، في حدث هو الأول من نوعه في تاريخ الصراع.
وقد سلَّطت الواقعة الأضواء على بيوت ومقار إقامة رئيس الوزراء الإسرائيلي والترتيبات الأمنية المرتبطة بها، ومنها بيت يحمل قصة خاصة جدا بإمكانها أن تُلخِّص الصراع الفلسطيني الإسرائيلي برُمَّته ببلاغة وإيجاز.
بدأت القصة قبل أكثر من سبعة عقود في حي المصرارة على بُعد أمتار من سور البلدة القديمة في القدس، في منزل فارهٍ عاش فيه فلسطيني يُدعى توفيق كنعان، وكان طبيبا وباحثا مرموقا ومسؤولا في عدة مستشفيات في المدينة، منها مستشفى بيكور حوليم، ومستشفى هانسن للجزام، ومستشفى أوغستا فيكتوريا، وغيرها.
كان كنعان أيضا إثنوغرافيا متخصصا في الأعراق، ومؤرخا للفلكلور الفلسطيني، ومالكا لمجموعة من المقتنيات التراثية البارزة، ناهيك بكونه متحدثا مفوَّها باسم شعبه في مواجهة الاستعمارَيْن البريطاني والصهيوني.
كان ذلك قبل أن تدك العصابات الصهيونية منزل عائلة كنعان في مايوأيار 1948، تزامنا مع أحداث النكبة الفلسطينية التي هُجِّر خلالها 800 ألف فلسطيني من أراضيهم ومنازلهم، ومنهم الطبيب كنعان وأسرته الذين أُجبروا على الفرار إلى ملجأ في دير الروم الأرثوذكس داخل البلدة القديمة.
وعبر الأسوار، كانت الأسرة تراقب محتويات منزلها الثمينة وهي تُنهب وتُسرق لتقضي على أي أمل لهم في العودة، حتى وفاة كنعان عام 1964 محروما من منزله وممتلكاته.
أما المنزل، فكان قَدَره مثل آلاف المنازل الفلسطينية، حيث سقط في حوزة عائلة يهودية هاجرت للتو من الولايات المتحدة عام 1949، بعد أن اشترته بثمن بخس لم يُدفع إلى أصحابه بالتأكيد.
أصبح منزل آل كنعان في النهاية إرثا لأخوين يهوديين، باع أولهما، واسمه عيدو، حصته المنهوبة فيه عام 2016 إلى المليونير الأميركي سبنسر بارتريدج مقابل 4.24 ملايين شيكل 1.2 مليون دولار، في حين بقيت ملكية النصف الثاني من المنزل الكائن اليوم في 4 شارع هبورتسيم في حي القطمون في القدس في يد الأخ الثاني، ويُدعى بنيامين، بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي.
لا شيء أصدق أنباءً بماضي إسرائيل وحاضرها، بل ومستقبلها، من قصة منزل نتنياهو وأمثاله من البيوت المنهوبة التي يسكنها الإسرائيليون، حيث تظل شواهد تاريخية يصعب طمسها أو محوها.
وقد وصف المؤرخ الإسرائيلي آدم راز في كتابه نهب الممتلكات العربية في حرب 1948 كيف تورطت مختلف فئات المجتمع الإسرائيلي بين عامي 1948 و1949 في تنفيذ سرقات ممنهجة للقرى والمدن الفلسطينية، حيث خرج المستوطنون في جميع أنحاء الأراضي المحتلة ونهبوا المتاجر ومقتنيات المنازل الفلسطينية، وذلك بالتواطؤ مع السلطة الإسرائيلية.
إذ رأوا في سياسات السطو المنظمة هذه وسيلة لإخلاء أرض فلسطين من سكانها وتحقيق واحدة من أكثر خرافاتهم شعبية، وهي أن تصبح فلسطين أرضا بلا شعب، لشعبٍ بلا أرض.
ففي أعقاب النكبة والتهجير، كان على القادة الإسرائيليين حينذاك شرعنة هذا الوضع الاستثنائي الغاصب بسرعة لمنع عودة الفلسطينيين إلى ممتلكاتهم بعد انتهاء الحرب.
وقد استندوا في تبريراتهم تلك إلى المزج بين سلسلة من الأساطير والمقولات التوراتية التي تجعل كل أرض بال فيها يهودي أو سفك فيها دما ملكا له، وبين القوانين والتشريعات الجائرة التي صُمِّمت خصوصا لنهب الأملاك التي هجرها أصحابها قسرا، وأبرزها قانون أملاك الغائبين الصادر عام 1950 وقانون استملاك الأراضي الصادر عام 1953، التي مَثَّلت أهم أذرع السلطات الإسرائيلية في الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين منذ زمان النكبة.
منذ صدور تلك القوانين، وحتى اليوم، كانت وقائع الاستيلاء على أملاك الفلسطينيين حقيقة متجددة وسلوكا تمارسه إسرائيل بلا توقف، وليست مجرد ذاكرة تاريخية للنكبة. على سبيل المثال، في ينايركانون الثاني 2022، طردت قوات الاحتلال الإسرائيلي عائلة الصالحية وهدمت منزلها الكائن في حي الشيخ جراح بشرق القدس المحتلة، بدعوى أنها تُقيم على أرض مملوكة للشيخ أمين الحسيني مفتي القدس، وقد صادرت إسرائيل هذه الأرض وفقا لقانون أملاك الغائبين بعد احتلال المدينة عام 1967.
يعود قانون أملاك الغائبين إلى 14 مارسآذار عام 1950، ويتألف من 39 مادة تمنح الدولة الصهيونية حق مصادرة أملاك اللاجئين الفلسطينيين ممن هُجِّروا قسرا خلال نكبة 1948 بدعوى أنهم غائبون.
ويُعرِّف القانون الفرد الغائب بأنه أي شخص كانت له عقارات أو ممتلكات في أرض فلسطين التاريخية ولم يكن موجودا بها منذ يوم 29 نوفمبرتشرين الثاني 1947، إذ نُفِّذت أحكامه بأثرٍ رجعي رغم صدور القانون عام 1950. وقد طُبِّق في أول إصدارٍ له على الأشخاص الذين غادروا فلسطين التاريخية ولجأوا للإقامة في دولة تعتبرها إسرائيل عدوا، وهو ما انطبق على أغلبية الدول العربية ذلك الوقت.
وعلى مدار العقود الفائتة، عُدِّلَ قانون أملاك الغائبين أكثر من مرة، أحدها سنة 1965، حين توسع ليشمل الأملاك الوقفية للمقدسات الإسلامية والمسيحية. وبعد حرب 1967، خضع القانون لتعديل آخر شمل بموجبه أملاك النازحين من الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي العام نفسه توسع مفهوم الغائب ليشمل اللاجئين في دول ليست في حالة حرب مع إسرائيل، ثم توسع ليشمل المقيمين في فلسطين نفسها ممن انتقلوا من مدينة فلسطينية محتلة إلى أخرى لأسباب تتعلق بالعمل أو غيره.
وبمرور الوقت، توسع تفسير القانون لشرعنة مجموعة من الممارسات الإسرائيلية الإحلالية، مثل منع المزارعين الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم على الجانب المقابل من جدار الفصل العنصري عام 2002.
أما عن طريقة تنفيذ هذا القانون، فذلك عبر عدة خطوات. بداية، تنتقل ملكية الأراضي والعقارات التي هُجِّرَ أصحابها قسرا إلى القيم، وهو الحارس الذي عيَّنته سلطات الاحتلال لحماية أملاك مَن وُصفوا بأنهم غائبون، ويمتلك القيم الصلاحية المطلقة في تطبيق تعريف الغائب وتحديد هويته، وتتمتع قرارته بحصانة تجعلها غير قابلة للنقض، وهو ما يعني أنه حتى ولو أخطأ القيم في تحديد هوية أحد الفلسطينيين الغائبين، فلن يكون بإمكانه استرجاع أملاكه.
الخطوة الثانية تتمثل في نقل ملكية أراضي اللاجئين إلى وكالة شبه حكومية تُعرف باسم إدارة سلطة التطوير، التي تنقل تلك الأراضي والعقارات لصالح الصندوق القومي اليهودي، لتأتي بعد ذلك الخطوة الأخيرة المتمثلة في بيع الصندوق هذه الممتلكات للراغبين من المستوطنين اليهود، سواء المقيمين في فلسطين، أو الذين هاجروا إليها للتو باحثين عن الاستقرار فوق الأراضي الفلسطينية المغتصبة.
يقودنا ذلك إلى الحديث عن الصندوق القومي اليهودي JNF الذي يُعد إحدى أهم المؤسسات التي انبثقت عن الحركة الصهيونية، وكان ركيزة أساسية في تمويل إقامة دولة إسرائيل عام 1948. وتشير دكتورة إلهام شمالي في كتابها الصندوق القومي اليهودي ودوره في خدمة المشروع الصهيوني إلى أن الصندوق نشأ في بريطانيا عام 1901، أي قبل صدور وعد بلفور بستة عشر عاما، وأُسندت إليه مهمة الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، وذلك حتى تأسيس الفرع الإسرائيلي من الصندوق عام 1950.
تؤكد شمالي أن رواد الحركة الصهيونية أدركوا مبكرا أهمية وجود مؤسسات اقتصادية تدعم تجسيد رؤى المشروع الصهيوني على أرض الواقع، وكان الصندوق القومي اليهودي إحدى هذه المؤسسات التي لعبت دورا في شراء الأراضي في البداية من مُلاك يهود ليسوا من الفلسطينيين أو العرب، وهي صفقات البيع التي اتسمت بقدر كبير من السرية والكتمان تجنبا لإثارة الانتباه.
ورغم ذلك، لم ينجح الصندوق اليهودي في حيازة قدر معتبر من الأراضي إلا بُعيد فرض الانتداب البريطاني على فلسطين، حيث نقل البريطانيون ملكية العديد من الأراضي إليهم وسهَّلوا منحها لليهود. وفي أعقاب الاستيلاء على الأراضي، تولى الصندوق مهمة إقامة المستوطنات على الأراضي التي استولى عليها، وتوفير بيئة استيطانية مواتية للمهاجرين.
إلى جانب قانون أملاك الغائبين وقانون استملاك الأراضي المُكمِّل له، هناك قانون نزع الملكية للمصلحة العامة الصادر عام 1943، الذي يُعد من بقايا قوانين الانتداب البريطاني في فلسطين، وعُدِّل فيما بعد لخدمة المصالح الاستعمارية الصهيونية. ويسمح القانون لسلطات الاحتلال بمصادرة الأراضي والممتلكات بدعوى المصلحة العامة للدولة وبرامج التطوير والدواعي الأمنية.
وتحت إطار هذه الذرائع فقد المجتمع الفلسطيني معظم أراضيه، التي استُخدمت فيما بعد في بناء المستوطنات ومعسكرات التدريب الإسرائيلية. ووفقا لتقارير صادرة عام 2022، وصل عدد المستوطنين في الضفة الغربية ومدينة القدس المحتلة إلى أكثر من 726 ألف مستوطن، وبلغ عدد المستوطنات 176 مستوطنة، و186 بؤرة استيطانية، كما صادرت سلطات الاحتلال عشرات الآلاف من الدونمات من الأراضي بذريعة تأسيس حدائق عامة ومحميات طبيعية.
كما ذكرنا، تمر عملية الاستيلاء الصهيوني على الأراضي والممتلكات الفلسطينية بمراحل تتواطأ عبرها أكثر من جهة ضمن منظومة صُمِّمت خصوصا لهذا الغرض، وتشمل الصندوق القومي لليهود ودائرة أراضي إسرائيل، بالتعاون مع الجمعيات الاستيطانية التي تُسهِّل استيلاء المستوطنين على أملاك الفلسطينيين.
وتشمل القائمة جمعيات مثل إلعاد وعطيرت كوهنيم، التي تتوسع مهامها في كثير من الأحيان إلى استهداف أحياء فلسطينية كاملة تمهيدا لإخلائها من سكانها حتى لو لم يكونوا غائبين وفق التعريف الإسرائيلي.
لنأخذ شرق القدس مثالا على هذا النهج. في عام 2020، أعدَّت حركة السلام الآن، وهي حركة إسرائيلية تُناصر حل الدولتين، تقريرا مطولا بعنوان استخدام قانون أملاك الغائبين لسلب أملاك الفلسطينيين شرق القدس، استشهدت فيه بالعديد من الوثائق والشهادات حول الطرق والأساليب المتبعة داخل إسرائيل لاستغلال قانون الغائبين بطريقة وصفتها بعض الأحكام القضائية الإسرائيلية بالفساد.
أحد هذه الأساليب يتمثل في قيام الجمعيات الاستيطانية بتجنيد أفراد للإبلاغ عن الممتلكات المستهدفة، باعتبارها مملوكة لغائبين، وذلك رغم أن العائلات المالكة لها تعيش داخلها بالفعل، وهم مَن أُطلق عليهم مصطلح الحاضرين الغائبين.
وفقا للتقرير، يتلقى القيم على أملاك الغائبين هذه الإفادات، ودون التحقق منها، يعمل على إصدار قرارات بنقل هذه الممتلكات إلى الصندوق القومي اليهودي، الذي بدوره يعمل على بيعها لجمعيات المستوطنين. نتيجة لذلك، يُفاجأ السكان الفلسطينيون في القدس المحتلة بتلقي دعاوى قضائية تطالبهم بإخلاء منازلهم لأنها بيعت من قِبَل الدولة إلى اليهود، مما يجرهم إلى صراع قضائي محموم وباهظ التكاليف في محاولة لإثبات ملكيتهم لأراضيهم ومنازلهم.
في الإطار ذاته، يعرض المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية مدار تقريرا تتبع فيه تجربة عائلة سمرين في بلدة سلوان نموذجا على تطبيق مثل هذه السياسات.
فقد أعلن القيم منزل العائلة أواخر ثمانينيات القرن الماضي من أملاك الغائبين، وذلك رغم أنهم عاشوا داخل العقار جيلا بعد جيل؛ إذ كان مملوكا للحاج موسى سمرين الذي بناه في أربعينيات القرن الماضي، ونقل ملكيته إلى ابن أخيه محمد سمرين قبل وفاته، لكن بعض المستوطنين ادّعوا أن المنزل تابع لمستوطنة مدينة داود، وفي عام 1991 تلقت الأسرة إخطارا بالإخلاء، لتنهمك عائلة سمرين بعد ذلك في صراع قضائي كلَّفها 400 ألف دولار أميركي من أجل إثبات ملكية منزلها. وبعد ثلاثين عاما من المعاناة، تمكنت الأسرة من اقتناص حكم قضائي -نادرا ما يحدث- يمنحهم حق البقاء في العقار.
شرح الدكتور عبد اللطيف خضر سده في كتابه الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية من منظور القانون الدولي كيف توسع قانون أملاك الغائبين ليشمل الحاضرين أيضا، مُشيرا إلى أن الأجهزة والهيئات التابعة للاحتلال بالمشاركة مع الجمعيات الاستيطانية قاموا بإلصاق صفة الغائب بكل فرد غادر منزله أو أرضه حتى لبضعة أمتار، وبهذه الطريقة قاموا بالاستحواذ على أملاك 30 ألف فلسطيني، رغم أنهم لم يغادروا أرض فلسطين.
وقد اتبع المستوطنون في ذلك عدة طرق، اعتمدت في أغلبها على التزوير، إحدى هذه الطرق كان الاستيلاء على العقارات التي توفي أصحابها أو رحلوا، وفي بعض الأحيان، دفع المستوطنون لسماسرة عرب وفلسطينيين من أجل إخفاء أو تمويه أوراق ثبوت ملكية البيوت التي يريدون الاستحواذ عليها.
وفي السنوات الأخيرة اتبعوا نهجا جديدا يتمثل في بيع العقار الواحد أكثر من مرة، حتى ينتهي به الحال في حوزة أحد المستوطنين الإسرائيليين، وهي الطريقة المتبعة للاستيلاء على 40 عقارا داخل بلدة سلوان قبل سنوات.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فمن ضمن مزاعم المستوطنين ادعاء أن ملكية المنازل تعود لأفراد يهود خسروا ممتلكاتهم عندما وقعت الضفة والقدس تحت سيطرة الأردن عام 1948، مستغلين في ذلك أن القانون الإسرائيلي يمنح المواطنين اليهود الحق في المطالبة باستعادة أملاكهم.
مثال على ذلك ما حدث في عام 2021 حين أصدرت محكمة إسرائيلية قرارا بإخلاء 7 منازل في حي الشيخ جراح شرقي البلدة القديمة من ساكنيها الفلسطينيين بدعوى أنها تعود لعائلات اليهودية، غير معترفة بصكوك الملكية الممنوحة من قِبَل السلطات الأردنية.
وإذا فشلت هذه الإجراءات والأُطر جميعا في انتزاع الأراضي التي ترغب إسرائيل في نزعها، أو أثارت مقاومة الفلسطينيين غير الراغبين في التخلي عن أملاكهم، فلدى الاحتلال وسيلته المفضلة التي لا تخلو منها جعبته أبدا وهي العنف.
وتخليدا لهذه الحقيقة، يُحيي الفلسطينيون في 30 مارسآذار من كل عام ذكرى يوم الأرض، وهو التاريخ الذي يعود إلى احتجاجات عام 1976، عندما فقد ستة فلسطينيين أرواحهم برصاص شرطة الاحتلال، أثناء احتجاجاتهم على مصادرة سلطات الاحتلال الإسرائيلي 20 ألف دونم من الأراضي في ست قرى رئيسية من الجليل.
يمتلك الجليل تحديدا قصة خاصة تصلح لفهم سياسة إسرائيل في نهب الأراضي. يشير الكاتب والمحلل السياسي البريطاني بن وايت، في ورقة بحثية نُشرت عام 2010 في موقع ميدل إيست مونيتور بعنوان الفلسطينيون داخل الديمقراطية الإسرائيلية تهويد الجليل، إلى أن هناك طريقتين استخدمتهما إسرائيل من أجل تهويد منطقة الجليل في شمال الأراضي المحتلة ونزع هويتها الفلسطينية، الأولى من خلال مصادرة الأراضي الفلسطينية، والثانية كانت من خلال الاستيطان.
قامت سلطات الاحتلال بتصنيف 100 قرية في الجليل بأنها غير معترف بها، ولأن دولة الاحتلال تستحوذ على المجالس البلدية والإقليمية في المنطقة، استخدمت هذه الحجة في السيطرة على البنية التحتية للقرى للتحكم في وصلات المياه والكهرباء، كما امتنعت عن إصدار أذونات بناء المنازل والمدارس، وهو ما جعل الفلسطينيين عُرضة لهدم منازلهم في أية لحظة بحجة المخالفات القانونية لعدم حيازة تصاريح البناء.
في الوقت ذاته، عملت دولة الاحتلال على خلق بؤر استيطانية صغيرة في قلب المجتمعات الفلسطينية بهدف تفتيت الكتلة العربية، بحسب وايت.
في هذه الأثناء، لا يجلس المستوطنون في البؤر الصغيرة مكتوفي الأيدي، بل يعمدون إلى استغلال وجودهم على أطراف وحدود القرى فى الإغارة على الفلسطينيين، وهو نمط انتقل من الأراضي المحتلة عام 1948 مثل الجليل إلى الأراضي المحتلة بعد عام 1967 في الضفة الغربية والقدس.
من ذلك ما حدث في شهر يوليوتموز الفائت، عندما تسلل المستوطنون إلى منزل جواد أبو ناب، في حي بطن الهوى ببلدة سلوان في القدس، واستولوا عليه مستغلين عدم وجود أحد من ملاكه في الجوار. وبالمثل في سبتمبرأيلول الماضي، اقتحم نحو 50 مستوطنا إسرائيليا منزلا مملوكا لعائلة أبو الهوى في حي جبل الزيتون بالقرب من المسجد الأقصى، ووفقا لرواية العائلة فقد خلع المستوطنون باب المنزل ودخلوه فجرا، قبل أن يتمكن المستأجر الجديد من الانتقال إليه.
رُصِدَ هذا النمط بوضوح في الوثائقي الاستقصائي بعنوان الخلاص المقدس، الذي أعدّته قناة تي آر تي TRT التركية وصُوِّر في الشهر الثاني من الحرب على غزة، وحصد مؤخرا جائزة أفضل فيلم في مهرجان الجزيرة بلقان للأفلام الوثائقية في دورته السابعة.
يروي الوثائقي قصة شباب التلال، وهي أكثر المنظمات الاستيطانية عنفا وعدائية، حيث يتدربون منذ حداثة سنهم على استخدام العنف ضد الفلسطينيين وممارسة القتل والترهيب، ويُكرِّسون حياتهم لمهاجمة القرى الفلسطينية ليلا وترويع سكانها، وذلك من أجل إجبار الأهالي على إخلاء منازلهم وأراضيهم والرحيل. وقد كان من بين شباب التلال المجموعة التي أضرمت النيران في منزل علي دوابشة الرضيع الذي مات محترقا عام 2015 في قرية دوما الفلسطينية وهو لم يتجاوز ثمانية عشر شهرا.
بالتزامن مع الحرب الوحشية التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، كانت هناك فيما يبدو معركة أخرى تجري وراء الكواليس، إذ تسارعت وتيرة غارات المستوطنين على أراضي ومنازل الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس. وفي المشهد الأخير من الفيلم الوثائقي، نرى المستوطنين وهم يستقلّون سفينة في طريقهم إلى أقرب مكان ملاصق لقطاع غزة استعدادا لاستيطانها، فوق جثث أكثر من 42 ألف فلسطيني وزهاء 100 ألف مصاب، وفوق أنقاض الآلاف من المباني المهدمة التي تركها أهلوها رغما عنهم، في مشهد يكرر نفسه بلا نهاية. | https://www.aljazeera.net/history/2024/10/23/%d8%a3%d9%85%d9%84%d8%a7%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%a7%d8%a6%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%b3%d8%b1%d9%82-%d8%a8%d9%86%d9%8a%d8%a7%d9%85%d9%8a%d9%86 | 2024-10-23T01:15:58 | 2024-12-05T08:02:27 | أبعاد |
|
109 | كيف أحل مشكلاتي مع زوجتي؟ علماء النفس ينصحون بهذه الخطوات | إذا كُنتَ تُعاني من مشكلات مع زوجك أو زوجتك، وتبحث عن حلول وخطوات مباشرة لحلّها، فأنتَ في المكان الصحيح، وننصحك بأن تُكمِل قراءة هذا المقال لتتعرّف على أهمّ الخطوات والتقنيات التي ستُساعدك. | إذا كُنتَ تبحَث عن علاقة زوجية لا خلافات فيها، فأنتَ قد تطلب المُستحيل، بل إنّ علماء النفس يقولون بأنّ الغياب التامّ للخلافات الزوجية بشكلٍ مُطلَق ودائم قد يكون مُؤشّرًا على قُرب انتهاء العلاقة ووصولها إلى مرحلة البرود واللامبالاة والتبلّد الشعوري لدى الزوجين. وفي الوقت نفسه فإنّ بقاء العلاقة الزوجية في حالة توتّر دائم وخلافات حادّة ومشكلات متواصلة هو مؤشّر غير صحّي أيضًا. لذلك ينصح علماء النفس والمعالجون النفسيون المختصّون بالعلاقات الزوجية بأن يتعلّم الأزواج كيف يُديرون خلافاتهم ومهارات حلّ المشكلات، بل إنّ الخلافات الزوجية قد تكون فرصة لتقوية العلاقة مع زوجك أو زوجتك وتعميق ارتباطكما العاطفي والوجداني إذا تمكّنتم من تجاوزها بطريقة واعية وناضجة.
إذا كُنتَ تُعاني من مشكلات مع زوجك أو زوجتك، وتبحث عن حلول وخطوات مباشرة لحلّها، فأنتَ في المكان الصحيح، وننصحك بأن تُكمِل قراءة هذا المقال لتتعرّف على أهمّ الخطوات والتقنيات التي ستُساعدك على حلّ مشكلاتك الزوجية واستعادة العافية والحبّ مع زوجكِ أو زوجتِك. وإذا كُنتَ تُريد أن تعرف أكثر عن الأسباب النفسية للخلافات الزوجية وجذورها وكيفية تكوّنها، فننصحك بقراءة النُسخة المُوسّعة من هذا المقال بعنوان أنت تحتاج للمشاكل الزوجية.. لكن، كيف وماذا تفعل لإدارتها؟
يحذر المعالج، ميجان كاستون، من الخلافات النابعة من نقص التواصل، والتوقعات التي بناها الزوجان تجاه بعضهما دون التعبير عنها وعن احتياجاتهما، ليرى أنه من المهم التحدث مبكرا قبل أن يتراكم الاستياء والغضب. وعلى الرغم من أن رأي كاستون قد لا يبدو وكأنه أكثر الطقوس رومانسية، فإنه يقترح تحديد اجتماع عمل للزواج، حيث يتطرق الشريكان فيه إلى كل شيء.
بعض الأزواج يحددون باستمرار موعدا لمعالجة مخاوف العلاقة، بدلا من طرح الصعوبات والأمور التي تحتاج إلى تحسين بشكل عشوائي، فوجدوا أنه من المفيد استثمار حوالي ساعة على أساس أسبوعي أو شهري لحل مجالات الخلاف، ما جعل الأزواج يتطلعون إلى قدوم الوقت المتفق عليه، لأنهم يعرفون أنهم فيه سيحظون بكامل باهتمام شريكهم.
يخبرنا مدرب العلاقات المعتمد ومؤسس تطبيق استشارات الزواج Lasting ستيفن دزيدزيتش أن الطريقة التي تبدأ بها المحادثات تؤثر بشكل كبير على مجرى الحديث. فالأزواج في العلاقات الصحية قد يكونون متعبين، أو جائعين، وربما لا يشعرون بأنهم على ما يرام، أو أنهم شاردون، أو يسيئون الفهم مثلنا تماما. هنا يبزغ الضيق وتحضر المشكلات، لذا امنح نفسك برهة للتفكير، هل أضع شريكي في موقف هجومي عندما أتحدث عن المشكلات أم أتراجع أحيانا تاركا له فسحة للتعبير؟
يشرح ستيفن الطريقة التي تبدأ بها الحوار في ثلاثة أجزاء نبرة صوتك، ومستواه، والكلمات التي تتلفظ بها. إذا استشعر الطرف الآخر القسوة في إحداها، فمن المحتمل أن تأخذ المحادثة منحنى عدائيا.
تعتبر المقاطعة أثناء الحديث سببا رئيسيا لزيادة المشاحنات وتفاقم المشكلات، لذا يقترح تشابمان أن يتفق الطرفان على حد زمني يلتزم به الشريك في مشاركة أفكاره ومشاعره. يساعد تعيين فترة محددة للحديث على التركيز على الاستماع، عوضا عن صم الأذنين وصب كامل الانتباه إلى الداخل، فالآن بات هذا الشريك على علم بأنه سيحين دوره في النقاش، ومن ثَم لم يعد مضطرا للمقاطعة لتوضيح نقطة أو الطعن في صحة أخرى.
إذا واجه الزوجان مشكلة عويصة تحتاج التعامل معها، ليبدأ بالاتفاق. لاحظ الدكتور جوتمان أن الأزواج الناجحين الذين ظلوا معا لفترة طويلة يتقنون اللطف، يقدمون القضايا بطريقة ودية من خلال عدم البدء بالنقد مطلقا. لذا يعد البدء بالاتفاق هو أفضل طريقة لتجنب الجدال وبدء المناقشة. ابحث عن شيء يمكنك الاتفاق عليه، وابدأ من هناك.
في خضم الشجار، حاول أن تنظر إلى العالم من خلال عيون من تحب، اجتهد لفهم كيفية رؤيته للمشكلة وما يشعر به ثم اطرح أسئلة للتوضيح، كما يوصي الدكتور غاري تشابمان، مستشار الزواج، إذ يقول إنه بمجرد أن تفهم حجة شريكك، ينصح بقول شيء على شاكلة أعتقد أنني أفهم ما تقوله، وما تشعر به، وهذا منطقي للغاية. هذه الجملة كفيلة بإعلان صداقتك وسحق العداوة التي خلقت مناخا مشحونا بالتوتر.
فمن النادر جدا أن تشعر بأنك مسموع ومفهوم حقا، لهذا ينصح الأزواج بطرح أسئلة تُظهر أيضا أنهم يحاولون فهم شريكهم بشكل حثيث، كأن يقول أخبرني المزيد، ولم أفهم الأمر بعد، لكن من فضلك استمر. القيام بذلك يساعد المستمع على تنمية التعاطف، ويمكّن المتحدث من الشعور بأنه مسموع.
تدبر ما وراء الجدل، اجلس مع شريكك أو دوّن في مفكرتك، وراجع جميع الحجج التي أثرتها مؤخرا أو أي مشكلات كبيرة انبثقت خلال الأشهر القليلة الماضية، حاول تحديد الأنماط الموجودة تحت الحجج، بمجرد تحديد الأنماط الخاصة بك، حدد بوضوح جانب كل شريك في النقاش، افعل ذلك بعبارات غير قضائية، على سبيل المثال، يمكن أن تكون المشكلة هي الإنفاق، أنت تحب التمتع بوجبة عشاء في الخارج بانتظام، بينما تحب زوجتك التوفير من أجل شيء كبير. كلاكما ليس على خطأ، ولكن بهذه الطريقة تعرفان موقفكما.
يقول دزيدزيتش تحت كل شجار، هناك حاجة عاطفية لم تتم تلبيتها. على سبيل المثال، لم يقم زوجك بفعل شيء ما على الرغم من أنك طلبت ذلك عشرات المرات، فتتجادلان، لكن الكلمات الخفية خلف الأعمال الروتينية يمكن أن تكون شيئا مثل لا أشعر بالتقدير أو لا أشعر أني آتي في المقام الأول من أولوياته. عندما تأخذ الوقت الكافي للتعمق أكثر في المشكلة والاستجابة، يتأتى لك معالجة الحاجة العاطفية الأساسية وتحقيق فهم أكبر. يضيف دزيدزيتش أيضا يجب ألا تفترض أبدا أن شريكك يعرف ما تشعر به، أخبره.
أحد أسباب اندلاع الخلافات الصغيرة باستمرار هو عدم كف الشريكين عن استحضار مشكلات سابقة فيما هما منهمكان في خوض نقاش حالي، لذا يفضل محاولة تجنب أشياء من قبيل أنت تفعل هذا دائما أو هذا من شيمك أو أنت لا تفعل ذلك أبدا، لا تستدعي الحجج أو الخلافات السابقة، لأن ذلك لن يؤدي إلا إلى تفاقم المشكلة وعدم النظر إليها بحجمها الحقيقي، وإنما من ظلها الضخم المنعكس على جدار مشيد من السخط.
يشيع أثناء الجدل أن يجد أحد الشريكين أو كلاهما نفسه في وضع القتال أو الهروب أو التجميد عندما يخالون أنهم قد يكونون في خطر. يشير مصطلح القتال أو الهروب إلى الوقت الذي تنشط فيه هرمونات التوتر لإعطاء الناس المزيد من الطاقة لمحاربة الضغوطات أو الهروب من الموقف. ويحدث وضع التجميد عندما لا يتفاعل الشخص ببساطة على الإطلاق، على أمل أن يفقد العامل المجهد الاهتمام بالتشاجر.
هنا يكون حل المشكلات أمرا مستبعدا للغاية، لأن كل شخص يركز فقط على الرد على التهديد المتصور الذي يشعر به من شريكه. فإذا كان هناك شخص واحد فقط في وضع القتال أو الهروب أو التجميد، بينما يحاول الآخر حل المشكلة، فقد يحبط كلاهما ويحتدم الخلاف. ويمكنك تأطير هذه المهلة بطريقة لا تجعل شريكك يشعر وكأنك تذهب بعيدا، ربما يقول أحدهم حسنا، أحتاج 10 دقائق لأهدأ، عند العودة إلى المناقشة بعد فترة التوقف القصيرة، قد تأتي إمكانية إحراز تقدم حقيقي.
ليس لدينا لغات حب مختلفة فحسب، وإنما لغات اعتذار مغايرة أيضا. لا يكفي أن تدرك أنك جرحت من تحب وأنك مدين له بالاعتذار، عليك أن تعرفه بما يكفي لتكييف اعتذارك وفقا لاحتياجاته. يقول أوستراندر مستشار الأزواج يريد بعض الناس إيماءات كبيرة، بينما يكفي أحيانا أن تقول أنا آسف حقا لأنني آذيت مشاعرك، وسأحرص على عدم القيام بذلك مرة أخرى.
هي مجموعة أسئلة طوّرها عالم النفس آرثر آرون وزملاؤه عبر سلسلة من الدراسات ووجدوا أنّها فعّالة في خلق المشاعر الحميمية وتقويتها. وتقوم فكرة هذه الأسئلة على الانفتاح للآخر، أيّ أن تكون قادرا على الإفصاح عن نفسك، عن ضعفك وعن مخاوفك وآمالك وتطلّعاتك أمام شريكك دون الشعور بالحرج. تناول أنتَ وزوجك سؤالين يوميا، وحاول أن تكون بالترتيب، حيث إنّ الأسئلة مرتّبة بحسب درجة الإفصاح، وحاولَا أن تمنحا نفسيكما أكثر وقت ممكن في الإجابة، وأن تستوضحا عن كلّ إجابة بالمزيد من الأسئلة، مثل لماذا؟ وكيف؟ ومنذ متى؟
يضطلع التطبيق بمهام صغيرة، كتوجيه رسائل تذكير لشريكك تعبيرا عن الامتنان في وقت محدد من اليوم، ومهام كبيرة مثل إرشادك إلى كيفية بدء محادثة عادية أو التطرق إلى أمر جلل. يستند التطبيق على ما يتجاوز الـ300 دراسة عن الزواج، غالبيتها العظمى من أربعة من علماء نفس العلاقات الرائدين، وقد تأسس على نهج د. جون وجولي جوتمان الأكثر استخداما لعلاج الأزواج، وتعطي الأولوية للتعلق كوسيلة لتقوية العلاقة، ليتمحور التطبيق إلى حد ما على سؤال هل أنت موجود من أجلي؟، ويدمج التطبيق بين المسارات الصوتية والمقالات حول علم النفس وصحة الزواج، ثم يترجمها إلى تمارين.
يخترق كتاب The Seven Conflicts الطبقة الشائكة من المشكلات الزوجية، هادفا إلى توعية الزوجين بآلية خلافاتهما وطبيعتها لأجل التعامل معها بطريقة تعضد علاقتهما وزواجهما. لا يطرح المؤلفان حلولا قدر اجتهادهما في توجيه القارئ لتعزيز طريقة استجابته للإشكال ومعالجته. لتنتهي الفصول المتعلقة بالصراعات السبعة بقائمة موجهه لك لتقييم ذاتك والإجابة عن بضعة أسئلة حول ما أثير.لا تتوفر ترجمة حتى الآن.
في هذا المقطع، تتحدث الكاتبة فانيسا فان إدواردز عن الخلافات الزوجية وكونها لا تتعلق بالمشكلة نفسها بقدر ما يتعلق بنقص التواصل، مسترسلة في سرد حقائق عنها مدعمة بأرقام. | https://www.aljazeera.net/sukoon/2022/3/31/%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%a3%d8%ad%d9%84-%d9%85%d8%b4%d9%83%d9%84%d8%a7%d8%aa%d9%8a-%d9%85%d8%b9-%d8%b2%d9%88%d8%ac%d9%8a%d8%9f-%d8%b9%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d8%b3 | 2022-03-31T11:51:54 | 2024-05-26T11:29:02 | أبعاد |
|
110 | ماذا تعرف عن إمبراطورية لوكهيد مارتن التي تُشعل ساحات الحروب بالعالم؟ | في عام 2023، تصدرت شركة “لوكهيد مارتن” الأميركية قائمة شركات الصناعات الدفاعية الأكثر مبيعا على مستوى العالم في العام المالي 2023، فكيف وصلت الشركة لهذا المستوى، وما قصة تأسيسها؟ | في منتصف شهر أكتوبرتشرين الأول من عام 2024، حل الضيف الأميركي الذي لطالما انتظره جيش الاحتلال الإسرائيلي. هذا الضيف لم يكن عضو كونغرس أو وزير الخارجية الأميركي كما جرت العادة، بل منظومة دفاع صاروخي اسمها ثاد، وهي المخصصة لاعتراض الصواريخ الباليستية بعيدة المدى في إطار سعي واشنطن للدفاع عن إسرائيل أمام الصواريخ الباليستية الإيرانية.
تأتي هذه المنظومة ضمن الحزمة العسكرية والمالية واللوجستية الضخمة التي أرسلتها الولايات المتحدة إلى إسرائيل منذ السابع من أكتوبرتشرين الأول الفائت. وفي حين أن أميركا التي وصلت إلى مستوى غير مسبوق من الدَّين الوطني هي مَن تتكفل ماديا بهذه الحزمة، فإن مَن يجني أرباح هذا التعاون والدعم الأميركي غير المحدود هي شركات الأسلحة الأميركية الكبرى، التي وصلت أرباحها هي الأخرى إلى مستويات قياسية، وعلى رأسها شركة لوكهيد مارتن الأميركية التي تقف وراء صناعة منظومة ثاد للدفاع الصاروخي، وغيرها من الأسلحة الفتاكة مثل إف-16 وإف-35.
ففي عام 2023، تصدرت شركة لوكهيد مارتن الأميركية قائمة شركات الصناعات الدفاعية الأكثر مبيعا على مستوى العالم في العام المالي 2023، حيث بلغت مبيعات الشركة 64.6 مليار دولار أميركي مقارنة بـ63.3 مليار دولار في عام 2022، مع أرباح بلغت 6.9 مليارات دولار ونسبة نمو 2، ويتوقع أن تختتم الشركة هذا العام بنسبة أرباح قياسية أخرى.
في المقابل، حققت شركة الصناعات الدفاعية الأوكرانية أعلى نمو بين الشركات الدفاعية في العام ذاته، حيث بلغت نسبة النمو 72 مع مبيعات تقدّر بـ2.2 مليار دولار، فيما لم تظهر في القائمة أية شركة روسية أو يابانية، بسبب رفض هذه الشركات -وحكوماتها أيضا- الإفصاح عن البيانات المتعلقة بمبيعاتها في عام 2023.
وعموما، استطاعت أكثر من ثلاثة أرباع الشركات المدرجة في قائمة أفضل 100 شركة لهذا العام أن تحقق ارتفاعا في إيراداتها الدفاعية، فيما شهد إجمالي إيرادات الدفاع للدول المصنّفة، أي التي يمكن الوصول إلى بياناتها فيما يخص عمليات بيع وشراء الأسلحة ارتفاعا بنسبة 13 عن عام 2022.
يعكس هذا النمو زيادة الإنفاق الدفاعي من قِبَل الدول في مختلف أنحاء العالم، ويأتي ذلك في خضم الحرب الروسية الأوكرانية والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، فضلا عن التوترات القائمة في منطقة آسيا والمحيط الهادي.
تأسست لوكهيد مارتن عام 1995 إثر اندماج شركتَيْ لوكهيد ومارتن ماريتا، وهما ثاني وثالث أكبر شركات الصناعة الدفاعية الأميركية في ذلك الوقت. وفي عام 1996، استحوذت الشركة على وحدة الإلكترونيات وأنظمة الدفاع من مؤسسة لورال الأميركية في صفقة بلغت قيمتها 9.1 مليارات دولار.
المفارقة أن كلًّا من الشركتين لوكهيد ومارتن تأسس في العام ذاته وهو عام 1912، مثلما أن بداية كلٍّ منهما تعلّقت باستثمارات الطيران والنقل الجوي، حيث كان بناء تصاميم للطائرات العائمة نموذج جي هو أول مشاريع لوكهيد، التي تأسست على يد الشقيقين آلان ومالكوم لوغهيد، وعُرفت في بداياتها باسم شركة ألكو للطائرات المائية. وبشكل مماثل، تأسست مارتن على يد رائد الطيران الأميركي غلين مارتن بغرض المساهمة في صناعة الطيران.
ومع ذلك، سرعان ما تقدمت الشركتان نحو تطوير المعدات الدفاعية والأنظمة الصاروخية على حساب الاهتمام بصناعة الطيران التجاري. شركة مارتن على وجه الخصوص بادرت مبكرا إلى ذلك، حيث زوّدت الجيش الأميركي بقاذفة القنابل طراز إم بي 1 عام 1918 مع نهاية الحرب العالمية الأولى، بينما أتى تعاون لوكهيد الأول مع الجيش الأميركي في خضم الحرب العالمية الثانية، تحديدا عام 1940، من خلال تطوير المقاتلة الاعتراضية بي 38، ثم تطوير المقاتلة بي-80 شوتنج ستار التي تُعد أول مقاتلة نفاثة تدخل إلى الخدمة التشغيلية، وذلك عام 1945.
وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، كانت لوكهيد هي المطوّر الرائد في صناعة الطيران العسكرية الأميركية، حيث قامت بتزوّيد الجيش الأميركي بطائرات عدة، أبرزها مقاتلة إف 104 ستار فايتر خفيفة الوزن التي كانت أول طائرة عاملة قادرة على التحليق بسرعات تفوق ضِعْف سرعة الصوت أكثر من ماخ 2، كذلك طائرة الاستطلاع بعيدة المدى ذات المحركين طراز بلاك بيرد إس آر 71، وطائرة التجسس يو 2 عالية الارتفاع التي استطاعت التحليق فوق الاتحاد السوفيتي خلال فترة الحرب الباردة، إضافة إلى إطلاق أول طائرة شبحية في العالم من خلال النموذج التجريبي هاف بلو عام 1977، الذي تُوّجت أبحاثه بتطوير الطائرة الشبحية نايت هوك إف 117 عام 1981.
قدَّمت لوكهيد أيضا طائرة نقل القوات والإمدادات سي 130 التي عُدَّت طفرة في هذا المجال، بعدما أظهرت الحرب الكورية أن وسائل النقل الجوية الأميركية ليست ملائمة لأنواع المهام القتالية التي واجهها الجيش الأميركي آنذاك، حيث كانت بعض طائرات النقل المستخدمة من قِبَل الجيش الأميركي مقيدة بأوزان محددة، مما منعها عن نقل إمدادات ضخمة أو أعداد كبيرة من الجنود، فيما احتاج البعض الآخر إلى مدرجات إقلاع وهبوط أطول من المتوفر.
في المقابل، شقَّت مارتن طريقها بعيدا عن قطاع الطيران منذ حقبة الخمسينيات، بعدما مُنيت فيه بخسائر كبيرة، وفضَّلت الاتجاه إلى الاستثمار في القطاع الفضائي وتطوير أنظمة الصواريخ الباليستية، من خلال حصولها على عقد برنامج فانغارد الذي استهدف وضع قمر صناعي أميركي في مدار الأرض، ثم نيلها عقدا آخر من القوات الجوية الأميركية لبناء الصاروخ الباليستي العابر للقارات تيتان، وهي المجالات التي استهدفتها الولايات المتحدة آنذاك، في محاولة اللحاق بالاتحاد السوفيتي الذي سبق أميركا في المجالين.
بدورها، دخلت لوكهيد إلى مجال تطوير أنظمة الصواريخ في هذه الأثناء، ونجحت في إنتاج أجيال عدة من الصواريخ الباليستية لصالح قوات البحرية الأميركية، من ضمنها صواريخ بولاريس وترايدنت، كما توسعت الشركة في الاستثمار في تطوير أنظمة الفضاء والأنظمة البحرية، وكانت المسؤولة عن بناء وتكامل أنظمة تلسكوب هابل الفضائي.
ومع ذلك، ظلَّت الأعمال المتعلقة بصناعة الطيران والخدمات ذات الصلة تُمثِّل أكثر من 50 من مبيعات لوكهيد، حيث سعت الشركة إلى زيادة خطوط إنتاجها من الطائرات العسكرية عبر استحواذها على وحدة فورت وورث التابعة لشركة جنرال ديناميكس، التي كان منتجها الرئيسي مقاتلة إف 16 الشهيرة، ولا تزال أحد الأعمدة المهمة في مبيعات الشركة.
في الوقت الحالي، تدير الشركة 4 قطاعات أعمال رئيسية، وهي الطيران، والتحكم في الصواريخ والنيران، والأنظمة الدوّارة، إضافة إلى قطاع الفضاء. ولا يزال قطاع الطيران هو الأعلى مبيعا بين قطاعات الشركة، حيث مثَّل 41 من إجمالي إيرادات لوكهيد مارتن عام 2023 بقيمة بلغت 27.5 مليار دولار.
وفق ذلك، استطاع قطاع الطيران أن يتجاوز مبيعات عام 2022 بنحو نصف مليار دولار، رغم انخفاض مبيعات مقاتلة الجيل الخامس إف 35 خلال عام 2023 بمقدار 275 مليون دولار، وكذلك انخفاض الأرباح التشغيلية لبرنامج المقاتلة رابتور إف 22، لكن ذلك عُوِّضَ من خلال زيادة في عقود التطوير والاستدامة بمقدار 180 مليون دولار، وكذلك زيادة الطلب على طائرة إف 16 بمقدار 65 مليون دولار.
انخفاض مبيعات إف 35 كان نتيجة لتأخر عمليات التسليم عن جدولها المحدد، وهو الأمر القابل للتكرار في العام الحالي، حيث يُتوقع أن تقوم الشركة بتسليم ما بين 75-110 مقاتلة فقط في 2024، أي بانخفاض قد يصل إلى 50 من المستهدف البالغ 150 مقاتلة سنويا، وذلك بسبب التحديث الجديد لبرمجيات النظام المعروف باسم تي آر 3، الذي اتضح أن تعيينه يتطلب وقتا أطول من المتوقع، مما يعني أن التوجه لزيادة مبيعات إف 16 قد يكون أحد الحلول لتغطية انخفاض مبيعات قطاع طيران لوكهيد مارتن خلال العام الحالي.
جدير بالذكر أن الحكومة الأميركية قررت في وقت سابق تسليم الجيش الأوكراني طائرات إف 16 بغرض مساعدته في منع التقدم الروسي على الأرض الأوكرانية. وتشير التقارير إلى أن الدفعة الأولى من الطائرات قد وصلت إلى كييف بالفعل، فيما يؤكد الخبراء أن ترسانة أوكرانيا الجوية بحاجة إلى نحو 216 طائرة من مقاتلات إف 16 لصناعة الفارق في أرض المعركة، الأمر الذي من شأنه أن يغذي مبيعات لوكهيد مارتن خلال الأعوام القادمة.
في السياق ذاته، وافقت وزارة الخارجية الأميركية في ينايركانون الثاني الماضي على صفقة بقيمة 23 مليار دولار مع الحكومة التركية، تتضمن شراء تركيا لـ 40 مقاتلة إف 16 مع المعدات ذات الصلة بالطائرة، إضافة إلى تحديث 79 مقاتلة تمتلكها أنقرة من الطراز ذاته.
إضافة إلى ذلك، وقّعت بلغاريا عقدا لشراء 16 مقاتلة إف 16، ومن المتوقع أن تتلقى صوفيا الدفعة الأولى البالغة 8 مقاتلات في العام القادم. وعن ذلك تقول وزارة الدفاع البلغارية إن قواتها الجوية تواجه صعوبة في تنفيذ مهام مراقبة المجال الجوي بسبب نفاد مخزون موارد طائرة ميج 29 الروسية التي تمتلكها بلغاريا حاليا، لذلك تُشكِّل طائرة إف 16 أهمية بالغة لأمن الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي، خصوصا مع استمرار الحرب الأوكرانية.
ويأتي قطاع الأنظمة الدوارة وأنظمة المهام في المرتبة الثانية بعد قطاع الطيران في لوكهيد مارتن من حيث المبيعات، وقد مثَّل القطاع نسبة 25 من مبيعات الشركة عام 2023 بقيمة بلغت 16,23 مليار دولار. القطاع مسؤول عن تطوير وصيانة المروحيات العسكرية والتجارية والسفن، وأنظمة الدفاع الصاروخي البحرية والبرية، إضافة إلى أنظمة الرادار، وحلول المحاكاة والتدريب، والأمن السيبراني.
ومقارنة بعام 2022، حقق القطاع نموا بنسبة 1 نتيجة زيادة حجم مبيعات أنظمة برامج الحرب المتكاملة وأجهزة الاستشعار IWSS المستخدمة في برنامج أيجيس Aegis، وهو نظام إدارة قتالي مركزي وآلي القيادة، يربط بين أجهزة الاستشعار والشبكات والأسلحة المختلفة فوق سطح القطع البحرية، مما يُمكِّنه من كشف التهديدات وإزالتها بصورة آلية من خلال نظام دفاع صاروخي باليستي.
وبحسب ميزانية وكالة الدفاع الصاروخي الأميركية، تم الانتهاء من إعداد 49 سفينة تابعة للبحرية الأميركية بنظام أيجيس بحلول ديسمبركانون الأول 2023، فيما تُخطط البحرية لإضافة 7 سفن أخرى خلال العام الحالي، ومن المتوقع أن يصل عدد السفن المجهزة بالنظام إلى 69 سفينة بحلول عام 2030.
وبخلاف الولايات المتحدة، بِيعَ أيجيس إلى دول حليفة عدة هي اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا وإسبانيا والنرويج. وبينما يخلو النظام الذي بِيعَ إلى هذه الدول من القدرة على استخدام الصواريخ الباليستية الاعتراضية، فإن واشنطن سمحت لليابان فقط بامتلاك هذه القدرة، مما يعكس مخاوف واشنطن من النمو المتصاعد للبحرية الصينية، ورغبتها في وجود حليف يُعتمد عليه في ردع سيطرة الصين على المحيطين الهندي والهادي.
اعتلاء لوكهيد مارتن قائمة شركات الصناعات الدفاعية الأعلى مبيعا العام الماضي لا يعكس الأداء المتوقع منها وفق آراء الخبراء الماليين، حيث يشير هؤلاء إلى أن الشركة واجهت عاما صعبا، علاوة على ذلك، فإن مؤشرات العام الحالي بشأن الاستثمار في أسهم الشركة تعكس حالة أكبر من عدم اليقين.
في المقابل، تُظهر القائمة حضورا قويا لشركة صناعة الطيران الصينية AVIC التي تحتل المرتبة الثانية في القائمة، وحققت مبيعاتها الدفاعية نموا قدره 45 بين عامي 2022-2023، إذ بلغت قيمة هذه المبيعات في العام الماضي نحو 45 مليار دولار، بزيادة قدرها 14 مليار دولار عن العام الذي يسبقه.
وهذه الشركة الصينية مملوكة بالكامل من قِبَل الدولة، وتُشرف عليها لجنة الإشراف على الأصول المملوكة للدولة الصينية، وهي لجنة تابعة لمجلس الدولة الصيني، وهو ما يعتبره جيمس تايكليه، المدير التنفيذي ورئيس مجلس إدارة لوكهيد مارتن، تهديدا يمكن أن يقلص أو يتغلب على الهيمنة العسكرية والتقنية الأميركية، نظرا لأن قوة الحكومة الاستبدادية في الصين، وفق تعبيره، تستغل الاندماج المدني العسكري والصناعة التجارية لتعزيز مؤسساتهم العسكرية والدفاعية.
جدير بالذكر أن المبيعات التجارية خارج إطار مبيعات الدفاع لشركة صناعة الطيران الصينية بلغت 75 مليار دولار في عام 2023.
أما هذا الصدام بين لوكهيد مارتن وشركة صناعة الطيران الصينية ممتد الجذور، حيث أفادت تقارير عدة في عام 2009 أن مجموعة قرصنة سيبرانية صينية استطاعت الوصول إلى بيانات تتعلق بتصميم وأنظمة إلكترونيات المقاتلة إف 35 المطوّرة من قِبَل لوكهيد مارتن، فيما أشارت تقارير تالية إلى أن شركة صناعة الطيران الصينية استخدمت هذه البيانات في تطوير مقاتلاتها من طراز تشنغدو-جي 20 وطراز شنيانغ إف سي 31.
ومع ذلك، تضم جعبة مارتن صفقات عدة مع الحكومة الأميركية من شأنها أن تحفظ وجودها على رأس قائمة الشركات الدفاعية الأكثر مبيعا في السنوات المقبلة. وبخلاف برنامج تطوير المقاتلة الضاربة المشتركة الذي تبلغ قيمته 250 مليار دولار، وبرنامج دعم عمليات أسطول إف 35 بقيمة 6.6 مليارات دولار، الذي يتضمن إدارة سلاسل التوريد وصيانة المستودعات وتحليل البيانات، حصلت الشركة من الجيش الأميركي على عقد بقيمة محتملة تبلغ 4.4 مليارات دولار، مقابل تسليم 135 وحدة من المروحية العسكرية سيكورسكي بلاك هوك.
إضافة إلى ذلك، تشير تقارير مبيعات الربع الأول من العام الحالي إلى زيادة مبيعات الشركة بنسبة 14 مقارنة بالفترة ذاتها في العام السابق، فيما يتصدر قطاع الصواريخ والتحكم في النيران هذه الزيادة، بنسبة نمو بلغت 25 مع مبيعات تتجاوز 3 مليارات دولار.
أما هذا التحسن في مبيعات القطاع فمردّه، كما هو معلوم، عائد لزيادة الإمدادات العسكرية التي ترسلها واشنطن إلى كلٍّ من إسرائيل وكييف، حيث تُصنّع لوكهيد مارتن صواريخ هيلفاير AGM-114 لطائرات الأباتشي الإسرائيلية، وهي أحد أنواع الأسلحة التي استُخدمت على نطاق واسع في قصف غزة، وقد تسلَّم جيش الاحتلال نحو 2000 صاروخ منها في الفترة ما بين 7 أكتوبرتشرين الأول حتى 14 نوفمبرتشرين الثاني 2023، فيما أعلنت واشنطن في يونيوحزيران الماضي عن صفقة أخرى تضمنت تسليم 3000 صاروخ من الطراز ذاته.
مبيعات الشركة إلى إسرائيل خلال تلك الفترة تضمنت أيضا 100 قنبلة فراغية خارقة للتحصينات طراز BLU-109، فيما تؤكد التقارير استخدام جيش الاحتلال في هجماته على غزة نظام إطلاق الصواريخ المتعددة M-270 من تطوير لوكهيد مارتن، وهو نظام يعتمد على صواريخ موجهة متعددة الإطلاق من طراز GMLRS تقوم الشركة أيضا بإنتاجها.
أما على مستوى الحرب الأوكرانية، فقد انضمت إلى كييف مؤخرا وحدات جديدة من منصة الصواريخ المدفعية عالية الحركة هيمار، وهو نظام من تطوير لوكهيد مارتن، وبإمكانه حمل 6 صواريخ، فيما يبلغ مداه 80 كيلومترا.
ولتأكيد ذلك، أشارت لوكهيد مارتن إلى أنها بصدد مضاعفة إنتاج أنظمة هيمار خلال العام الحالي، وذلك لتلبية الاحتياجات المتزايدة بسبب الحرب الأوكرانية. في المقابل، أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا في وقت لاحق أن منطقة كورسك تعرضت للمرة الأولى لقصف بقاذفات صواريخ غربية الصنع، يُرجَّح أنها من طراز هيمار، خلال شهر أغسطسآب الجاري.
استفادة مارتن من الحرب الأوكرانية امتدت أيضا إلى أنظمة صواريخ جافلين المضادة للدبابات، حيث أشارت الشركة إلى أنها بصدد زيادة إنتاجها إلى 2400 وحدة سنويا، كما تتوقع أن تزداد الحاجة إلى النظام بحلول عام 2026 لتصل إلى قرابة 4000 وحدة سنويا.
إضافة إلى ذلك، سوف تسلم الشركة أكثر من 10 آلاف صاروخ من طراز GMLRS خلال العام الحالي، وذلك لإرسالها إلى ساحة القتال في أوكرانيا، كما تهدف إلى زيادة الإنتاج ليصل إلى 14 ألف صاروخ في العام المقبل، بغرض تلبية الاحتياجات المتصاعدة للحرب الأوكرانية. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/11/21/%d8%a5%d9%85%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d8%b7%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%88%d9%83%d9%87%d9%8a%d8%af-%d9%85%d8%a7%d8%b1%d8%aa%d9%86-%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d8%b5%d8%a7%d8%b1%d8%aa | 2024-11-21T15:27:48 | 2024-11-21T16:45:56 | أبعاد |
|
111 | نار تغلي في داخلي ماذا أفعل حين أشعر بالغيرة والشك؟ | هل يمكن أن نُحبّ دون أن نغار؟ وهل يكون للحبّ لذّة وخصوصية بدون الغيرة؟ حسنًا ثمّة آراء مختلفة هنا، لكنّ هناك مسألة واحدة لا خلاف فيها، هي أنّ الغيرة الزائدة تحوّل أي علاقة مهما كانت إلى جحيم. | يصفها النّاس عادةً بأنّها نّار تغلي في الصدر، شعور متداخل بين الغضب والحزن والألم والسخط في الوقت نفسه. شيطان يهمس في داخلك يجب أن تتدخّل، ينبغي أن تقول شيئًا أو أن تفعل شيئًا، يجب أن تُبعِد مصدر الغيرة. شيطان آخر في مقابله يوسوس لكنّك إذا فعلت ستبدو مثيرًا للشفقة، ستبدو طفوليًا، ستحرج نفسك، سيعرف الآخرون أنّك تغار. وبين هذين الشيطانين بين أن تشعر بأنّك مُكبّل وعاجز عن التدخّل وبين غضبك الذي يلحّ عليك للتدخّل تتولّد مشاعر جمّة متضاربة.
هل يمكن أن نُحبّ دون أن نغار؟ وهل يكون للحبّ لذّة وخصوصية بدون الغيرة؟ حسنًا ثمّة آراء مختلفة هنا، لكنّ هناك مسألة واحدة لا خلاف فيها، هي أنّ الغيرة الزائدة تحوّل أي علاقة مهما كانت إلى جحيم، إلى كابوس وغرفة مظلمة موحشة قد تدفع الأزواج أحيانًا إلى عدم الرغبة بالرجوع إلى البيت، وقد تدفع الزوجات إلى تجنّب النقاش وإخفاء التفاصيل تجنّبًا لمشكلات سبق وأن أثبتت الغيرة فيها قدرتها على تحويل النقاش إلى صراخ عقيم وتكسير ونوبة غضب هستيرية. ماذا أفعل حين أغار؟ وكيف أتصرّف حين أشعر بالغيرة والشكّ؟ نستعين في هذا المقال بمقولات الأخصائيين النفسيين الذين يعملون في حقل علم نفس العلاقات كي نساعدك على إدارة مشاعرك وتحسين جودة علاقتك وحتّى لا تسمح للغيرة بتدمير علاقتك الزوجية والعاطفية.
تعرف الغيرة بوصفها رد فعل إنسان ينتابه الغضب والحزن والريبة والألم والشفقة على الذات والإذلال، وربما باستجابات جسدية كالارتجاف والدوار والاكتئاب وصعوبة النوم، وذلك لخشيته من تهديد منافس محتمل، حقيقي أو متخيل لعلاقته أيا تكن طبيعتها12. وهي عاطفة حتمية قد يختبرها كل منا لكونها متأصلة فينا. يراها ديفيد بوس، أستاذ علم النفس في جامعة تكساس، إشارة إلى أن شريك حياتنا ذو اليد العليا في العلاقة، أو أننا مهددون وخائفون حقا من أن يتخلى عنا. من شأن إدراك كهذا أن يقودنا إلى مزيج من السخط وتذبذب الثقة بالذات والحرج واللاطمأنينة، لذا نتعمد قمع التعبير عن الغيرة3.
تجزم إستر بيريل، المعالجة النفسية المتخصصة في العلاقات الأسرية، أن الغالبية العظمى من الأزواج لا يتحدثون عن الغيرة، لأن الشعور نفسه من المحرمات4، بينما هو في صميمه جزء من تجربة الحب متعددة الطبقات، البعض منه كفيل بتحسين حياتنا الرومانسية وبث الطمأنينة في العلاقة.
يخلص المنظرون إلى أن العلاقات الخالية من الغيرة ربما تكون دليلا على قلة اهتمام الشريك5. وفي الشأن نفسه، يؤمن علماء النفس التطوريون أن الغيرة ليست عاطفة سلبية، بل تحذير يجب الاستماع إليه بأن علاقة مهمة في خطر، وأنك تحتاج إلى القيام بشيء حيال ذلك لإنقاذها.
أما في العلاقات التي تكون فيها مشاعر الغيرة معتدلة وعَرَضية، فإنها تكون بمثابة تذكير للأزواج بعدم أخذ بعضهم البعض كأمر مسلم به، فتُقوِّي الأواصر وتحثهم في أحيان كثيرة على تقدير بعضهم وبذل جهد واعٍ للتأكد من أن شريكهم يشعر بذلك.
أخذ دانيال فريمان، أستاذ علم النفس الإكلينيكي في جامعة أكسفورد، على عاتقه إجراء أبحاث في موضوعات الصحة العقلية، بما في ذلك الأوهام والبارانويا جنون الارتياب، ليستنبط فريمان أن الغيرة تسمم العلاقات إذا ما تُرِكت دون رادع، فهي تدمر الثقة التي هي عنصر أساسي في أي علاقة صحية وناجحة، وهو ما يمكن أن يترجم إلى أفعال تلصصية، وما بدأ كشراكة بين أنداد، يمكن أن يتحول إلى علاقة غير سعيدة بين الحارس والسجان. ما يعزز ذلك أن مراكز العاطفة في الدماغ تلك التي تجعلنا نشعر بالغيرة موصولة بشكل منفصل عن مراكز التفكير في الدماغ، وهذا يعني أن عواطفنا يمكنها تجاوز العقلانية والمنطق6.
لذا، في أكثر أشكالها تطرفا، تمسي الغيرة الدافع الرئيسي لقتل الشركاء الرومانسيين، أو محاولة السيطرة على الشريكة وتضييق الخناق عليها، كالمراقبة والمطاردة المستمرة للتأكد من وجهتهم المقصودة، أو التعدي على حريتهم وعزلهم عن الأصدقاء والعائلة، أو محاولة تقويض احترامهم لذاتهم وإقناعهم بأنه لن يكون هناك أي شخص آخر لديهم، والمطالبة بمعرفة مساره وإظهار عدم الأمان والخوف غير العاديين، وتوجيه اتهامات باطلة، والتشكيك المفرط في سلوكيات الشريكة ودوافعها، وتفقد الرسائل الإلكترونية متوقعا إيجاد ما يشير إلى خيانة زوجية أو كذب، ومراسلتها دون توقف عندما يكونان في مواقع منفصلة.
قد تكون الغيرة الذكورية أكثر خطورة، ففي الدول الغربية وحدها 50-70 من النساء البالغات اللائي يتعرضن للقتل يتم قتلهن على يد الزوج أو الحبيب السابق، بينما يموت 3 فقط من الرجال المقتولين على يد شريكة حياتهم الحالية أو السابقة. ويميل الرجال والنساء أيضا إلى الاستفزاز بمحفزات مختلفة، بالنسبة إلى الرجال، عادة ما يكون احتمال الخيانة الجسدية أكثر إزعاجا، في حين أن النساء أكثر عرضة للانزعاج بسبب الخيانة العاطفية.
ولأن الغيرة قد تدفعنا لارتكاب أفعال لا تشبهنا أو تشكل الطريقة التي نشعر بها تجاه أنفسنا والعالم من حولنا، فنحن في أمسّ الحاجة إلى فهم أصولها والطرق المثلى للتعامل معها والوعي والجهد الذي يتطلبه للتغلب عليها، حيث إن ذلك هو حجر الأساس للعلاقات السليمة.
استطلعت دراسة لـروبرت ريدل، أستاذ علم النفس في جامعة إنديانا، جذور الشك والغيرة اللذين لا يستندان إلى أسباب واضحة7، لتستنتج أن الأشخاص الذين أظهروا تطرفا في غيرتهم بلغوا مستويات قصوى من القلق وانعدام الأمان وتدني احترام الذات، مرورا بتجارب سابقة صادمة كالتعرض للخيانة أو الهجر أو الإساءة. هي عقبات عاطفية قد لا يتمكن المرء من تخطيها، ليُقدَّر له أن يدور في حلقات مكررة وكأنه محكوم بالخداع أو الأذى أو الرفض؛ ما يهيئه لأن يكون يقظا في علاقاته اللاحقة.
يشرح آمبر تروبلود، معالج للزواج والأسرة، انعدام الأمن بكونه خوفا نابعا من عدم الاستحقاقية أو عدم الجدارة بأحد. فيما عنت الدكتورة ليزا فايرستون، مؤلفة كتاب اقهر صوتك الداخلي النقدي، بفحص الدونية من خلال ردها إلى الناقد الداخلي الصوت الداخلي الناقد، في علم النفس يعادي ذلك الصوت صاحبه، يهمس له بالأفكار والمشاعر المدمرة، ويدفعه إلى مقارنة نفسه بالآخرين وتقييمها والحكم عليها ومساءلتها8. من شأن ذلك أن يغذي مشاعر الغيرة، داسا ملاحظات نقدية مشوشة مثل سينتهي بك الحال بمفردك، عليك ألا تثق بأحد مجددا.
تعتقد المعالجة النفسية ماريسا بير أن من يستشعرون نقص احترام الذات كثيرا ما يقارنون أنفسهم بالآخرين، يصدّقون أن من حولهم أفضل منهم وأن شريكهم سيتخلى عنهم عاجلا أم آجلا لأنهم ليسوا أذكياء أو جذابين أو ناجحين أو حتى مبدعين كفاية. تفضح تلك المشاعر عن نفسها على هيئة الشك الذاتي، والغيرة، ولوم الذات، والوحدة؛ وقد تؤدي إلى سلوكيات ضارة، مثل التسوق القهري والأكل بنهم والغيرة والهوس في العلاقة.
القلق من المجهول وغير المؤكد وحده يمكن أن يبتكر أفكارا مثل ماذا لو وجد شريكي شخصا آخر أكثر جاذبية وتركني؟. الانغماس في تلك الأفكار المتصورة هو ما يصنع أزمة الثقة والسلوكيات التي سبق ذكرها، والتي تُشعر شريكك بأنه محاصر ومختنق في العلاقة.
تقتات الشكوك الذاتية من الغيرة، لتغرس بذور الشك والظن وعدم اليقين لماذا تعمل في وقت متأخر؟، ماذا يفعل عندما أكون بعيدا؟، لم يولي كل هذا الاهتمام لما تقوله؟؛ لكن السؤال الحقيقي لماذا تعتقد أن شخصا ما يمكن أن يهدد علاقتك؟ يحدث ذلك لأنك تقارن نفسك دون وعي بشخص آخر معتقدا أنه أفضل منك بطريقة أو بأخرى، فيفاقم الشعور العميق بعدم الأمان، ويزيد من حدة الأحاديث الذهنية غير الصحية.
تبدأ في إخبار نفسك أن شريكك أو أطفالك أو أصدقاءك سيختارون ذلك الشخص الآخر بدلا منك للتواصل أو التسكع معه، ليمثل كل شخص تهديدا محتملا، وبالأخص أصدقاء شريك الحياة. وفي مثل هذه السيناريوهات، قد ينتهي بك الأمر إلى مطالبة شريكك بعدم مقابلة رفاقه، وقد لا يرضخ هو غير العالم بما يدور في ذهنك لمثل هذه المطالب. كتبت الدكتورة ليزا فايرستون أن توجيه الانتقادات تجاه طرف ثالث محسوس يهددنا من شأنه أن يكوّن أفكارا انتقادية تجاه أنفسنا لتتحول فكرة مثل ماذا يرى فيها؟ إلى إنها أجمل بكثيرأنحفأكثر نجاحا مني، لذا حتى وإن تحققت أسوأ مخاوفنا وتعرضنا للخيانة، فكثيرا ما نتفاعل مع الوضع من خلال توجيه الغضب إلى أنفسنا وإدانتنا9.
الاعتراف بالغيرة هو اعتراف بالحب وبالضعف، إنكارها يُذكي لهيبها، ويعاظم من سلطتها عليك، لذا اهدأ واقبل بعواطفك بروية دون التصرف بناء عليها. تعلم أن تُهدِّئ من روعك قبل الرد، سواء بالمشي أو بالتقاط أنفاس عميقة لكيلا يفلت منك ما قد يستوجب الندم. وعليه، يوجد ذلك النهج الموصى به فاصلا بينك وبين غيرتك، يمنعك من فقدان أعصابك أو الهلع، والانتباه إلى نوعية الأفكار التي قد تطرأ ببالك والوعي بما تشعر وعلة ذلك الإحساس. ويمكنك تفكيك غيرتك بالكشف عن السبب الجذري لها من خلال طرح الأسئلة الصحيحة.
إليك بعض الأسئلة لمساعدتك على فهم العواطف والمشاعر بشكل أفضل
ومتى ما علمت الباعث المتواصل لها، استطعت الرد على استفهامات كهذه، فهل يشعر الشريك الغيور بعدم الأمان لأنكما لا تقضيان الكثير من الوقت معا بوصفكما زوجين، أم هل كان شريكك غير مخلص في الماضي وأنت قلق من حدوث ذلك مرة أخرى؟10 عندما نشعر بالغيرة يمكننا أن نفكر في الأحاسيس والصور والمشاعر والأفكار التي تولدها الغيرة، هل يثير السيناريو الحالي شيئا قديما، ديناميكية عائلية، أم تصورا ذاتيا سلبيا طويل الأمد؟ كلما تمكنا من ربط هذه المشاعر أو ردود الأفعال المبالغ فيها بالأحداث الماضية التي أوجدتها في المقام الأول، أصبحنا أكثر وضوحا في وضعنا الحالي.
إذا كانت غيرة أحد الطرفين غير مبررة، فقد تكون هذه علامة حمراء، خاصة إن كانت الغيرة تتضمن ثورة وتوقعات غير واقعية واتهامات ولهجة هجومية، علاوة على ذلك إن لم تكن موقفا، بل نمطا سلوكيا متكررا. كن واعيا بأن الغيرة تجعلك تنظر عن كثب وربما عن تحيز لفكرة ما دون أن تتحرى الدقة.
في تلك الحالة، تجنب المواقف التي من المحتمل أن تثير لديك شكوكا كاذبة. في أحد الاستطلاعات، وجد الباحثون أن أولئك الذين شعروا بالغيرة يميلون إلى مراقبة نشاط شركاء حياتهم على منصات التواصل الاجتماعي، وكلما تعقبوهم على فيسبوك وجدوا المزيد من الأدلة التي تثير هلعهم؛ ما يؤدي إلى المزيد من التلصص وخلق حلقة لا تنتهي.
حتى تتقي اتقاد الغيرة، اخلق جوا من الثقة والالتزام. لا تتصرف بما يمليه عليك صوتك الداخلي الناقد، من أن تستسلم أو تتوقف عن السعي لإنجاح هذه العلاقة أو انتقاد أو مهاجمة شريك حياتك، فتلك ديناميكية علاقة قد نجرح فيها من نحب ونقوض مشاعر الحب التي يشعر بها شركاؤنا تجاهنا ونثير مشاعرهم الخاصة بعدم الثقة والخوف، لنشجعهم دون عمد على أن يصبحوا أكثر انغلاقا وأقل انفتاحا بشأن مشاعرهم وأفكارهم وأفعالهم، وينطبق الحال ذاته علينا11. ويتطلب بناء تلك الثقة ما سنتطرق إليه في النقطتين المقبلتين.
هناك عدة طرق لتعزيز احترامك لذاتك، منها محاولة إبراز الأشياء الإيجابية فيك، بسرد إنجازات حياتك، أو القيام بما يجعلك سعيدا، أو اتباع تدريب في غاية البساطة يسمى أنا كافي، وهو أحد أشكال التأكيد الإيجابي المصمم لتحدي اللاوعي الذاتي وفك حصار الأفكار العقلية السلبية أو غير المفيدة.
تعد هذه الممارسة قوية جدا وفعالة في حال تكرارها عدة مرات في اليوم وممارستها بانتظام، فقد تأتي بنتائج طويلة المدى، وتؤثر في الطرق التي تفكر بها، وتشعر بها تجاه نفسك إذ تعالج منبع الغيرة وجها لوجه، ألا وهو الاعتقاد بأنك لست كافيا كما أنت. فبالتشديد على ذلك، وبحب ذاتك دون انتظار ذلك من أحد، يتغير الأمر الذي ترسله إلى عقلك12، فتحل التأكيدات الإيجابية محل السلبية، وترسل رسائل إيجابية، ويصبح هذا ما تعتقده؛ ما سيغير نظرتك إلى نفسك، من عديم القيمة إلى جدير، من غير محبوب إلى محبوب، من لا يكفي إلى كافٍ.
عندما ترى نفسك كافيا وجديرا ومحبوبا، لن يصبح هناك متسع للغيرة، لأنك قد تصالحت مع ذاتك ومع عيوبك. لا شك في أن الأمر يتطلب مستوى من النضج العاطفي للتعامل مع ذلك، واستعدادا لتحدي صوتنا الداخلي الناقد وجميع حالات عدم الأمان التي يولدها. يتطلب الأمر أيضا قوة إرادة للصمود ومقاومة التصرف بناء على ردود أفعالنا المتهورة الغيورة، وحينها نكون أكثر أمانا في أنفسنا وفي علاقاتنا.
إحدى الطرق الأخرى التي ينصح بها هي سرد 101 شيء تحبه فيك. قد يبدو الرقم كبيرا، لكن هناك سبب وجيه لذلك. لا يتعين عليك إجبار نفسك على كتابتها دفعة واحدة. خذ وقتك، ويمكن أن يكون الأمر بسيطا، مثل أحب رؤية نفسي في المرآة13. بحلول إعدادك للقائمة، سيكون لديك ما يتجاوز المئة سبب لتحب نفسك وتدرك استحقاقك لتلك المحبة.
لكي لا تسيطر عليك الغيرة تماما، جد شخصا مناسبا للتحدث معه وطريقة صحية للتعبير عما نشعر به. الأشخاص الذين يدعمون الجانب الإيجابي منا، والذين يساعدون في منعنا من اجترار أحزاننا أو الانغماس في أحزاننا هم الأصدقاء الذين نريد التحدث إليهم عن غيرتنا. التنفيس لهؤلاء الأصدقاء أمر جيد ما دام أن الأمر يتعلق بالتخلي عن أفكارنا ومشاعرنا غير المنطقية، مع الاعتراف بأنها مبالغ فيها وغير عقلانية14. لنتخفف منها ونمضي قدما.
من المهم الحفاظ على اتصال مفتوح وصادق في تواصلك مع شريك حياتك وطرح موضوع الغيرة عليه. لا تحاول خوض حوار قبل النوم مباشرة أو عندما تكون على وشك الخروج. وأَولِ اهتمامك للطريقة التي تتحدث بها إذا عبرت عن الغضب أو السخرية، أو وجهت الاتهامات إلى شريك حياتك، فلن يساعدكما ذلك. يجب أن تكون مباشرا، لكن ليس عدائيا، اشرح مشاعرك بهدوء، وناقش كيفية إيجاد حل.
سيمكنك هذا من أن تكون أكثر رضا، ويمنع شريكك من الشعور بالارتباك بسبب سلوكك الغيور. إذا كنا نأمل بالحصول على ثقته ولكي يتمتع بثقتنا، فعلينا أن نستمع إلى ما يقولونه دون أن نكون دفاعيين أو متسرعين في إصدار الأحكام. لا يتعلق خط الاتصال المفتوح هذا بتفريغ مخاوفنا على شريكنا، وإنما بالسماح لأنفسنا بأن نكون متصلين به، حتى عندما نشعر بعدم الأمان أو الغيرة. هذا يساعد بشكل طبيعي شريكنا على فعل الشيء نفسه، فقد لا يكون شريكك قد لاحظ هذا السلوك، أو ربما لم يدرك شعورك حيال ذلك. اغتنم الفرصة للتحدث عن أي حدود للعلاقة قد ترغب في إعادة النظر فيها، أو ناقش طرقا للحفاظ على علاقتك قوية.
إذا كنت تثق بشريكك ولكن لديك شكوك بسبب تجارب العلاقات السابقة، فحاول إيجاد بعض الطرق التي يمكن أن تساعد بها كلاكما في تحسين الموقف. كأن تتخذ قرارًا بتغيير سلوكك وأن تقتنع أنك لا تستطيع التحكم في سلوكيات وقناعات ومشاعر الطرف الآخر على الدوام، لكن يمكنك التحكم في ردة فعلك، وإذا لزم الأمر اطلبا المساعدة المهنية كزوجين.
في كتاب التغلب على الغيرة والتملك Overcoming Jealousy and Possessiveness قد يعينك المعالج النفسي بول هوك على تجاوز شعورَي الغيرة والتملك من خلال تطبيق مبادئ العلاج الانفعالي العقلاني RET الذي سبق أن وضعها عالم النفس ألبرت إليس، وتنص بشكل أساسي على أن العلاج يكمن في التفكير المنطقي. ما يرمي إليه هوك هو إبراز حقيقة أن الغيرة ليست سوى عاطفة مكتسبة يمكن الخلاص منها بمجرد استئصال مصدرها وتبني منظور جديد عن نفسك وعن الآخرين غير مترجم إلى الآن.
| https://www.aljazeera.net/sukoon/2022/9/15/%d9%86%d8%a7%d8%b1-%d8%aa%d8%ba%d9%84%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%af%d8%a7%d8%ae%d9%84%d9%8a-%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d8%a3%d9%81%d8%b9%d9%84-%d8%ad%d9%8a%d9%86-%d8%a3%d8%b4%d8%b9%d8%b1 | 2022-09-15T08:42:59 | 2024-05-30T10:00:08 | أبعاد |
|
112 | خمس خطوات حتى لا يستغلّك الآخرون بسبب لطفك وطيبتك | إذا كُنتَ تُريد قراءة التمارين والحلول المباشرة لمشكلة استغلال الآخرين لك، فأنتَ في المكان الصحيح، كلّ ما عليك أن تُكمل قراءة هذا المقال لنهايته، لترى الأدوات التي ستساعدك والحلول المقترحة. | يحدث في حياتك اليومية أن يطلب أحدٌ منكَ أن تقوم بخدمة له، خدمة تفوق قدراتك وطاقتك لأنّك مُنشغل بمَهام عدّة في هذه الفترة من حياتك، ومع هذا فأنتَ تخجل أن تقول له لا، ليس بإمكاني ذلك، وتفضّل أن تُجيب بنَعَم كي لا تخذله ولا تجرح شعوره أو لأنّك تخاف أن تبدو كشخصٍ فَظّ ولئيم. وقد تصير هذه عادة لديك، فيفهم الآخرون ذلك ويصيرون على الدوام يُلقون بالمَهام على عاتقك ظنًّا منهم بأنّك شخص طيّب ولطيف ولن تعترض أو تقولَ شيئًا.
مجرّد دخولك لهذا المقال فهذا يعني أنّك شخص تهتمّ لأمرِ نفسك، وتريد مساعدة نفسك للتخلّص من اللطف الزائد الذي يستغلّه الآخرون والذي يحرمك أن تُعبِّر عمّا تُريد حقًّا، حسنًا مشكلتك هذه مشكلة معروفة في علم النفس ولها خطوات علاجية وتمارين بإمكانك اتّباعها، إذا كُنتَ تُريد قراءة التمارين والحلول المباشرة لمشكلة استغلال الآخرين لك، فأنتَ في المكان الصحيح، كلّ ما عليك أن تُكمل قراءة هذا المقال لنهايته، لترى الأدوات التي ستساعدك والحلول المقترحة، أما إذا كُنتَ تُريد أن تفهم لماذا يحدث معكَ هذا وأن تفهم بشكل تفصيلي ومُعمّق جذور مشكلتك والنظريات التي تفسّرها، فهذا المقال هو نسخة موجزة وعملية من مقال آخر مُوسّع بعنوان مسكين على نياته.. إليك هذه الخطوات العلمية لقول لا والتغلب على الطيبة الزائدة بإمكانك زيارته في أيّ وقت للاستزادة والفهم المعمّق.
في علم النفس، يُطلق على الشخص شديد اللطف مع الآخرين وكثير المراعاة لهم ولمشاعرهم بإسم الشخص التوافقي، بشكلٍ عام، تكمن الخطوات العلاجية للتخلّص من السلوك التوافقي المُفرِط في تمارين سلوكية ولُغوية وتواصلية، ويُمكِن إجمال هذه الخطوات في خمس نقاط رئيسية
كأيّ مشكلة أخرى، يبدأ الحلّ دائما من تحديد أسباب المشكلة والتعمق في فَهمها، فتحديد المشكلة هو نصف الحلّ. لكنّ هذه المهمة ستكون حرجة بعض الشيء، فالمُتّهم هُنا هو أنت، شخصيتك. يحتاج الحلّ بعض الجُرأة بالاعتراف بأنّ كثيرا ممّا يحدث لنا من مشكلات قد نكونُ نحن أنفسنا سببا رئيسيا في إحداثها، فصفات الطيبة واللطف تُعتبرُ بالنسبة إلى أصحابها فضائل حَسَنة، لكنّ المشكلة تكمن حين نستخدم هذه الفضائل وسيلةَ تبريرٍ ذاتي لأنفسنا حين نعجز عن أَخْذ حقوقنا أو المُطالبة بها، فنستعيض عن استردادها بإقناع أنفسنا بأنّنا تنازلنا عنها بمحض إرادتنا لأنّنا أناسٌ طيّبون.
تبدأ الخطوة العلاجية في تنبّهكَ ابتداء لخطواتك أنت، لطريقة إجابتك وطريقة تعاطيك مع الآخرين، حين تستطيع أن ترصد هذا الجانب من شخصيتك، وحين تلحظ كيف تورّط نفسك بنفسك عن طريق عدم الإفصاح عن رغباتك الحقيقية. فهذا الجانب الجيّد من شخصيتك اللطف جيّد في نطاقات معيشية محدّدة، لكنّه يعود هو بنفسه عليك بالأعباء والأضرار حين تطبّقه في نطاقاتٍ أخرى، مثل الوظيفة أو أمام الغرباء أو الأصدقاء غير المُقرّبين، فتعجز عن رفض طلباتهم أو عن مواجهتهم حين يُقدمون على تصرّفاتٍ تؤذيك أنتَ شخصيا.
المشكلة الرئيسية لديكَ، بوصفك شخصا توافقيا، هو أنّك تخشى التورّط في الخلافات والنقاشات التي قد تتحوّل إلى نزاعات، لأنّك تعتقد أنّ تحوّل النقاش إلى مشكلة سيُظهرُكَ بمظهر مُحرِج أو قبيح. لذلك يجب أن تتعلّم مهارات التفاوض، وتحديدا أن تتعلّم الاستمرار بالنقاش لإيصال ما تُريد دون أن تنفعل أو تسارع إلى إنهاء النقاش والتخلّي عمّا تريد قوله. ولكي يحدث هذا، هناك ثلاث مهارات مفتاحية يمكنكَ أن تُدرِّب نفسكَ عليها في منزلك من أجل تطوير قدراتك النقاشية
يجب أن تعرف تماما ما تريد. حينما تكون واثقا من قناعتك أو رغبتك أو حاجتك ستقف مدافعا عنها، ولن تجد مهربا أو مخرجا تُبرّر به لنفسك التخلّي عن النقاش حولها. من هنا تعلّم أن تقول ما تريد النقاش حوله بثلاث أو خمس كلمات واضحة ومُحدّدة أريد تبديل هذه القطعة من فضلك دون أن تقول كلاما فضفاضا وعاما وعشوائيا وزائدا عن الحاجة، فإنّ من شأن التردّد وعدم الوضوح أن يُقلّل من فُرَص استجابة الآخرين لطلباتك أو رغباتك، كما أنّه يجعلكَ عرضة للاتّهام والاستغلال بحجّة أنّك لا تعرف ما تريد أساسا.
تتمّ هذه الخطوة عن طريق طلبك من صديقك المُقرّب أو شقيقك بأن يناقشك نقاشا افتراضيّا حول مسألة ما تخصّ العمل. في هذه الحالة عليك أن تتحدّى نفسك، اطلب من صديقك أو شقيقك الذي تتدرّب معه أن يضع لكَ حججا مضادة، لكي تتعلّم سرعة البديهة في استحضار الردود الفورية حين تُقابَل نقاطك بالنقد والرفض. إذ لا يكفي أن تتدرّب على التفاوض في ذهنك، وإنّما يجب أن تتعلّمه بمواجهة شخصٍ آخر غير ذاتك مثل أن تقول لشقيقك أريد أن أطلب منك إعادةَ قَلَمٍ أخذته منّي لتوّك، وأن تقاوم الحجج التي أضعها لك بطريقةٍ فظّة، حتّى أتعلّم النقاش لفترة طويلة.
تعتمد هذه الخطوة على أن تتعلّم تجاوز التفكير ذي الخطوة الواحدة، إذ غالبا ما تفشل الحجّة الأولى للشخص التوافقيّ، إنّه يُفكِّر بخطوة واحدة فقط، مثل يجب أن أطلب منه إغلاق النافذة لأنّني أشعر بالبرد. وحين يفعل ذلك ويفشل في تحقيق طلبه، فإنّه لا يجد أمامه خيارات أخرى للمواجهة لأنّه شخص توافقي ويخشى كثرة الإلحاح ويخشى التورّط في خلاف. لذلك يجب أن يكون لدى المرء أكثر من مُبرِّر وطريقة لإنفاذ طلبه مثل سأطلب منه إغلاق النافذة، أو سأطلب من مسؤول المكتب أن يُغلق النافذة بدلا من أن أطلب من الشخص الذي يجلس بجانبها.
يتحمّل التوافقيون فوق طاقاتهم لأنّهم يخشون أن يُجيبوا بـلا كي لا يجرحوا مشاعر الآخرين ولا يتورّطوا معهم في خلاف أو جدال أمام باقي النّاس من حولهم.4 يجب أن يفهم التوافقيون أنّهم لا يستطيعون إرضاء جميع النّاس طوال الوقت، وأنّهم ليكونوا محبوبين فهذا لا يعني أن يدمّروا صحّتهم الذاتية ومصالحهم الشخصية للحصول على إعجاب الآخرين. فالمهم هُنا هو الموازنة بين الطلبات المرجوّة منهم وبين إمكاناتهم الحالية من وقت ومهارة وأموال وجاهزية نفسية وجسدية ونحو ذلك.
قد تبدو فكرة بسيطة، لكنّها فعّالة، صدّق أو لا تصدّق أن جزءا كبيرا من مشكلات التوافقيين قد تكون لغوية أو تواصلية. وبشكلٍ أدقّ، قد يتجاوز التوافقيون مشكلات طيبتهم من خلال استبدال إجاباتهم اليومية بإجاباتٍ أخرى.5 فهي عبارة عن تدريبات تواصلية ولغوية تُعلِّمك كيفية استبدال الإجابات التي تعرّضك للإخضاع بإجابات حازمة، على طريقة قُل ولا تَقُل. وستجد في نهاية هذا المقال في فقرة أدوات ستساعدك جدوَلين اثنين يوضّحان لكَ بعض هذه التمارين.
في كتابه المياه كلّها بلون الغرق، يقول إميل سيوران لا أحد يستطيع أن يحمي عزلته إذا لم يعرف كيف يكون بغيضا مع النّاس6. قد تكون هذه عبارة قاسية بعض الشيء، لكنّها بداية لقاعدة مهمة حول وضع الحدود الصحّية. والحدود الصحّية هي تلك التي تحافظ فيها على مسافة بينك وبين الآخرين بطريقة تضمن لكَ الأمان في أن تقول ما ترغب به حقّا دون التعرض لعواقب وخيمة. وتكمن المشكلة حين تُخلَط علاقات المهنة أو الوظيفة بعلاقات العائلة، وعلاقات العائلة بعلاقات الوظيفة، وكذلك حين نجعل من الرئيس في العمل أبا. نعم، قد يكون هذا مفيدا بعض الوقت، لكنّه سيعود باختراق خصوصيتك واستباحة أوقاتك ورغباتك في أوقاتٍ كثيرة، لذلك فإنّ رسم الحدود دائما ما يحافظ على العلاقات أكثر ممّا يُفسدها على عكس ممّا هو متوقّع.
جدول يُبيِّن لكَ كيفية الردّ على الأسئلة التي تحاول أن تستغلّ تأدّبك وطيبتك. تمرّن على الجدول جيدا، وأوكل إلى نفسكَ في كلّ أسبوع إحدى النقاط مثل التطفّل، وحاول أن تلحظ كلّ سؤال يحاول استغلالك، وأن تستخدم الإجابة المُثلى كما هو مقترح بحسب الأخصّائي النفسيّ6، ومن ثمّ راقب مدى تحسّنك في التواصل، ومدى تخلّصك من أعباء الأسئلة التي تحاول إحراجك أو استغلالك.
كما سبق الذكر، يعتمد استغلال الآخرين لطيبتك على طريقة التواصل التي تقوم بها بالأساس، إذ يحدث عن طريق إجاباتنا الفضفاضة أن نخلق نوافذ مفتوحة للآخرين كي يقتحمونا، لأنّ الآخرين في نهاية المطاف يتفاعلون مع الإجابات التي تُقدّمها لهم. فيما يلي جدول يُوضِّح لكَ أهمّ الأخطاء التواصلية اللطيفة، والتي عبر تغييرها إلى الأساليب التواصلية الحازمة، سترسم حدودا صحّية مع الآخرين بطريقة تحقّق لكَ ما تُريد وتُحقّق للآخرين ما يُريدون بشكل مُرضٍ للطرفين. احفظ الجدول أدناه7، وحاول أن تتمرّن في كل أسبوع على استبدال خانة من خانات أساليب التواصل الخطأ بأساليب التواصل الحازمة، وهكذا حتّى تُنجِز بقيّة الجدول.
يحدث كثيرا أن تكون إجابتنا لا على كثيرٍ من المهام التي تُطلَب منّا، لكننا نخشى أن نُجيب بـ لا خوفا على مشاعر الآخرين، أو خوفا من سُلطتهم وبطشهم، أو خوفا من خسارة رضاهم عنّا أو فقدان المكاسب التي تمنحها إيّانا علاقتنا الطيّبة معهم. لكن كيف بإمكانك أن تقول لا بطريقة حيوية وإيجابية، دون أن يشعر الآخر بالهجوم أو الرفض، ودون أن يتحوّل الموقف أو الطلب إلى نقطة للصراع والخلاف؟ يُقدِّم عالم الإنسانيات والباحث في حقل التفاوض والتفاهم كتابه قوّة الرفض الإيجابي، حيث يشرح بالتفصيل كيف تؤدي الإجابة بالرفض لا إلى أن تكون طريقة لتطوير علاقاتنا بالآخرين، وطريقة للحفاظ على صحّتنا الذاتية وإرادتنا الشخصية.
_____________________________________________
المصادر
| https://www.aljazeera.net/sukoon/2022/2/11/%d8%ae%d9%85%d8%b3-%d8%ae%d8%b7%d9%88%d8%a7%d8%aa-%d8%ad%d8%aa%d9%89-%d9%84%d8%a7-%d9%8a%d8%b3%d8%aa%d8%ba%d9%84%d9%91%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%a2%d8%ae%d8%b1%d9%88%d9%86-%d8%a8%d8%b3%d8%a8%d8%a8 | 2022-02-11T09:08:32 | 2024-06-06T11:49:09 | أبعاد |
|
113 | ياوبانغ وقصة شيوعي آمن بالغرب فاصطدم بسور الصين العظيم | يُسلِّط تشين جيان في مقاله المنشور بمجلة “فورين أفيرز” الضوء على إحدى الشخصيات التي لعبت دورا بارزا في تاريخ الصين لكنها لم تنل حظا وافرا من الاهتمام. | يُسلِّط تشين جيان، مدير مركز التاريخ العالمي والاقتصاد والثقافة بجامعة نيويورك في شنغهاي وجامعة شرق الصين العادية والزميل العالمي في مركز وودرو ويلسون الدولي للباحثين، في مقاله المنشور بمجلة فورين أفيرز الضوء على إحدى الشخصيات التي لعبت دورا بارزا في تاريخ الصين لكنها لم تنل حظا وافرا من الاهتمام.
ويُعد هو ياوبانغ، الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي الصيني، بمنزلة مهندس الظل للإصلاحات الاقتصادية الصينية في عهد دنغ شياو بينغ، لكن رؤيته كانت تتجاوز الإصلاح الاقتصادي نحو تغيير سياسي واسع في الصين يستلهم شيئا من روح الديمقراطية الغربية.
لكن رؤية هو الشاملة لم تَرُق في النهاية لكبار القادة الصينيين وفي مقدمتهم دنغ، ما أدى إلى إقصائه من المشهد، ودخول الصين في حقبة اضطراب سياسي تجلَّت مع أحداث ميدان تيانانمين عام 1989 وما بعدها. وفي النهاية، رحل هو ياوبانغ تاركا الصين مع فجوة واسعة بين التغيير الاقتصادي والاجتماعي السريع من ناحية، والركود السياسي الواسع من ناحية أخرى، وهي معضلة لا تزال بكين تواجه آثارها إلى اليوم.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه المادة تعكس في لغتها وأسلوبها موقفا ينحاز للموقف الفكري والسياسي الغربي تجاه الصين.
كان التحول التاريخي الذي شهدته الصين في السنوات التي أعقبت وفاة ماو تسي تونغ عام 1976 نحو برنامج شامل للإصلاح من بين الأحداث الأهم في القرن العشرين.
فمن خلال إرخاء قبضة الدولة على الاقتصاد وتخفيف سيطرتها على المجتمع في تلك الفترة، ساعد دنغ شياو بينغ، القائد الأعلى للصين بين عامَيْ 1978-1989، في تحريك القوى التي نجحت في غضون عقود قليلة في انتشال مئات الملايين من الناس من براثن الفقر المدقع، وتحويل الصين إلى ورشة عمل للعالم، وترسيخ مكانتها بوصفها قوة عظمى وحيدة قادرة على منافسة الولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين.
ورغم أن دنغ هو مَن قاد هذه العملية، فإنه حصل على المشورة والمساعدة من قائد أقل شهرة يُدعى هو ياوبانغ.
لا يتمتع هو بالشهرة الواسعة التي يتمتع بها ماو أو دنغ أو حتى رجل الدولة البارز في عهد ماو تشو إن لاي. وحتى في الصين، لا يعرف الكثير من الناس الذين بلغوا سن الرشد بعد عام 1989 سوى القليل عنه. ولكن كما يوضح الباحث في العلاقات الدولية روبرت سويتينغر في كتابه بعنوان ضمير الحزب.. هو ياوبانغ المصلح الشيوعي الصيني، كان هو شخصية محورية في العملية الكبرى للإصلاح والانفتاح.
ففي الفترة التي سبقت توليه منصب رئيس الحزب الشيوعي الصيني ثم الأمين العام له من عام 1981 إلى عام 1987، عمل هو على تحطيم القبضة الأيديولوجية التي فرضتها الماوية على السياسة الصينية، واستعادة حقوق الملايين ممن تعرضوا للتطهير إبان الثورة الثقافية التي استمرت من عام 1966 إلى 1976، وسعى جاهدا لضمان ترسيخ توجهات الإصلاح ضمن عملية صنع السياسات الصينية.
ولكن التزام هو بالإصلاح السياسي أدى إلى سقوطه، بعد أن أجبره الخلاف مع دنغ على التنحي عن منصبه أمينا عاما للحزب الشيوعي الصيني في ينايركانون الثاني 1987. ولكنَّ الصينيين العاديين -فضلا عن المثقفين والطلاب الشباب- ظلوا ينظرون إليه باعتباره بطل الديمقراطية السياسية في الصين.
لقي هو حتفه بنوبة قلبية مفاجئة في أبريلنيسان 1989، وكان رحيله سببا في تحريض المحتجين المؤيدين للديمقراطية على احتلال ميدان تيانانمن في بكين والتظاهر في العديد من الساحات الأخرى في أرجاء البلاد.
وبعد سبعة أسابيع، سحق دنغ الاحتجاجات بلا رحمة، الأمر الذي أدى إلى إغلاق الطريق أمام الديمقراطية السياسية التي كان هو يطمح في تحقيقها. وكان المحور الأساسي في رؤية هو يتلخص في كون النمو الاقتصادي لا يكفي وحده لبث الحياة في أوصال الدولة الصينية، وأنه بدون الشرعية التي توفرها الإصلاحات السياسية والتحول الديمقراطي، فإن الصين سوف تشهد اضطرابات في عملية التحديث والتنمية.
وربما يعتقد القادة الصينيون أنهم وجدوا وسيلة لكسر هذه الصلة، ولكن هناك أسباب وجيهة للاعتقاد بأن توقعات هو سوف تُثبت صحتها في نهاية المطاف. وفي ظل التعامل مع اقتصاد متعثر وسخط متزايد، فلن يكون أمام الصينيين خيار سوى مواجهة تحذير هو.
تستكشف السيرة الذاتية التي كتبها سويتينغر، التي تُعد أول سيرة ذاتية للرجل باللغة الإنجليزية، بشكل مذهل ومدروس حقيقة شخصية هو، وكيف برز بصفته قائدا يمتلك تطلعات إصلاحية في عالم يهيمن عليه الأتباع الحزبيون.
لكن سويتينغر، ضابط الاستخبارات الوطنية الأسبق في إدارة كلينتون والباحث المخضرم في شؤون الصين، ليس أول أكاديمي أميركي يضطلع بهذه المهمة، فقد توفي عالم الاجتماع عزرا فوغل عام 2020 قبل أن يُنهي سيرته الذاتية الخاصة بـهو التي كان من المفترض أن تكون استكمالا لكتابه دنغ شياو بينغ وتحول الصين، وهو سيرة ذاتية للقائد الصيني نالت استحسانا واسعا.
يشبه القائدان، دنغ وهو، بعضهما بعضا، وقد ارتفعت أسهمهما وتهاوت معا خلال العقود المضطربة من حكم ماو قبل أن يصلا إلى السلطة بعد وفاته. لكن إرث هو سوف يتحدد بشكل كبير من الخلاف الذي حدث في نهاية المطاف بينه وبين دنغ، وهو الخلاف الذي جسَّد رؤيتيهما المتباينة للإصلاح.
إن رسم صورة كاملة لحياة هو ليس بالمهمة السهلة، ويُعد العائق الأوضح الذي يصعب بشكل كبير التغلب عليه لأي كاتب سيرة ذاتية هو الافتقار إلى الوصول إلى الأرشيف وغيره من المصادر الأولية، التي تُعد في حالة هو بعيدة المنال بالنسبة للباحثين الصينيين والغربيين على السواء.
لقد أمضى سويتينغر ما يقرب من عقد من الزمان في البحث عن المصادر وإجراء المقابلات، وأثناء قيامه بذلك تمكن من التعمق في حياة هو بطرق لم يسبق لأي باحث غربي أن فعلها من قبل. والنتيجة هي عمل دقيق بشكل ملحوظ لا يُصوِّر هو قائدا إصلاحيا شجاعا ومفكرا فحسب، بل يسلط الضوء أيضا على نقطة تحول مهمة في تاريخ الصين الحديث.
كان هو رجلا مثاليا، وصادقا، ومخلصا وصريحا كما وصفه كثيرون ممن عرفوه وعملوا معه. وُلد هو عام 1915 لعائلة فقيرة لكنها متعلمة، تعمل في الفلاحة في مقاطعة خونان جنوبي الصين. وبدعم من والديه، تلقى تعليما جيدا في طفولته ولكن في ظروف صعبة، حيث كان عليه أن يمشي 12 ميلا في طرق جبلية وعرة كل يوم في طريقه إلى المدرسة، وفي سن الرابعة عشرة، انضم إلى عصبة الشبيبة الشيوعية، الجناح الشبابي للحزب الشيوعي الصيني، وسرعان ما التحق بالقتال.
وساعده تعليمه، إلى جانب تفانيه من أجل الثورة وحماسه للعمل، على الصعود بسرعة عبر صفوف الجيش الأحمر الذي أصبح فيما بعد جيش التحرير الشعبي والحزب الشيوعي الصيني. ولحُسن الحظ، نجا هو خلال المسيرة الأسطورية الطويلة للجيش الأحمر وهي انسحاب عسكري ضخم للجيش الشيوعي أثناء المطاردة من قِبَل حزب الكومينتانغ الحاكم عامَيْ 1934 و1935، ما عزَّز من أوراق اعتماده الشيوعية. بحلول الوقت الذي استولى فيه الحزب الشيوعي الصيني على السلطة في الصين عام 1949، أصبح هو أصغر مفوض سياسي في الجيش.
لكن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن، ففي عام 1932، وجزءا من حملة لقمع الرجعيين المزعومين بين صفوفهم، اتهمه المقربون من ماو تسي تونغ بالعمالة دون دليل، ولم يُفلت من عقوبة الإعدام إلا بعد تدخُّل اثنين من مفتشي عصبة الشبيبة في اللحظة الأخيرة، مؤكدين أنه رفيق مخلص.
وبحلول مطلع الأربعينيات، وإبان حملة أطلقها ماو لتعزيز هيمنته على الحزب، اضطر هو وأعضاء آخرون في الحزب الشيوعي الصيني إلى الخضوع للتعذيب النفسي المتمثل في جلسات النقد الذاتي التي لا تنتهي جلسات النقد الذاتي هي جلسات يخضع لها أعضاء الحزب -المشكوك فيهم على الأغلب- للحديث عن أخطائهم الأيديولوجية وتأكيد إيمانهم بأفكار الحزب. وكما يشير سويتينغر، زرعت مثل هذه المحن في هو بذور الشك حول الماوية وميلها إلى محاولة السيطرة بوحشية على تفكير الناس وسلوكهم.
مع ذلك، ظل هو مخلصا للحزب الشيوعي الصيني بعد أن طرد الشيوعيون القوميين إلى تايوان وأسسوا جمهورية الصين الشعبية عام 1949. وسرعان ما أُتيحت له الفرصة للعمل مع دنغ حين شغل منصب السكرتير المحلي للحزب الشيوعي الصيني في مقاطعة سيتشوان الشمالية، حيث كان يقدم تقاريره مباشرة إلى دنغ، الذي كان آنذاك رئيس الحزب الشيوعي الصيني في سيتشوان.
ونجح هو في القضاء على بقايا القوى القومية في المنطقة، واستعادة النظام في أعقاب الحرب الأهلية، ونفَّذ إصلاحات زراعية، وعزَّز الإنتاج الزراعي والصناعي. وقد نال سجله الحافل بالإنجازات وتفانيه في العمل إعجاب دنغ، وفي الوقت نفسه جذبت إنجازاتهما اهتمام كبار الشخصيات في بكين.
وبحلول عام 1953، ارتقى هو، إلى جانب دنغ، إلى المسرح الوطني، وانتقل إلى بكين لتولي منصب السكرتير ثم السكرتير الأول لعُصبة الشبيبة الشيوعية. ولكن في ذلك المنصب، شارك هو في سلسلة من المساعي الماوية الكارثية، بما في ذلك الحركة المناهضة لليمين، وهي حملة سياسية سعت إلى تطهير صفوف المثقفين من المنشقين المزعومين، كما شارك في الوثبة الكبرى للأمام، وهي الحملة الاقتصادية والاجتماعية التي بدأت عام 1958 وأسفرت عن مجاعة مدمرة، وشارك أيضا في حركة التعليم الاشتراكي، وهي حملة لتعميق التلقين الأيديولوجي في أوائل إلى منتصف ستينيات القرن العشرين.
انخرط هو في هذه الحركات من خلال اتباع وتنفيذ جميع الأوامر الصادرة إليه من بكين بأمانة قدر استطاعته، ولكنه شعر بالفزع إزاء الطريقة التي وُصِف بها العديد من رفاقه ومرؤوسيه بأنهم يمينيون بلا أساس، وإزاء معاناة الناس العاديين أثناء الوثبة الكبرى للأمام.
عملت هذه التجارب على تعميق شكوكه في برنامج ماو الطوباوي المتمثل في الثورة المستمرة، لذلك خلال اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني في لوشان عام 1959، كان مترددا في الانضمام إلى ركب المنتقدين لـبينغ دي هواي، وزير الدفاع السابق الذي صنَّفه ماو قائدا لـزمرة معادية للحزب بسبب انتقاداته للوثبة الكبرى للأمام.
لذلك لم يكن مثيرا للاستغراب أنه حين أُطلقت الثورة الثقافية عام 1966 أصبح هو وغيره من زعماء عصبة الشبيبة عُرضة للهجمات. وقد استُدعي هو مرارا للمشاركة في مسيرات الشجب، حيث كان أفراد الحرس الأحمر يهاجمونه بعنف ويسعون إلى إذلاله علنا. وبالمثل عانى دنغ شياو بينغ خلال الثورة الثقافية، حيث تم تطهيره مرتين على يد ماو وحلفائه.
وفي عام 1969، قام عملاء ماو في عصبة الشبيبة بنفي هو إلى مزرعة في مقاطعة خنان لإعادة تأهيله، وهناك أُرغم على أداء أعمال يدوية شاقة يوميا، ولاقى معاناة كبيرة. وبعد وفاة لين بياو، أحد كبار مساعدي ماو، في عام 1971، سُمح لـهو بالعودة إلى بكين، لكن لم يُعد تأهيله بالكامل للانخراط في صفوف النخبة الحزبية.
وفي هذه الفترة، كان هو يقرأ بنهم الأعمال الماركسية الكلاسيكية، والتاريخ الصيني، وكتب الفلسفة والأخلاق، وحتى مسرحيات شكسبير المترجمة، وأصبح ينتقد الماوية على نحو متزايد في نظريتها وممارستها. وعندما توفي ماو في سبتمبرأيلول 1976، وبدا النظام القديم في خطر، كان هو مستعدا لدفع قضيته الجذرية المتمثلة في الإصلاح في الصين.
قادت وفاة ماو إلى حقبة من انعدام اليقين، حيث تنافست فصائل مختلفة على السلطة. من جانبه تحالف هو مع دنغ الذي خرج للتو من فترة منفاه الثانية خلال الثورة الثقافية. وفي حين أكد خصوم دنغ الرئيسيين، بمَن في ذلك خليفة ماو المختار ورئيس الحزب الشيوعي هوا جيو فينغ، أنهم ملتزمون بسياسة الخياران الراسخان، وشعارها سنؤيد تماما القرارات التي اتخذها الرئيس ماو أيًّا كانت، ونتبع بثبات أي تعليمات يعطيها الرئيس ماو مهما كانت، سعى هو إلى مسار مختلف.
في مايوأيار 1978، نشرت صحيفة غوانغمينغ اليومية، وهي مطبوعة أيديولوجية للحزب، مقالا كتبه مجموعة من المعلمين في مدرسة الحزب المركزية كان هو يشغل منصب نائب رئيسها التنفيذي آنذاك وراجع المقال قبل النشر، بعنوان الممارسة هي المعيار الوحيد للحكم على الحقيقة، مؤكدين أن الحقيقة يجب اختبارها وإثباتها بالممارسة، في توبيخ ضمني لعناد العقيدة الماوية واحتكارها للحقيقة.
أرسل المقال موجات صدمة عبر النظام؛ ما أدى ختاما إلى تآكل شرعية هوا جيو فينغ حيث كان موقعه قائدا أعلى للصين يعتمد بالكامل على تعيين ماو له ورفض القيود التي فرضها ماو وأيديولوجيته على الصين. وقد عزَّز هذا الهجوم الأيديولوجي بشكل كبير موقف دنغ في الصراع داخل الحزب مع فصيل فينغ، وساعده في نهاية المطاف ليصبح القائد الأعلى للصين عام 1978.
ومع صعود دنغ، صعد معه هو الذي أصبح رئيسا لدائرة التنظيم المركزية للحزب الشيوعي الصيني في ديسمبركانون الأول 1977، ومن خلال هذا الدور سعى هو إلى تصحيح الظلم الذي خلَّفته الثورة الثقافية وغيرها من الحملات السياسية الماوية. وتحت إشرافه، جرى تأهيل عشرات الآلاف من كوادر الحزب الشيوعي الصيني، بما في ذلك مئات من كبار الكوادر، وتعيينهم في مناصب رسمية. كما ساعد هو في إنهاء نبذ عشرات الملايين من المواطنين العاديين الذين عانوا تبعات مبادرات ماو القاسية وسمح لهم بالعيش حياة طبيعية.
وقد نالت هذه الجهود الرامية إلى تصحيح تجاوزات عصر ماو دعما كبيرا من داخل الحزب وبين عامة الناس، وبحلول عام 1981 حلَّ هو محل هوا فينغ رئيسا للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني في العام التالي، تغير لقب المنصب إلى الأمين العام، الأمر الذي سمح له بالعمل بفعالية باعتباره الذراع اليمنى لدنغ في إطلاق الإصلاحات وترسيخها.
في الفترة ما بين عامَيْ 1978-1982، تقدم دنغ وهو بسلسلة من السياسات الرامية إلى فتح الاقتصاد الصيني على العالم، شملت هذه السياسات التخلي عن النظام الاقتصادي المركزي الجامد الذي استعارته الصين من الاتحاد السوفيتي، وتبنّي بعض آليات السوق، والسماح بالاستثمار الأجنبي في البلاد، والسعي إلى زيادة التجارة مع الدول الغربية، وإرسال الطلاب الصينيين للدراسة في الخارج.
ونتيجة لهذه التغييرات، تضخم الاقتصاد الكلي -بمعدلات نمو سنوية بلغت نحو 10 طوال العقد- كما تضخمت الإنتاجية أيضا، وقبل الإصلاحات، كانت حصة الصين من الناتج المحلي الإجمالي العالمي استنادا إلى تعادل القوة الشرائية تدور حول 2، واليوم تبلغ النسبة نحو 20.
ومن الغريب أن سويتينغر يركز على المساهمات المحلية التي قدَّمها هو خلال هذه الفترة، ويغفل تماما كيف ساعد في تحويل توجه الصين نحو العالم الخارجي. فخلال سنوات حكم ماو، وصفت الصين نفسها بأنها دولة ثورية، عازمة على تحدي النظام الدولي القائم ومؤسساته التي تُهيمن عليها الولايات المتحدة وغيرها من الدول الرأسمالية الغربية. وكان هو من أوائل القادة الصينيين الذين أدركوا الحاجة إلى سياسة خارجية أقل ميلا إلى المواجهة، وأكثر تعاونا وأكثر تركيزا على المستقبل.
وفي أوائل ثمانينيات القرن العشرين، لعب دورا محوريا في مراجعة إستراتيجية الحزب الشيوعي الصيني الكبرى، ما أثمر نبذ الحزب للفكرة الماوية القائلة إن حربا عالمية أخرى أمر لا مفر منه، والتوصل إلى إجماع على أن من مصلحة الصين الأساسية على المدى الطويل أن تسعى إلى إيجاد بيئة خارجية سلمية.
لقد كان هو يرى أن العلاقات الجيدة للصين مع العالم الخارجي تسمح للبلاد بالتركيز على التنمية الاقتصادية والسعي إلى الحداثة الاشتراكية، لذلك فإنه دشَّن مسار التغيير إيمانا منه أن الانفتاح على العالم من شأنه أن يُعجِّل بالإصلاحات في الداخل.
كان الرجل مؤيدا قويا لتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة عام 1979، ودافع عن علاقة ودية بين البلدين، ودعم بل وشارك شخصيا في تحسين علاقات التعاون بين الصين وعدوها السابق اليابان في عام 1983 على سبيل المثال، دعا 3000 طالب ياباني لزيارة الصين، وسعى جاهدا لتحسين علاقات بكين مع لندن من خلال زيارة المملكة المتحدة واستقبال الملكة إليزابيث الثانية خلال زيارتها الرسمية لبكين عام 1986، مما ساعد في جعل وعد دنغ بأن الصين لن تغير الوضع الخاص لهونغ كونغ حتى عام 2047 أكثر قبولا ومصداقية.
في الثمانينيات، بدا الأمر وكأن الصين تسير على الطريق نحو إصلاحات واسعة النطاق، وذلك مع تولي دنغ منصب القائد الأعلى، وتولي هو منصب الأمين العام للحزب الشيوعي. لكن المراكب المشرعة سرعان ما تباطأت، فبحلول عام 1984 ظهرت الخلافات بين دنغ والعديد من كبار قادة الحزب الشيوعي حول الطريق الذي ينبغي المُضي فيه.
كانت نقطة الخلاف الرئيسية تتلخص فيما إذا كان ينبغي خلق المزيد من الضوابط والتوازنات في نظام الحزب الشيوعي الصيني، وهو ما أراده هو. في البداية، بدا أن دنغ يُفضِّل هذا النهج أيضا، ولكن مع ترسيخه سلطته قلق بشكل متزايد من أن تؤدي مثل هذه الإصلاحات إلى تبني الديمقراطية على النمط الغربي، الأمر الذي يهدد هيمنة الحزب الشيوعي على البلاد.
فرغم استعداده لتعزيز الإصلاحات الاقتصادية وفتح الاقتصاد، فإنه دعا الحزب والبلاد مرارا وتكرارا إلى محاربة التحرر البرجوازي والحفاظ على المبادئ الأساسية الأربعة، وهي الالتزام بـالطريق الاشتراكي، والدكتاتورية البروليتارية، وقيادة الحزب الشيوعي الصيني، والمعتقدات الأيديولوجية الماركسية اللينينية والماوية، وعلى النقيض من ذلك، أراد هو أن يذهب أبعد من ذلك في طريق الديمقراطية السياسية.
ونتيجة لذلك، ظهر الشقاق بين الرجلين، فعندما أكد ديغ بإصرار على الحاجة إلى مقاومة التحرر البرجوازي، تحدث هو بصراحة عن الحاجة إلى المزيد من الديمقراطية، وحرية التعبير، والمشاركة العامة في السياسة. وعلى إثر ذلك، شعر دنغ بخيبة أمل إزاء صراحة هو وبدأ يفقد الثقة في حليفه القديم.
بلغت الأحداث ذروتها مع دعوة هو العلنية عام 1985 إلى تجديد شباب قيادات الحزب الشيوعي الصيني المتقدمين في السن. ساعتها، بدأ هو بالحديث عن نفسه قائلا لقد بلغت من العمر سبعين عاما تقريبا، وأنا على وشك التقاعد... ويتعين على الرفاق المخضرمين الذين تجاوزوا الثمانين من العمر أن يتنحوا عن مناصبهم. لم يرفض دنغ هذا الاقتراح قط، حتى إنه أشار إلى استعداده للتقاعد.
ولكن هذا لم يكن أكثر من مجرد كلام، فعندما اقترح هو بسذاجة أن يضرب دنغ المثال عبر أخذ زمام المبادرة في التقاعد، كانت تلك هي القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة للقائد الأعلى. وفي ينايركانون الثاني 1987، وفي اجتماع الحياة الديمقراطية الذي حضره كبار قادة الحزب وترأسه دنغ بصحبة قادة كبار آخرين، اضطر هو إلى الاستقالة من منصبه أمينا عاما للحزب، قابلا بهدوء كل التهم الموجهة إليه، لأنه رأى، على حد تعبير سويتينغر، الحاجة إلى الحفاظ على الاستقرار والوحدة داخل القيادة.
ولكن هذا الرحيل لم يكن نهاية قصة هو، فرغم إقصائه من المسرح السياسي في الصين فقد ظل هذا الأخير يطارده. وكان كثيرون في البلاد يشيرون إليه باعتباره ضمير الحزب، ولم تكن الاستعارة مجرد مديح، بل كانت تعني ضمنا أن الحزب الشيوعي الصيني فقد طريقه في غيابه. وفي السنوات التي أعقبت استقالة هو، كانت الفجوة بين التغيير الاقتصادي والاجتماعي السريع من ناحية، والركود السياسي من ناحية أخرى، سببا مستمرا للتوترات بين الدولة ومواطنيها وفي المجتمع الصيني نفسه، حيث انتشر السخط والقلق إزاء الوتيرة المتصلبة للإصلاح السياسي.
وعندما توفي هو في إبريلنيسان 1989، سارع الطلاب في بكين -ثم سائر المواطنين من مختلف المشارب- إلى تحويل حزنهم عليه إلى مظاهرة عامة قوية تعبر عن إحباطهم وغضبهم إزاء الافتقار إلى الإصلاح السياسي والفساد المستشري. وتدفق المتظاهرون إلى ميدان تيانانمن، وما تلا ذلك أصبح لحظة حاسمة في تاريخ الصين. وفي الرابع من يونيوحزيران، أمر دنغ وقادة الحزب الشيوعي قواتهم بقمع الطلاب والمتظاهرين الآخرين، مما أدى إلى المأساة الدموية التي صدمت العالم.
بعد أكثر من أربعة عقود من إطلاق مشروع الإصلاح والانفتاح، وصلت الصين الآن إلى نقطة تحول أخرى. كان نموها الاقتصادي خلال عصر الإصلاح استثنائيا، وبحلول عام 2010 أصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم. ويرجع هذا النجاح إلى أسباب عديدة، ولكن أحد أهم العوامل هو أن الصين في عصر الإصلاح والانفتاح تمتعت بسلام طويل، وبتوجيه من أمثال هو، سعت إلى صياغة علاقات ودية مع العالم الخارجي وتجنب المواجهة، وخاصة مع الولايات المتحدة.
لكن رؤية هو الكاملة للإصلاح السياسي لم تتحقق على الإطلاق. لا يزال الحزب الشيوعي الصيني راسخا في بكين، وتبدو احتمالية نشوء نظام سياسي قائم على التوازنات بعيدة المنال. فمنذ حكم دنغ وما بعده، استغلت قيادة الحزب الشيوعي الصيني النمو الاقتصادي المستمر والسريع في الصين لتعزيز شرعيتها، ونسبت الفضل لنفسها في كل النجاحات الاقتصادية التي حققتها الصين.
ولكن الشرعية، وفق هذا التعريف الضمني، تعتمد على استمرار الأداء القوي، بمعنى أن النمو الاقتصادي السريع الذي تشهده الصين لا بد أن يستمر إلى الأبد إذا كان للحكومة أن تتمتع بالشرعية التي تصاحب هذا السجل الاقتصادي.
من أجل ذلك فإن التباطؤ الراهن في الاقتصاد الصيني يُمثِّل أكبر من مجرد قضية اقتصادية، إذ يُشكِّل تحديا خطيرا للدولة الصينية. وفي عهده، أدرك هو هذه المشكلة، ولهذا السبب أراد من الصين أن تتبنى إصلاحا سياسيا أوسع، وأن تضع الآليات الكفيلة بإرضاء المطالب والتطلعات الاجتماعية والأخلاقية والثقافية للشعب الصيني.
ولكن هذه الاحتياجات تظل بلا معالجة، وهي الفجوة التي تشعل التوترات بين الدولة الصينية والمجتمع، وكذلك بين الصين ودول أخرى. لقد رأى هو ذلك قادما، وحتى حين كان يسعى لإعادة تشكيل موقع الصين في العالم، فقد كان يدرك أن التحديات الأكبر التي تواجه الصين لا تأتي من الخارج، بل من الداخل.
_____
هذه المادة مترجمة عن فورين أفيرز ولا تعبر بالضرورة عن موقف الجزيرة نت. | https://www.aljazeera.net/politics/2025/1/4/%d9%87%d9%88-%d9%8a%d8%a7%d9%88%d8%a8%d8%a7%d9%86%d8%ba-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%ac%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%8a-%d8%a3%d8%b1%d8%a7%d8%af-%d8%aa%d8%ad%d9%88%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%8a%d9%86 | 2025-01-04T11:32:14 | 2025-01-09T09:13:58 | أبعاد |
|
114 | احفر يا حبيبي، احفر.. تفاصيل خطة ترامب للإمبراطورية الجديدة | في بداية خطابه، بدا ترامب متحدثا لبقا ومهذبا ذا خطاب منظم، لكن بعد عشر دقائق أو أقل، عاد ترامب الذي نعرفه، صاخبا، يصف الواقع الذي سبقه بصورة قاتمة، ويُلقي بالوعود يمنة ويسرة لتغيير هذا الواقع. | في داخل مبنى الكابيتول بالعاصمة الأميركية واشنطن، ظُهر الاثنين، 20 ينايركانون الثاني، وفي أجواء قارسة البرودة انخفضت فيها درجة الحرارة إلى أقل من خمس درجات تحت الصفر، كان الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب يُلقي خطاب تنصيبه أمام مئات الحضور، وعشرات الملايين الذين تابعوه مباشرة حول العالم.
في بداية خطابه الذي استمر نصف ساعة، بدا ترامب متحدثا لبقا ومهذبا ذا خطاب منظم، لكن بعد عشر دقائق أو أقل، عاد ترامب الذي نعرفه، صاخبا، يصف الواقع الذي سبق وصوله للرئاسة بصورة قاتمة، ويُلقي بالوعود يمنة ويسرة لتغيير هذا الواقع، ويهدد بتغييرات جذرية، ويهاجم معارضيه بقسوة، ويُبشِّر بعالم جديد تسود فيه نسخته من الولايات المتحدة التي لن يعنيها سوى قوتها ورخائها.
أراد ترامب في خطابه لا أن يقدم صورة لما ستبدو عليه السنوات الأربع القادمة فحسب، بل أن يطمئن حلفاءه ويغيظ معارضيه. فرغم أن خطابات التنصيب للرؤساء الأميركيين لطالما كانت مفعمة بالأمل ودعوات الوحدة وتجاوز الحزبية، فعل ترامب عكس ذلك تماما، فقد هاجم سياسات سلفه جو بايدن، الذي كان يستمع إلى الخطاب مكفهرّ الوجه، حيث وعد ترامب بالقضاء على إرثه في شتى المجالات والقضايا، من الهجرة، إلى السياسات البيئية، ومرورا بالطاقة وليس انتهاء بالاقتصاد. لكن خطاب ترامب، والشكل الذي خرج به حفل التنصيب، يشيران إلى مرحلة جديدة وصفها الرئيس بأنها العصر الذهبي للولايات المتحدة.
جاء الخطاب واضحا ومباشرا، بعبارات خبرية قصيرة، تصل إلى قلوب مستمعيه ومناصريه في الداخل الأميركي قبل عقولهم. تحدث ترامب للأميركيين المتدينين متفاخرا بمعجزة نجاته من محاولة اغتياله في يوليوتموز الماضي، ليقول إن الله أنقذه ليجعل أميركا عظيمة مرة أخرى. الجديد أن ترامب خاطب العقول بوجاهة في خطابه، ليعلن عن قيادته ثورة المنطق السليم، التي تعود فيها الأمور إلى نصابها، فلا تعترف فيها الولايات المتحدة إلا بجنسين الذكر والأنثى.
كما دعا ترامب شركات النفط للحفر، وأنه سينسحب من اتفاقية باريس للمناخ، كما وعد ترامب أن لا تزيد الضرائب على رجال الأعمال، وأن يُعطى خير أميركا للأميركيين.
يعود ترامب إلى البيت الأبيض هذه المرة بخطة واضحة، وبهدوء واثق، يقول إنه يريد للعالم أن يتذكره كونه صانعَ سلامٍ وداعيا للوحدة، لكن منطقه يبدو أبعد ما يكون عن ذلك. ظهر ترامب متبنّيا منطق الإمبراطورية الأميركية، باعتبارها دولة قوية تنشر أذرعها في كل العالم كي تحافظ على مصالحها، فتحدث عن قناة بنما وقال إن السفن الأميركية تدفع أكثر مما يجب من أجل العبور، وإن الولايات المتحدة أعطت هذه القناة لبنما، وستستعيدها من جديد.
وليُضيف بُعدا آخر لحقِّ الولايات المتحدة في القناة، حيث ادّعى ترامب أن أكثر من 38 ألف أميركي قضوا أثناء حفرها في بدايات القرن العشرين، في حين يقول المتخصصون إن عدد الأميركيين الذين ماتوا أثناء عشر سنوات من الحفر لا يتجاوز 300 شخص. لكن هذا وحده قد لا يكون مقنعا للسيطرة على القناة بالقوة، لذلك أضاف ترامب أن الصين تسيطر على القناة. وبغض النظر عن صحة ما ذكر، وهو ما تنفيه تصريحات المسؤولين في بنما وحتى المسؤولين الأميركيين، تعود الصين إلى الواجهة في خطاب ترامب لتأكيد التهديد الذي يواجهه الأميركيون، وهو ليس تهديدا اعتياديا، بل تهديد حضاري يقوِّض وجود الولايات المتحدة نفسها وثقافتها ونمط حياتها.
ولهذا الشعور أصول فكرية بعضها يعود إلى السجالات التي اشتعلت أوائل التسعينيات، بين القائلين بالانتصار الحاسم لليبرالية الغربية مع سقوط الاتحاد السوفياتي، والرافضين لهذه الفكرة، وأبرزهم أستاذ السياسة والمُنظِّر الأميركي صامويل هنتنغتون، الذي تحدَّث عما سمّاه صراع الحضارات. يحتاج ترامب إلى منطق صراع الحضارات، ويبدو أنه يتبنَّاه بالفعل. فالحضور الذي يوليه ترامب للثقافة الأميركية والطريقة الأميركية في الحياة، وكونها أشعة الشمس التي تغمر العالم مثلما قال في أول خطابه، في مقابل تجاوز الاختلافات الفكرية والأيديولوجية بين مؤيديه، وقدرته على الجمع بين الأضداد خلف راية واحدة، كل ذلك يشير بحسب محللين أننا أمام خطاب جديد للإمبراطورية الأميركية.
ولحشد الأضداد وجذب المؤيدين المختلفين، استطاع ترامب أن يوظِّف الدين بمستويات غير مسبوقة. فقد قامت حملته الانتخابية بدعوة المواطنين والأثرياء إلى التبرع لصالح حفل التنصيب، وكان من ضمن حوافز التبرع هو حضور صلاة في الكنيسة مع ترامب، وهو ما سمّته بعض المنصات الإعلامية ادفع لتصلّي Pay to Pray.
أما في الحفل نفسه، فقد شارك ستة من رجال الدين في الدعاء والصلاة لترامب، من الكاثوليك والبروتستانت، بالإضافة إلى حاخام يهودي. المثير في الأمر أن إماما مسلما من ولاية ميتشغن كان من المفترض أن يدعو في حفل التنصيب، غير أن ظهوره أُلغي في اللحظات الأخيرة، بسبب ظهور مقطع مسجل له يرفض فيه إدانة بعض حركات المقاومة ضد إسرائيل أو اعتبار أنها إرهابية، حسبما وصفت وسائل الإعلام.
ومع هذا الخطاب الذي نحى باتجاه استعادة الهيبة والقوة الأميركية، فقد ذكر ترامب أنه يريد أن يترك إرثا بأنه صانع سلام، مع انتقاده المتكرر لخوض أميركا لحروب لا طائل منها كما جرى في العراق. وما بين خطاب الهيمنة والقوة وبين خطاب السلام، تُطرح الكثير من علامات الاستفهام عن كيفية التوفيق بين المتناقضات وسط عالم يسوده اللايقين، ووسط مناطق مشتعلة وأخرى مهيأة للاشتعال في أي لحظة.
وعلى ذكر الحركات التي تعتبرها الولايات المتحدة إرهابية، فقد قال ترامب إنه سيُصنِّف العصابات المحلية ومجموعات الجريمة في الولايات المتحدة باعتبارها منظمات إرهابية، وقال إنه سيُرحِّل الملايين من المجرمين الغرباء إلى خارج الولايات المتحدة، كما أنه سيُرسل الجيش لتعزيز الحدود لمنع المهاجرين غير النظاميين من دخول البلاد. اعتبر ترامب تدفق المهاجرين على الولايات المتحدة تهديدا وجوديا أيضا، فقال في معرض حديثه عن المهاجرين إنه بصفته قائدا أعلى للقوات المسلحة، فإن أولى مسؤولياته هي الدفاع عن البلاد ضد الغزو.
تحرك ترامب بالفعل وأصدر أوامر تنفيذية، منها ما استهدف حقا دستوريا، حيث قيّد الحق في الحصول على الجنسية بالولادة على الأرض الأميركية، وهو القرار الذي دفع ثماني عشرة ولاية أميركية للمسارعة بمقاضاة الإدارة الجديدة من أجل وقفه.
كذلك أصدر ترامب أمرا تنفيذيا يوقف العمل بقوانين تحظر مداهمة منشآت تضم اللاجئين مثل المدارس والكنائس، وهو الأمر الذي يتوقع أن يفتح الباب أمام مزيد من الانتهاكات لحقوق المهاجرين والمؤسسات الداعمة لهم في الولايات المتحدة بحسب ما ذكره مراقبون.
لكن المفارقة أن عددا من أهم داعمي ترامب وممن حضروا حفل تنصيبه، وبعضهم من أثرى أثرياء العالم، هم من المهاجرين، مثل ساندر بيتشاي، الرئيس التنفيذي لشركة غوغل القادم من الهند، وصديق ترامب المقرب الجديد، إيلون ماسك، الذي وُلد وعاش في جنوب أفريقيا قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة.
الأمر لا يتعلق فقط بالجذور التي جاء منها ماسك، أو كونه مهاجرا بالتحديد، لكن ماسك بصفته رجل أعمال، قد يُفضِّل توظيف المهاجرين القادمين من دول أخرى لتعزيز الكفاءات في شركاته، ولذلك نجده يدعم سياسات يرفضها ترامب مثل إعطاء تأشيرات عمل طويلة الأمد للمهاجرين، وغيرها، وهي من الأمور التي لا يبدو أنها ستصبح محل اتفاق بين الرجلين قريبا.
لكن لماذا يدعم ماسك ترامب إذن؟
لم يكن إيلون ماسك دوما مؤيدا لترامب، لكنه تحوَّل خلال الأشهر الأخيرة ليكون أحد أبرز داعميه. ورغم اختلافاتهما المتعددة، فإن إيلون ماسك وجد في ترامب فرصة، وهو الأمر الذي استفاد منه ترامب الذي يبرع في الصفقات.
يحتاج إيلون ماسك إلى إدارة أميركية تقلل القيود التنظيمية، وتخفض من الضرائب، وتسمح للشركات بالعمل بلا تدخل حكومي، وهو الأمر الذي يَعِدُ به ترامب. كذلك فإن سياسات ترامب الرافضة لأخذ العوامل البيئية وتغير المناخ في الاعتبار ستُفيد، للمفارقة، شركات إيلون ماسك، خاصة تسلا، التي تقدم نفسها بوصفها نموذجا لحماية مستقبل الأرض من التغيرات البيئية والمناخية. فمن خلال وقف ترامب دعم السيارات الكهربائية، والتخفيضات التي كانت تحصل عليها شركات الطاقة المتجددة في هذا المجال، ستضعف العديد من الشركات المنافسة لـتسلا، ما يعزز هيمنتها على سوق السيارات الكهربائية، وهو ما انعكس على ارتفاع أسهمها مباشرة بعد فوز ترامب في الانتخابات.
كذلك تحدث ترامب في خطاب تنصيبه عن وصول الإنسان إلى المريخ، وهو ما يعني المزيد من العقود الحكومية مع سبيس إكس التي يمتلكها ماسك، الأمر الذي يدعم استثماراته ورهاناته. استفاد ترامب أيضا على مستوى كبير، فقد حصل عن طريق تبرعات إيلون ماسك ولجنته للعمل السياسي على مبلغ اقترب من 120 مليون دولار، كما أنه استفاد من شراء إيلون ماسك لموقع تويتر إكس حاليا، وهو الأمر الذي سمح بانتشار العديد من مقولات ترامب التي كانت إدارة تويتر وبعض شركات التقنية الأخرى تُقيِّد انتشارها، وتحظرها في بعض الأحيان.
وبعيدا عن المصالح المادية المباشرة، يتوافق ماسك مع ترامب بشكل متزايد في أفكاره المحافظة اجتماعيا، إذ يتفق ترامب مع ماسك أن نظام التعليم الأميركي قد أفسد على الأطفال حياتهم وجعلهم يكرهون أنفسهم ويرغبون في تغيير ما هم عليه. لذلك يعارض ترامب وماسك دمج المتحولين جنسيا في النظام العام، فيرفضان استخدام المتحولين جنسيا لمرافق النساء، أو المشاركة في الرياضات النسائية، أو الاستفادة من الخدمات الصحية المقدمة للنساء، كما أنهم يرفضون علنا كافة سياسات الهويات الجنسية التي كان الحزب الديمقراطي يرعاها في السنوات الماضية.
احفر يا حبيبي، احفر، هكذا عنوَن ترامب خطته للاستفادة من الثروة النفطية التي تقف عليها الولايات المتحدة. لكن ترامب لا يمكن أن يفعل ذلك بلا سلطة مفتوحة، لذلك قرر في خطابه أن يعلن حالة طوارئ وطنية في مجال الطاقة، وهي خطوة تمنحه صلاحيات واسعة لتسريع إنتاج الوقود الأحفوري والنفط الصخري.
بالتأكيد ستحقق الولايات المتحدة نجاحات على المدى القصير، خاصة فيما يتعلق بالمكاسب الاقتصادية، لكن القرار يلغي سنوات من الجهود الأميركية للانتقال إلى الطاقة المتجددة، ويهدد مساحات واسعة من الغابات والأراضي التي تضم ثروة بيئية وتنوعا هائلا. ولا يمكن لترامب أن يفعل ذلك من غير تداعيات دولية، لذلك فقد قرر الانسحاب فورا من اتفاقية باريس للمناخ، وهي الاتفاقية التي تهدف إلى العودة بمستوى الاحتباس الحراري إلى ما كان عليه قبل الثورة الصناعية، ووقَّعتها 200 دولة بالفعل.
هذه السياسات لا شك ستؤدي إلى تفاقم الأزمات البيئية والمناخية في العديد من الدول النامية، التي تعتمد على التعاون الدولي والتمويل لمعالجة آثار الإفساد الصناعي حول العالم الذي قامت به الدول الكبرى على مدار عقود. لكن هناك جانب آخر للسياسة الأميركية قد يكون مؤذيا لدول الشرق الأوسط والدول العربية النفطية على وجه الخصوص.
فالولايات المتحدة بالفعل هي أعلى دول العالم إنتاجا للنفط، وهو ما يعني أن المزيد من الإنتاج سيُقوِّض من صلاحيات وقدرات الدول الأعضاء في منظمة أوبك للسيطرة على أسعار النفط والغاز، وهو ما قد يؤثر على موازنات هذه الدول التي ستتأثر جراء انخفاض أسعار النفط أو عدم استقرارها، وربما تتأثر العلاقات بين الدول الكبرى المنتجة للنفط مثل السعودية وروسيا.
لوقت طويل، كانت الولايات المتحدة تقدم نفسها باعتبارها قائدة العالم الحر، وكان لهذا التصور تبعات على علاقة الولايات المتحدة بالعالم. فرغم تداول الرئاسة الأميركية بين الحزبين الكبار، حافظت واشنطن على خط ثابت في العلاقات الدولية، وفي القضايا العالمية المختلفة. لكن ما فعله ترامب في فترته الرئاسية الأولى هدَّد هذا التصور لدى حلفاء الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي يبدو أنه سيتصاعد تماما خلال هذه الفترة الثانية.
لكن حلفاء الولايات المتحدة أصبحوا قادرين على رؤية أن ترامب، على العكس من سلفه بايدن، قادر على تنفيذ وعوده. فقد وعد بإنهاء حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة قبل أن يصل إلى منصب الرئاسة، وفعل، ووعد بأن يُصدر القرارات التنفيذية التي أصدرها في يومه الأول بالفعل، وكان قد وعد بالعفو عمَّن يصفهم ضحايا المحاكمات السياسية والخيانة القضائية من مؤيديه، وقد فعل.
في حين لم يستطع بايدن دعم أوكرانيا، ولا وقف الحرب على غزة، وحتى عندما وعد بألا يُصدر عفوا عن نجله الذي يُحاكم أمام القضاء، لم ينفذ وعده وأصدر عفوا عنه قبل أن يغادر الرئاسة.
نتيجة لذلك، ورغم ما يبدو عليه ترامب من قدرة على التنفيذ، وثقة هائلة في هيمنته، لا يمكن القول إن التعويل الإستراتيجي على الولايات المتحدة اعتمادا على القدرة على توقع ما تريده إدارتها سيظل الرهان الأفضل. فغياب القدرة على التأثير، التي ظهرت في أوكرانيا وفلسطين على مدار العامين الماضيين بوضوح، تؤكد أننا أمام نظام دولي جديد يتشكَّل، ويبدو أن ترامب يُسرِّع من هذا التشكل.
إن ما يحدث في الولايات المتحدة يؤكد، لا اضمحلال القوة الأميركية خصوصا، لكن وجود فراغ هائل في الساحة الدولية، تستعد لملئه قوى أخرى. ولعل هذا يؤكد مرة أخرى الأهمية الوجودية لتفعيل الكيانات الجامعة، سواء للدول العربية، أو الإسلامية، أو لشعوب ما يسمى بالعالم الثالث أو الجنوب العالمي. | https://www.aljazeera.net/politics/2025/1/22/%d8%a7%d8%ad%d9%81%d8%b1-%d9%8a%d8%a7-%d8%ad%d8%a8%d9%8a%d8%a8%d9%8a-%d8%a7%d8%ad%d9%81%d8%b1-%d8%aa%d9%81%d8%a7%d8%b5%d9%8a%d9%84-%d8%ae%d8%b7%d8%a9-%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%85%d8%a8 | 2025-01-22T19:32:04 | 2025-01-22T19:50:28 | أبعاد |
|
115 | نهاية المرأة الحديدية.. كيف أطاحت الاحتجاجات برئيسة وزراء بنغلاديش؟ | تأتي هذه التطورات المثيرة في أعقاب يوم دامٍ شهد مقتل زهاء 100 شخص، من بينهم 13 فردا من قوات الشرطة، وإصابة مئات آخرين في مواجهات عنيفة في مناطق مختلفة من البلاد، في أكبر حصيلة يومية للضحايا. | على خلفية احتجاجات عارمة في الأسابيع الأخيرة، قدمت رئيسة وزراء بنغلاديش الشيخة حسينة واجد استقالتها اليوم الاثنين وغادرت البلاد إلى الهند على متن مروحية عسكرية، بالتزامن مع إعلان الجيش محادثات لتشكيل حكومة مؤقتة. وتأتي هذه التطورات المثيرة في أعقاب يوم دامٍ، أمس الأحد، شهد مقتل زهاء 100 شخص، من بينهم 13 فردا من قوات الشرطة، وإصابة مئات آخرين في مواجهات عنيفة في مناطق مختلفة من البلاد، في أكبر حصيلة يومية للضحايا منذ نشوب الانتفاضة الحالية.
كانت الشرارة الأولى للاحتجاجات قد اندلعت في الخامس من يونيوحزيران الماضي في أعقاب قرار المحكمة العليا في بنغلاديش إحياء العمل بنظام الحصص الكوتا، وعكس التدابير الإصلاحية التي ألغت النظام في أعقاب احتجاجات جماهيرية عام 2018. ويمنح نظام الكوتا عائلات قدامى المحاربين في حرب الاستقلال ضد باكستان مطلع السبعينيات نسبة كبيرة يراها المُحتجون غير عادلة من وظائف الخدمة المدنية، إضافة إلى امتيازات استثنائية أخرى، وهو ما أدى إلى اندلاع احتجاجات واسعة النطاق، كسرت خطوطا حمراء غير مسبوقة منذ صعود رئيسة الوزراء الشيخة حسينة واجد إلى السلطة للمرة الأولى عام 1996، وعودتها إليها مُجددا عام 2008.
تصدَّرها الطلاب مشهد الاحتجاجات، التي عُرفت إعلاميا باسم احتجاجات الحصص وجذبت اهتماما عالميا كبيرا، خاصة بعد أن اختار النظام مواجهتها بقبضة قمعية حديدية، متسببا في سقوط ما لا يقل عن 300 قتيل حتى اللحظة. وفي حين أن قرار القضاء البنغالي في 21 يوليوتموز الحالي بخفض العمل بنظام الحصص من 30 إلى 5 فقط، والذي نُظر إليه على أنه استجابة واضحة لمطالب المحتجين، قد جلب هدوءا مشوبا بالحذر إلى الشارع البنغالي، فإن ذلك الهدوء أثبت أنه مؤقت وغير مستدام، حيث أعطي الحكومة الوقت الكافي لمواصلة حملتها القمعية وهو تسبب في تفاقم المظالم والاحتجاجات في الشارع البنغالي.
خلال حملتها لقمع الانتفاضة بصورة وحشية، اعتقلت الحكومة البنغالية ما لا يقل عن 5500 شخص، ونشرت 27 ألف جندي في جميع أنحاء البلاد، مع فرض حظر التجوال وقطع خدمات الإنترنت زعمت الحكومة في البداية أن سبب القطع هو تخريب المتظاهرين لكابلات وموصلات الخدمة. وفي حين تعهدت الحكومة خلال فترة الهدوء المؤقتة بعد إلغاء القضاء لنظام الحصص بإجراء تحقيق قضائي برئاسة أحد قضاة المحكمة العليا في البلاد للوقوف على الانتهاكات التي أدت إلى سقوط هذا العدد المرتفع من الضحايا، والتزمت بألا يتعرض الطلاب الذين قاموا بالانتفاضة لأي مضايقات أو إجراءات، فإنها سرعان ما حنثت بكل عهودها وسارعت لاستهداف قادة الحراك الطلابي الذين أشعلوا الشرارة الأولى للانتفاضة وكانوا وقودا لها على مدار الأسابيع الماضية، وفي مقدمتهم ناهد إسلام الذي اعتُقل بصحبة آخرين من داخل مستشفى أثناء تلقيهم العلاج.
في غضون ذلك، ومع عودة خدمات الإنترنت إلى البلاد، تسلل إلى مواقع التواصل طوفان من المقاطع الملتقطة عبر الهواتف المحمولة، التي تُظهر مشاهد القتل والضرب التي مارستها الأجهزة الأمنية ضد المحتجين، ما حفَّزهم على تصعيد مطالبهم من خلال الدعوة إلى الإغلاق الكامل لجميع المصانع ووسائل النقل العام وحث الناس على الامتناع عن دفع الضرائب أو فواتير المرافق. بالإضافة إلى ذلك، دعا المحتجون نحو 10 ملايين من مواطنيهم المقيمين في الخارج إلى وقف التحويلات المالية التي تُقدَّر قيمتها بنحو مليارَيْ دولار سنويا.
وقد تأججت مشاعر الغضب خصوصا بسبب تقارير اليونيسف التي أفادت بمقتل 32 طفلا على الأقل أثناء المظاهرات، حيث أطلقت قوات الأمن النار على العديد منهم داخل منازلهم، كما أطلقت ميليشيات تابعة لحزب رابطة عوامي الحاكم النار عشوائيا على النوافذ. وفي حين أن المجتمع البنغالي اعتاد إلى حدٍّ كبير حالات الاختفاء الغامضة، حيث أُبلغ عما يقرب من 2500 حالة قتل خارج نطاق القضاء بين عامي 2009-2022، فإن المذبحة الوقحة بحق المدنيين في وضح النهار، حسب تعبير مجلة تايم، كانت أكبر من تجاهلها، خاصة أنها جاءت وسط ركود اقتصادي واتهامات بالفساد واسع النطاق.
وهكذا تحولت الاحتجاجات الطلابية إلى انتفاضة جماهيرية عارمة اجتاحت جميع أنحاء البلاد، وركزت جام غضبها على رئيسة الوزراء حسينة واجد ونظامها، بل إن والدها مجيب الرحمن، بطل الاستقلال الذي طالما نُظر إليه بتبجيل واسع في جميع أنحاء البلاد، قد ناله نصيب من السخط بعدما طُمست العديد من تماثيله وصوره أثناء الاحتجاجات، في إشارة رمزية إلى رفض المحتجين للطريقة التي تعاملت بها حسينة واجد مع إرث والدها بوصفه مطية للبقاء في السلطة. وهكذا تدحرجت كرة الثلج البنغالية خلال أسابيع قليلة لتطيح بساكنة جانابهابان، وتضع بنغلاديش على مفترق طرق، وهو ما يدفعنا للتساؤل كيف وصلنا إلى هذه النقطة؟ وكيف اتسعت الحركة التي بدأت بمظاهرات طلابية معتادة إلى انتفاضة شعبية أطاحت بحكم المرأة الحديدية؟
حسنا، كان نظام الحصص الكوتا ما أشعل الاحتجاجات في البداية، وهو ما يدعونا للتعرف إلى هذا النظام، وسر رفض البنغاليين له بهذه الشدة. لقد تأسس نظام الحصص لأول مرة قبل أكثر من خمسة عقود على يد رئيس الوزراء آنذاك الشيخ مجيب الرحمن، والد الشيخة حسينة، وذلك بهدف ضمان فرص العمل لقدامى المحاربين في حرب التحرير وأُسرهم، وكذلك للأشخاص القاطنين في المناطق الجغرافية النائية والفئات الأكثر ضعفا. في ذلك الوقت، كان يُنظر إلى النظام باعتباره وسيلة لتكريم أولئك المحاربين، لكنه أخذ يفقد قيمته تدريجيا مع ظهور أجيال جديدة لم تشهد الحرب من الأساس، وبمرور الوقت تحول النظام إلى طريقة لتمويل المحسوبية السياسية لحزب رابطة عوامي الحاكم.
ففي الوقت الراهن، لا يُشكِّل أحفاد المقاتلين من أجل الحرية سوى جزء صغير من سكان بنغلاديش يُقدَّر بما بين 0.12 إلى 0.2، وفقا لصحيفة بروثوم ألو المحلية، لذلك فإن حصة مقاتلي الحرية كانت تذهب بلا شك لشعب حسينة واجد المختار، وفق تعبير نافيدا خان، عالمة الأنثروبولوجيا في جامعة جونز هوبكنز. من جانبها، كانت رئيسة الوزراء جريئة في دعمها لنظام الحصص فيما سبق، محتجة بأن أولئك الذين شاركوا وضحّوا في حرب الاستقلال ضد باكستان، والنساء اللواتي تعرضن للاغتصاب في تلك الحرب -بحسبها-، لا بد أن يُمنحوا وذووهم أعلى درجات التقدير في المجتمع، بل واتهمت الشيخة حسينة المنتفضين ضد نظام الكوتا بأنهم من الرازكار، وهو مصطلح يُطلق على مَن تعاونوا مع الجيش الباكستاني خلال حرب 1971.
ظل الاستياء يتراكم من نظام الحصص، خاصة في ظل مواجهة البلاد معدلات عالية للبطالة بين الشباب، فضلا عن ارتفاع في التضخم، الأمر الذي أثمر موجة من الاحتجاجات الطلابية عام 2018 أسفرت عن إلغاء الكوتا التي حصرت 30 من الوظائف الحكومية الجديدة في أبناء وأحفاد مَن شاركوا في حرب استقلال بنغلاديش ضد باكستان، و26 من الوظائف للفئات المهمشة في نظر النظام مثل النساء وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم، تاركة أقل من نصف الوظائف ليتنافس عليها باقي المؤهلين للعمل من سكان بنغلاديش البالغ عددهم 171 مليون شخص.
كان إصلاح عام 2018 إحدى ثمرات الاحتجاجات الطلابية المتكررة في بنغلاديش التي كثيرا ما أثمرت تصحيحا لمسيرة البلاد السياسية. فحتى قبل استقلال البلاد، اشتعلت مظاهرات الطلاب البنغال عام 1952 بسبب رفض باكستان آنذاك الاعتراف باللغة البنغالية لغةً وطنيةً، ضمن ما عُرف آنذاك بـبهاشا أندولان أي حركة اللغة. وقد بلغت الاحتجاجات الطلابية ذروتها خلال حرب استقلال بنغلاديش قبل عقدين من الزمان، وكان الطلاب من بين أول مَن قُتلوا على يد القوات الباكستانية في عام 1971 خلال تلك الحرب.
لاحقا في عام 1987، تصدَّر الطلاب حركة المقاومة ضد الديكتاتورية العسكرية للرئيس الأسبق حسين محمد إرشاد، ما أدى إلى استقالته في النهاية عام 1990. وفي عام 2013، احتج آلاف الطلاب في دكا، مطالبين بعقوبة أشد قسوة على أولئك الذين تعاونوا مع باكستان أثناء الحرب. وتبع ذلك المزيد من الاحتجاجات في عام 2015 ضد الضرائب، وفي عام 2018 من أجل سلامة الطرق.
تُعَد الاحتجاجات الحالية إذن في جزء منها استمرارا للمشهد الاحتجاجي في بنغلاديش الذي يتصدَّره الطلبة بالأساس، بما يشمل طلاب الجامعات الحكومية والخاصة والمدارس، الذين استخدموا وسائل التواصل الاجتماعي لجلب المزيد من الزخم إلى المشهد الاحتجاجي. ومع انضمام أحزاب وفصائل المعارضة والفئات الاجتماعية الأخرى إلى الطلاب، تحولت التظاهرات بسرعة من احتجاجات على نظام الكوتا فقط إلى انتفاضة واسعة غير مسبوقة منذ الإطاحة بالحكم العسكري سقط فيها المئات من الضحايا.
وقد حدث هذا التحول بحسب مجلة إيكونوميست حين خرجت الشرطة ومعها الطلاب البلطجية من رابطة تشاترا، التابعون للحزب الحاكم، بحسب تعبير المجلة البريطانية، لقمع الطلاب المحتجين بعنف بالغ، وقد انتهت تلك المعركة بسيطرة الطلاب الثائرين على شوارع العاصمة دكا، واقتحام هيئة الإذاعة والتلفزيون الحكومية، وعدد من مقار الشرطة وحتى السجون، وامتد النشاط الثوري ليشمل نصف مقاطعات بنغلاديش تقريبا.
في البداية، حقق المحتجون انتصارا جزئيا مع قرار المحكمة العليا الأخير بأن تصبح 93 من الوظائف الحكومية الجديدة مطروحة على أساس الجدارة وليس الحصص، وأن تحصل أُسر المحاربين القدامى على 5 فقط من تلك الوظائف، و2 أخرى للمهمشين والأقليات. لكن الحكومة لم تتخذ الخطوات الكافية لتحمل المسؤولية عن ضحايا الاحتجاجات، مُفضِّلة توجيه الاتهامات لـ61 ألف شخص بإسالة الدماء على رأسهم بالطبع معارضو الشيخة حسينة ونظامها، وقادة الاحتجاجات، في استمرار لتقليد طويل الأجل لدى الشيخة حسينة ونظامها بتحميل المعارضة المسؤولية عن جميع المشكلات التي تصيب الدولة، بحسب تعبير إيكونوميست. وقد تسبب هذا النهج في النهاية في توسيع الاحتجاجات بدلا من احتوائها، انتهاء إلى المشهد الأيقوني لفرار حسينة واجد إلى الهند.
رغم ذلك، فإن نظام الحصص وحده لا يكفي لفهم جذور الانتفاضة الحالية في بنغلاديش، التي تغَّذت بفعل ديكتاتورية متنامية وركود اقتصادي بالغ وفساد واسع النطاق. في الحقيقة، فإن نظام الحصص لم يكن أكثر من رمز احتشد حوله الشباب المحتجون والعديد من فئات الشعب الغاضبة ضد المظالم المتراكمة والمشكلات الأكثر عمقا التي ولَّدت في النهاية كل هذا الغضب.
بحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية، لطالما نجحت الشيخة حسينة واجد في رواية حكاية جميلة ومقنعة للجميع حول نفسها، فهي تلك المرأة العلمانية قوية الشخصية التي ترتدي لباس بلادها التقليدي المبهج في ألوانه، وفي الوقت نفسه تحكم بلدا مسلما كبيرا وتحارب التطرف الديني، وتنتشل الملايين في بلادها من الفقر، كما أنها استطاعت في الوقت نفسه أن تُشكِّل علاقات قوية مع جيرانها، خاصة الصين والهند، رغم الخصومة بينهما، لكن الحقيقة أن خلف تلك الصورة الخلابة تقبع حقيقة دميمة وقاسية.
فالشيخة حسينة -بحسب نيويورك تايمز- اعتمدت خلال فترة حكمها على تقسيم سكان بلادها إلى شطرين، الشطر الأول يشمل المؤيدين لها الذين كافأتهم رئيسة الوزراء وتعهَّدتهم بالرعاية، ومنحت البارزين منهم النفوذ وحق الإفلات من العقاب، والشطر الثاني هم المعارضون الذين قادت الشيخة حسينة واجد حملات قمع عنيفة ضدهم وعاقبتهم بالسجن دائما، وقد أثبتت ردة فعلها العنيفة على الاحتجاجات الأخيرة الطبيعة القمعية لنظامها، وهي الطبيعة التي ربما كانت أحد الأسباب العميقة لانطلاق تلك الانتفاضة من الأساس.
منذ سنوات، يتهم المعارضون الشيخة حسينة بأنها حولت البلاد إلى أرض يسكنها الخوف، حيث يخشى معارضوها من المكوث في بيوتهم خوفا من زوار الفجر، ويقول هؤلاء المعارضون أيضا إنها لا تُفرِّق في قمعها بين إسلامي وعلماني، فلديها دائما مسوغات جاهزة تعطيها للإعلام لتبرير القمع الذي تمارسه ويسعى في الحقيقة إلى تحقيق هدف واحد فقط ضمان بقائها في الحكم لأطول فترة ممكنة.
وحتى صورة القائدة التي تحكم بلدا ديمقراطيا بعد حقبة قاسية من الحكم العسكري أصبحت مزينة بالكثير من الخروق. فبعد كل شيء، يعتقد المعارضون أن الشيخة حسينة لم تكن لتحكم كل هذه الفترة دون مباركة من الجيش، خاصة وهي تقوض النظام الديمقراطي يوما بعد يوم. وفي الانتخابات الأخيرة التي جرت في ينايركانون الثاني الماضي، التي فازت بها الشيخة حسينة بولايتها الرابعة على التوالي، وولايتها الخامسة عموما، قاطعت جماعات المعارضة الرئيسية الانتخابات، إذ أعلن الحزب الوطني البنغالي اعتقال 20 ألفا من أعضائه ومؤيديه خلال فترة الحملة الانتخابية، وكانت تلك هي المرة الثانية التي تقاطع فيها المعارضة الانتخابات كُليًّا بعد عام 2014، في حين جرت انتخابات عام 2018 تحت أجواء بوليسية وتبعتها اتهامات واسعة النطاق بالتزوير.
وكان تقرير لمجلة إيكونوميست العام الماضي قد رصد ضيق صدر المرأة الحديدية على نحو استثنائي تجاه أي إشارة، ولو من بعيد، لنقد سجلها في الحكم. وذكر التقرير حينها أن فترة حكم حسينة تتسم بالتضييق والتخويف الممنهج ضد وسائل الإعلام، وتتميز أيضا بالسيطرة التامة على الشرطة والقضاء اللذين أصبحا أكثر الهيئات فسادا في البلاد، بحسب التقرير.
لم تكن الأمور على هذا النحو بالنسبة إلى زعيمة بنغلاديش في البداية. وبحسب تقرير لمجلة فورين بوليسي الأميركية، فإن حسينة واجد نُظر إليها في البداية بوصفها بطلة الديمقراطية البنغالية، حين انتُخبت رئيسة للوزراء سنة 1996، بعد فترة طويلة من الحكم العسكري، لكن في المرة الثانية التي عادت فيها للحكم عام 2008 بعد خسارتها عام 2001، تحولت إلى شخصية جديدة، بعد أن وجدت وصفتها الخاصة للبقاء في السلطة. وتكمن هذه الوصفة ببساطة في تصوير أي شكل من أشكال المعارضة السياسية في البلاد على أنه معارضة إسلامية متطرفة، وهو الأمر الذي ساعد حسينة على اكتساب دعم الهند والدول الغربية. ويُعَد دعم الهند تحديدا واحدا من الأسباب العميقة للغضب الشعبي ضد رئيسة الوزراء، لأن موالاة ناريندرا مودي ونظامه القومي الهندوسي الذي اشتهر بقمعه للمسلمين في الهند بات عاملا محفزا للغضب داخل الشارع البنغالي.
بعد أكثر من 15 عاما متتالية في السلطة، لم يسلم أحد من القمع في دولة حسينة واجد، بمَن في ذلك رجل في مكانة البروفيسور محمد يونس الحائز على جائزة نوبل، الذي يواجه سلسلة من القضايا التي يقف وراءها الحزب الحاكم داخل البلاد، بجانب هجوم مستمر على لسان رئيسة الوزراء. وفي العام الماضي 2023، وقَّع 170 شخصية عالمية رسالة مفتوحة تطالب بوقف اضطهاد يونس، حيث يظن عدد من المراقبين أن الشيخة حسينة ترغب في تقويض سمعة البروفيسور خوفا من شعبيته الكبيرة التي تناهز شعبية والدها الراحل الشيخ مجيب الرحمن.
يُعَد قمع الاحتجاجات الأخيرة إذن تتويجا لنظام بوليسي كان يتشكَّل على مدار قرابة عقد ونصف. لكنَّ عاملا فارقا ساهم في خروج القمع بتلك الصورة الوحشية هذه المرة، وهو أن هذه الاحتجاجات الاقتصادية في طابعها الأولي ضربت في مقتل آخر الصور المشرقة لحسينة واجد باعتبارها بطلة اقتصادية أنقذت شعبها من الفقر. وتشير التقديرات إلى أن معدلات الفقر في بنغلاديش انخفضت من نحو 12 عام 2010 إلى 5 عام 2022، كما تمكنت البلاد من تحقيق متوسط سنوي للنمو بلغ 6.6 على مدار العقد الماضي، مع توقعات بخروجها من تصنيف البلدان الأقل نموا في الأمم المتحدة بحلول عام 2026.
لكن تلك الأرقام المضيئة أخفت بين طياتها مشكلات هيكلية عميقة، فمن بين كل 8 شباب في البلاد هناك شاب واحد على الأقل عاطل عن العمل، كما أن ربع الباحثين عن عمل في البلاد تتراوح أعمارهم بين 15-29 عاما، في حين يشتكي ثلثا الشباب في البلاد من عدم الحصول على وظيفة ثابتة منتظمة، ويتنافس 400 ألف خريج جامعي كل عام على 3000 وظيفة حكومية فقط، في ظل سوق عمل محفوف بالمخاطر.
كذلك يشكو الشباب في بنغلاديش من استشراء الفساد والمحسوبية، في الوقت الذي استخدم فيه النظام الوظائف الحكومية بوصفها غنائم يوزعها على مؤيديه على أساس المحسوبية السياسية وليس الكفاءة. لذلك، لم يكن إصلاح نظام الكوتا وحده كافيا لمعالجة المظالم طويلة الأمد بين صفوف البنغال وخاصة الشباب، ومع استمرار القمع الحكومي، توسعت دائرة الاحتجاجات وخرجت عن نطاق السيطرة، دافعةً الجيش البنغالي لرفع دعمه عن رئيسة الوزراء. ومع فرار المرأة الحديدية إلى الهند، تُفتح صفحة جديدة في تاريخ بنغلاديش السياسي المكدس بالاضطرابات السياسية والانقلابات العسكرية. وفي هذه المرة يأمل البنغال أن تسفر احتجاجاتهم عن نظام سياسي عادل تغلفه ديمقراطية حقيقة، لكن المؤكد أن مسيرتهم نحو ذلك لن تكون مفروشة بالورود. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/8/5/%d9%86%d9%87%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%a3%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%af%d9%8a%d8%a9-%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%a3%d8%b7%d8%a7%d8%ad%d8%aa | 2024-08-05T12:01:46 | 2024-10-16T00:26:12 | أبعاد |
|
116 | عبد الإله بنكيران الحركة الإسلامية تطلب مُلْكَ أبيها | “أنا لا أبحث عن سبق صحفي، ولا عن تصريح خاص، لديك أربعون سنة من العمل الحركي والتجربة السياسية، وجئت لأسمع منكَ الخلاصات التي تختمر في ذهنك بعد هذا المشوار الطويل” | هل تعرف ماذا وقع للإخوان؟ أرادوا أن يأخذوا مهمة الله
عبد الإله بنكيران
لو أعلنت الإذاعة الرسميّة في المغرب أن السيد عبد الإله بنكيران رئيس وزراء المغرب الأسبق سيخرج في الثالثة والنصف ليلًا، في مشاركة قصيرة، يسرد فيها حروف الهجاء العربية بصوته، لأنارت أكثر مباني المغرب قبل أذان الفجر ثقة منهم بأن السيد سيسرد الحروف بطريقة غير تقليديّة هو رجل قد أجمع محبوه وناقدوه على متابعته وتسقّط أخباره، وقد عوّدهم هو على مفاجأتهم
لا أريد أن أجري حوارًا صحفيًّا، وليس لديّ تصريحات، لكن إن أراد أن يزورنا لحديث ودّي فمرحبا به. هكذا تكلم بنكيران، لمنسق لقائي معه.
لم أكن أبحث عن تصريحات جديدة. في الصحافة نمطان؛ نمط يطارد التصريحات والعواجل، وآخر ينتظرها عند خط النهاية، حتى يعرف سياقها والدوافع التي أنشأتها. أميل إلى النمط الثاني.
في حيّ الليمون على بعد كيلومتر واحد من مبنى البرلمان و2 كم من القصر الملكي في الرباط، توقفت السيارة، أشار لي صديقي منسّق اللقاء إلى بيتٍ على مفرق الطريق حيث يلتقي شارعان يغصّان بالأشجار، لم يكن البيت يتميز بشيء عن سائر البيوت في الحيّ، وليس من الصعب تحديده، خاصة حين ترى دركيًّا وضابطًا يرابطان عند باب الدار التي يمكن أن يُجدد صبغ جدرانها، بعد أن أصابت الرطوبة منها، وتدلت عليها شُجيرة ورد جميلة، بدت كغُرّة تتدلى على جبين سيدة حسناء تعاني من تساقط الشعر.
من وراء الدرك، لاح شابٌّ بسّام، اقتربَ مني وصافحني، وقال لي السي بنكيران بانتظارك. كان ذلك نزار خيرون مدير مكتبه.
صعدنا الدرج الحلزونيّ إلى الطابق الثاني من البيت المسجّل باسم زوجته. رائحة البيت طيّبة، استقبلنا باب المجلس، فوجئت به يقف عن يساري على رأس الممر الذي يؤدي إلى غرف البيت، رجل في عَقد السبعين، يكسو البياض وجهه ورأسه الذي لاث عليه قطعة قماش سيتدثر بها لاحقًا عند جلوسنا. أقبلت عليه بحفاوة، وأنا أتذكّر نصيحة أحد وزرائه لي حين سألته عن مفاتيح شخصيته السي بنكيران يحب التقدير استلم يدي بودّ، مرحبا بي، وقادنا إلى غرفة الجلوس.
قرأت في مذكرات الممثل الأميركي ماثيو بيري وصفًا لافتًا لزوج والدته، رئيس وزراء كندا الأسبق بيير ترودو والد رئيس الوزراء الحالي جاستن ترودو. كان بيير يتمتع بنوع من الكاريزما، تمكّنه إذا دخل مجلسًا من تحويل كلِّ من فيه إلى قطع أثاث. في بنكيران كاريزما مشابهة، لكني كنتُ قد عقدتُ العزم على مقاومتها.
أشار إليّ بالجلوس على طرف الأريكة الطويلة، وجلس فيما يليني على أريكة تكاتفها، ولم يعد يفصل بيننا سوى طاولة في الزاوية وضع عليها صورة له مع رفيق دربه عبد الله بها وزير الدولة الذي توفي في حادثة مؤسفة عام 2014.
هذا أنتَ؟ أشار إليّ ملوحًا بهاتفه، بعد أن دق حروف اسمي في محرك البحث غوغل، وظهرت له قائمة أبحاثي في صفحة تراث في موقع الجزيرة نت. نعم أجبته، وأنا أتزحزح عن مجلسي تاركًا مساحة لمدير مكتبه وهو يحوّل قطعة القماش إلى دثار للرجل المسن، ويساعده على أن يجلس جلسة مريحة، كانت حركة ودٍّ وتقدير لا مهمة عمل. إنته ماشي صحفي، إنتَه كاتب أو عالم، ماذا تريد من الصحافة والمقابلات؟ قال لي بالدارجة المغربية.
هذه مهنتي التي أحب، وانتهزت الفرصة لصرف الحديث إلى الغرض الذي جئت من أجله ولم يتحدد لديه بعد، فواصلت أنا لا أبحث عن سبق صحفي، ولا عن تصريح خاص، لديك أربعون سنة من العمل الحركي والتجربة السياسية، وجئت لأسمع منكَ الخلاصات التي تختمر في ذهنك بعد هذا المشوار الطويل.
هذي فكرة مزيانة قال وهو ينظر إلى مدير مكتبه وقد أعجبه الاقتراح، وارتاح إليه. قبل بضع سنوات، قلت في نفسي، الآن وصلت إلى سن، يقول عنها المغاربة، ما بقى قد ما فات لم يبقَ من العمر مقدار ما مضى منه.
أطال الله بقاءك خرجت مني بعفويّة.
لا، نسأل الله طول العمر في الطاعة في صحة جيدة، ولكن ليس كثيرًا أجاب بيقين.
ألا تريد أن تصلَ إلى المئة؟ قلت مستفزًا.
مالنا ولهذا رد بفزع كمن ملَّ الحياة.
نحن هنا في المغرب ندعو بالبركة، حكى لي أحد الإخوة الفلسطينيين عن صحفي كويتي كان صديقا للحسن الثاني، واستدعاه الحسن الثاني لحضور عيد العرش. كان من رسوم الحسن أن يسلم على ضيوفه ويؤانسهم، فلما وصل إلى الصحفي، قال له هل جئت بنكتة من نكاتك هذه المرة؟ قال نعم يا طويل العمر فغضب الحسن، وقال لا تقل هذا في المغرب، وقله في الخليج. نحن هنا لا نسأل طول العمر، ألم تسمع المخازنية خدم الملك ماذا قالوا حين دخلت. ماذا قالوا؟ لم يفهم الصحفي الخليجي الدارجة التي يحيي بها المخازنية الملك، فقال الحسن يقولون الله يبارك في عمر سيدي نحن هنا نطلب بركة العمر لا طوله.
هذا عجيب قلتُ مستحسنًا للمعنى.
ما سيأتي سيعجبك أكثر قال لي بصيغة جازمة، منبهًا لي أن القصة لم تنتهِ بعد.
رفع هاتفه وقال براد صغير ديال أتاي
وضع الهاتف بجانبه، ونظر إليّ وأكمل القصة. قال الحسن للصحفي، إلى أي حد سيطول عمري، هل ترى عشر سنوات تكفي؟ فقال نعم يا سيدي، تكفي.
في يوليو عام 1999 توفي الحسن الثاني، وحين بلغ الصحفي خبر وفاته، نظر إلى التقويم فوجد أن عشر سنوات قد مرّت والصحفي ما زال حيًّا يرزق، ولعله إذا اطلع على هذه الطُّرفة سيذكرها.
أما أنا فقد بلغت السبعين بالهجري والميلادي، أظن في شعبان سأكمل 73 بالهجري. وهناك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه أعمار أمتي بين الستين والسبعين وقليل من يجوز ذلك فقد بدأ الإنسان يطل على القبر وعلى الآخرة بجدّ. قلتُ لنفسي ماذا سأترك لأولادي؟ ليس لديّ ثروة.
فقد عشتُ كفافًا طوال حياتي، كان أحد المساجين مع ولده فسأله عما يملك وعن ذمته المالية، فقال له ما دون البغل وفوق الحمار عشتُ حياة معقولة بالمعيار الماديّ، ثم إني فكرت أن أترك لهم ما تعلمته من هذه الحياة.
وأردتُ جمعهم لذلك فلم يجتمعوا أحدهم منشغل بالرياضة، والآخر بدروس اللغة الإنجليزية، فقلتُ لنفسي أدعهم، وأسجلها لهم، حتى إذا أرادوا أن يتعرفوا على جدهم سيجدون المادة مسجلة. وهي سيرة حياتية وفكرية، أحكي فيها عن الآيات التي استوقفتني وعن الأحاديث التي تربينا عليها في الحركة الإسلامية، وذكرياتي في العمل الجماعي، وهي بضاعة أعلم أن ليس لها زبناء.
لماذا لا تكتبها؟ سألته أجد صعوبة في الكتابة، كتابتي كبيضة الديك.
وماذا عن مستوى الصراحة في تسجيلاتك؟
أنا من حيث المبدأ لا أقول كل شيء، لكن لا أقول إلا ما أعتقده، أما أن أكذب فمعاذ الله أظن أن هذا عيب من عيوبي، فأنا لا أشعر بالراحة إلا إذا قلتُ كل ما يعتمل في دماغي.
هل تعتقد أنك لو كنت مجاملا لتغير مسارك السياسي؟
أنا مجامل قالها وقد قطّبَ حاجبيه. فضحكتُ أنا ومدير مكتبه.
ربما فيّ من السذاجة ما يجعلني أبوح بأشياء يخفيها الآخرون. مثلا حين أكون في اجتماع ولا أفهم ما يقولون، فأقول لم أفهم، يضحكون مني وحين يعاد الشرح، أكتشف أني لم أكن الوحيد الذي لم يفهم، لكني الوحيد الذي قلتها.
تناول البراد الصغير وصبَّ الأتاي رافعًا البراد ليرغي الكأس.
في الثاني من أبريلنيسان عام 1954 ولد عبد الإله بنكيران في حيّ العكاري في الرباط، وكان حيًّا وسطًا، ليس مغرقًا في الفقر، ولا على طراز أحياء الرباط الأنيقة. ونشأ في فاس -وفاس في المغرب هي أم القرى- في بيتٍ وسط ليس بالكوخ، ولا قصرًا منيفًا، بل بيتًا وسطًا مساحته 112م2، كان والده تاجرًا للألبسة، متصوفًا على الطريقة التيجانية، ولم يكن له أدنى اهتمام بالسياسة، عاش حياته في مخمّسٍ يطوف بداخله، أقطابه البيت والمسجد ودكانه، والسوق، والزاوية التيجانية. وكان والدي مقتنعًا بأن معي بركة ما كذا أخبره.
أما أمه فقد كانت مهتمة بالسياسة وعضوًا في حزب الاستقلال، فعنها أخذ التوجّه، وحين كبر الابن وأسسَ حزبًا منافسًا، بقيت الأم استقلاليّةً. مرَّ الفتى بحزب الاستقلال الذي كان يرأسه الزعيم المغربي علال الفاسي، وبالاتحاد الوطني للقوات الشعبية الاشتراكي الذي انشقّ عن حزب الاستقلال، ولم يتوقف عندهما. تفتّح وعيه على الأحداث السياسية أول ما تفتح على وفاة محمد الخامس ت 1961 فعاشها بمشاعره، وحين جاءت النكسة 1967 عاشها بوعيه.
هل كنتَ واعيًا وقتها تفهم السياسة؟ سألته.
شويّة، إلى الآن لا أستطيع أن أقول إني أفهم السياسة جيدًا قالها بجد مهزول.
لم يكن الفتى الذي قارب الأحزاب الاشتراكية في ميعة شبابه، منبتًّا من جذوره الإسلاميّة التي نشأ عليها، حين كان عمره 14 عامًا حضر مسرحيّة في الرباط لفرقة فلسطينيّة، فلما انتهى العرض وضجّت القاعة بالتصفيق والتبرعات، تسلل الفتى وجاء إلى الفرقة يقول لهم خذوني للجهاد معكم في فلسطين فقالوا له اذهب إلى السفارة المصرية
في 1975 دخل الفتى مسجدًا فوجد جماعة من الشبيبة الإسلامية يتحدثون فيما بينهم، وجذبه حديثهم، فمال إليهم. قال لأحدهم الحسن الثاني يقول إن المغرب لا يصلحه إلا النظام الفردي أو الشيوعية فقال الشاب بل يصلحه الإسلام
فعجبَ الفتى وقال لنفسه سبحان الله في هذا الكون شاب يؤمن بأن المستقبل للإسلام؟
وجنَّدوك؟ استقطبوني، كانوا حذرين، يقولون هذا شاب مليان معلومات، وثمة مخاوف على الزعامة منذ البداية، بسبب نمط الشخصية سيحسمون أمرهم عن قريب، ويهدونه إنجيلهم. أهدوني كتاب معالم في الطريق، ولم أنم حتى أتممته، وأصبحتُ وأنا على الطريق.
هنا نحتاج وقفة، في المغرب عندكم حالة مختلفة، ليس لديكم شخصية مرجعية، ليس لديكم الترابي مثل السودانيين، ولا البنا مثل المصريين، ولا الخميني مثل الإيرانيين . كيف اجتمع الشباب وتفاهموا بدون مرجعية؟ سألته مستشكلًا.
لم نكن نحتاجها فوضعنا مختلف. وذلك لمعنى بسيط، وهو لأن الحركة الإسلامية في الشرق نشأت على أساس استعادة الخلافة، ونحن في المغرب لم نكن تابعين للخلافة المشرقية، كنا بلدا مستقلا خليفته فيه. وخلافتنا ترجع إلى 12 قرنا؛ من عهد مولاي إدريس رحمه الله والمغاربة مجتمعون على السلاطين أو الأمراء -سمهم ما شئت- الذين جاؤونا. فتلك الخصوصية لم تكن عندنا. وأما زعماؤنا الإسلاميون فعندنا علال الفاسي.
هل تربيتم على كتاباته؟
لا، مرجعيتنا الأولى هي الإخوان المسلمون. هكذا كان الأمر في الشبيبة الإسلامية التي تعرفت عليها في الستينات وانضممت إليها في السبعينات والتي أسسها عبد الكريم مطيع.
اشرب شايك قال لي مقربًا مني الكأس.
أخذت رشفة، وثانية وثالثة، ما أجمل طعم الأتاي المغربي خاصة إذا كنتَ قريب عهد بطعام.
كانت عندنا تجربة في السجن.. في عامي 81 و82، غيرنا السجن واكتشفت أن هناك أخطاء في الحركة. ما الذي يريده الإسلاميون؟ دولة إسلامية، فهي موجودة وبنص الدستور، نمت في ذهني هذه المراجعات وصرت أفكر فيها وأشاركها إخواني. فاختلفوا معي واصطدموا بي. وذهبت بعيدًا.
من شعاراتنا الإسلام هو الحل. الإسلام هو حل ماذا؟ الزبدة التي يشتريها المغاربة بدرهم وربع. إذا ارتفع سعرها، كيف سيعالج الإسلام هذه المشكلة؟ الإسلام هو الحق. وليس هو الحل. هو حق من عند الله. وقد يكون مشكلة وليس حلا. النبي دعا للإسلام فحوصر في الشِّعب ثلاث سنوات، هذه مشكلة أم حل؟ مشكلة. وقد وقفت أمام هذا الشعار وقفة صارمة ورفضت أن يوضع في وثائقنا، وتصارعنا. حتى اتفقنا على صيغة الإسلام هو الهدى.
كيف واءمت بين شخصيتك الصدامية وبين الرئاسة التي تقتضي الشوروية؟
من قال لك إني صدامي؟ مرة أخرى لم نستطع أنا ونزار كتم ضحكاتنا. إذا آمنت برأي سأظل مصرًّا عليه بكل ما أملك.
وينفض الناس عنك؟
ينفضون. لكني كنت دائمًا ألتزم بالديمقراطية.. لم تكن رئاستي مريحة لي ولا لهم. أتعبتهم وأتعبوني.. هذا اللي أعطى الله قالها بانزعاج.
ما الذي يبقيك إذن وأنت غير مرتاح؟ المسؤولية ثم تذكر إنجازاته، فأردف استطعت بفضل الله تعالى أن أحقق بالمقاييس الديمقراطية ما لا يخطر على بال؛ حين استلمت الحزب أول مرة كان عنده 46 نائبا وبعد ثلاث سنوات صار عنده 107 نواب. وبعد خمس سنوات 125، وعين رئيسه رئيسا للحكومة.
في عام 1986 انتخب بنكيران رئيسًا لحركة الإصلاح والتجديد وسيبقى فيها لفترتين متواليتين إلى 1994. وقتها هجرت الحركة العمل السريّ وخرجت للعلن، وتواصلت مع الجماعات الأخرى، واقتحمت عالم الصحافة، والحياة السياسية، وشكلت حزبا سياسيا سيطلق عليه لاحقًا اسم العدالة والتنمية.
وأصبح بنكيران عضوًا في الحركة والحزب. وفي أغسطس 1996 أعلنت الوحدة الاندماجية بين حركة الإصلاح والتجديد، ورابطة المستقبل الإسلامي، لتولد حركة التوحيد والإصلاح، وفي 2008 انتُخب بنكيران أمينًا عامًّا لحزب العدالة والتنمية. في يوم 29 نوفمبرتشرين الثاني 2011 عينه الملك محمد السادس رئيسا للحكومة بعدما احتل حزبه المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية التي شهدها المغرب يوم 25 من الشهر ذاته، بموجب دستور جديد اقترحه الملك إثر حراك شعبي يطالب بالحريات والديمقراطية والإصلاح وتم تبنيه عبر استفتاء شعبي في يوليوتموز 2011.
قاد بنكيران حزبه ليفوز للمرة الثانية في انتخابات 2016، واستقبله الملك وكلّفه بتشكيل حكومة بمقتضى الدستور الجديد الذي ينص على أن الملك هو من يعيّن رئيس الحكومة من الحزب الفائز بالانتخابات. ليعود في مارسآذار عام 2017 فيُقيله ويكلّف زميله في الحزب سعد الدين العثماني الذي أصبح رئيسا للحزب كذلك.
سار العثماني سيرًا وئيدًا في فترته وختمها بتوقيع اتفاقية التطبيع بين المملكة المغربية وإسرائيل، ممارسًا لما كان ينهى عنه وما انتقده يومًا في مقالة له بعنوان التطبيع إبادة حضارية نشرها عام 1996 في مجلة الفرقان. بعد أقل من عام من توقيع العثماني على الاتفاقية، كاد حزب العدالة والتنمية يُباد في الانتخابات البرلمانية المقامة في سبتمبرأيلول عام 2021، حيث عجز عن تحقيق عُشر ما حصله من مقاعد في الانتخابات السابقة، محققا 12 مقعدا فقط.
طالب بنكيران باستقالة العثماني من رئاسة الحزب بعد ما وصفه بـالهزيمة المؤلمة. استجاب العثماني، وعُقد المؤتمر الوطني الاستثنائي للحزب في شهر أكتوبرتشرين الأول، وفي الاستفتاء على منصب رئاسة الحزب حقق بنكيران فوزًا حاسمًا بحصوله على 1012 صوتًا من مجموع الأصوات البالغ عددها 1252.
أردت العودة إلى حديث الخلاصات، فقلتُ قرأتُ مرة أن مراد هوفمان، كان له دفتر صغير يدوّن فيه خلاصاته التي برهنت عليها الحياة، فلما بلغ ابنه 18 عامًا دفعه إليه، وقال هذا هديّتي إليك في هذه السن.
هذا ما أحاول أن أفعل، لكن بدون أن أكتب.
من أهم الخلاصات عندي وقد تفاجئك بعض الشيء؛ أنني خلصت إلى أن الحركة الإسلامية منجم من الخير لكن عندها أخطاء قاتلة، ومنها قناعتها بأن عليها أن تصل للحكم أولا لكي تطبق الدين.
أليس هذا منطقيًّا؟ سألتُه. هذا منكر رد كالمغضَب. وأكمل بنبرة حادة وهو ضد الإسلام وضد الإصلاح وأدخلها في متاهات. هذا كلام مجمل يحتاج إلى بيان قلت له.
اعتدل في جلسته وقد ارتاح إلى السؤال ليقدم خلاصة أنضجها على مدى سنوات، وقال إذا راجعت كتاب الله عز وجل وسنة نبيه ستجد أنه لم يدع إلى الحكم ولا مرة واحدة وإنما دعا للإيمان والعمل الصالح. ثم إن الحركة الإسلامية وعلى رأسها حسن البنا اختطف لبَّها فكرةُ الوصول إلى الحكم؛ فركبت مراكب طلاب الحكم. وطريق الحكم لها منطق وقوانين تسري على السالك فيها سواء كان إسلاميا أو بوذيا. وقعت الحركة الإسلامية في مشاكل بسبب سلوكها تلك الطريق الوعرة، ولم تتوقف لتراجع قناعاتها.
أعلم أن الحركة الإسلامية مليئة بالأولياء والصالحين، ولكنها لم تميّز ما أقبلت عليه. ولم يفهم أصحابها أن ما يقع لهم ليس للمعتقدات التي يحملونها بل بسبب الطريق التي سلكوها والتي مالت بهم إلى المنازعة على الحكم. فانتهى المطاف بكثير منهم إما شهيدا أو سجينًا أو في متاهات لم يخرج منها. وحتى الذي وصل إلى الحكم، لما جاءه، لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب قال عبارته الأخيرة بيقين من يحكي عن تجربة لا من يتلو نصًّا محفوظًا.
ما هو الحكم؟ الحكم الذي وصل النبي صلى الله عليه وسلم إليه كان نتيجة طبيعية لاقتناع الناس حوله به وبدينه. حين هاجر إلى المدينة لم يطلب من الأنصار أن يكون حاكما. كانوا يهيئون الحكم لعبد الله بن أُبيّ، ولكن المشروعية تحولت إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فهو لم ينقلب على عبد الله بن أبي ولم يتآمر عليه. وهذي هي الطريقة الطبيعية التي ينبغي أن يوصل الإنسان بها إلى الحكم.
لم نكن في حاجة إلى هذا الصراع. لقد تحول التنافس على المشاريع الإصلاحية إلى الصراع على الحكم، وتبددت قدرات الأمة وإمكانياتها بين من يحاول الوصول إلى الحكم ومن يريد أن يحافظ على الحكم. وفسدت العلاقة بين الجماعات الإسلامية والحكام وتبعا بين الشعوب والحكام. وبدل أن تكون الحركة الإسلامية عنصر إصلاح ونصح وتقوية. صارت عقبة. هل تفهمني أم لا تفهم، نظر إليّ وعيناه تبرقان
أفهمُكَ جيدًا وفي ذهني ألف اعتراض واستشكال. قلت له وأنا أنتظر أن يهوله العدد، ويستفسر عن بعضها، بدا لي الرجل وكأنه يعاني من اكتئاب سياسيّ حاد. لا مشكلة، أضف إليها ألفًا أخرى، واحتفظ بها هذا هو الواقع، والواقع لا يرتفع بالاعتراض. بداهة بنكيران كالحقائق الموضوعيّة، لا دخل للذات فيها، وبالتالي لن تجدها مهينة. بل لافتة، وربما لذيذة
هذا فهم جديد للسيرة النبوية، لم أسمعه من قبل، ويشكل عليه نص بيعة العقبة الثانية فقُلْنا يا رسولَ اللهِ، عَلامَ نُبايِعُكَ؟ قال تُبايِعوني على السَّمعِ والطاعةِ في النَّشاطِ والكَسَلِ، وعلى النَّفَقةِ في العُسْرِ واليُسْرِ فهذا واضح في أنه هاجر إلى المدينة بصفته قائدًا لا تابعًا. لم أقل هذا له، وإنما اعتمل في ذهني فكان ضمن الاعتراضات الألف الموؤودة.
لا تصدر مثل تلك الأجوبة المفحمة منه بتدبير وتخطيط، بل بالفيض. وبالتالي لا يشعر بها ولا يتوقف عندها. واصل قائلًا وكأنه لم يسجل نقطة على محاوره خذ مثلا حسن الترابي من أصلح من رأيت في حياتي ومن ألمع من رأيت في حياتي. ولست أريد التحدث عن المسرحية التي عملها بدخوله السجن عند الانقلاب. ذلك شيء لم يكن يليق به، وأظن أنه كان أذكى من اللازم ثم انظر إلى حال السودان اليوم. ولو كان الترابي يعمل ضمن المشروعية مع الصادق المهدي ومع سوار الذهب، لكان أنفع للسودان.
في 1989 خطط حسن الترابي لانقلاب على حكومة الصادق المهدي المنتخبة، وقاد الانقلاب العميد عمر البشير، وبمقتضى الخطة سيق الترابي إلى السجن بتنسيق مع البشير لإبعاد التهمة عنه لكونه العقل المدبر. سيخرج الترابي لاحقًا ويشارك في الحكم على مدى عقد من الزمان، ولأن الكرسيّ العربيّ لا يتسع لاثنين، سيضيق به البشير ويجرّده من مناصبه، وسيبقى البشير على كرسيّه حتى يخلعه الجيش في 2019، ليدخل السودان في خلاف دمويّ بين رئيس المجلس الانتقالي عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو.
تنظر المجتمعات المسلمة إلى الجماعات الإسلامية في بعدها الديني، ولكنها حين تتصدر للتجاوب مع المطالب الدنيوية في الحكم تفاجأ بأن الأمر مختلف، وأن الموضوع مرتبط بالهيمنة الأميركية على العالم ومقيّد بالعلاقة مع الغرب الذي يحكم الدنيا منذ أربعة قرون، وأن هناك ظروفًا قاهرة. وأن تلك الظروف لا تسعفهم عادة. كان بنكيران يحكي هذا وعينه مصوّبة على عينيّ، وكأنه رأى أثار الدهشة من كلامه منثورة في ملامحي، فأراد أن يكنسها باستدلال، فقال
ثم إني وجدت لهذا حجيته في القرآن الكريم.
أين؟ قلتُ متفاعلًا معه
وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا، وهي آية يحفظها كل الإخوان. لكنهم لم يفهموها ببساطتها. إذن مهمة المؤمنين الإيمان والعمل الصالح من الذي سيستخلفهم؟ الله الذي يستخلف وليسوا هم.
بالمعجزات والكرامات؟ قلتُ مستغربًا استدلاله.
لا هو قال سيستخلفهم انتهى الكلام. وإذا كان المعجزات والكرامات، ماذا يضيرك أنت؟ أجاب بحدة.
وصل الغرور بالإخوان أنهم يريدون أن يمكنوا للدين بنسبة التمكين إليهم. والله عز وجل ينسب التمكين لنفسه. بدل أن يمكّن هو لهم، أرادوا هم أن يمكنوا له تعرف شو وقع للإخوان أرادوا أن يأخذوا مهمة الله.
وسيبدلهم من بعد خوفهم أمنًا، مهمة من؟ هذه مهمتهم هم أم الله؟ جاوب.
لم أجب، بقيتُ معلقًا بالاعتراضات الألفين التي استودعني إياها
هي مهمة الله مهمة المؤمنين الإيمان والعمل الصالح وعدم الشرك. طبعًا يدخل في العمل الصالح النصح للحكام والمساهمة في الحياة السياسية. وليست المنازعة على الحكم. لأن الحديث واضح، وأن لا ننازع الأمر أهله هذا كلام واضح. لكن الإنسان يبحث دائما عن المنافع في السلطة.
هل بحثت أنت عن المنافع؟ سألته ببرود هذه هي طبيعة الإنسان. أجاب ببرود مماثل هل فهمت ما قلته لك أم لم تفهمني؟ سألني
أفهمك، ولكن هذا يرجع على كل تاريخك بالنقض.
فليعد قالها بدون تردد.
كل تاريخنا الذي نفخر به قام على هذا الأمر. أبو بكر تحولت إليه المشروعية طبيعيا، عمر ثم عثمان ثم علي ثم اضطرب مسار الإسلام. وهذا يجب أن يتوقف الآن، على الحركة الإسلامية أن تفهم أن ليس لها أن تسعى للمغالبة على الحكم.. وهذا لا يعني ألا تشارك في الحياة السياسية وألا تنصح ولا تفكر وألا تبدع. لا. هذا يفيد أنها تكف عن الاقتناع أن دورها الأول أخذ الحكم أو استرجاعه. ولذلك قال هرقل لأبي سفيانوسألتك هل كان من آبائه من ملك فقلت لا، فقال لو كان من آبائه ملك لقلت رجل يطلب ملك أبيه. الحركة الإسلامية تطلب ملك أبيها.
مثل ما فعل العلويون في المغرب ومن قبلهم العباسيون في المشرق قلتُ مشيرًا إلى النماذج الناجحة في طلب الحكم، وفرض الاستقرار.
دعك من هذا، إذا كنت تستدل على هذه الحالات ستجد أمثلة كثيرة، نحن نتحدث عن الإسلاميين. تأخرت بديهته الحاضرة دائمًا فسكت قليلا قبل أن يقول خلينا من العلويين العلويون تعرف لماذا تحركوا للحكم؟ لأن المغرب في وقتهم وصل إلى حالة من الفوضى. العلويون قدموا خدمة جليلة للمغرب. وأنا لا أجاملهم، وليسوا في حاجة إلى مجاملتي. تحرّك العلويون في وقتٍ لم يكن فيه حكم، في نهاية الدولة السعدية حصل فراغ واختلت الأمور، وكان الناس يعرفونها قرونا قبل ذلك، ويشعرون أنها عائلة مباركة. واستمرت إلى اليوم.
أنا أحدثك عن الحركة الإسلامية اليوم دورها أن تعيد بناء الشخص المسلم، وتكون هذه عُملتها في المجتمع. والناس إذا رأوا منها هذا ربما سودوها عليهم. ولكن لا يجب أن يكون هو مطلبها.
حسنًا لنفترض أنهم أخذوا بوصيتك، لنتصوّر السيناريو التالي تقبل على الدعوة والتربية. ثم بدا للحاكم بعد أن عملتَ في إصلاح المجتمع لأربعين عامًا أن يأخذك وكل المصلحين معك ويلقيكم في السجن؟ ترجع إلى الصفر؟
أن يأخذ الحاكم شخصا لأنه مسلم وينصح ويصلح ويضعه في السجن هذا شيء، وأن يأخذ شخصا يتآمر عليه وعنده العمل السري ويريد أن يقوم بانقلاب ويضعه في السجن شيء آخر.. ثم دعه يضعك في السجن ظلما وعدوانا، وقتها سيعلم المجتمع أنك تعاقب على حق أنت متمسك به.
أليست هذه روح مسيحية بلسان إسلاميّ؟ هل على المصلحين يعطوا أيديهم لكل من أراد أن يفعل بهم ما يشاء قلت له مقاطعًا.
لا لا. أول شيء الحق لا يضرني مصدره، إن كان عند المسيحيين فمرحبا به. أنا لا يضايقني هذا. قناعتي أن هذه الأشياء أصيلة في الإسلام بل هي الإسلام كم عانى صحابة النبي صلى الله عليه وسلم في الفترة المكية، وفي المدينة كم عانى النبي صلى الله عليه وسلم، اجتمعت عليه العرب واليهود، في الأحزاب، ولما شاء الله أن ينصره نصره.
إذا لم يكن عندك أشخاص ينافسون الصحابة في استقامتهم. حتى وإن وصلت إلى الحكم ما ذا ستجد فيه؟ لن تجد شيئًا، ماذا وجد الإسلاميون في السودان حين وصلوا إلى الحكم؟ وجدوا الأموال، فتنافسوها. ووجدوا الحكم فاستبدوا به. نقلوا معهم جراثيم المجتمع وفيروساته وأمراضه فقضوا عليه. نحن اليوم مشغولون بغزة، لكن ما يقع في السودان لا يقل كارثية عنها. فقدنا نصف السودان وأدخلنا الفتنة في كل بيوتها
ما يحصل في السودان مشكلة الإسلاميين؟
هذه مشكلة الإسلاميين. لا شك في ذلك. أجاب بنبرة جازمة
ويتحملها حسن الترابي؟ سألته فاحصًا قدرته في نقد أحد أساتذته.
لا أريد أن أدخل في التفاصيل لكنها مسؤولية الإسلاميين الذين حكموا 30 سنة الأخيرة. مع أن إسلاميي السودان كانوا متقدمين على الإسلاميين في العالم في كل شيء، في الاجتهاد.
متى بدأت تصل إلى هذه الخلاصات تنضج لديك؟
لا أستطيع أن أعطيك تاريخًا محددًا، لكنها كانت تتشكل في ذهني وفي ذهن الأخ عبد الله بها، كان عندنا تفكير مشترك، حتى إني لم أعد أدرك مصدر بعض الأفكار هل كان هو مصدرها أم أنا. منذ 1982 ونحن في صداقة وتفكير متساوق.
نظر إلى مدير مكتبه، وقال له أرسل له الدرس الذي أتحدث فيه عن بهاء. ليدرسه
الآن، قل لي ما الذي يتميز به الإسلامي عن غيره حين يصل إلى الحكم؟. قال موجهًا سؤاله لي.
لا أدري، لكن السودانيين يزعمون أن الإسلاميين -مع سوء إدارتهم- كانوا أنظف يدًا من غيرهم، وقد قيل عنكم هذا، لم يعثر على فساد مالي في وقتكم مع شدة الرصد. أليس هذا شيء يتميز به الإسلاميون عن الآخرين؟
صحيح، في الإسلاميين هذه الأمانة ومناقب أخرى، لكن شوف، حين تكون عندك سيارة ينبغي أن تعمل كل قطعها بشكل جيد حتى تسير.
لم أشعر إلا وسعادة رئيس الوزراء الأسبق قد افتكّ مني سلطة الأسئلة وراح يسأل ثانيةً اشرح لي ما معنى أن يترشح الإخوان المسلمون في 2012 في الوقت الذي أكدوا فيه أنهم لن يترشحوا؟. لعلهم ظنوا أن وقت التمكين قد حان. أجبت بابتسامة لم أقدر على التخلص منها أيوا صافي هذه الأمور لا يفيد فيها الظن. لقد كانوا يرون بأعينهم مصائر الأمور، وأقدموا عليها. بينما لو بقوا في دورهم الإصلاحي في المجتمع، فيقينًا لن يقع ما وقع لهم بعد استلامهم الحكم. ويقينا سيكونون مصدر قوة للمجتمع. حين تتحمل ما لا تطيق ينقصم ظهرك.
يقال إن القواعد تُختبَرُ بالاطراد، سنطّرد مع خلاصتك ونتساءل إذا ذهب أردوغان إلى الإصلاح المجتمعي، أين ستكون التجربة الإسلامية في تركيا اليوم؟
أردوغان مع هذه الفكرة مئة بالمئة. أردوغان سبقه نجم الدين أربكان، أربكان أسس حزبًا سياسيا حين كان مسموحًا له لتشكيل حزب. لم يتآمر ولم ينقلب. ثم أنهت القوة الغالبة مشواره. قام أردوغان بالمحاولة مرة أخرى، واستطاع أن يصمد إلى الآن. أنا لا أرى أن أردوغان هو الإخوان. غير صحيح.
لو ظل أردوغان يقارب مقاربة أربكان، أو تخصص في الدعوة إلى أي شيء سيصل؟
هذا ما فعل جدهما بديع الزمان النورسي، وهذا الذي مهد لأربكان ومهد لأردوغان قالها مادًّا بها صوته، وكأنه فهم من سؤالي ازدراءً للدعوة.
صحيح، ولكن جاء أتاتورك ومسح كل جهده بالمسّاحة؛ منع العربية ومنع رفع الأذان بها، وحمل المجتمع حملًا على العلمانية. أجبته، متفاعلًا مع وتيرة النقاش.
هل انتهى الإسلام؟ لم ينتهِ. أنا لم أقل لك إن الحركة الإسلامية لا يجب عليها أن تشارك في الحكومة، أو تمتنع عن دخول الانتخابات، قلت لك إنه يجب عليها ألا تدخل في المنازعة على الحكم. والمنازعة في الحكم ليست هي المساهمة في السياسة.
ما الفارق؟ كيف ما الفارق؟ هناك حاكم لديه مشروعية ويحكم وتأتي أنت بشتى الوسائل لتأخذ منه الكرسي...
قاطعته مشروعية؟ من عنده مشروعية في العالم العربي؟. هذا كلام صعيب. أنا جاد في سؤالي؟ هل يوجد نظام عربي اليوم لم يحصل على الحكم بالقوة والغلبة؟ هل يوجد نظام عربي جاء بالشورى؟
أنت تريد أن تأخذ الحكم والسلطة بالقوة؟ تفضل.
أنا صحفي ولست طالب حكم. وأستشكل كلامك عن المشروعية في العالم العربي التي لا تقوم على غير التغلب. وما دام الأمر بالغلبة، فلماذا نبيحه لفريق ونمنع آخرين؟ ثم لا تنسَ أن حركات التغيير والثورات وإن كانت فاشلة في المئة عام الأخيرة، فإن لدينا نماذج ناجحة في التاريخ الإسلامي على مدى 14 قرنًا أقامت دولة وشريعة.
هذه القرون لا تعتبر تجارب ناجحة، أنت دورك أن تعيد بناء الفرد المسلم لكي يتكلم، وأن يكون صالحًا ومستقيما. هذه الأشياء هي دورك. وهي التي سيحاسب عليها الإنسان عند الله، وعليها سيؤمر به إلى الجنة أو النار. أما في المجال السياسي فتجتهد وتعمل كما يعمل الناس. ومع هذا ليس هناك ضمانة ألا يقع لك شيء. أما المنازعة على الحكم فإن لم يظهر لك الفرق بينها وبين المنافسة على الحكم فهذا شيء يرجع إليك أنت المنازعة على الحكم ليست هي المطالبة بإصلاح الحكم وليست هي المساهمة لإصلاح الحكم.
الجاحظ يا أستاذي يقول قد يُؤتى المتكلمُ من جهة فهم السامع قلتُ محاولًا كسر حدة النقاش.
إيوااا وما العمل لكني أظنك قد استوعبتها.
ليس بعد، ما الفارق بين المنازعة والمنافسة؟ سألته بحثًا عن مثال حديث.
النبي صلى الله عليه وسلم يقول ألا ننازع الأمر أهله.
هل نازع الإخوان المساكين أحدًا؟ ذهبوا إلى الصناديق، ونافسوا.
خلِّ عنك هذا الكلام، خلِّ عنك هذا الكلام لتفهم الإخوان ارجع إلى عصر الملك فاروق، كيف كانت الدولة وكيف كانوا يقومون بعمل إيجابي. ثم بعد ذلك. من الذي أسقط الملك فاروق؟.
الضباط بقيادة عبد الناصر؟ أجبته بنبرة المستفهم
بل الإخوان هم من أسقط الملك، هذا ما يقوله الشيخ محمد الغزالي. ماذا كانت النتيجة؟.
يبدو أن الإسلاميين مبتلون بالعسكر الذين يرتدون زيّهم ثم ينقلبون عليهم، كما فعل عبد الناصر والبشير.
لم يلعب عليهم عبد الناصر ولا أنور السادات، ولا لعب عليهم البشير، هؤلاء إسلاميون إسلاميون صادقون.
عبد الناصر والسادات إسلاميون صادقون؟ سألت بنبرة استغراب بدت عالية وبنفس النبرة أجابنينعم، لكن عندما وصلوا إلى السلطة وجدوا ما تعلموه وتلقنوه في صفوف الإخوان من مثاليات ليس قابلًا للتطبيق. فقاموا بما يرونه مناسبًا لواقعهم وللناس الذين معهم. فاصطدم بهم الإخوان لأنهم اختلفوا معهم. فكانت النتيجة التي تعرف فإن قلت لي إنهم غرتهم زينة الحياة بعد توليهم، واغتروا بها، فهذا تغيّر مفهوم بين البشر. عمر البشير التقيته أكثر من مرة، وكانت عندي قناعة أنه يذكرني بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم بعد ذلك استحلى السلطة وقام يصادم من رآه خطرًا عليه، ولكن كان هذا نتيجة لتلاعب الإخوان. لو صبر الإخوان في السودان إلى أن يصلوا بالانتخابات لاختلف حال السودان. وإذا لم ينجحوا كان عليهم أن يكون عندهم الاستعداد أن يتنازلوا. هم لم يكن عندهم استعداد لا للانتظار ولا التنازل، فكانت النتيجة حالة البشير، رئيس يحكم لثلاثين سنة ثم صار طريدًا، لا يعرف أحد أين هو الآن.
على ذكر المطاردين والمنكوبين، أنت الإسلامي الوحيد الناجي من الربيع العربي. رأست حكومتين، والآن تجلس في بيتك آمنًا ورفاقك بين شهيد وطريد.
الحمد لله، يبدو أن الله علم ضعفي فلم يبتلني.
الحمد لله الذي عافاك، هل كان توفيقًا أم حسن تدبير منك؟
هو توفيق رباني في الأول والأخير، ولكن الله رزقني بعد النظر. جاءت حملة كانت تريد أن تدخل المغرب في المجهول. فوقفتُ وقلتُ لا. لا يمكن أن نغامر بنظامنا الملكي الذي هو ركيزة لاستقرار بلادنا بعد الإسلام.
سمع المجتمعُ مني، وسمعت الدولة مني، وسكنت رياح التغيير. والحمد لله المغرب اليوم هو أفضل بلد عربي إذا وضعتَ لكل عاملٍ معاملا؛ الوضع الاقتصادي والديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان إلى آخره. فالملكيات الثرية لا حريات فيها، ولا ديمقراطية، والجمهوريات العربية مأزومة اقتصاديًّا. نحن لم نصل إلى الحكومة على أساس المغالبة ولا على أساس ما يروج في أذهان الإخوان.
في 20 فبرايرشباط عام 2011 انطلقت حملة احتجاجات شعبية في مدن المغرب، بعد أن أسقطت حراكات مشابهة حكومة زين العابدين بن علي في تونس، وحسني مبارك في مصر. كانت المطالبات تدور حول إقرار دستور ديمقراطي وملكية برلمانية وإقالة الحكومة وحل البرلمان. شارك في الحراك العديد من الأحزاب والحركات المغربية، وغاب عنها حزب العدالة والتنمية بقيادة عبد الإله بنكيران، مع مشاركة مجموعات شبابية من الحركة الإسلامية.
في 5 مارسآذار 2011 ألقى بنكيران خطابًا قال فيه أنا أنتمي للشعب الذي لم يخرج في 20 فبراير، وهم يقولون لجلالة الملك، إننا لم نخرج لأننا لم نرد أن نغامر بالملكيّة، ولكننا نريد أن تقوم بالإصلاحات. الشعب الذي خرج والذي لم يخرج مطلبهم واحد، وهو المطالبة بالإصلاحات، وأضاف موجهًا الكلام إلى الملك محمد السادس أن الحكومة تدير البلد بالأساليب البالية التي أسقطت بن علي -حفظك الله يا مولاي- وأسقطت بن مبارك -حفظك الله يا مولاي- والتي ستسقط القذافي -حفظك الله يا مولاي- ولا سبيل إلا بالتخلص منه اليوم؛ ليخرج الملك محمد السادس يوم 9 مارسآذار 2011 معلنا إصلاحا دستوريا شاملا.
في الفاتح من يوليوتموز تم الاستفتاء على الدستور الجديد الذي يحمل إصلاحات ويضمن صلاحيات للملكية. وقد حصل على تأييد 98 من المواطنين. تسلّم بنكيران منصب رئاسة الوزراء، بعد فوز حزبه بالانتخابات، وتقاسم صلاحيات الحكم مع الملك، معلنًا أنه جاء ليخدم بلده بالتعاون مع الملك ولم يأت للتنازع معه.
في 13 مايوأيار عام 2015 بعد إنهائه لدورته الأولى، استضافت قناة الجزيرة عبد الإله بنكيران في حوار مرئي تحت عنوان إنجازات حكومة المغرب بقيادة بنكيران بعد 4 سنوات في السلطة. افتتح المذيع المقابلة بسؤال ما هي أهم إنجازاته في تلك الفترة التي ترأس فيها؟
سامحني أن أقول لك، إني لما تحملت المسؤولية اتضحت أكثر ما يجب أن تكون الأولويات بالنسبة إلي، كمسؤول عن الحكومة وكرئيس لها، وكما لا يخفى عليك، وحسب الدستور المغربي فإن رئيس الحكومة له صلاحيات، وليست مطلقة، وإن الذي يحكم المغرب هو جلالة الملك محمد السادس، هذه هي الحقيقة وهذا ما يقوله الدستور.
بعد أن كان ينظر إليّ صرف نظره إلى المكتبة ورائي، وقال لمساعده سي نزار، عافاك، شوف المصحف هذا حذا بجانب صفوة التفاسير عدّله. وأشار إلى مصحف وُضع رأسًا على عقب في المكتبة التي تقع خلف الأريكة، وتفتقر رفوفها إلى كثير من الكتب. يحتاط المالكية كثيرًا في صيانة المصاحف، فقد قال خليل بن إسحاق في مختصره وهو معتمد الفتوى عندهم، في باب الرِّدة الردة كفر المسلمِ، كإلقاء مصحف بقذر، ويفرّع شرّاح المختصر من الفقهاء على إلقائه كلّ فعلٍ يحتمل استخفافًا، أو إهانة له، ومن ذلك قلب المصحف رأسًا على عقب.
عاد بنظره إليّ وقال
عندي خلاصات أخرى اجتماعية وأسرية ليس هذا مجالها. لكن هذا ما حكيته لك هو خلاصتي السياسية. قبل أشهر ذهبت إلى تركيا وذكرتها لهم. ولم يعتنِ بكلامي أحد. قال بانزعاج. لماذا؟ لا أدري. هل لأنها ضد طبائع الناس؟ الناس مجبولون على الصراع علّقتُ محاولًا أن أخفف انزعاجه. لا أدري، المهم لم يعتنوا بكلامي، وكأن أحدًا منهم لم يسمعني.
ليس من السياسة أن تطبق كل ما في رأسك، السياسة أن تطبق ما يحتمله واقعك. ثم إن السياسة ليس أسّ الأمر عندنا، بل أسّه وقاعدة الأمور عندنا الإيمان والعمل الصالح، والسياسة تأتي بعد ذلك. هذه الخلاصة ينبغي أن يعود إليها أبناء الحركة الإسلامية ليتعلموها. كم سمعت عن تنازع أبناء الحركة الإسلامية على الأموال والمناصب والمؤسسات والمراكز الإسلامية؟ سمعتَ أم لم تسمع؟. بلى، سمعتُ كثيرًا. الذي يريد أن يغالب فليس لديّ مانع فليتفضل، وربما ينجح. فإذا نجح؟ فإذا نجح سيصل إلى قول الله تعالى حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفّاه حسابه، والله سريع الحساب لأنك غالبت على السلطة في بلد لا يتفق معك كثير من سكانه على ما تريد تطبيقه، فحين تصل ستجد نفسك مضطرًا لحكمهم بما يناسبهم، وإذا فعلتَ هذا فبمَ اختلفت عمن سبقك؟.
أنت مطلع على الحركة الإسلاميّة، أخبرني كم تعرف من الإسلاميين يؤمن بالديمقراطية إيمانًا حقيقيًّا؟.
إيمانًا حقيقيًّا؟ الديمقراطية يا سيدي ليست من أصول الشريعة أجبتُه مستفزًا.
لا، لكنه شيء تبنوه، والله يقول يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود.
على كل حال لا يوجد تيار سياسي عربي يلتزم بالديمقراطية في أحزابه كما يفعل الإسلاميون. انظر لحركة مثل حركة حماس وانظر لتجربتكم هنا. قلتُ له. لا لا، أنا لا أتكلم عن حماس، حماس تعيش مع عدو يريد أن يقضي على الأمة، أما إذا سألتني عن حركتنا، فإنها ديمقراطية 100.
إذن في الإسلاميين ديمقراطيون مخلصون
لا، ليس في الحركات الإسلامية، حركتنا نعم، هذا الذي أشهد به أمام الله. في 2008، جئنا إلى المؤتمر في الحزب وأنا مقتنع بأن الإخوة سيختارون سي العثماني، وحين جرت المداولات وسار الكلام في اتجاه آخر اختاروني. وهكذا كنا في الحركة. دعني أحكي لك نكتة، مرة ذهبنا إلى دولة مشرقية مع هيئة صحفيين إسلاميين كنا سننتخب رئيسا لهم. تدخلت لأختار الرجل حسب قناعتي وما تقتضيه الديمقراطية، فوقع اختيارنا على شخص آخر غير الشخص الذي استضافنا. فأرسل إلينا المضيف، أن نؤدي فاتورة الفندق.
مش معقول قلت وقد اتسعت عيناي استغرابًا.
والله هذا الذي كان. الحمد لله أنه كان معي 200 دولار فدفعتها للفندق.
عندكم جيرانكم في موريتانيا من حزب تواصل، وهم ديمقراطيون. قلتُ له الإخوة الموريتانيون زرتهم مرارًا وتكرارًا، ونصحتهم بأشياء لم يقبلوا بها. منها ترك السريّة إطلاقًا... الزواج أم العمل الحركي؟ سألتُه. أقصد العمل السري، الزواج السريّ لا أعترف به ومن النصائح التي ذكرتها لهم، عدم الدخول في تنازع مع الحكام. ولم يكونوا يقبلون مني للأسف. بلى، الوحيد الذي كان يسمع مني هو جميل منصور. بعد سماعه منك ذهب للموالاة وترك المعارضة قلتُ معلقًا وطالبًا لتعقيب، فتجاهله وقال أنا تجنبت أن أقول هذا الكلام لأن الإخوان كانوا في محنة، منذ اعتقال مرسي، وما عاشه الإخوان. وحين ينازعون لا يحسنون المنازعة، فأعرضت عن الكلام.
عاد كمن تذكر أن يختم بشيء فاته. إذا سلك الإسلاميون هذا الطريق، سوف تتحسن أحوالهم، وتتحسن أحوال أمتهم، وسيتراجع الفساد تدريجيا. كيف يحكم الإسلاميون بالعدل والإنصاف والقيم، في مجتمعات ألفت أن تأخذ الرشوة؟ في كل جمعة تأتيني الاتصالات، من أشخاص لا أعرفهم، تقول لي أنا قدمت لولدي في وظيفة في الأمن أو الدرك أو في إحدى وزارات الدولة وأرجوك أن تتدخل. فأجيبهم يا مغاربة كل عمري وأنا أقول لكم إني أحارب المحسوبية ثم تطلبونها مني؟
حسنًا، لو انتقل هذا الاقتناع من رأسك إلى رؤوس قادة العمل الإسلامي، أخبرني كيف يمكنكم إقناع الطرف الآخر بحسن نياتكم؟
دعك من الطرف الآخر، الاستقامة قوة في ذاتها، بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه، فإذا هو زاهق. الاستقامة كالماء يجري في الطريق ويحفر مجراه، أما إذا بقيت مرتبطًا في تقديراتك بالطرف الآخر.. شوف الحكم في منافع ومصالح، وهذه المنافع يهيمن عليها من يهيمن عليها من أصحاب القدرات، لن يتنازلوا لك عن شيء، وإذا دخلت معهم في نزاع وخلاف، فهذا شغلهم. ولكن بالحق والاستقامة والدعوة والعمل الصالح، وبتكوين المجتمع تهزمهم في النهاية قالوا فاقضِ ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إذا لم تكن قادرًا على أن تجعل السحرة يتحدّوا فرعون فليس عندكَ شيء، فهمت؟ انتهى الكلام خلاص يا عبد القدوس؟
قد ذكرت لي خلاصاتك، فبقي أن تحكي لي عن نداماتك؟ ما هي القرارات التي اتخذتها وندمت عليها سألته طالبًا لاستمرار الحوار، الذي يبدو أنه طال فوق تقديره.
أني استقبلتك قالها بابتسامة عذبة معلنًا نهاية اللقاء. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/11/25/%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%84%d9%87-%d8%a8%d9%86%d9%83%d9%8a%d8%b1%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d9%83%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%a9 | 2024-11-24T21:15:00 | 2024-11-25T13:00:51 | أبعاد |
|
117 | أنت تحتاج للمشاكل الزوجية.. لكن، كيف وماذا تفعل لإدارتها؟ | كثيرا ما ننظر إلى المشاحنات برهبة، نحاول تحاشيها ظنا منا بأن الحياة الزوجية هكذا تستقيم. لكن، ماذا لو كانت المشكلات ليست مؤشر خطر على العلاقة؟ ماذا إن كانت في الحقيقة مجدية ومفيدة؟ | هل سبق أن تشاجرت مع زوجتكزوجك وداهمك شعور بأن زواجك على وشك الانهيار؟ أو أنّ الأمور ساءت إلى حدّ لن تعود بعده على ما كانت عليه؟ كثيرا ما ننظر إلى المشاحنات برهبة، نحاول تحاشيها ظنا منا بأن الحياة الزوجية هكذا تستقيم. لكن، ماذا لو كانت المشكلات ليست مؤشر على خطر العلاقة؟ ماذا إن كانت في الحقيقة مجدية ومفيدة؟
خلافا للمعتقد السائد بأن الشجار يهدد الزواج وينبئ عن عدم التوافق أو العدوانية، أوأنه قبلة الموت للعلاقة العاطفية، فإن قلة الشجارات يمكن أن تكون في الواقع علامة على تدهور الزواج1 وانطفاء الجذوة التي تحركه أو غيابها من الأساس، ما يعني أن طرفَيّ العلاقة أو أحدهما قد توقف عن محاولة التعاطي مع المشكلات، أو بات يخشى من عدم تجاوب الطرف الآخر أو ثورته.
حينما نتجنب مواجهة مشكلاتنا الزوجية؛ فإننا نبدد فرصة سانحة لتقوية العلاقة2، وهنا نحن لا نعني بالطبع افتعال مشكلة دونما سبب يذكر، بل نعني السعي إلى وأد الأحاسيس السلبية التي قد تحول بينكما بأسلوب سِلمي. فحين رصد باحثون من جامعة ميشيغان وجامعة ولاية بنسلفانيا أكثر من 1500 بالغ لمدة تزيد عن أسبوع3، وجدوا أنه بينما شعر الأفراد بتحسن في اليوم الذي تجنبوا فيه الجدل، فإنهم في اليوم التالي تضاءلت صحتهم النفسية وازداد هرمون الكورتيزول الذي يُعرف بـ هرمون التوتر.
يعني ما سبق تضاعف احتمالية زيادة الوزن وتقلب المزاج وصعوبة النوم. لذلك، كانت المكاسب قصيرة المدى، والألم طويل الأمد. استخلصت بذلك العديد من الدراسات أن الإحجام عن التحدث في الموضوعات المهمة في حينها، جعل العلاقة تسوء في وقت لاحق من حيث التواصل وتراجع السعادة. ووفقا لورقة بحثية نشرت عام 2012 من قبل جمعية الشخصية وعلم النفس الاجتماعي4، وجد الباحثون أن التعبير عن الانزعاج للشريك تسبب في الشعور بعدم الراحة على المدى القصير نظرا لإضمار الغضب، ولكنه أيضا أمدّها بالمحادثات الصادقة التي أفادت العلاقة على المدى الطويل.
تتيح الخلافات للشركاء معرفة أنفسهم عن كثب وتعميق علاقتهم. فالشجار ليس حدثا منفردا أبدا5، قد يحمل كلا الشريكين على كاهله صُرة من الأثقال العاطفية، سواء من العلاقات الحالية أو الماضية أو ندوب الطفولة أو غيرها، كما أن الشجار يطوي في جيبه قائمة من الشكاوى والمضايقات التي لم يشاركها بعد، لتكشف عن مزيج من الرغبات والاحتياجات والأحلام والمخاوف والمشاعر القوية الأخرى، ليعي الزوجان بأنهما أمام مساحات من شأنها أن تمدهما بالنضج وتعمق رابطتهم.
بيد أن ما يفوق ذلك أهمية؛ هو كيف يدير الطرفان الخلاف6، وما يوليانه عين الاعتبار من العوامل التالية. لنقل إن خالدا وسارة زوجان نشب بينهما شجار، في خضم ذلك الجدال، كان الطرفان -أولا- متفاهمين ويعملان على علاج المشكلة. ثانيا، لاحظنا إيلاء الاهتمام لمشاعر بعضهما والحرص على عدم جرحها أثناء المشكلة؛ وعدم نقد الآخر بطريقة سلبية ومهينة. ثالثا، تحمل المسؤولية والاعتذار إذا لزم الأمر. أما رابعا، فمحاولة الوصول إلى خطوات تصحيحية لحل المشكلة. خامسا، الحرص على عدم إشراك طرف ثالث في كل خلاف يدب بينهما. وأخيرا، مراعاة الاستماع إلى الطرف الآخر وعدم سلبه شعورَي الحب والأمان7. لذلك، فإن الأزواج الأصحَّاء يعون أن الشجارات الإيجابية قد تغذي شرارة علاقتهما وتُقصي عن حياتهما الزوجية الملل وتجعلها أكثر إثارة، فيحاولان جعلها مفيدة لعلاقتهما وحياتهما المستقبلية معا 8.
لا مناص من الاختلاف في أي علاقة، لأنه ما من شخصين يبصران الحياة بالطريقة عينها. ونظرا لاختلاف المحفزات وأنماط التفكير والاستجابات العاطفية تجاه المواقف والأشياء9، فكثيرا ما قد يجد الأزواج أنفسهم في خلافات تتصاعد مباشرة إلى مشاحنات، محركها حصيلة من الأشياء الصغيرة المنسية أو مشكلات أكبر تتعلق بالإنجاب، أو الانتقال إلى مدينة أخرى، وربما معايير مختلفة للسلوك والقيم والمعتقدات السياسية وطريقة تربية الأطفال، وغيرها.
من وقت لآخر، تجلب التقلبات المزاجية آثارها على الزواج، دون أن يعي أحد الزوجين أنه في حالة مزاجية سيئة ربما جراء قضاء يوم شاق في العمل أو خوض جدال مع صاحب متجر. يعود إلى المنزل ويجد نفسه في غمرة تفريغ إجهاده على شريكه. فعلى الأغلب يظل المصدر الأصلي للتوتر بعيدا عن وعي المرء، فيتصدر الشريك كهدف لمزاج سيئ10.
عثرت دراسة أجريت عام 2019 على ثلاثة محفزات للمشكلات تزعج أو تؤذي أو تغضب الشركاء11
على مر الزمن، تصاعد معدل الأزواج الذين يتشاجرون بسبب طبيعتهم المرتابة تجاه شريكهم، الشك الذي يعتريهم تجاه أدق التفاصيل وأصغرها12. ذلك العجز عن الثقة كليا بشخص يكون باعثه أحيانا خوفا مرضيا من الخيانة، والهجر، والأذى العاطفي، ليتولد قلق مستمر يؤدي إلى فشل العلاقة.
ويحضر المال باعتباره مسوغا قويا في المشاحنات الزوجية، يحدث هذا بشكل أساسي إذا كانت فجوة الدخل كبيرة بين الشركاء، ما يؤدي إلى عدم تطابق الرغبات المادية. لكن الملاحظ هنا هو أن المال يمد الفرد بالأمان، وفي حالة المرأة يعطي إحساسا بالتمكين.
ينبه آلان شوارتز، المحلل النفسي واستشاري العلاقات الزوجية لثلاثين عاما، إلى أسباب شائعة أخرى للجدل، منها لوم الآخر باستمرار. لنأخذ مثالا خياليا كهذا السيناريو13
يعيش ثلاثة أطفال في كنف زوجين، جميعهم ملتحقون بالمدرسة الابتدائية. تم تشخيص أحدهم بإعاقة في التعلم، وقد يعاني الأخ الأصغر من مشكلة مماثلة، وحده الطفل الأكبر لا يعاني من مشكلات في هذا الصدد. يتجاهل الأب حقيقة أن الأطفال يعانون من صعوبات في التعلم، ويلوم زوجته على سوء أداء الأطفال في المدرسة، يشتكي من أنها لا تساعدهم في واجباتهم المدرسية، ويقرعها عندما تكون علاماتهم التحصيلية ضعيفة. ما يتجاهله هو حقيقة أنها تساعدهم في أداء فروضهم، فيما هو يمتنع عن فعل ذلك نظرا لانشغاله بالتدخين في غرفة أخرى بعد عودته إلى المنزل من العمل وتناول العشاء.
في الواقع، يلوم هذا الرجل زوجته أيضا على الفوضى التي تعمّ المنزل، وعلى عدم نظافة الملابس وعدم دفع الفواتير في الوقت المناسب، متناسيا عملها بدوام جزئي، وإيصال الأطفال من وإلى المدرسة، وتحضيرها العشاء، وكيّ الملابس وتنظيف المنزل. في النهاية، تشتكي من أنه مع وجود ثلاثة أطفال لرعايتهم، فإنها بحاجة إلى المساعدة في بعض الأعمال المنزلية لكنه يرفض مد يد العون إليها.
أما السناريوهات الواقعية فمختلفة، ولكلٍّ حكاية يرويها في هذا الجانب. أما الأهم، فهو ماذا نفعل؟.
يحذر المعالج، ميجان كاستون، من الخلافات النابعة من نقص التواصل، والتوقعات التي بناها الزوجان تجاه بعضهما دون التعبير عنها وعن احتياجاتهما، ليرى أنه من المهم التحدث مبكرا قبل أن يتراكم الاستياء والغضب. وعلى الرغم من أن رأي كاستون قد لا يبدو وكأنه أكثر الطقوس رومانسية، فإنه يقترح تحديد اجتماع عمل للزواج14، حيث يتطرق الشريكان فيه إلى كل شيء.
بعض الأزواج يحددون باستمرار موعدا لمعالجة مخاوف العلاقة، بدلا من طرح الصعوبات والأمور التي تحتاج إلى تحسين بشكل عشوائي، فوجدوا أنه من المفيد استثمار حوالي ساعة على أساس أسبوعي أو شهري لحل مجالات الخلاف، ما جعل الأزواج يتطلعون إلى قدوم الوقت المتفق عليه، لأنهم يعرفون أنهم فيه سيحظون بكامل باهتمام شريكهم.
يخبرنا مدرب العلاقات المعتمد ومؤسس تطبيق استشارات الزواج Lasting ستيفن دزيدزيتش أن الطريقة التي تبدأ بها المحادثات تؤثر بشكل كبير على مجرى الحديث. فالأزواج في العلاقات الصحية قد يكونون متعبين، أو جائعين، وربما لا يشعرون بأنهم على ما يرام، أو أنهم شاردون، أو يسيئون الفهم مثلنا تماما15. هنا يبزغ الضيق وتحضر المشكلات، لذا امنح نفسك برهة للتفكير، هل أضع شريكي في موقف هجومي عندما أتحدث عن المشكلات أم أتراجع أحيانا تاركا له فسحة للتعبير؟
يشرح ستيفن الطريقة التي تبدأ بها الحوار في ثلاثة أجزاء نبرة صوتك، ومستواه، والكلمات التي تتلفظ بها. إذا استشعر الطرف الآخر القسوة في إحداها، فمن المحتمل أن تأخذ المحادثة منحنى عدائيا.
تعتبر المقاطعة أثناء الحديث سببا رئيسيا لزيادة المشاحنات وتفاقم المشكلات، لذا يقترح تشابمان أن يتفق الطرفان على حد زمني يلتزم به الشريك في مشاركة أفكاره ومشاعره. يساعد تعيين فترة محددة للحديث على التركيز على الاستماع، عوضا عن صم الأذنين وصب كامل الانتباه إلى الداخل، فالآن بات هذا الشريك على علم بأنه سيحين دوره في النقاش، ومن ثَم لم يعد مضطرا للمقاطعة لتوضيح نقطة أو الطعن في صحة أخرى.
إذا واجه الزوجان مشكلة معقدّة تحتاج التعامل معها، ليبدأ بالاتفاق. لاحظ الدكتور جوتمان أن الأزواج الناجحين الذين ظلوا معا لفترة طويلة يتقنون اللطف، يقدمون القضايا بطريقة ودية من خلال عدم البدء بالنقد مطلقا. لذا يعد البدء بالاتفاق هو أفضل طريقة لتجنب الجدال وبدء المناقشة. ابحث عن شيء يمكنك الاتفاق عليه، وابدأ من هناك.
في خضم الشجار، حاول أن تنظر إلى العالم من خلال عيون من تحب، اجتهد لفهم كيفية رؤيته للمشكلة وما يشعر به ثم اطرح أسئلة للتوضيح، كما يوصي الدكتور غاري تشابمان، مستشار الزواج، إذ يقول إنه بمجرد أن تفهم حجة شريكك، ينصح بقول شيء على شاكلة أعتقد أنني أفهم ما تقوله، وما تشعر به، وهذا منطقي للغاية. هذه الجملة كفيلة بإعلان صداقتك وسحق العداوة التي خلقت مناخا مشحونا بالتوتر16.
فمن النادر جدا أن تشعر بأنك مسموع ومفهوم حقا، لهذا ينصح الأزواج بطرح أسئلة تُظهر أيضا أنهم يحاولون فهم شريكهم بشكل حثيث، كأن يقول أخبرني المزيد، ولم أفهم الأمر بعد، لكن من فضلك استمر. القيام بذلك يساعد المستمع على تنمية التعاطف، ويمكّن المتحدث من الشعور بأنه مسموع.
تدبر ما وراء الجدل، اجلس مع شريكك أو دوّن في مفكرتك، وراجع جميع الحجج التي أثرتها مؤخرا أو أي مشكلات كبيرة انبثقت خلال الأشهر القليلة الماضية، حاول تحديد الأنماط الموجودة تحت الحجج، بمجرد تحديد الأنماط الخاصة بك، حدد بوضوح جانب كل شريك في النقاش، افعل ذلك بعبارات غير قضائية، على سبيل المثال، يمكن أن تكون المشكلة هي الإنفاق، أنت تحب التمتع بوجبة عشاء في الخارج بانتظام، بينما تحب زوجتك التوفير من أجل شيء كبير. كلاكما ليس على خطأ، ولكن بهذه الطريقة تعرفان موقفكما.
يقول دزيدزيتش تحت كل شجار، هناك حاجة عاطفية لم تتم تلبيتها. على سبيل المثال، لم يقم زوجك بفعل شيء ما على الرغم من أنك طلبت ذلك عشرات المرات، فتتجادلان، لكن الكلمات الخفية خلف الأعمال الروتينية يمكن أن تكون شيئا مثل لا أشعر بالتقدير أو لا أشعر أني آتي في المقام الأول من أولوياته. عندما تأخذ الوقت الكافي للتعمق أكثر في المشكلة والاستجابة، يتأتى لك معالجة الحاجة العاطفية الأساسية وتحقيق فهم أكبر. يضيف دزيدزيتش أيضا يجب ألا تفترض أبدا أن شريكك يعرف ما تشعر به، أخبره.
أحد أسباب اندلاع الخلافات الصغيرة باستمرار هو عدم كف الشريكين عن استحضار مشكلات سابقة فيما هما منهمكان في خوض نقاش حالي، لذا يفضل محاولة تجنب أشياء من قبيل أنت تفعل هذا دائما أو هذا من شيمك أو أنت لا تفعل ذلك أبدا، لا تستدعي الحجج أو الخلافات السابقة، لأن ذلك لن يؤدي إلا إلى تفاقم المشكلة وعدم النظر إليها بحجمها الحقيقي، وإنما من ظلها الضخم المنعكس على جدار مشيد من السخط.
يشيع أثناء الجدل أن يجد أحد الشريكين أو كلاهما نفسه في وضع القتال أو الهروب أو التجميد عندما يخالون أنهم قد يكونون في خطر. يشير مصطلح القتال أو الهروب إلى الوقت الذي تنشط فيه هرمونات التوتر لإعطاء الناس المزيد من الطاقة لمحاربة الضغوطات أو الهروب من الموقف. ويحدث وضع التجميد عندما لا يتفاعل الشخص ببساطة على الإطلاق، على أمل أن يفقد العامل المجهد الاهتمام بالتشاجر.
هنا يكون حل المشكلات أمرا مستبعدا للغاية، لأن كل شخص يركز فقط على الرد على التهديد المتصور الذي يشعر به من شريكه. فإذا كان هناك شخص واحد فقط في وضع القتال أو الهروب أو التجميد، بينما يحاول الآخر حل المشكلة، فقد يحبط كلاهما ويحتدم الخلاف. ويمكنك تأطير هذه المهلة بطريقة لا تجعل شريكك يشعر وكأنك تذهب بعيدا، ربما يقول أحدهم حسنا، أحتاج 10 دقائق لأهدأ، عند العودة إلى المناقشة بعد فترة التوقف القصيرة، قد تأتي إمكانية إحراز تقدم حقيقي.
ليس لدينا لغات حب مختلفة فحسب، وإنما لغات اعتذار مغايرة أيضا. لا يكفي أن تدرك أنك جرحت من تحب وأنك مدين له بالاعتذار، عليك أن تعرفه بما يكفي لتكييف اعتذارك وفقا لاحتياجاته. يقول أوستراندر مستشار الأزواج يريد بعض الناس إيماءات كبيرة، بينما يكفي أحيانا أن تقول أنا آسف حقا لأنني آذيت مشاعرك، وسأحرص على عدم القيام بذلك مرة أخرى.
يضطلع التطبيق بمهام صغيرة، كتوجيه رسائل تذكير لشريكك تعبيرا عن الامتنان في وقت محدد من اليوم، ومهام كبيرة مثل إرشادك إلى كيفية بدء محادثة عادية أو التطرق إلى أمر جلل. يستند التطبيق على ما يتجاوز الـ300 دراسة عن الزواج، غالبيتها العظمى من أربعة من علماء نفس العلاقات الرائدين17، وقد تأسس على نهج د. جون وجولي جوتمان الأكثر استخداما لعلاج الأزواج، وتعطي الأولوية للتعلق كوسيلة لتقوية العلاقة، ليتمحور التطبيق إلى حد ما على سؤال هل أنت موجود من أجلي؟، ويدمج التطبيق بين المسارات الصوتية والمقالات حول علم النفس وصحة الزواج، ثم يترجمها إلى تمارين.
يخترق كتاب The Seven Conflicts الطبقة الشائكة من المشكلات الزوجية، هادفا إلى توعية الزوجين بآلية خلافاتهما وطبيعتها لأجل التعامل معها بطريقة تعضد علاقتهما وزواجهما. لا يطرح المؤلفان حلولا قدر اجتهادهما في توجيه القارئ لتعزيز طريقة استجابته للإشكال ومعالجته. لتنتهي الفصول المتعلقة بالصراعات السبعة بقائمة موجهه لك لتقييم ذاتك والإجابة عن بضعة أسئلة حول ما أثير.لا تتوفر ترجمة حتى الآن.
في هذا المقطع، تتحدث الكاتبة فانيسا فان إدواردز عن الخلافات الزوجية وكونها لا تتعلق بالمشكلة نفسها بقدر ما يتعلق بنقص التواصل، مسترسلة في سرد حقائق عنها مدعمة بأرقام.
________________________________________________
المصادر | https://www.aljazeera.net/sukoon/2021/12/13/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b4%d9%83%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%88%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d9%82%d8%af-%d8%aa%d9%83%d9%88%d9%86-%d8%b3%d8%a8%d8%a8%d8%a7-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d9%82%d9%88%d9%8a%d8%a9 | 2021-12-13T16:19:09 | 2024-05-30T10:01:50 | أبعاد |
|
118 | هل المؤمن بالله لا يمرض نفسيا؟ | لعلّك شكوت من ضيقٍ نفسيّ أو وقعت في شباك الاكتئاب والشعور بالضياع، فجاء النصح بأن تراجع تديّنك وأن تحسّن علاقتك بدينك، فماذا يقول علم النفس في ذلك؟ | لعلّك شعرت بذلك التوتّر الذي يخيّم على النقاشات التي تربط، أو تحاول إيجاد رابط بين التدين والصحّة النفسية، ولعلّك شكوت من ضيقٍ نفسيّ أو اجتاحك قلقٌ شرس، أو وقعت وأو أحد المقربين منك في شباك الاكتئاب والشعور بالضياع، فجاء النصح بأن تراجع تديّنك وأن تحسّن علاقتك بدينك أكثر من ذي قبل. وعلى الجانب الآخر، كثيرا ما يمكنك ملاحظة الاستخفاف المرافق لأي محاولة ربط تأثير التدين على صحة الفرد النفسية.
مؤخرا، تصاعدت وتيرة حضور مسألة التديّن وارتباطها بالمرض النفسي إثر تعليق انتشر للدكتور حسام موافي، أستاذ الحالات الحرجة بكلية طب قصر العيني، حينما قال إن المؤمن والقريب من ربه لا يُصاب بالأمراض النفسية. هذا النقاش ليس جديدًا، إذ تشكّل العلاقة بين التديّن من جهة والصحة النفسية من جهة أخرى إحدى أكثر العلاقات جدليّة واستقطابا في المجال النفسي، في العالم عموما وفي الوطن العربي خصوصا. فهل هناك علاقة أصلا؟ وكيف يمكن لنا أن نربط بين النفسي والدينالتدين؟ هل يمكن أن يُصاب المتدين بالمرض النفسي أم أنّ تدينه يحصّنه -بالضرورة- تجاه ذلك؟ وهل يعكس الذهاب إلى المعالج أو الطبيب النفسي ضعفا في تديّن صاحبه أو خللا في إيمانه؟
في هذا التقرير، نعرض للأصول العلمية البحثية لهذه العلاقة في علم النفس، وأهم أوجهها التي أُثبِتت بالأبحاث العلمية، وإلى أي مدى يمكن فهم نتائج هذه الدراسات، وبعض المواقف والفتاوى الفقهية الإسلامية التي حاولت تحرير هذه العلاقة.
إذا أردنا أن نبدأ التقرير بداية صحيحة، فدعونا ننطلق بتحرير المفاهيم وضبطها، حتى لا نقع في فخ الحديث العام غير المنضبط. إذ إن التوتر الحاصل في العلاقة الملتبسة بين الدين والصحة النفسية، كثيرا ما يمكن أن نرده إلى الخلل في المفاهيم. عن أي دينٍ نتحدث؟ وماذا نقصد بالتديّن؟ وكيف يختلف عن الروحانية؟ وما الصحة النفسية والأمراض النفسية؟ وكيف يمكن قياس مفهوم بهذه الضبابية؟ هل نقيسه علميا بالاعتماد على ما يقوله لنا الشخص من تعريف ذاته على أنه متدين أو منتمٍ للدين أم على معايير مثل التزامه بالشرائع كالصلاة والصيام؟ أم أن الباحثين يلعبون دور المُقيِّم لتديّن الأفراد عبر مقابلتهم وتقييم صدق تدينهم من عدمه؟
حسنا، تختلف الأبحاث في كيفية تعريفها للتدين أو مرادفاته -تجاوزا- مثل الروحانية والإيمان، وكلٌّ منها يعتمد على تعريفه أو طريقته الخاصة في القياس. إلا أنّ هناك محاولات متزايدة من الباحثين أنفسهم لإنشاء قواعد أو توجيهات عامّة لكيفية قياس ذلك بحثيّا بطريقة دقيقة وذات موثوقية عالية،1 مع التنويه أيضا إلى أنّ الدين نفسه يحتوي على الكثير من المفاهيم والتفرّعات النظرية والسلوكية العمليّة، وكل فرعٍ منها قد يكون له أثر مختلف عن الآخر على النتيجة النهائية التي نسعى إلى قياسها. وهناك أبحاث حديثة تحلّل أثر اختلاف المفهوم المبدئي على النتائج البحثية وقوتها.2 أي أن الدراسات تُشير إلى أهمية تخصيص الأبحاث لدين معين أو التفريق بين الأديان نفسها لدى المشاركين في الدراسة الواحدة، بدلا من الحديث عن الدين بشكل عام؛ لأنّ الأديان تختلف فيما بينها في تصورها للسلوك أو الظاهرة النفسية الواحدة.
في مثالٍ على نقد استعمال التدين والروحانية على أنهما مرادفان للظاهرة نفسها، وجد بحث فرّق بينهما في إنجلترا عام 2013 -وكان قد أجري على أكثر من 7000 شخص- أنّ الروحانية ارتبطت بنسب أعلى من القلق واضطرابات الأكل وإساءة استخدام المواد الخطرة والرُّهاب والاضطرابات العصابية، بينما ارتبط التديّن بنتائج معاكسة. وكانت خلاصته أنّ الفهم أو التصوّر الروحاني للحياة في غياب هيكل أو إطار ديني يعني حساسية أكبر للاضطرابات النفسية.3
ومن الجدير بالذكر هنا أنّ هذا المجال البحثي ما زال في بداياته، حيث لم يكن عدد الأبحاث التي تتناول هذه العلاقة وما يندرج تحتها كبيرا في القرن الماضي لأسباب كثيرة لا يتّسع المقام لذكرها في هذا المقال، إلى أن جاءت فترة منتصف التسعينيات تقريبا، حيث أخذ الاهتمام يتزايد ويحضر بشكل كبير على صعيد البحث التجريبي والممارسة كذلك في علم النفس والطب النفسي.4
هناك مئات الدراسات التي أجريت على ما مجموعه ملايين البشر، وتُظهر لنا بوضوح أن المتدينين والأكثر روحانية -إجمالا- هم أقل إصابة بالكثير من الأمراض النفسية كالاكتئاب والقلق والجسدية مثل السرطان وأمراض القلب والجلطات، وهم أيضا أقل انتحارا، وأكثر قدرة على التعافي وبشكل أسرع، وأكثر قدرة على التأقلم مع ضغوطات الحياة، بالإضافة إلى أنّهم أكثر مناعة حتى على المستوى البيولوجي تجاه بعض الأمراض الجسدية. هذا كلّه إذا ما قورنوا بفئة غير المتدينين والروحانيين على صعيد الجماعة وليس الأفراد، وبوصفهما فئتين كبيرتين تختلفان في هذا العامل تحديدا.5
في أحد أهم الأبحاث التي نُشرت عام 2012، وراجعت جميع الدراسات 444 دراسة التي تناولت العلاقة بين التدينالروحانية -عموما- بالاكتئاب، بمنهجية، على مدى 50 عاما 1962-2010، وُجد في 60 منها أي معظم الأبحاث المستدخلة في التحليل المنهجي نسب اكتئاب أقل وشفاء أسرع كلما زاد تديّن الشخص أو روحانيته، بينما 6 منها فقط وجدت العكس. بالإضافة إلى ذلك، 67 من فئة الدراسات الأكثر قوة في منهجيتها سجّلت نسب علاقة عكسية واضحة بين الاكتئاب والتدينالروحانية.
فُسّرت النتائج بأنّ الدين يمنح المؤمنين به مصدرا للمعنى والأمل، وبيئة اجتماعية داعمة عادةً ما تتشكل بين مُجتمع المؤمنين، بالإضافة إلى بعض الوسائل الفعّالة للتعامل مع الضغوط وظروف الحياة الصعبة. من جهة أخرى، استنتجت هذه المراجعة المنهجية أنّ التدين في بعض الحالات يسبّب شعورا مفرطا بالذنب عند الخطأ وعدم تحقّق المُثل الأخلاقية العليا التي يسعى الشخص لتحقيقها؛ ما يُدخله في دوامات من الاكتئاب والشعور بالفشل الذاتي. ومن ثَم، فهي ليست علاقة سببية مباشرة، بل تعتمد على بعض العوامل الوسيطة التي تدفعها إلى جانب دون آخر.6
وفي دراسة حديثة 2019 لاحقة، تم تحليل الدراسات التتبّعية7 Prospective فقط، والتي تُعدّ أقوى بكثير من نظيراتها المقطعية6 Cross-sectional، وأكّد هذا البحث النتائج التي وصلت إليها المراجعة المنهجية السابقة من أنّ التديّن أكثر ارتباطا عموما بمؤشرات إيجابية فيما يخصّ الاكتئاب. إلّا أنّ هذه الدراسة حاولت تحليل الجوانب المختلفة داخل التدين نفسه في الدراسات المُستدخلة أيضا، ووجدت أنّ المرور بصراع داخلي دينيّ Religious Struggle قد يكون سببا في زيادة سوء الاكتئاب أو يقلّل من القدرة على التأقلم الإيجابي والتعافي منه في أكثر من نصف الدراسات. وهذه نتيجة جدَليّة إلّا أنّها تشير إلى حقيقة مهمةٍ من أنّ التديّن بحد ذاته قد يحمل ممارسات وجوانب مختلفة قد تؤدّي لنتائج مختلفة عند دراسة كل منها على حدة.7
أما في في دراسة أخرى، فقد أُجريت من قبل كلية الصحة العامة في جامعة هارفرد ونُشرت عام 2018، كانت النتائج شديدة الوضوح بأنّ المشاركة في النشاطات والممارسات الدينية والروحانية مثل الصلاة والتأمل دَوريّا منذ الصّغر هو أمرٌ مرتبطٌ جدّا بمؤشرات الصحة النفسية الإيجابية، وتحديدا تقليل فرص الاكتئاب والتدخين والإدمان، وزيادة احتمالات الشعور بالرضا والإيجابية في فترة العشرينات من العمر.8
تبدو ظاهرة الانتحار إحدى أكثر الظواهر النفسية ارتباطا بالدين، فهي تعاكس أحد أهمّ قيمه ومقاصده حفظ النفس كما في الدين الإسلامي على سبيل المثال. وكما أنّ من أهداف الطبّ -عموما- الحفاظ على النفس البشرية وتحسين مستوى حياة البشر، فإنّ الأديان إجمالا تحتوي على عدد هائل من التأكيدات والشواهد على أهمية عدم اليأس والقنوط، ومجابهة صِعاب الحياة بإيجابية وأملٍ، بما قد يصل إلى تحريم أي شكل من أشكال إيذاء النفس وإلقائها في التهلكة. ولذلك، اهتمّ الباحثون بدراسة هذه العلاقة بشكل كبير. وتكاد تُجمع الأبحاث كلها على أنّ نسب الانتحار أقل بكثير لدى المتدينين، رغم حدوثها بينهم طبعا.
في إحدى أهم المراجعات المنهجية التي درست هذه العلاقة عام 2016، لم يكتفِ الباحثون بدراسة سطحية لهذه العلاقة، بل حاولوا تفصيل الجوانب المختلفة للتدين من التعريف به بوصفه هويّة، إلى مدى الالتزام بالممارسات الدينية، إلى اختلاف مذاهبه بين المتديّنين، وكذلك الجوانب المختلفة للانتحار من التفكير به، إلى التخطيط، إلى المحاولة، إلى استكمال الفعل بحد ذاته، وبعد تحليل الأبحاث التي أُجريت في آخر 10 سنوات 89 بحثا، وُجد أن التديّن بمستوياته المختلفة مرتبطٌ بتقليل احتمالات محاولة الانتحار حتى بعد ضبط عامل الدعم الاجتماعي وتحييده، لكن التديّن هويّة وممارسة لم يرتبط بشكل دالٍّ إحصائيا بتقليل التفكير بالانتحار مرحلة ما قبل المحاولة.9
وفي مراجعة منهجية نُشرت قبل هذه بسنة 2015 وتناولت حالات الانتحار التي سُجّلت فعلا في جميع أنحاء العالم، كانت النتائج مشابهة، فوجود التديّن كان مرتبطا بتقليل احتمال حدوث انتحار إلى الثلث تقريبا، لكن ما أضافته هذه الدراسة هو أن الآثار الوقائية للتدين كانت أقوى بكثير في المجتمعات التي يسود فيها دينٌ معين لدى أغلبيتها، ولدى فئة كبار السن، وفي الثقافات الغربية.10
وفي سياق التفريق بين أثر اختلاف الدين نفسه على نسب الانتحار، تتناول بعض الأبحاث أثر التدين لدى المتدينين في كلِّ دينٍ على حدة، مع محاولة تحييد أثر المستوى المادي والاجتماعي على هذه النتائج. ما زالت هذه الأبحاث في بداياتها، ولا يكفي ما لدينا من أبحاثٍ اليوم للخروج بخلاصاتٍ حاسمةٍ حيالَ اختلاف الأديان في مستوى الحماية الذي توفره لأتباعها من الانتحار، لكن أشهرها تلك التي اعتمدت على بنك بيانات منظمة الصحة العالمية والتي استنتجت أنّ نسب الانتحار أقل بكثير في الدول التي تحتوي على أغلبية مُسلِمة، مقارنة بالدول التي فيها أغلبية مسيحية أو هندوسية أو بوذية أو لادينية.11
هذه الأبحاث نفسها تحذّر من محدوديتها، فهي لا تأخذ التنوع الفردي في مستوى التدين بعين الاعتبار، ولا تدرس التدين إلا من خلال الدول ذات الأغلبية المتدينة بدين معين. على كل حال، تعطينا هذه الدراسات مؤشرات عامة على أهمية السياق الثقافي في تشكيل لَبِنة تحريم وقائي ووصمة إيجابية إن جاز التعبير؛ لكون الناس يتعاملون مع الانتحار على أنه حَدَثٌ جَلَل.
ويمكن المجادلة بشكل جيد على أهمية هذا التحريم الوقائي حتى لو جاء في إطار تنفيريّ وترهيبيّ إذا ما علمنا أنّ محاولة الانتحار بحدّ ذاتها تشكّل أهمّ عاملِ خطر يتوقّع حدوث محاولة أخرى والانتحار حقيقة في المستقبل. وقد وجد بحثٌ نُشر في 2016 في المجلة الأميركية للطب النفسي أنّ وجود محاولة سابقة هو عامل خطر أهم بكثير مما كنّا نتصوّر، وتكاد تكون معظم حالات الانتحار المُسجّلة في البحث تمّت لأشخاص قد حاولوا مسبقا.12
ووجد بحثٌ سابقٌ آخر أنّ الإشكالات والاعتراضات الأخلاقية على فعل الانتحار ومستويات العنف المنخفضة لدى المتدينين كانت هي العوامل الوسيطة لديهم لمنع المحاولة من الأساس، في تأكيدٍ على قيمة المنع الأخلاقي في تقليل حالات الانتحار بشكل مباشر.13
درست أبحاثٌ أخرى العلاقة بين التديّن والعديد من الاضطرابات والظواهر الأخرى، لا الاكتئاب والانتحار فقط. على سبيل المثال، أكّدت مئات الدراسات أنّ المتديّنين أقل عُرضة لسوء استخدام الموادّ كالمخدّرات والكحول، وأنّهم -عموما- أكثر رضا وصحّة عامّة في حياتهم.14
ولم تُهمل دراسة هذه العلاقة أيضا في السياق العربي والإسلامي، حيث يمكن إيجاد بعض الأبحاث التي أُجريت في سياق إسلامي تماما كإيران. وتناولت تأثير الاستماع لقراءة القرآن الكريم على مؤشرات الصحة النفسية، ومدى ارتباط الممارسات الدينية الإسلامية بالأمراض النفسية الشائعة ومستويات الرضا والسعادة.15 16 17
على الجانب الآخر، لا يمكن إنكار أن هناك دراسات وجدت نتائج مقابلة، مثل أنّ التدين قد يكون عائقا نفسيّا لدى بعض الأفراد مثلا كبار السنّ المتدينون يميلون لعدم اللجوء إلى المساعدة عند معاناتهم بعض الأعراض النفسية18، أو أنّه قد يكون مركِّبا أساسيا من مركّبات المرض النفسي في القلق والاكتئاب والذّهان مثلا.19 لكنها تبقى دراسات محدودة وقليلة العدد وأقل قوة منهجيّا إذا ما قورنت بالدراسات السابقة.
إنّ معظم الأبحاث العلمية، وحتى ممارساتنا الطبية، قائمةٌ على مبدأ عوامل الخطر Risk Factors، والتي بدورها تعتمد على مفهوم الارتباط وليس السببية، حيث من الصعب جدّا إحصاء جميع العوامل التي تؤدي دورا في تسبيب ظاهرةٍ ما. ومن ثَم، فإنّ ما نستطيع فعله علميّا هو دراسة الارتباط بين عاملين أو ظاهرتين دون الجزم بأنّ أحدهما هو السبب المباشر للآخر، تحديدا في ظواهر ومفاهيم متعددة العوامل والمركّبات مثل الدين والصحة النفسية.
إذن، فالارتباط بين شيءٍ وآخر لا يعني علاقة سببية مباشرة بينهما. هذه مقدّمة مهمّة لفهمنا للعلاقة بين التدين والصحة النفسية، ولجميع الدراسات والنتائج التي عرضناها سابقا في هذا المقال. ولأنّ الارتباط حتّى لو كان قويّا لا يعني السببيّة بالضرورة؛ يحاول الباحثون دائما تحديد العوامل التي قد تؤثر على دراستهم، واختزال المفاهيم الكبرى إلى عناصر أصغر تشكّل هذا الشيء الكبير، خصوصا أنّ المتغيّر الكبير نفسه قد يؤدي دورا إيجابيّا لدى بعض الناس، وسلبيّا لدى آخرين.20
وتشير دراساتٌ إلى إمكانية وجود تحيزات في نتائج الأبحاث بسبب أنّ المتدينين هم أكثر عُرضة للإجابة عن أسئلة البحث باتجاه إيجابي Response Bias، وتدعو إلى عدم الاكتفاء بقياس الارتباط بين التدين والصحة النفسية، بل الغوص عميقا أكثر لفهم العوامل الوسيطة والإستراتيجيات الكامنة في سلوك المتدينين ومعتقداتهم.21
حاولت بعض الأبحاث اختزالَ التديّن في عوامل أساسية وسيطة Mediators قد تكون الأسباب الكامنة التي تفسّر قلة نسب الأمراض وزيادة احتمالات الصحة النفسية لدى المتديّنين.22 23 24
ووجدوا أنّه يمكن تلخيص أهمّ هذه العوامل الوسيطة في النقاط التالية
ورغم محاولات اختزال التديّن في العوامل الوسيطة، والقول بأنّ وجود هذه العوامل كفيلٌ بتحقيق الآثار الإيجابية دون وجود دين بالضرورة، يجادل آخرون بأنّ ميزة الدين أصلا هي أنّه يجمع هذه العوامل، وأنّه من الصعب جدّا جَمْعُها في هيكل أو إطار آخر. فتفكيك التديّن واختزاله فيها لا يُنقص من دوره شيئا، بل ربّما يزيد من تقدير أهميته.
يُمكن للأبحاث المستقبلية أن تتغلب على إشكال التحيزات في المنهجية، والتعريفات الفضفاضة، إلّا أنّ طريقة تفسير العوامل الوسيطة ستبقى مثار جدل فلسفي لا يمكن للعلم أن يحسمه.
إنّ الدين هو أحد أهم روافد المعنى لدى الإنسان، وهذا أمرٌ ثابتٌ في تاريخ البشر وحضاراتهم المختلفة عبر الزمن، من شرقها إلى غربها. ومن البديهي أن ما يمنح المعنى للإنسان، يجعله أكثر قدرة على مواجهة مصاعب الحياة. فكما يقول نيتشه إن من يمتلك إجابة على سؤال لماذا، يمكن له أن يتحمل أيّ كيف.
تتضافر الأبحاث شيئا فشيئا لتقول لنا إن هناك دورا حقيقيّا يؤديه التدين في زيادة سبل الوقاية والشفاء من الأمراض النفسية، إلا أنّ ما يجب معرفته كذلك هو أن العلاقة ليست سببية مباشرة، فهناك ملحدون وغير متدينين يعيشون بصحة نفسية جيدة، وهناك متدينون يصابون باضطرابات نفسية وربما ينتحرون أيضا، وقد يؤدي التدين دورا في التسبب بالمرض أو زيادة شدّته. وهذه خلاصةٌ ناجزةٌ عند معظم المتخصصين في الطب النفسي وعلم النفس. ومن هنا، يجب التفريق بين القول العام والتعامل المتخصص مع كل حالة على حِدة.
الصحة النفسية Mental Health والرفاه النفسي Well-being مفاهيم تكامليّة وتشابكيّة لا يمكن لعاملٍ واحد أن يحسمها دون تفاعل مع العوامل الأخرى. ومعتقدات الإنسان الروحانية والدينية، وما تفرضه عليه من سلوكيات هي عامل واحد -على أهميته- علينا أن نفهمه بارتباطه بالعوامل البيولوجية والنفسية الشخصية والاجتماعية الأخرى كالثقافة والبيئة السياسية والوضع الاقتصادي والاجتماعي.
وكما أنّ الصحة مفهوم متعدد العوامل والأسباب، كذلك المرض النفسي، فهو له جذور متعددة، من البيولوجية إلى النفسية إلى الاجتماعية، بل إنّ العديد من الحالات النفسية قد تكون بسبب مباشرٍ من أمراض عضوية بحتة، أو موادّ أو أدوية. كما أنّ الأمراض النفسية تصيب الأطفال وهم غير مكلّفين أصلا. وهكذا يكون من الخطأ، بل ومن التضليل، ربط الحالة النفسية ككلّ بالحالة الدينية أو الإيمانية دون أخذ العوامل الأخرى وتشابكها المعقّد بعين الاعتبار.
الدليل العلمي القوي على علاقة الصحة النفسية من جهة بما تعنيه من مؤشرات نفسية أكثر إيجابيةً ومَنَعةً تجاه الإصابة بالأمراض وقدرةً على الشفاء منها، وبالتديّن والروحانية من جهة أخرى، هو موجود وفي تزايد مستمر. ورغم الإشكالات النظرية والعملية، يمكن القول إن التديّن مفيد نفسيا للمتدينين في معظم الأحيان، لكن من المهم أنّ نتذكر دائما أنّ هذه خلاصة عامة تحتاج إلى تفصيل وشرح، ولا تنطبق على جميع الحالات، وتعميمها باستغراق تامّ هو تضليلٌ، ما لم يُتبع باستدراك لمعنى الارتباط في البحث العلمي، ولعرضٍ للحالات التي قد يؤدي التدين فيها دورا في نشأة الاضطراب النفسي حتى وعائقا تجاه الشفاء منه، بالإضافة إلى فهم حدود هذه العلاقة وتعدّد وتشابكية العوامل المسبّبة للأمراض وللصحة النفسية على حدّ سواء.
إنّ من البداهة في حال فهم ذلك ألّا تكون استشارة الطبيب أو المعالج النفسي قَدحا في تديّن المرء أو إيمانه، فـلا يكلّف الله نفسا إلّا وُسعها. ولذلك تجتمع الكثير من الفتاوى الإسلامية على جواز ذلك، ونفي تلازم العلاقة بين الإيمان والمرض، بل وتدلّل على ذلك بمستويات الأدلة الشرعية المختلفة.25 26 27
إنّ من الجميل والمؤلم في الوقت نفسه عند مراجعة التاريخ أن نجد كبار علماء المسلمين كأبي زيد البلخي وابن سينا قد وصلوا إلى هذه الخلاصات قبل مئات السنين، بل وألّفوا في وصف الأمراض النفسية وأسبابها وعلاجاتها ما لا يقلّ كثيرا في مستواه عن الطب النفسي الحديث اليوم،28 29 بل وامتدّ ذلك إلى ممارسة الطب النفسي وإن لم تكن المسمّيات نفسها، فقد بُني أول مستشفى متخصص لعلاج الأمراض النفسية في العالم في بغداد-العراق عام 705 للميلاد. 30 وقد دفع هذا المستوى من الحضارة والتقدّم ألين فرانسس، أحد أشهر الأطباء النفسيين الأميركيين، أن يصف ممارسة الطب النفسي لدى المسلمين والعرب بأنّها الأرقى في التاريخ في تعاملها مع المرضى وعلاجهم.31
في السنوات الأخيرة، زاد الاهتمام باتجاه تقدير التدين والروحانية لدى المرضى في ممارسة العلاج النفسي، وبات يُنصح الأطباء والمعالجون باستكشاف هذه المساحات من حياة المريض؛ لأنّها تشكّل جزءا مهمّا من قيمه وشخصيته، وتجعل المتخصص أكثر قدرة على فهم الشخص بشكل شامل. وأصبح يعتمد الكثير من الأطباء والمعالجين على إيمان الشخص وتدينه في تحسين حالته النفسية، ولا يعارضونها من منطلق أنهم علماء محايدون، حتى ولو لم يوافقوا المريض في إيمانه ومعتقداته. يقول إرفين يالوم، أحد أهم المعالجين النفسيين الوجوديين في العالم، وهو غير مؤمن؛ إنّ مهمّته الرئيسة هي تحسّن المريض ومواجهته لمخاوفه ومشكلاته بطريقة إيجابية ومنتجة، وليس إسقاط معتقداته وأجندته الخاصة عليه، ولذلك فهو يسعى إلى تعزيز إيمان الشخص وممارساته الدينية إذا شعر بأنّ ذلك مفيدٌ ويصبّ في مصلحته.
وعلى الصعيد النظري، زاد عدد الأبحاث التي تتناول الطرق الأمثل لاستدخال الدين بممارساته وأفكاره داخل العلاج النفسي للمتدينين، وتلك التي تُوصي بتخيّل الدينالروحانية بصفتها بُعدا رابعا للنموذج البيولوجي-النفسي-الاجتماعي المُعتاد في التعامل مع الأمراض النفسية.32 33 34 وأصبحت الكثير من الجامعات العالمية والمؤسسات العريقة مهتمّة بالاستثمار في البحث والتطوير في هذا الجانب، بل وبناء الشراكات المُثمرة مع الجهات الدينية، مثل أئمّة الجوامع والقساوسة ورجال الدين على أعلى مستوى؛ من أجل مصلحة المرضى.35
ومن الجدير بالذكر أن الاقتباس من الأفكار والممارسات الدينية ليس فعلا جديدا تماما، فقد استخدمته المعالجة النفسية مارشا لينيهان حين خرجت بالعلاج الجدلي السلوكي DBT والذي أثبت نجاحا كبيرا في علاج الميول الانتحارية واضطراب الشخصية الحدّية، وطريقة العلاج تستلهم جزءا لا بأس به من الديانة البوذية. وحديثا، تُوصي بعض الأبحاث بأنّ على المتخصصين نُصْح مرضاهم بممارسة الصلاة إذا كانوا متدينين كما ينصحونهم بممارسة التأمل مثلا.36، 37
_________________________________________
المصادر والمراجع | https://www.aljazeera.net/sukoon/2021/10/24/%d9%87%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a4%d9%85%d9%86-%d9%85%d9%86%d9%8a%d8%b9-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b5%d8%a7%d8%a8%d8%a9-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b6%d8%b7%d8%b1%d8%a7%d8%a8 | 2021-10-24T15:51:18 | 2024-05-29T10:33:14 | أبعاد |
|
119 | الحرب الروسية العثمانية.. لماذا يحلم بوتين باستعادة أمجادها؟ | لإدراك استبطان الروس المعاصرين لدروس التاريخ، سنسلط في هذا التقرير ضوءًا على لحظة تاريخية فارقة حين نجح الروس بفرض شروطهم على الدولة العثمانية؛ وهي لحظة مفصلية أدخلت العثمانيين لمرحلة الضعف الانهيار. | منذ صعود الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لسدة الحكم قبل ربع قرن، وهو يسعى بكل قوة إلى تحقيق أمجاد روسيا القديمة في أزمنتها القيصرية والسوفياتية؛ لقد وضع الإمبراطور بطرس الأكبر توفي عام 1725م إستراتيجية طويلة الأمد لروسيا وهي التي تُعرف تاريخيا بوصايا بطرس الأكبر، التي تسعى لتحقيق أمجاد روسيا الدينية والسياسية والعسكرية في القارة الأوروبية وعلى حساب جيرانها المنافسين.
نجح بوتين في وأد الانتفاضة التي دامت في القوقاز ولا سيما الشيشان وداغستان اللتان استقلّتا عن الاتحاد السوفياتي أوائل التسعينيات من القرن الماضي، ونجح في جعلهما تابعتين للاتحاد الروسي بقوة وعنف، فدعم بقوة تعيين حليفه رمضان قديروف في حكم غروزني، كما دخل عام 2008 في حرب بمواجهة جورجيا المدعومة من الغرب، وتمكن من السيطرة على أوسيتا الجنوبية بالقوة، ولم يتوقف بوتين حتى احتل شبه جزيرة القرم وانتزعها من أوكرانيا عام 2014، ثم تدخل في سوريا عام 2015 حتى أصبح له وجود لافت شرق البحر المتوسط بريا وبحريا، ولم يتوقف بوتين حتى تدخّل في ليبيا وجنوب الصحراء والسودان ووسط أفريقيا وفي بعض دول غرب أفريقيا.
ويبدو بوتين في كثير من خطاباته حريصًا على استعادة التاريخ وإحيائه؛ فهو مدرك للشخصية الروسية التاريخية التي نجحت في هزيمة التتار المسلمين الذين سيطروا على أجزاء واسعة من روسيا وأوكرانيا منذ القرن الـ13 الميلادي، وتمكن الروس كذلك من القضاء على استقلال بولندا وتقسيمها مع الألمان والنمساويين زمن القياصرة ثم ابتلاعها زمن السوفيات، بل وهجومهم الساحق على أراضي الدولة العثمانية في القوقاز والبلقان وحتى الأناضول وإسطنبول في القرنين الـ18 والـ19، وها هو بوتين اليوم يحاول جاهدًا السيطرة على أوكرانيا التي يعتبرها جزءًا لا يتجزأ من الإمبراطورية الروسية في التاريخين القيصري والسوفياتي.
والحق أن الإستراتيجية الروسية التي ينفذها بوتين لا تشكل خطرًا على أوكرانيا فقط، بل بوصفها تهديدا مباشرًا لبولندا ومولدوفا وتركيا والسويد ودول البلطيق وفنلندا؛ وهو الأمر الذي بات يدركه الجميع، ويستشعرون من ورائه خطرًا ماثلا في ذاكرة التاريخ والواقع.
ولإدراك استبطان الروس المعاصرين لدروس التاريخ وعِبره، سنسلط في هذا التقرير ضوءًا على لحظة تاريخية فارقة حين نجح الروس في فرض شروطهم على الدولة العثمانية؛ وهي لحظة مفصلية في تاريخ العثمانيين ودخولهم في طور من الضعف والاضمحلال والانهيار كان الروس سببا مباشرًا فيه.
كان الروسُ من قديم الزمان أمةً تعيش في المناطق الشمالية من البحر الأسود، وهم فريق من الأمم السلافية التي امتدت من البحر الأسود إلى القطب الشمالي ومناطق البلطيق، ولم يكن لهم في التاريخ القديم مكانة مميزة أو مرموقة حتى القرن العاشر الميلادي؛ فقد أشار الرحالة العربي زمن الدولة العباسية أحمد بن فضلان في القرن التاسع الميلادي أنهم أقذر خلق الله لا يستنجون من غائط ولا بول ولا يغتسلون من جنابة ولا يغسلون أيديهم من الطّعام، بل هم كالحمير الضّالة.
وقد رحل ابن فضلان لبلاد الروس في عصور وثنيتها قبل أن تعرف المسيحية الأرثوذكسية التي اعتنقوها في القرن العاشر الميلادي، وهو نفس القرن الذي تحول فيه قطاع كبير من الأتراك إلى الإسلام، وكانت فتوح السلاجقة ثم أبناء عمومتهم المغول لمناطق القوقاز الجنوبي ثم مناطق شمال بحر قزوين وأوكرانيا وحتى بولندا ووسط أوروبا سببا في هيمنتهم على هذه المنطقة لعدة قرون، وسيادتهم حتى على الروس أنفسهم الذين كانوا مضطرين إلى دفع الجزية والتبعية السياسية للمغول والتتار المسلمين.
ولكن سنوات السيادة الإسلامية للمغول جنوب روسيا والقوقاز وأوكرانيا وحتى بولندا بدأت في التراجع حين عمل الروس على تهديدها منذ القرن الـ15؛ إذ دخلوا في العديد من المعارك والحروب والتي أثمرت في النهاية عن تمدد الروس من موسكو وما حولها حتى بلغوا منطقة آزوف شمال البحر الأسود، وبدؤوا لأول مرة في تهديد النفوذ الإسلامي المغولي أولا ثم العثماني الذي كان منذ القرن الـ15 الميلادي يعتبر البحر الأسود بُحيرة عثمانية خالصة من كافة الجوانب.
وطوال قرون تالية كانت عوامل الشد والجذب بين العثمانيين والروس لا تكاد تتوقف؛ ذلك أن الروس في زمن أباطرتهم الكبار مثل بطرس الأكبر وكاترينا وضعوا إستراتيجية كبرى تتضمن إسقاط ثلاثة من جيرانهم السويديين والبولنديين والعثمانيين حتى يصحبوا على حافّة التماس والتجاور مع أوروبا الغربية ويكون الطريق مفتوحا أمامهم للبحار الدافئة؛ وهي الإستراتيجية التي يحاول الرئيس الروسي إحياءها في يومنا هذا بعد هجومه على أوكرانيا وتهديده المباشر للسويد والتي أجبرها هذا التهديد وجارتها فنلندا على الانضمام لحلف شمال الأطلسي الناتو.
وفي القرن الـ18 بلغت القوة الروسية حدّا جعل خلفاء بطرس الأكبر يسعون لتحقيق وصاياه المتمثلة في إزالة نفوذ كل من السويد وبولندا قبل تهديد الدولة العثمانية، والسيطرة على أراضيها الأوروبية مثل رومانيا وبلغاريا وكذلك القوقاز، وقد نجحت الإمبراطورة كاترينا في الاستيلاء على جميع الولايات السويدية الفاصلة بينها وبين ألمانيا، وتم إبرام اتفاقية بين الجانبين عُرفت باسم اتفاقية ني ستاد التي تم توقيعها عام 1672.
ولكن الأمر الذي أثار العثمانيين على الروس كان عقب وفاة ملك بولندا أغسطس الثالث سنة 1763، حيث تدخلت الدول الأوروبية لاختيار من يخلفه، وقد استطاعت كل من روسيا وبروسيا ألمانيا أن تنجحا عن طريق الضغوط المشتركة في اختيار ستانيسلاس بونياتوفسكي ليكون ملكا على بولندا سنة 1764، ولكن فريقا كبيرا من المعارضين البولنديين رفضوا هذا العاهل الجديد التابع للروس، وأقاموا تنظيمًا كونفدراليًا أسموه كونفدرالية بار.
وقد وجدت المعارضة البولندية نفسها في حاجة ماسّة إلى دعم أقوى الدول المجاورة وقتئذ العثمانيين الأمر الذي جعل الروس يتدخلون عسكريا للقضاء على القوات البولندية المعارضة حتى لجأت هذه القوات إلى الأراضي العثمانية التي كانت تمتد حينئذ إلى حدود بولندا وتسيطر على القرم وأجزاء من أوكرانيا المعاصرة، ولكن الروس أصروا على الدخول إلى الأراضي العثمانية وأشعلوا النيران في منطقة تُسمى بلطة.
وكان العثمانيون بداية القرن الـ18 قد دخلوا في العديد من المواجهات العسكرية أمام الروس والنمساويين والفُرس، وحين اعتلى محمد راغب باشا منصب الصدارة العظمى رئاسة الوزراء واستمر في منصبه ذلك 6 سنوات في سلطنة مصطفى الثالث كانت إستراتيجيته التي وافق فيها السلطان العثماني إعلان السلام والصلح مع الدول الأوروبية، وصبّ اهتمامه في الإصلاح الداخلي السياسي والاقتصادي والعسكري، وتقوية المؤسسات، وتقوية مؤسسة القضاء بتوسيع نفوذ القُضاة واستقلالهم.
ولكن فريقًا آخر من المؤثرين داخل الدولة العثمانية من الوزراء والعسكريين والإداريين كان متعطشًا للحروب لاستمرار هيبة ونفوذ الدولة عالميًا بعد عقود من الهدنة والسكينة، ولكن كما يقول المؤرخ روبير مانتران في كتابه تاريخ الدولة العثمانية كان الـقرن 18 يرمز في تاريخ الإمبراطورية العثمانية إلى البداية الحقيقية لهجوم الدول الأوروبية العظمى، أكان ذلك في المجال العسكري والدبلوماسي أم في المجال الاقتصادي.
ولهذا الهجوم أسبابه العميقة، فطوال الـ30 عاما الماضية ركن العثمانيون إلى السلام؛ وبسبب عدم دخول الحرب نسي الجنود تكتيكات القتال والمعارك، بينما جهزت الإمبراطورة كاترينا الثانية جيشها الروسي بشكل جيد، وحتى اشتعال الحرب الروسية العثمانية سنة 1768 لم تكن ثمة دولة أوروبية بمفردها قد استطاعت أن تنتصرَ على الدولة العثمانية كما يقول المؤرخ التركي يلماز أوزتونا.
ولم يأبه الروس باعتراض الباب العالي على دخولهم إلى أراضي الدولة العثمانية وإحراق إحدى بلدانها بحجة ملاحقة قوات المعارضة البولندية، الأمر الذي اضطر العثمانيين لإعلان الحرب على الروس مع تخلف قواتهم، ونقص استعداداتهم من الناحية العسكرية رغم مرحلة السلم الطويلة، ومن ثم تحولت الحرب إلى كارثة مطبقة على رجال الدولة الذين انخدعوا بأحلام الفتح، واستعادة القوة من جديد، وتكشّفَ للعيان مدى ضعف الدولة الإداري والعسكري كما يقول المؤرخ التركي فريدون أمجَن.
وفي النهاية دخلت الدولة العثمانية الحرب التي اشتعلت على عدة جبهات، وأوعزت لخان القرم وأوكرانيا قيراي باي التابع لها أن يهجم على الروس في الشمال، وقد نجح في هجومه ذلك بداية المعارك، كما اشتعلت المواجهات على خط الحدود الواقعة بين الدولة العثمانية وبولندا في الجهة الغربية.
وكان الروس في السنوات الماضية قد أعدوا العدة جيدًا في المجال البحري، فأنشؤوا أسطولا وضعوه في بحر البلطيق لأن البحر الأسود كان محرما عليهم من قبل العثمانيين، وكان هذا الأسطول يقوده ضباط من الإنجليز والأسكتلنديين والألمان، فاتجه هذا الأسطول من بحر البلطيق باتجاه البحر المتوسط مارا بالمحيط الأطلسي، ولم يصدق العثمانيون أن الروس يملكون أسطولا بالمعنى الحقيقي، حتى تفاجؤوا به في مياههم الإقليمية في بحر المورة ثم بحر إيجه.
وفي بحر إيجه اشتعلت معركة بحرية ضارية بين الجانبين انتهت إلى احتلال الروس جزيرة ساقز المعروفة اليوم باسم خيوس اليونانية، وأُحرقت في هذه المعركة جميع قطع الأسطول العثماني التي كانت راسية في ميناء جشمة، وأحدث الانتصار البحري الروسي في بحر إيجه ليلة 6-7 يوليوتموز 1770 صدى عظيمًا في أوروبا.
ومع استيلاء الروس على جزيرة خيوس بقيادة الجنرال الأسكتلندي ألفنستون، أراد هذا القائد التقدم للسيطرة على العاصمة إسطنبول لعدم وجود ما يمنعه من الاستحكامات من المرور في مضيق الدردنيل، ولكن لم يوافقه القائد الروسي أورلوف على ذلك، واتفق الاثنان على احتلال جزيرة لمنوس لتكون قاعدة لأعمالهما الحربية، فحاصراها. وكان البارون دي توت -وهو قائد عسكري مجري- قرر الانضمام إلى الدولة العثمانية لتطوير جيشها من تحصين مضيق الدردنيل وبناء القلاع على ضفتيه وتسلحيها بالمدافع الضخمة حتى صار المرور منه شديد الصعوبة.
في الشمال استطاع الجيش الروسي أن يحتل قسما كبيرا من ولاية بُغدان وهي مولدوفا ثم توغلت قواته في الأفلاق وهي رومانيا التي كانت تابعة أيضا للدولة العثمانية، وقتلوا عشرات الآلاف من المدنيين المسلمين، وقد أحدث هذا الانتصار الآخر ضجة كبرى، فلأول مرة في تاريخ الدولة الأولى عالميًا تسقط من حيث القدرة إلى الدرجة الرابعة بعد إنجلترا وفرنسا وروسيا بالتسلسل، كما يصف المؤرخ يلماز أوزتونا.
ولم تتوقف الحرب عند هذا الحد من الخسائر، فقد استطاع الروس إشعال الخلافات الداخلية في إمارة القرم الإسلامية وكان يحكمها التتار المسلمون، وقد وافقوا منذ فترة طويلة على التبعية للدولة العثمانية؛ وقد خدع قسم من أهلها بريق وعود الروس باستقلالها عن العثمانيين، وفريق آخر أصر على البقاء مع الدولة العثمانية ومواجهة الروس، ولكن دخول حرب جديدة دون مساندة المدفعية والوحدات الفنية الأخرى للجيش العثماني كان يعني هزيمة ساحقة أمام الجيش الروسي المتطور.
ونهاية المطاف وبعد معركة سريعة انهزم العثمانيون والقرم أمام الروس، وسرعان ما استولى الروس على كامل القرم، وبهذا انتهى الحكم الفعلي للعثمانيين للجزيرة بعد 296 عامًا، وقد اتضح بشكل حاسم أن روسيا انتصرت في الحرب بشكل حاسم واستطاعت تهديد الدولة العثمانية من البحر الأسود بعدما تمكنت لأول مرة في تاريخها من السيطرة على شماله، وكذلك تهديد العثمانيين من البحر المتوسط بغلق خطوط الملاحة في بحر إيجه.
وأثناء هذه الحالة من الحرب أعلن اثنان من كبار الولاة العثمانيين في مصر والشام، وهما علي بك الكبير وظاهر العُمر التمرد، وثبت وجود دعم كبير من الأسطول الروسي في البحر المتوسط لكل من العُمر وعلي بك، وقد استطاعت قوات الأخير الاستيلاء على كامل فلسطين وسوريا حتى بلغت حدود الأناضول، ولولا انقلاب القائد المملوكي محمد بك أبو الذهب على سيده علي بك، وإدراكه مدى الخيانة التي يقوم بها سيده ضد وحدة الديار الإسلامية لتمكن من دخول الأناضول وربما بلغ إسطنبول.
وفي المقابل اتحدّ علي بك مع العمر في عكا وانضم إليهما 400 ضابط روسي بغية هزيمة أبو الذهب، والتقى الفريقان في منطقة الصالحية شمال شرقي مصر، وأسفرت هذه المعركة عن هزيمة علي بك وفرار العمر ومقتل وأسر عدد من الجنود الروس في هذه المعركة، وعاد الاستقرار والهدوء في المنطقة العربية بعد أشهر من تدبير وتخطيط الروس.
لم تتوقف الخسائر العثمانية الفادحة عند هذا الحد، فقد نجح الروس أيضًا في الاستيلاء على مولدوفا ورومانيا، ودخل الفريقان في حرب استنزاف طوال عام 1773. وفي صيف عام 1774 شن الروس هجوما كبيرا استطاعوا التوغل خلاله في بلغاريا، وانهزم العثمانيون أمامهم في قوزلوجه قريبا من مدينة فارنا، وعند هذا الحد أدرك العثمانيون أن الروس باتوا قاب قوسين من العاصمة إسطنبول، ولهذا السبب وبعد 6 سنوات من الحرب المتواصلة، والخسائر المالية والإستراتيجية الفادحة اضطر العثمانيون إلى عقد اتفاقية كُوجك قينارجه في يوليوتموز 1774.
وكانت هذه الاتفاقية واحدة من أسوأ الاتفاقيات التي وقّعها العثمانيون في تاريخهم؛ فقد نصّت على استقلال القرم عن الدولة العثمانية مع بقاء التبعية الدينية لشيخ الإسلام في إسطنبول، كما نصت على منح الأفلاق والبغدان أي مولدوفا ورومانيا الاستقلال الذاتي تحت السيادة العثمانية، مع إعطاء روسيا حق التدخل واختيار حكّامها، وأعطت المعاهدة الروس أيضًا حق رعاية السكان الأرثوذكس الذين يعيشون في الدولة العثمانية، وتغريم الأخيرة مقدارا كبيرا من الأموال، وكل هذه الشروط وغيرها فتحت الباب واسعًا للروس للتدخل في الشؤون الداخلية للدولة العثمانية، وهو الأمر الذي ظهرت عواقبه الوخيمة في القرنين الـ19 والربع الأول من القرن العشرين.
كما ضمنت روسيا موطئ قدم لها في البحر الأسود والاعتراف بوجودها في قبارديا في القوقاز وسيادة مطلقة في ميناء آزوف وفي أوكرانيا، وحصلت أيضًا على حق المرور في الدردنيل. كل هذه الخسائر جعلت الدولة العثمانية تتراجع عسكريا وسياسيا أمام الروس ومن قبلهم الإنجليز والفرنسيين، ولهذا السبب يُنهي المؤرخ هامر تأريخه للدولة العثمانية في عصرها القوي مع معاهدة قاينارجه؛ لأن السنوات التي تلت هذه المعاهدة رغم المحاولات المستمرة للتحديث زمن السلطان عبد الحميد الأول 1774-1789 وحتى زمن السلطان عبد الحميد الثاني 1876-1909 أثبتت تراجعا ضخما للدولة العثمانية على الصعيدين الداخلي والخارجي.
ويُرجع المؤرخ المصري محمد فريد في كتابه تاريخ الدولة العلية تراخي الدولة العثمانية إلى جهل وزرائها بالخطر الروسي الذي بدأ مع بطرس الأكبر بداية القرن الـ18، وهو الأمر الذي أدى إلى ابتلاع بولندا والولايات السويدية في أوروبا، وأصبح الطريق مفتوحا أمامها لإزالة الحاجز الثالث الذي أوصى بطرس خلفاءه من بعده، وهي الدولة العثمانية التي تعرضت لهزائم كبيرة من الروس في القرنين الـ18 والـ19. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/8/16/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%88%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%ab%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d9%8a%d8%ad%d9%84%d9%85 | 2024-08-16T02:51:07 | 2024-10-15T02:18:32 | أبعاد |
|
120 | البحر الأحمر يشتعل.. ما قدرات الحوثيين العسكرية؟ وإلى أي مدى تصل؟ | إن دخول قوى عصية على الاحتواء مثل جماعة أنصار الله بقوة في مواجهة إسرائيل، يجعل من المهم أن نستقرئ العناصر العسكرية والإستراتيجية التي يمتلكها الحوثيون، وهل حقا بإمكانهم دخول معركة كبيرة؟ | التهب الموقف كثيرا في منطقة البحر الأحمر، ووصلت الأمور إلى درجة عالية في التصعيد العسكري، بعد دخول مسيرات جماعة أنصار الله الحوثي إلى العمق الإسرائيلي، التي أعلنت في 21 يوليوتموز أنها نفذت عملية عسكرية نوعية في منطقة حيوية في أم الرشراش إيلات، وتوعدت إسرائيل بـرد عظيم، مؤكدة في الوقت نفسه أنها أصابت سفينة أميركية في البحر الأحمر.
أشار بيان المتحدث العسكري للجماعة إلى استخدام صواريخ باليستية في عملية استهداف السفينة الأميركية، وأضاف أن الرد على العدوان الإسرائيلي على اليمن قادم لا محالة وسيكون عظيما، مؤكدا أن العمليات العسكرية للحوثيين لن تتوقف إلا بتوقف العدوان على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. كما أعلن أن قوات الحوثيين استهدفت السفينة الأميركية بومبا في البحر الأحمر بصواريخ باليستية ومسيرات وأصابتها مباشرة.
تهديد الحوثي بمزيد من التصعيد له وقع مختلف بعد استهداف تل أبيب بمسيرة يافا، فمن المتوقع أن تزداد وتيرة التصعيد، وأن تزدحم سماء دولة الاحتلال بأسراب من أجيال المسيرات التي تعمل جماعة أنصار الله، على تطويرها منذ سنوات، فضلا عن توتير أجواء الملاحة في البحر الأحمر، من خلال استهداف السفن الإسرائيلية والأميركية، مما يعقد أكثر خريطة صراع معقد بالفعل، ويفتح الباب لاحتمالات يصعب السيطرة عليها أو التكهن بها.
هذا الالتهاب الذي تشهده مناطق الصراع، يرجع خبراء مسؤوليته إلى جيش الاحتلال وعربدته غير الأخلاقية في المنطقة، التي تُوِّجت بضرب أهداف مدنية وموانئ يمنية، فضلا عن معركة الإبادة في غزة التي أسفرت عن مأساة إنسانية مروعة.
يعد دخول قوى عصية على الاحتواء مثل جماعة أنصار الله بقوة إلى أرض المعركة، وعلى موقع يمثل أحد أشد خطوط المواصلات البحرية العالمية حساسية، وهو البحر الأحمر وتخومه في القرن الأفريقي، كل ذلك يجعل من المهم أن نستقرئ بعمق عناصر الأجندة العسكرية والإستراتيجية التي يمتلكها الحوثيون، وعلى نحو محدد نتساءل عما يمتلكونه من قدرات عسكرية واستراتيجية، وهل حقا يمكنهم دخول معركة كبيرة؟ وكيف وصلت صواريخهم ومسيراتهم إلى إسرائيل؟
أول هذه الصواريخ، التي يُعتقد أنها شاركت في الضربات المتتالية على دولة الاحتلال، هي صواريخ طوفان الباليستية متوسطة المدى التي يتراوح مداها بين 1350-1950 كيلومتر، التي تشبه في تصميمها صواريخ قدر الإيرانية، يُعتقد أن لديها مرحلة أولى تعمل بالوقود السائل، ومرحلة ثانية تعمل بالوقود الصلب، مما يسمح لها بمدى كبير، طول الصاروخ نحو 16 مترا، وعرضه نحو متر ونصف.
تعمل الصواريخ الباليستية وفق مبدأ بسيط وهو إطلاقها في مسار قوسي، يخرج خارج الغلاف الجوي ثم يعود مجددا إلى الأرض لضرب الهدف، في مسار محدد مسبقا ما يسهل نسبيا التنبؤ بمساره واعتراضه، وما إن يصل حتى يطلق الصاروخ حمولته.
يمكن إطلاق هذا النوع من الصواريخ من منصات متنوعة مثل منصة أرضية أو غواصة أو صومعة، وفي حالة صاروخ طوفان فإنه ينطلق من منصة أرضية متنقلة، يمكن أن تكون جاهزة للعمل خلال 30 دقيقة فقط. صُمِّم هذا الصاروخ حاليا لحمل رأس حربي تقليدي، ولكنه قادر على التسلح برأس حربي كيميائي أو نووي أيضا بوزن يصل إلى نحو 800 كيلوغرام.
نلاحظ أن مقدمة الصاروخ مخروطية مدببة تجعله يشبه قنينة الرضاعة، يسمح ذلك للرأس الحربي بالدخول مرة أخرى إلى الغلاف الجوي بسرعة أكبر، ويمكِّن الرأس الحربي من القدرة على الانفجار في الهواء فوق هدفه. إذا تمكن الصاروخ من الوصول إلى هدفه، فإن نسبة الخطأ في مكان الضرب المحدد تكون ضمن دائرة قطرها 80-100 متر.
ويمكن للمتأمل في تاريخ تطوير ترسانة صواريخ الحوثيين أن يلاحظ أنهم يحدّثون مدى ترسانتهم الصاروخية بسرعة كبيرة، ولنتأمل خطَّ سيرٍ زمنيا قصيرا من 2015 وحتى الإعلان عن طوفان مؤخرا، فمثلا في 2015 أعلن الحوثيون عن إصدار صواريخ قاهر-1 وقاهر-إم 2، وهي تنضم إلى عائلة من صواريخ أرض-جو السوفيتية من النوع سام في 755 المعدلة لمهام الهجوم الأرضي، يمكن لهذه الصواريخ أن تصل إلى مدى 250-400 كم.
شهد شهر مارسآذار 2017 الاستخدام العملي لصاروخ قاهر-2، الذي تمتع وقتها بمدى وقدرات حمولة أكبر من النسخة الأولى، حيث عُدِّلت صواريخ سوفيتية كانت موجودة في ترسانة الجيش اليمني سابقا لتحتوي على رأس حربي يبلغ وزنه 350 كغم بدلا من الرأس الحربي الأصلي البالغ وزنه 195 كغم، أثار هذا التطوير جدلا بين الباحثين حول طبيعة هذا التحويل.
أما صواريخ بركان 1 فأُعلِن عنها في 2016، ومن المرجح أنه نسخة معدلة من صاروخ شهاب-1 الإيراني بمدى يصل إلى 800 كيلومتر، تلاه بركان 2 إتش الذي كُشف عنه في 2017، وهو صاروخ باليستي قصير المدى مشتق من صاروخ قيام الإيراني يبلغ مداه ألف كيلومتر، وفي سبتمبرأيلول 2023 عُرِضَ مشتق آخر من صاروخ قيام الإيراني يبلغ مداه أيضا ألف كيلومتر، الذي أُطلق عليه اسم عقيل.
ومنذ 2019، أعلن الحوثيون عن امتلاكهم صواريخ بركان 3، وكان الصاروخ الأطول مدى في ترسانة الحوثيين قبل ظهور طوفان متخطيا حاجز 1200 كيلومتر، ويُعتقد أنه استُخدم لأول مرة في 1 أغسطسآب 2019.
ترسانة الحوثيين من المسيرات الجديدة أثارت الانتباه مؤخرا، حينما أعلنت الجماعة في صباح الجمعة 19 يوليوتموز، أنها استهدفت تل أبيب بطائرة مسيرة قادرة على التخفي عن الرادار، وأسفر الهجوم عن تفجير أحد المباني وقتل شخص واحد مع وقوع عدد من الإصابات.
ومن المعروف أن جماعة الحوثي في السنوات العشر الماضية تتحرك بثبات في اتجاه بناء ترسانة من المسيرات المتطورة، مقدرة أن ارتفاع حصيلتها من هذا السلاح سيعزز من أوراقها الإستراتيجية في المنطقة. لذا فالمسيرات بالنسبة لها سلاح وجودي، وليس مجرد تشكيل من تشكيلات مسلحة.
وفي هذا السياق، تتنوع المسيرات الحوثية من حيث المهام والاستخدام، فمن مسيرات الرصد والاستطلاع إلى أسراب القتال وصولا إلى المسيرات الانتحارية، مثل طائرات صماد بأنواعها. وهذه الأخيرة ترقت في التطور التقني من صماد-1 إلى صماد-2 إلى صماد-3 إلى صماد-4، وكلها أجيال من المسيرات منوعة القدرات والمهام.
رحلة التطور هذه تفتح الباب واسعا لفهم مقدار ما حصل من تحديث داخل تقنية المسيرات، وكذلك المتوقع حدوثه لترسانة المسيرات التابعة للحوثيين. فقد كانت صماد-1 تُستخدم في المقام الأول للاستطلاع والمراقبة، وطُرحت عام 2017، مع مدى وصل إلى 150-200 كيلومتر فقط، بعدها في 2018 جاءت صماد-2، وكانت مجهزة بكاميرات بصرية لجمع المعلومات الاستخبارية، إلى جانب زيادة مدى طيرانها إلى ما يقرب من 1000 كيلومتر، حيث يمكنها حمل رؤوس حربية متفجرة صغيرة لتوجيه ضربات دقيقة، بوزن نحو 40-50 كغم شاملا الحمولة المتفجرة.
تلا ذلك صماد-3 المزودة بمهام هجومية بعيدة المدى مع قدرات مراقبة متقدمة، مع قدرة طيران امتدت لمدى يصل إلى 1500 كيلومتر، ومجهزة بكاميرات بصرية وكاميرات تعمل بالأشعة تحت الحمراء للعمليات النهارية والليلية مع تكنولوجيا متقدمة لنقل البيانات، كل ذلك دون تحميل إضافي في الوزن الذي لا يتعدى 50-70 كغم شاملا الحمولة.
وأخيرا أُعلن في عام 2021 عن صماد-4، التي تؤدي مهام مزدوجة بين الاستطلاع والعمليات الهجومية، ومن المحتمل أنها تمتلك ميزة التخفي مع مدى يصل إلى 2000 كيلومتر.
يُمثِّل نموذج صماد حالة تفسيرية لتراكم خبرة العمل في تقنية المسيرات عند الحوثيين، وكيف انتقلت من المراقبة بوصفها وظيفة أساسية إلى مهام أكثر تقدما وتنوعا، وقد مكَّنت الترقيات في المدى والحمولة وأنظمة الملاحة هذه المسيرات من إجراء عمليات استطلاع وهجمات بدقة وتأثير متزايدين.
أعلن الحوثيون كذلك عن وعيد التي يبلغ مداها 2500 كيلومتر. بشكل خاص، تشبه وعيد المسيرة الإيرانية شاهد 136، وصُمِّمت لمهاجمة أهداف أرضية من مسافة بعيدة، وهي تعمل بوصفها مسيرة انتحارية، فما إن تصل إلى الهدف حتى تفجر نفسها فيه، وإطلاقها يكون على دفعات تتكون من خمس مسيرات أو أكثر لإرباك الدفاعات الجوية عن طريق استهلاك مواردها.
تتميز المسيرة وعيد بطول يبلغ نحو ثلاثة أمتار ونصف، وعرض يصل إلى نحو مترين ونصف، وهي مزودة بجناح على شكل مثلث قصير، مندمج في جسم الطائرة المركزي، وتحتوي المسيرة في مقدمتها على رأس حربي يُقدَّر وزنه بـ30-50 كغم، بينما يقع المحرك في الجزء الخلفي من جسم المسيرة ويُدار بمروحة دافعة ذات شفرتين.
أما الدور الرئيس لهذه المسيرة فيتعلق بمهاجمة الأهداف الأرضية الثابتة، التي تكون إحداثياتها معروفة، وهي غير فعالة ضد الأهداف المتحركة.
لكن كيف تمكَّن الحوثيون من تطوير سلاح المسيرات والصواريخ الخاص بهم بهذه السرعة؟ الإجابة هي خطوط التوريد الفعالة التي تتقاطر على الحوثي منذ سنوات.
فخلال ضربات جماعة أنصار الله السابقة، وثَّقت مؤسسة أبحاث تسليح الصراعات عددا من المسيرات التي أُسقطت أثناء تلك العمليات، وتوصل التقرير الخاص بالمؤسسة إلى أن مسيرة قاصف-1 التي استُخدمت في مجموعة من تلك المهام تشبه مسيرات أبابيل الإيرانية، ولكنها تبدو أصغر.
لكن التقرير رغم ذلك رجح أن المسيرة لم تُصنع في إيران، بل جمعت محليا، حيث بُني الإطار الخارجي للمسيرة بشكل أوّلي، أضف إلى ذلك أن أجزاء جسم المسيرة حملت أرقاما مكتوبة بخط اليد، مما يشير إلى أنها من إنتاج ورش محلية، بحسب التقرير.
وقد ربط هذا التحقيق بين قدرة الحوثيين على تجميع المسيرات، ورصيدهم التقني في صناعة العبوات الناسفة.
وبدراسة عدد من المسيرات من طراز صماد، توصلت المؤسسة إلى استنتاج مفاده أن طرق صناعة المكونات والأجزاء الموجودة في المسيرات التابعة للحوثيين مماثلة في كثير من الحالات لتلك المستخدمة في تصنيع العبوات الناسفة، التي يمتلكون فيها رصيدا كبيرا، إضافة إلى أن بعض مكوناتها تتشابه مع أجزاء تقنية تعرف بها المسيرات الإيرانية. ما يعني أنه حتى رغم اعتماد الحوثيين على تكنولوجيا إيرانية، فإنهم يمتلكون بالفعل خبرة على التصنيع المحلي بدأ العمل عليها ربما من 2015.
وعلى الجانب الآخر، أثبت فريق من الخبراء التابعين للأمم المتحدة أن أحد نماذج صاروخ بركان قد جُمِع على الأرجح في اليمن، وأن صاروخ كروز قدس-1 لا يعتمد على أي تصميم موجود، بل على تصميم صاروخ كروز كلاسيكي عام، وربما هُرِّب من الخارج ثم عبر الهندسة العكسية صُنِّعَ في اليمن، ويبدو من دراسة الصواريخ والمسيرات الإيرانية أن نسبة التصنيع المحلي في الأخيرة تبدو أكبر بفارق واضح.
هناك إذن ثلاثة طرق تمكَّن خلالها الحوثيون من تطوير إمكاناتهم في سلاحي المسيرات والصواريخ بسرعة، أولها هو نقل التكنولوجيا والخبرة اللازمة لتطوير المسيرات، ثم التدريب اللازم للتصنيع والتشغيل، لكن هذا وحده ليس كافيا، بل هناك التصنيع المحلي وهو الطريق الثاني، حيث أنشأ الحوثيون قدرات تصنيع محلية لتجميع المكونات المستوردة وتصنيع أجزاء معينة من المسيرات.
سمح ذلك للحوثيين بالحفاظ على ترسانتهم من المسيرات رغم التقييد الدولي على خطوط الملاحة بكل طرقها، لأن التصنيع المحلي يُمكِّن من إنتاج كميات أكبر، كما يسهل بالنسبة للحوثي تهريب القطع الإلكترونية الصغيرة الدقيقة الخاصة بالمسيرات، لأنها عادة تُستخدم لأغراض عامة ولا يوجد حظر عليها، كما سمحت الخبرات الناشئة محليا بتطوير الطريق الثالث وهو الهندسة العكسية وهي عملية يتم فيها تفكيك المسيرات وغيرها من الأجهزة لاستخراج معلومات تصميمها، ومن ثم يعاد إنتاجها، سواء بدراسة مسيرات أُرسلت إلى الحوثيين أو تلك التي استولوا عليها من المعارك السابقة، لتعزيز فهمهم وتكرار تكنولوجيا المسيرات.
إلى جانب ذلك، فإن القوات البحرية التابعة للحوثيين تمتلك أدوات جديدة، حيث عرضت قبل عامين فقط زوارق قتال من أنواع عاصف وملاح ومؤخرا نذير التي تمتلك القدرة على حمل أسلحة متوسطة وخفيفة ويمكنها إطلاق صواريخ كاتيوشا 107 ملم، التي إما تكون تدميرية وإما حارقة، ويمكن لبعضها حمل أنظمة دفاع جوي، وتُستخدم لضرب السفن والسيطرة عليها، إلى جانب ذلك يمتلك الحوثيون قوارب ذاتية القيادة لأغراض القتال والاستطلاع البحري.
أعلن الحوثيون كذلك عن امتلاكهم ألغاما بحرية من أنواع مسجور وثاقب وكرار ومجاهد وغيرها، وعلى اختلاف أنواعها فإن الألغام البحرية عبارة عن جهاز متفجر قائم بذاته يوضع في الماء لإتلاف أو تدمير السفن السطحية أو الغواصات، تُوضع الألغام على أعماق متنوعة في الماء، وتُفعَّل عند استشعار قدوم سفينة ما، ولكل نوع عمق محدد وآلية تفعيل.
وإلى جانب ما سبق، يمتلك الحوثيون صواريخ روبيج، وهو نظام روسي للدفاع الساحلي، يستخدم صواريخ كي إتش 35 يو آي المضادة للسفن، ويصل مداها إلى 260 كيلومترا، وتعمل بتقنية القشط البحري، أي إنها تسافر بالقرب من سطح الماء لتجنب الرادار، ويحمل الواحد منها رأسا حربيا شديد الانفجار يبلغ وزنه 145 كغم صُمِّم ليخترق الحواجز والمقصورات أفقيا قبل أن ينفجر داخل السفينة.
شمل عرض الحوثيين أيضا نسخا جديدة من الصواريخ الموجَّهة ضد السفن مثل تنكيل، إلى جانب أنواع أخرى مثل حاطم وفالق وصياد، وهي صواريخ مجنحة مجهزة بباحث راداري أو حراري، بمدى مجمل من 200-400 كيلومتر، وجميعها يشبه صواريخ إيرانية لها المواصفات نفسها، كذلك فإن العرض شمل صواريخ كروز للهجوم الأرضي من طراز قدس 4 التي يمكنها الاشتباك مع الأهداف البرية والبحرية، وتُعد جزءا من عائلة صواريخ كروز التي طورتها إيران بمدى يبلغ 800 كيلومتر.
المقلق بالنسبة لخبراء الحرب الغربيين في هذه الصواريخ أنها قادرة على التخفي والمناورة، لأنه يمكن التحكم بها في أثناء الرحلة، ولا يعني ذلك أنها ستضرب كل أهدافها بدقة، ولكنها ترفع احتمالات الإصابة بدرجة خطيرة، ولأن هذه الصواريخ مُطوَّرة محليا فإن فارق الخسارة سيكون لا شك لصالح الحوثيين، بمعنى أن نجاح عشرة صواريخ من عدة مئات سيحقق تكلفة أقل بكثير من تكلفة سفينة عسكرية إسرائيلية أو أميركية ضُربت لهذا السبب أو ذاك.
هذه هي المرة الأولى التي تمتلك فيها جماعة الحوثيين قدرات عسكرية بحرية، وبوجودها عند مضيق باب المندب فإنها تحقق ضغطا شديدا على الولايات المتحدة وإسرائيل بسبب تأثيرها الواضح على حركة التجارة العالمية.
ولا تقف قدرات الحوثيين عند هذا الحد، بل تطورت إلى ما هو أبعد من ذلك، فخلال وقت سابق من شهر نوفمبرتشرين الثاني 2023، أعلن الحوثيون عن تمكنهم من إسقاط مسيرة أميركية من طراز إم كيو 9 في المياه الإقليمية لليمن. وقال المتحدث العسكري باسم الحوثيين في بيان رسمي تمكنت دفاعاتنا الجوية من إسقاط طائرة أميركية أثناء قيامها بأعمال عدائية ورصد وتجسس في أجواء المياه الإقليمية اليمنية، وضمن الدعم العسكري الأميركي للكيان الإسرائيلي.
إم كيو 9 ريبر هي المسيرة الهجومية الأساسية للقوات الجوية الأميركية، نظرا لقدرتها على التحليق لوقت طويل نحو 27 ساعة وعلى ارتفاع أكبر من 15 كيلومترا، وامتلاكها لقدؤات واسعة النطاق، وهي قدرات تدفعنا لا شك إلى التساؤل عن كيفية نجاح الحوثيين في إسقاطها مع كل تلك التقنيات المتقدمة. بعد سيطرتهم على صنعاء عام 2014 تمكَّن الحوثيون من السيطرة على معظم ما تبقى من ترسانة الجيش اليمني من صواريخ الدفاع الجوي أرض-جو من طراز سام السوفيتية والرادارات المصاحبة لها، وهي صواريخ تُطلَق من الأرض لاعتراض طائرات أو صواريخ العدو وتدميرها.
ولكن تلك الترسانة واجهت عدة مشكلات كبيرة، الأولى كانت أن الكثير من قطعها تالفة أو على الأقل بحاجة إلى الإصلاح، والثانية كانت أنها عموما قديمة وبالتبعية ذات دقة ضعيفة في تحييد التهديدات الجوية.
لجأ الحوثيون إلى حل تلك المشكلات عبر عدة حيل، مثل تحويل صواريخ جو-جو روسية الصنع الباحثة عن الحرارة مثل إيه إيه-10 ألامو بي وإيه إيه-11 لتصبح صواريخ أرض جو. صاروخ إيه إيه-10 ألامو تحديدا كان الأكثر استخداما من قِبل الحوثيين، ومنذ عام 2017 مَثَّل خطورة حقيقية وكان السبب في عدد من الضربات القوية للأهداف الجوية، وهو نظام متقدم إلى حدٍّ كبير، مُخصَّص بالأساس للاستخدام على المقاتلات الروسية من الجيل الرابع مثل ميج-29 وسوخوي-35، لكنه مُصمَّم لضرب جميع أنواع الطائرات والمروحيات وصواريخ كروز وأنظمة الطائرات بدون طيار، ويمكنه الاشتباك مع الأهداف المحمولة جوا في أي ظروف جوية خلال النهار والليل.
هيكل الصاروخ أسطواني ويتمتع بأسطح متماثلة المحور تتحكم في ميل الصاروخ وانحرافه بما يعطيه سلاسة خلال الرحلة، مع رأس حربي وزنه 39 كغم يُشغَّل بالقرب من الهدف مع إمكانية التشغيل بالأشعة تحت الحمراء التي يصعب اكتشافها.
رغم ذلك، كانت مشكلات هذا الصاروخ أنه قصير المدى بحد أقصى 40 كيلومترا، لكنَّ الحوثيين استخدموه بذكاء، فبعد تحويله ليصبح سلاح أرض جو للدفاع الجوي، صنعوا منه كمائن متخفية في ثنيات الجبال وعلى أطرافها، ما مكَّنهم من اصطياد الطائرات والمسيرات وصواريخ كروز على مسافات قريبة نسبيا.
إلى جانب ذلك، أعلن الحوثيون قبل عدة سنوات عن تطويرهم لـبرق، وهو صاروخ دفاع متقدم يأتي في نسختين هما برق-1 وبرق-2، ويشبه نظام صواريخ أرض-جو صياد الإيراني، الذي يُعَدُّ في حد ذاته تطويرا لنظام إس-75 السوفيتي سالف الذكر، ولكنه أفضل في نطاقات عدة هي الدقة والمدى وقوة التدمير .
يمتلك برق-2 رأسا حربيا متشظيا بوزن 200 كيلوغرام، وهو نوع من الرؤوس الحربية المتفجرة المُصمَّمة لإنتاج وإطلاق الشظايا عند الانفجار، وبالتبعية لا يحتاج إلى الاصطدام مباشرة بالهدف الجوي ولكن يمكن فقط للشظايا الناتجة من الصاروخ أن تقوم بإسقاطه. وينطلق الصاروخ من منصة متحركة أو ثابتة يستغرق تحميلها نحو 5 دقائق، ويحلق بسرعة تصل إلى 3600 كيلومتر في الساعة، ويصل مداه إلى مئة كيلومتر.
يعمل الصاروخ عن طريق الأشعة تحت الحمراء والرادار النشط أو شبه النشط. في نظام الرادار النشط يقع جهاز إرسال الرادار على المنصة نفسها مع جهاز استقبال الرادار، يقوم نظام الرادار بإرسال إشارات التردد اللاسلكي نحو الهدف لتنعكس عنه ويستقبلها جهاز استقبال الرادار، ليعطي الإشارة تلقائيا إلى الصاروخ بالانطلاق.
الصواريخ الموجَّهة بالرادار النشط يُشار إليها باسم صواريخ أَطْلِقْ وانسَ، حيث يمكنها توجيه نفسها إلى الهدف باستخدام نظام الرادار الخاص بها بعد الإطلاق، ولا تحتاج إلى توجيه مستمر من منصة الإطلاق، على عكس الرادار شبه النشط الذي يعتمد على مصادر رادارية لتوجيهه ناحية الهدف.
إلى جانب ذلك، يُعتقد أن الحوثيين باتوا حاليا يمتلكون جهاز استقبال الرادار الافتراضي، الذي يتمكن من استقبال إشارات إيه دي إس-بي والأخير هو نظام مراقبة يُستخدم في التحكم في الحركة الجوية للطائرات وفك تشفيرها.
هذا النظام يسمح للطائرات ببث موقعها وسرعتها وارتفاعها وغيرها من المعلومات إلى مراقبي الحركة الجوية والطائرات الأخرى المحيطة في سياق القوة التي تقوم بالعملية الهجومية أو الاستخباراتية. يمكن لجهاز استقبال الرادار الافتراضي استخدام هوائي وجهاز استقبال راديو لالتقاط هذه الإشارات وإرسالها إلى جهاز حاسوب لمعالجة الإشارات وعرضها على الشاشة.
يعمل جهاز استقبال الرادار الافتراضي سلبيا، بمعنى أنه يتمكن من جمع المعلومات حول الطائرات وأنشطتها دون إصدار إشارات أو المشاركة في اتصال مباشر مع الطائرة، على عكس أنظمة الرادار النشطة التي ترسل الإشارات وتنتظر الانعكاسات، تعتمد الأنظمة السلبية على استقبال وتفسير الإشارات التي تصدرها الطائرات بشكل طبيعي أو عن غير قصد.
يعطي ذلك عملية الدفاع الجوي قدرا من التخفي، ويُمكِّن الحوثيين من رصد أهداف تقع في نطاق دائرة قُطرها 500 كيلومتر، وبالتبعية فإن تحديد موقع الهدف الجوي يُمكِّن الحوثيين من تنظيم هجمة بصواريخ الدفاع الجوي من فئة برق مثلا، هذا التكامل بين الصواريخ الأكثر تقدما ومنظومة جهاز استقبال الرادار الافتراضي هو مَن يعطي الجماعة هذا الحضور البارز في سماء اليمن ومحيطها.
بالنظر إلى ما هو متاح من القدرات العسكرية للحوثيين، فإننا نلاحظ أن تخطيطهم الإستراتيجي قائم على بناء حرب غير متكافئة مع الخصوم مثل إسرائيل أو الولايات المتحدة، حيث يجد الطرف الأضعف عسكريا وتقنيا وسائل يبحث من خلالها عن ميزة نسبية في المعركة، تحقق له قدرا من التوازن والردع، خاصة في حرب طويلة الأمد.
يظهر ذلك بوضوح في عدة عناصر، منها مثلا الاستثمار في السلاح البحري لضمان الضغط على حركة التجارة العالمية، في هذا السياق يمكن لقطع عسكرية رخيصة نسبيا أن تحقق ضغطا سياسيا ثمنه أكبر بفارق كبير، كما أن تركيز الحوثيين على رفع مدى صواريخهم ومسيراتهم مع الزمن يفتح الباب لأن تصل أيديهم إلى دائرة نصف قُطرها يطول إسرائيل، وبالتالي فإنهم يمثلون تهديدا مستمرا للإسرائيليين، ومن ثم يمكنهم بثقة الحديث عن عمليات نوعية من حين إلى آخر.
في هذا السياق أبدى الحوثيون درجة متقدمة في تكتيكات الحرب غير المتكافئة، حيث يمتلك برنامجهم للمسيرات والصواريخ سمة أساسية هي تنوع المنتجات الهجومية الجوية، حيث يميلون إلى التركيز على العمليات المشتركة، وربما استُخدم هذا التكتيك بالفعل في الضربة الأخيرة، حيث أفادت بعض المصادر أن القوات الأميركية أسقطت عدة مسيرات وصاروخا باليستيا قبل ضرب تل أبيب، وقد استُخدم من قبل أكثر من مرة، يظهر ذلك واضحا في طبيعة ما اعترضته القوات الأميركية من أسلحة حوثية من صواريخ بأنواع متعددة ومسيرات وصولا إلى 2024.
عمليات الأسلحة المشتركة هي أسلوب قتالي يسعى إلى دمج الأسلحة القتالية المختلفة لتحقيق تأثيرات تكاملية متبادلة، حيث تضرب الأسلحة المشتركة الخصم بعدة أذرع في وقت واحد، فمثلا يمكن استخدام الطائرات المسيرة لمهاجمة رادارات الدفاع الجوي في المراحل الأولى من هجوم كبير، هنا ستتحول قدرات الدفاع الجوي الأخرى لصد هجوم المسيرات، لكن تليها ضربات صاروخية باليستية وأخرى بصواريخ كروز، فلا تتمكن الدفاعات من صدّها جميعا، خاصة مع اختلاف تكتيكات عمل كلٍّ منها.
وعادة ما تعمل المسيرات نفسها في أسراب تكتيكية يمكن أن تشتت قدرات أنظمة الدفاع الجوي وتتجاوز حدود قدرتها على الصدّ، وتعطل الاتصالات والخدمات اللوجستية. وعلى سبيل المثال، ففي سيناريو الحرب، سيعمل فريق من المسيرات على تدمير أنظمة الدفاع الجوي وتمهيد الطريق لسلسلة من المسيرات الأخرى للتوغل في أراضي العدو، في حين تقوم فرقة ثالثة من المسيرات بالاستطلاع ودراسة الضربة. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/7/22/%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%ad%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ad%d9%85%d8%b1-%d9%8a%d8%b4%d8%aa%d8%b9%d9%84-%d9%85%d8%a7-%d9%82%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%88%d8%ab%d9%8a%d9%8a%d9%86 | 2024-07-22T10:13:07 | 2024-07-22T12:11:15 | أبعاد |
|
121 | سدود النهضة الهندية.. هل تشعل المياه حربا شرسة بين الهند وباكستان؟ | ترفض الهند الاعتراف بالمعاهدات التي تنظم توزيع المياه النابعة من أنهارهما المشتركة مع باكستان، وهو ما يهدد بإشعال صراع بين القوتين النوويتين قد يمتد شرره إلى المنطقة بأسرها. فما القصة؟ | لا يمكن للدم والماء أن يتدفقا معا.
رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي.
بعد أشهر قليلة من نهاية الحرب العالمية الثانية، جلس المحامي البريطاني سيريل رادكليف في مكتبه مستعدا لمباشرة مهامه من جديد في النيابة العامة ببريطانيا، بعد أن انتهى من خدمة بلاده في الحرب العالمية مديرا لإدارة المعلومات. لم يكن الرجل قد سافر في حياته قط إلى أي مكان شرقَ العاصمة الفرنسية باريس كما عُرف عنه فيما بعد، ولكن في عُجالة كما بدا، قررت لندن عام 1947 إيفاده إلى الشرق البعيد، حيث كانت توجد مستعمرتها الأكبر والتي أوشكت على نيل استقلالها حينئذ الهند. بيد أن خبر الاستقلال حمل في باطنه نبأ التقسيم الدامي إلى بلديْن هما الهند وباكستان.
عُهِد إلى المحامي البريطاني بإدارة اللجنة المختصة برسم الحدود بين جمهوريتيْ الهند وباكستان إبَّان استقلالهما، ومُنِح الرجل مهلة مدتها حوالي سبعة أسابيع فحسب. لم يعرف الرجل شيئا عن الهند أو آسيا بأسرها، إلا أن تلك بالتحديد كانت حُجة البريطانيين لإرساله كما يفترض، إذ إنه لا يعلم أي شيء عن طرفيْ الصراع، ومن ثمَّ يُمكن له أن يكون محايدا بما يكفي، أو هكذا اعتقد البريطانيون. إذا كان محمد علي جناح هو المسؤول عن ولادة دولة باكستان، فإن سيريل رادكليف هو المسؤول عن الجغرافيا الغريبة التي حظيت بها، بتلك الكلمات وصف كارل شميدت، أستاذ التاريخ والسياسة بجامعة ساوث داكوتا بالولايات المتحدة، الحدود الحالية بين البلديْن في كتاب له عن تاريخ جنوب آسيا.
ولا يزال خط رادكليف كما يُعرف حتى يومنا هذا هو الفاصل بين الدولتيْن النوويتيْن، مُقسِّما، ليس شبه الجزيرة الهندية فقط، بل وولاية البَنْجاب التاريخية، أو ذات الأنهار الخمسة كما يبدو من اسمها لمن يعرف الهندية أو الفارسية بَنْج تعني خمسة وآب تعني مياه. من هُنا تتدفق المياه من الهند، صاحبة الموقع المُميَّز بوصفها دولة المنبع، نحو باكستان بوصفها دولة المَصَب، عبر أنهار جيلوم وتشيناب ورافي وبياس وسوتلِج، وكلها متفرِّعة عن نهر السِند الرئيسي الشهير.
والآن تمضي الهند مستغلة الوضع الراهن دافعة للأمام مصالحها السياسية، ورافضة الاعتراف بالمعاهدات التي تنظم توزيع المياه النابعة من أنهارهما المشتركة، وهو ما يهدد بإشعال صراع بين القوتين النوويتين قد يمتد شرره إلى المنطقة بأسرها. وفي هذا السياق، تظهر الصين بوصفها لاعبا رئيسيا في الصراع الهندي الباكستاني مُستغلة فتور العلاقات بين الهند وباكستان لترسيخ نفوذها وتأكيد وجودها في المنطقة، حيث تتزايد التوترات الحدودية بينها وبين الهند بالقرب من منابع الأنهار في جبال الهيمالايا، مما يعقد خريطة الصراع بين البلدين.
في خضم هذه التداعيات السياسية والاقتصادية، قد تجد أفغانستان نفسها مجبرة على الدخول في أتون هذا الصراع المائي بحثا عن تنمية منتظرة، وتخطو خطوات جادة في سبيلها تعويضا عن سنين الحرب مع أمريكا وحلف الناتو ومن قبلهما الاتحاد السوفيتي. وبينما تتقاطع أنهار السياسة والجغرافيا في تلك البُقعة من آسيا، جارية بكل سخاء فتروي أراضيها، وتغذي حضاراتها، إلا أنها في لحظة قد تتحوَّل إلى مياه جامحة تؤجج أخطر الصراعات في العالم.
يُعتبر نهر السند أحد المصادر الرئيسية للمياه في باكستان، إذ يُروى ما يصل إلى 65 من الأراضي الزراعية في باكستان بمياهه، وتساهم الأراضي الزراعية المروية من نهر السند بنحو 90 من إنتاج البلاد من الغذاء والألياف. ويدعم النهر الزراعة أيضا، التي تساهم بحوالي خُمس الناتج المحلي الإجمالي وتشمل أكثر من ثُلث القوى العاملة في البلاد، وهو ما يجعل مياه النهر عنصرا مؤثرا على حياة الناس في باكستان. وقد شيَّدت الهند أكثر من 50 سدا على نهر السند وروافده داخل حدودها منذ استقلال الدولتيْن.
وقد بدأت الصراعات على المياه والأنهار بين الهند وباكستان عقب تقسيم الهند عام 1947، حيث عملت بريطانيا على ترسيم الحدود في منطقة جبال الهمالايا بما يحقق مصالحها، وهي منطقة كان يتلاقى فيها نفوذ ثلاث دول كُبرى آنذاك هي بريطانيا عبر حضورها في الهند، والصين بعد أن أحكمت سيطرتها على ولاياتيْ التبت وتركستان الشرقية، والاتحاد السوفيتي بجمهوريات آسيا الوسطى التي انضوت تحت لوائه حتى عام 1991. وقد اعتمدت بريطانيا وقت استعمارها المباشر على استخدام الأنهار والجبال كمنطلقات رئيسية في ترسيم حدودها الاستعمارية. وكانت الخطوط التي رُسِمَت فوق مياه السند تعني أن الهند كسبت السيطرة على منابع الأنهار المتدفقة إلى باكستان.
وقد أدى تقسيم إقليم البنجاب إلى رسم حدود صلبة بين الدولتيْن، ثم وقعت الخلافات حول مياه النهر المتجهة إلى باكستان، ما تسبب في إيقاف تدفق المياه لباكستان وتعطيل شبكة قنوات الري فيها، ولذا اندلع نزاع سياسي بين الجارتيْن. وقد أكدت الهند حينها على أن باكستان لا يمكنها المطالبة بأي حقوق ملكية على مياه البنجاب الهندية، ولكن باكستان جادلت انطلاقا من مبدأ في قانون المياه الدولي بأن جميع البلدان التي تمر بها الأنهار لها حقوق متساوية في الحصول على حصة من المياه بما يتناسب مع المساحة والسكان والاستخدام الزراعي. ومن ثمَّ وقع الجانبان اتفاقية مؤقتة عام 1948 بحيث تكون مَرجِعا للنظر في مطالبهما فيما يتعلق بتقاسم المياه.
قاد البنك الدولي بعد ذلك وساطة بين الهند وباكستان ومفاوضات استمرت نحو 12 عاما، وهو ما ساهم في خفض التوترات حول الاستخدام الأمثل للمياه. وقد وقَّع الطرفان في الأخير معاهدة مياه السند عام 1960، التي نظَّمت آليات تقاسم الموارد المائية لنهر السند، وصارت المعاهدة منذئذ مرجعا رئيسا في فض النزاع بين البلدين. ونصَّت المعاهدة على تخصيص الأنهار الغربية السند الأساسي وجيلوم وتشيناب لباكستان والأنهار الشرقية رافي وبياس وسوتلِج للهند. وسمحت المعاهدة للهند باستخدام مياه النهر الغربية بشكل محدود في الري، مع الاستخدام غير المحدود في توليد الطاقة والملاحة. وقد وفر هذا التخصيص إطارا لتطوير الري والطاقة الكهرومائية بين البلدين لأكثر من نصف قرن.
غير أن ارتفاع الاحتياجات الاقتصادية والشعبية في الهند دفعها إلى التوسع في بناء مشاريع الري والطاقة لتلبية احتياجاتها مع مرور الوقت، بالتزامن مع ما تواجهه باكستان من تحديات لأجل توفير مياه شرب نظيفة تتناسب مع ارتفاع التعداد السكاني، حيث يحصل نحو 36 فقط من إجمالي سكان باكستان على مياه صالحة للشرب والاستخدام. ويظهر في الرسم التالي كيف تراجعت حصة الفرد السنوية من المياه تدريجيا طيلة نصف القرن العشرين في باكستان مع تنامي التعداد السكاني، إذ أن البلاد دخلت منطقة الخطر في الثمانينيات، ثم انتقلت إلى ما دون خط الأمن المائي أقل من 1000 متر مكعب للشخص سنويا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
يتمحور الخلاف بين الهند وباكستان، أولا، حول تبني صناع القرار في الهند تأويلات مختلفة لمعاهدة السند تجعل من التزام الهند بالمعاهدة موضع خلاف، فيما تتهم باكستان الهند بانتهاك المعاهدة ببناء السدود وتحويل مجرى الأنهار. وثانيا، يتعلق الخلاف بتقاسم مياه الأنهار، حيث تنبع العديد من الأنهار الرئيسية من جبال الهيمالايا داخل حدود الهند، ثم تتدفق عبر ولاية كشمير وإلى المصب في باكستان، ومع رغبة الهند في حجز المياه لتنفيذ مشاريع ري للتوسُّع في الإنتاج الزراعي، فإنها تطالب بتعديل المعاهدة لبناء سدود أكثر تحجز بها المياه. ولكن في الغالب لا تؤدي مشروعات السدود المنتجة للطاقة الكهرومائية إلى حجز كميات كبيرة في المياه، إلا إذا كان السد يهدف لإنتاج الطاقة والري معا.
يعد سد كيشَنغانغا Kishenganga أحد أكثر السدود والمشاريع المائية التي تسببت في تصاعد التوتر بين الهند وباكستان. وقد بدأت الهند بناء السد عام 2007، وترى باكستان أن المشروع ينتهك معاهدة مياه السند، ما دفعها إلى تصعيد المسألة إلى التحكيم الدولي في لاهاي عام 2010، والتي أوقفت المشروع لمدة ثلاث سنوات. ثم قضت المحكمة عام 2013 بأن مشروع كيشَنغانغا يتماشى مع معاهدة مياه السند، وأن الهند مُلزمة ببناء وتشغيل السد مع الحفاظ على تدفق مياه النهر. وتقول باكستان إن السد قلَّل من تدفق المياه في اتجاه مجرى النهر بنسبة 27 من التدفق الطبيعي.
منذ صعود رئيس الوزراء الهندي نارِندرا مودي إلى السلطة في مايوأيار 2014 على رأس حزب بهارَتيا جَنَتا Bharatiya Janata القومي الهندوسي، شهدت العلاقات الهندية الباكستانية شد وجذب وتطورات سلبية حادة. ففي أغسطسآب 2014، ألغيت محادثات وزيريْ الخارجية بين البلدين ردا على تنظيم اجتماع بين المفوض السامي الباكستاني والانفصاليين الكشميريين في كشمير الهندية. ولكن المحادثات تواصلت في يوليوتموز 2015 بعدما توصل مودي ونظيره الباكستاني حينها نوَّاز شريف إلى اتفاق بشأن استئناف عملية الحوار. وفي نوفمبرتشرين الثاني من العام نفسه، التقى مودي وشريف على هامش مؤتمر باريس لتغير المناخ، وأكَّدا التزامهما بعملية الحوار.
لكن التوتر عاد من جديد حين تأجلت محادثات وزيري الخارجية مطلع العام التالي بسبب هجوم على قاعدة عسكرية هندية في مدينة أوري من قبل جماعات متمردة تنادي بانفصال كشمير عن الهند. ومن ثمَّ علقت باكستان حوار السلام مع الهند في أبريلنيسان 2016 بعد اعتقالها ضابط بحرية هندي اتهمته بالتجسس، وهو ما انعكس سلبا بإعلان فشل المحادثات بين الهند وباكستان في صيف ذلك العام حول التصميمات الهندسية لمشروعي راتل وكيشَنغانغا. وقد صرَّح بعدها رئيس الوزراء الهندي مودي بأن الهند ستمنع كل قطرة من نهري سوتلِج وبياس من التدفق إلى باكستان.
وقد تمَّ بناء مشروع كيشَنغانغا للطاقة الكهرومائية في ولاية جامو وكشمير الهندية عام 2018 بقدرة 330 ميجاوات، ويعمل على تحويل المياه من نهر كيشَنغانغا إلى محطة كهرباء في حوض نهر جيلوم، أما مشروع راتل فسعته 850 ميجاوات، وقد يؤدي إلى انخفاض كمية المياه المتدفقة عبر نهر تشيناب بنسبة 40، ومن ثمَّ يؤثر سلبا على الزراعة في منطقة وسط البنجاب بباكستان.
تعد باكستان واحدة من أكثر البلدان التي تعاني من الإجهاد المائي في العالم. ويشير أحد التقديرات الأخيرة إلى أن باكستان ستواجه نقصا قدره 31 مليون قدم من المياه بحلول عام 2025. كما أن طبقات المياه الجوفية لديها مستنزفة بشكل خطير بسبب الإفراط في استخراج المياه الأرضية، إضافة إلى ذلك شهد أكبر سدين في البلاد انخفاضا في سعتهما التخزينية بسبب رواسب الطمي المفرطة.
وتصف باكستان مشروعات السدود الهندية بأنها تنتهك حقوق المياه خاصتها. ومن زاوية أخرى لا يمكن فصل ما يحدث من هجمات تتعرض لها القوات الهندية المنتشرة في كشمير من جماعات مسلحة تنادي باستقلال كشمير عن الهند، حيث تساهم تلك المشروعات في تأجيج غضب السكان المحليين لما لها من تأثيرات مباشرة عليهم نتيجة تغيُّر مجرى الأنهار وإقامة المشروعات على أراضيهم. وقد أرسلت الهند في ينايركانون الثاني 2023 إشعارا إلى باكستان تطالب فيه بتعديل معاهدة مياه السند، حيث تضغط حكومة الهند بقيادة مودي من أجل إعادة التفاوض على المعاهدة، بخلاف العديد من الدعوات الهندية التي تطالب الحكومة بالانسحاب من المعاهدة. هذا ورفضت باكستان المشاركة في تعديل المعاهدة ولذا رفعت قضية دولية في نهاية المطاف.
لا ينفصل الصراع حول أنهار البنجاب عن المحيط الإقليمي الأوسع في جنوب آسيا، وبخاصة الصين وأفغانستان. ورُغم سعي الهند للتحايل على المعاهدة، فإن أي خرق صريح لها أو الانسحاب منها قد يُشرعِن من جهة أخرى تحركات الصين في بناء سدود على الأنهار التي تصب في الهند، وهنا ستجد الهند نفسها في مأزق من صنعها في المقام الأول. على سبيل المثال، ينبع نهر براهمابوترا من هضبة التِبِت في جنوب غرب الصين، ويتدفق النهر لمسافة 2900 كيلومتر عبر الهضبة ثم جبال الهيمالايا، حتى يصل الهند في الأخير.
وحتى ندرك حجم التغييرات الجيوسياسية وسرعتها في ملف المياه على مستوى الإقليم، يمكن الوقوف عند أول مشروع للصين على نهر براهمابوترا، الذي كان عبارة عن محطة للطاقة الكهرومائية تم بناؤها عام 1998. وقد عملت الصين بعدها على بناء سلسلة من السدود على النهر بلغ عددها نحو 18 سدا على روافده الرئيسية، وأهمها سد جريت بِند Great Bend Dam الذي يحول مياه النهر عبر نفق يبلغ ارتفاعه حوالي كيلومتريْن، مما يولد ضِعف قوة سد المضائق الثلاثة الشهير في الصين. ورغم أن البنية التحتية الصينية ليست مصممة بالأساس لسحب المياه من النهر، فإنها تستطيع التأثير في توقيت التدفقات بشكل يفاقم مخاطر الفيضانات. وقد دفع هذا الوضع بوزارة الموارد المائية الهندية إلى الإعلان عن مشروع للطاقة الكهرومائية بقدرة 10 جيجاوات على نهر براهمابوترا، وهو مشروع يهدف إلى التخفيف من التأثير السلبي لمشاريع السدود الصينية، حيث أن تصميم السد قادر على إنشاء سعة تخزينية في حال تسببت السدود الصينية بفيضانات.
من جهة أخرى يتدفق نهر كابول وروافده من أفغانستان إلى باكستان. وينبع نهر كابول من منطقة جبال الهِندوكوش، ويستقبل تدفقات كبيرة من نهر كونار والعديد من الأنهار الصغيرة، ويتدفق شرقا عبر كابول وجلال آباد قبل دخوله إلى باكستان. وفي باكستان، يلتقي نهر كابول بنهر سوات وروافده قبل أن يصب في نهر السند. ويساهم نهر كابول بربع المياه العذبة في أفغانستان. والأهم من ذلك أن خمسة ملايين من سكان كابول وجلال آباد يعتمدون عليه في تلبية احتياجاتهم من المياه.
وتعاني أفغانستان من نقص حاد في الكهرباء، إذ أن 28 فقط من الأسر الأفغانية متصلة بأنظمة إمدادات الطاقة. وتنتج السدود التي بنيت بين عاميْ 1950-1970 وأعيد تأهيلها مؤخرا أقل من 300 ميجاوات من الكهرباء. ولذا تستورد أفغانستان 80 من احتياجاتها من الكهرباء من جيرانها في آسيا الوسطى. وقد أكملت كابول دراسات جدوى لأكثر من 20 مشروعا صغيرا ومتوسطا للطاقة الكهرومائية، بما في ذلك عشرات السدود في حوض كابول، لكنها لم تتمكن من تأمين الأموال اللازمة لبنائها لعدم قدرتها على سدادها. وقد أثارت المشروعات الهندية التي اعتزمت الهند بناؤها في أفغانستان أثناء حكومة أشرف غني مخاوف باكستان من تأثيراتها على انخفاض كمية المياه القادمة من كابول.
إن تنامي احتياجات أفغانستان ودخولها في مرحلة من الاستقرار السياسي والأمني على يد حكومة طالبان ينذر ببوادر أزمة لباكستان، ففي حال توافرت الموارد المالية اللازمة لتنفيذ المشروعات قد تعمل حكومة طالبان على تنفيذها على مجرى وبحيرات الأنهار، سواء بتمويل ذاتي أو بتعاون مع الصين. وهو نهج قد تتشجع له الصين لسببيْن، الأول توسيع نفوذها في أفغانستان، والثاني فرض سياساتها الإقليمية ومشروعاتها على الأنهار التي تصب في الهند، غريمها الآسيوي الأبرز. ولذا يُرجَّح أن تعمل الصين على مشروعات تنموية مشتركة بين أفغانستان وباكستان والتأسيس لمعاهدات بين البلدين بتمويل منها، وهي كلها مؤشرات تجعل انسحاب الهند من معاهدة مياه السند تأسيسا لمرحلة جديدة إقليميا تفتح باب الصراع بين قوى المنطقة.
لطالما بدأت معظم النزاعات المائية بين دول المنبع ودول المصب من طرف دولة المصب بعد أن تبني دول المنبع سدّا أو تنفذ مشاريع تؤثر على إمدادات المياه في دولة المصب. ويمكن للسدود أن تحدث تحولا جذريا في النظم البيئية للأنهار بتغيير تدفق المياه والرواسب في اتجاه مجرى النهر، أو محاصرة الرواسب التي تتدفق في اتجاه مجرى النهر، أو تعطيل التدفق الطبيعي للأنهار بالكُلية، وهو ما ينعكس على تقلبات درجات الحرارة، وبالتبعية على النظم البيئية المائية.
ينقسم التصنيف الأكثر شيوعا للخصائص التشغيلية والوظيفية للسدود إلى نوعين، الأول يهدف للتخزين وحجب المياه والتحكُّم في معدل إطلاق المياه من خزان السد، وهو النوع المناسب لدول المصب. أما الثاني فهدفه الرئيس توليد الكهرباء بحجز أقل قدر من المياه دون تخزين كميات كبيرة وراء السد، وهو النوع المناسب لدول المنبع. وتبرز الخلافات بين دول المصب والمنبع عندما تعمل دول المنبع على بناء سدود بهدف حجز كميات كبيرة من المياه، ما ينعكس على دول المصب بدرجة كبيرة ويؤثر عليها، لا سيَّما إذا كانت تعتمد على الزراعة ولا توجد لها موارد مائية أخرى. ولذلك يكون محور الخلاف تصميمات سدود المنبع ونوع الوظيفة التشغيلية المطلوبة منه، وهل صُمِّم لإنتاج الكهرباء فحسب أم من أجل مشاريع الري أم الاثنين معا.
علاوة على ذلك، قد يؤدي انهيار السدود أو حدوث زلازل أو تغيُّر مسار الأنهار إلى وقوع دمار كبير للقرى والمدن، ففي عام 1975 انهار سد بانتشياو في الصين مما أدى إلى مقتل أكثر من 26 ألف شخص وتدمير واسع النطاق للبنية التحتية والقرى المجاورة. وفي فبرايرشباط 2021 وقع انهيار لسد تيستا-3، الأكبر في ولاية سيكيم في الهند، نتيجة فيضان بحيرة جليدية في أعالي الجبال، مُتسببا في مقتل العشرات مع دمار واسع في وادي لاتشِن. وقد تكرَّر الأمر في أكتوبرتشرين الأول 2023 بعد فيضان جديد لبحيرة جليدية تسبب في تشقق السد الأكبر في ولاية سيكيم، وأفضى ذلك إلى قتل أكثر من 30 شخصا وتسبب في تدمير بعض القرى. وسلَّطت تلك الأحداث الضوء على مسألة تصميمات السدود الهندية وغياب أنظمة الإنذار المبكر فيها، رغم الخطر المعروف لفيضان الأنهار الجليدية في محيط جبال الهيمالايا.
وقد خلصت دراسة اعتمدت على بيانات أكثر من ألفيْ بحيرة جليدية في جبال الهيمالايا إلى أن هناك فجوة معرفية ومعلوماتية عن البحيرات تُصعِّب وضع تقييم سليم بترجيح البحيرات التي تمثل كارثة في المستقبل القريب، وهو ما يعطي مؤشرا خطيرا على أن السدود التي تعمل الهند على بنائها معرضة للانهيارات لعدم كفاية البيانات والدراسات حول تأثير الفيضانات عليها.
في يوم 18 سبتمبرأيلول عام 2016 استهدفت جماعة مسلحة قاعدةً عسكرية هندية في مدينة أوري الواقعة بولاية جامو وكشمير الهندية، ما تسبب في مقتل عدد من الجنود. وقد صرح بعدها رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي قائلا لا يمكن للدم والماء أن يتدفقا معا. ولم يكن هذا التصريح الوحيد، ففي أعقاب هجوم بعربية انتحارية يوم 14 فبرايرشباط 2019 على رتل عسكري بطريق جامو سريناغار الوطني السريع في كشمير، صرح وزير الطرق والموارد المائية الهندي بأن بلاده ستعمل على وقف المياه إلى باكستان.
تؤكد تلك التصريحات المتكررة على تزايد استخدام المياه سلاحا جيوسياسيا من قبل الهند. ورغم الضرر الذي قد تسببه السدود في قطع سريان الأنهار، فإن الضرر الأكبر يكمن في فتح بوابات السدود عن عمد والتسبب في فيضانات كبيرة لا يمكن وقفها والتحكم في استيعابها، وهو ما يتطلب بنية تحتية قوية ومكلفة قادرة على امتصاص الفيضانات. ولذلك يشغل المنظور الأمني للتهديدات المتوقعة من السدود اهتمام صناع القرار داخل الجيش الباكستاني، حيث يمكن استخدام السدود سلاحا في أي حرب مستقبلية عن طريق التحكم في تدفق المياه لإحداث فيضانات، أو تعطيل إمدادات المياه والطاقة، أو التسبب في أضرار واسعة النطاق.
يُعرف ذلك باسم الحرب الهيدروليكية، ويُمارس منذ قرون في واقع الأمر إن لم يكن لفترة أطول. وقد اُستخدم هذا السلاح أثناء الحرب العالمية الثانية من قبل البريطانيين، حيث تسببت غاراتهم الجوية عام 1942 بتدمير 3 سدود في وادي الرور بألمانيا وأدى إلى قتل نحو 1300 شخص بسبب الفيضانات، دون أن تلحق ضرر جسيما بالجيش الألماني. ومع ذلك، فإن الاستخدام الأوسع نطاقا والأكثر تدميرا للمياه في التاريخ الحديث حدث في الصين عام 1938، حين استهدفت القوات القومية الصينية عمدا سدود النهر الأصفر من أجل وقف تقدم الجيش الياباني. ووفقا لبعض الروايات، نجحت المهمة حينها، ولكن على حساب مقتل 800 إلى 900 ألف مدني. ومؤخرا تم تدمير سد كاخوفكا في جنوب أوكرانيا بعد انفجار تسبب في فيضانات كبيرة مع نزوح الآلاف.
إن تنامي الصراعات بين الهند وباكستان ينذر بدخولهما إلى حرب شاملة حول مياه إقليم البنجاب الخصب المنقسم بينهما منذ أكثر من سبعين عاما، مدفوعا بعدد من العوامل الاقتصادية والأيديولوجية والإثنية، إذ إن تنامي احتياجات باكستان للمياه قد يدفعها لخوض نزاع مع الهند لوقف مشروعاتها على منابع الأنهار، كما أن تهديد الهند باستخدام السدود في صراع مع باكستان يجعلها قادرة على تحجيم خطوات الأخيرة وخياراتها. مثلها مثل جيرانها في الشرق الأوسط إذن، لا تزال الخطوط التي رسمها البريطانيون تُلقي بظلالها على الصراعات الكُبرى في جنوب آسيا، ولا تزال المآلات الاقتصادية والاجتماعية والإستراتيجية لتلك الحدود ترسم مستقبل المنطقة، وستظل تحدد مصيرها لوقت طويل فيما يبدو. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/5/27/%d8%b3%d8%af%d9%88%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d8%b6%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%87%d9%86%d8%af%d9%8a%d8%a9-%d8%b5%d8%b1%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%87%d9%86%d8%af | 2024-05-27T07:12:06 | 2024-05-27T07:12:06 | أبعاد |
|
122 | جندي إسرائيلي سابق يتحدَّث الاعتماد على التكنولوجيا يُهدِّدنا | الجيش الأكثر تطوُّرا تكنولوجيًّا في تاريخ إسرائيل تكبَّد للتو الهزيمة الأسوأ في تاريخها، وهو ما يسلط الضوء على مخاطر الاعتماد الكامل على التكنولوجيا في الفضاء العسكري. | أعلنت هيئة البث الإسرائيلية يوم الخميس 31 أكتوبرتشرين الأول نشر جنود في نقاط مراقبة على امتداد الحدود مع لبنان لرصد المسيّرات والتحذير منها، بينما يستمر تسلل المسيرات إلى إسرائيل. وأكدت هيئة البث أن المسيّرات تشكل تحديا كبيرا أمام سلاح الجو لصعوبة رصدها، وهو ما استدعى نشر جنود على الحدود الشمالية. ما حدث يثير الانتباه إلى مخاطر اعتماد إسرائيل الدائم على التكنولوجيا، والتي تدفعها للعودة إلى الجنود البشريين لتنفيذ عدد من المهام.
في الواقع، بَنَت دولة الاحتلال جزءا من أسطورة الجيش الذي لا يُقهَر على سُمعتها بوصفها دولة رائدة في شتى المجالات التكنولوجية. ولكن في هذا المقال المنشور بموقع ذي أتلانتيك الأميركي، يُعرب ماتي فريدمان، الصحافي الإسرائيلي والجندي السابق بجيش الاحتلال، عن قلقه من اعتماد دولته المُفرط على التكنولوجيا، ويرى في ذلك سببا من أسباب الإخفاق العسكري والاستخباراتي يوم السابع من أكتوبرتشرين الأول الماضي. وقد وُلِد ماتي لأسرة كندية يهودية قبل أن يهاجر إلى إسرائيل عام 1995، وخدم في جيش الاحتلال بجنوب لبنان في نهاية التسعينيات قبل الانسحاب الإسرائيلي عام 2000.
لم يمضِ وقت طويل على انطلاق أول صفارة إنذار صبيحة السابع من أكتوبرتشرين الأول، حتى خرج بِن، أخو زوجتي، من منزله في وسط إسرائيل. في ذلك الوقت، كان الآلاف من مقاتلي حركة حماس يتدفقون عبر السياج مع غزة، على بُعد ساعة تقريبا بالسيارة من بِن، حيث تجاوزوا بنجاح دفاعاتنا العسكرية، وقتلوا المئات. لم يكن أحد على عِلم بتفاصيل ما جرى بَعْد، وكل ما عرفناه هو أن شيئا شديد السوء يجري هناك، وأن الجيش الإسرائيلي أُخِذ على حين غِرَّة. لم ينسَ جاري ولم أنسَ أنا ردة فعلنا حين علمنا بالحكاية. إننا نمتلك كاميرات بدلا من العيون، هكذا قال الرجل.
على الأرجح أن شهورا وسنوات ستمُر قبل أن يُدرك المجتمع الإسرائيلي بالكامل أسباب هزيمة السابع من أكتوبرتشرين الأول. لقد فشلنا في فهم نِيَّات حماس وحدود قوتها، وقُلنا لأنفسنا كل مرة إن كل جولة من القتال معها كانت الأخيرة، ومن ثمَّ بإمكاننا أن نرعى أُسَرَنا ونرقص في الاحتفالات على مرمى البصر من الحدود مع ذلك العدو الذي نراه متطرفا. وبجانب ما أخفقنا في تخيُّلِه، فإن أي كشف حساب أمين يحتاج إلى النظر في نقطة لطالما اعتبرناها مصدر فخر إسرائيلي قصة حُبِّنا مع التكنولوجيا.
في عام 1998، حين كنت أبلغ من العمر 20 عاما، خدمت في نقطة تمركز مع وحدة مُشاة بجنوب لبنان، في رُكن من أركان الحرب الصغيرة بين إسرائيل وحزب الله. لم تختلف الحياة في تلك النقطة عن حياة جندي خَدَم في الحرب العالمية الأولى، مع استثناءات بسيطة. لقد كانت أسلحتنا في الأغلب بنادق ورشاشات آلية، لا سيَّما خراطيش براونينغ نصف بوصة 0.5 BMG، التي استُخدِمَت لأول مرة عام 1918. عند طلوع الفجر كل يوم، استيقظنا ونظرنا من خندقنا، ونصبنا الكمائن. لم نكن نعلم حينها أي شيء عن الخوارزميات أو الطائرات المُسيَّرة، وعلى الأرجح أن أكثر التقنيات تطوُّرا في نقطتنا كان جهاز الفيديو الذي عرض لنا فيلم ستارشيب تروبرز Starship Troopers حتى توقَّف الشريط. لقد استطلعنا في الحقيقة بأعيننا عبر فتحة ضيقة في الحاجز الخراساني للنقطة العسكرية، ولا أتذكَّر أنني رأيت جهاز حاسوب آنذاك.
بعد عشر سنوات، عام 2008، أرسل الجيش بعضا منا في مهمة على الحدود مع قطاع غزة. زُرت حينها غرفة التحكُّم حيث جلست شابات في زي عسكري وقد أخذن يُحرِّكن مقابض تحكُّم ويشاهدن شاشات تعرِض لهُن صور الشريط الحدودي بالكامل. كانت هناك رشاشات آلية بطول السياج الحدودي يُمكن التحكُّم فيها عن بُعد، وحلّقت فوق رؤوسنا طائرات مُسيَّرة. بدا لي حينها وكأن جيشنا جيش آخر.
في ذلك الوقت، لم يكُن مشهد الشركات الناشئة الإسرائيلية في طور الازدهار فحسب، بل وصار محوريا لصورة إسرائيل عالميا، مثلما جاء في كتاب أمة الشركات الناشئة Start-Up Nation الشهير المنشور عام 2009، وأحد أكثر الكُتب مبيعا، من تأليف ساؤول سينغر ودان سِنور، اللذيْن صكَّا هذا اللقب لإسرائيل. وفقا لما جاء في الكتاب، استطاع رُوَّاد الأعمال الإسرائيليون أن يستفيدوا من عداوات دولتهم في الشرق الأوسط، ودشَّنوا البيئة المثالية للإبداع. لقد انتقل المحاربون القدامى من الوحدات التقنية بالجيش وشكَّلوا نواة الشركات الناشئة المدنية على مر السنوات، وصنعوا في غضون ذلك ثقافة غير رسمية لا تعترف بالفشل.
استهل الكتاب سرد حكاية أمة الشركات الناشئة بحكاية رائد شركة السيارات الكهربائية بِتر بليس Better Place، وهو المدير التنفيذي صاحب الكاريزما شاي أغاسي تحدَّث أغاسي وقد عَلَت وجهه ابتسامة شريرة قائلا إن أعداء إسرائيل بعزلهم إيَّاها خلقوا في الحقيقة المعمل المثالي لاختبار الأفكار. لقد استخدمت شركة بِتِر بلَيس الخُطافات نفسها المستخدمة في تثبيت قنابل الـ 225 كيلوغراما على طائرات قاذفات القنابل لدى القوات الجوية، وذلك من أجل استبدال البطاريات في السيارات الكهربائية، على حد وصف الكتاب. تجدر الإشارة إلى أن الشركة أفلست عام 2013.
ولكن حتى قبل أن يدخل لقب أمة الشركات الناشئة إلى قاموسنا، كان تبنِّي الجيش الإسرائيلي للتكنولوجيا قد بدأ يدُق جرس الإنذار عند بعض الخبراء العسكريين. لقد قال هؤلاء إن أداء إسرائيل المرتبك عام 2006 في حرب يوليوتموز مع حزب الله اللبناني يُعزَى إلى الطريقة التي بدأ بها القادة يقاتلون في أرض المعركة بالتحكُّم عن بُعد، مُهمِلين التقليد الإسرائيلي الحازم في قيادة زمام العمليات من المقدمة. إذا كانت العقيدة القديمة تُلخِّصها المقولة العبرية أهاراي اتبعني، فإن العقيدة الجديدة سُمِّيت سُخرية بـبلازموت، في إشارة إلى شاشات البلازما الجديدة داخل غُرف التحكُّم، حيث جلس القادة يُباشرون الحرب من غرف مريحة ومُكيَّفة. بيد أن العقيدة الجديدة كانت في طور التطبيق بالفعل، وهو ما رأيته بنفسي على الحدود مع غزة.
إن إسرائيل دولة صغيرة ومنسوجة بإحكام، وهي تخشى الحروب الطويلة والأرقام المرتفعة للضحايا. لقد قال لي عاموس هرئيل، المحلل العسكري المتقاعد لصحيفة هآرِتس، إن التكنولوجيا بدت وكأنها تمنحنا الحل. إننا نملك تلك الفكرة الدائمة عن العقل اليهودي وكيف يمكن أن يصل إلى اختراع عبقري لحل مشكلاتنا العسكرية. أود أن أقول إنني شعرت بعدم الارتياح حيال ذلك الاتجاه الجديد، وإن كان يُسعدني أي شيء يجعل جنودنا على الأرض بمأمن أكبر.
على مدار السنوات القليلة التالية، شملت ترسانة التكنولوجيا القبة الحديدية، تلك المنظومة المميزة التي اعترضت آلاف الصواريخ من غزة ولبنان، ثم حاجزا تحت الأرض للحيلولة دون قيام حماس بحفر الأنفاق من أسفل السياج الحدودي، وهو سياج مُدجَّج الآن بالمزيد من أجهزة الاستشعار والكاميرات. إن أحد المبادئ التي أتذكر أنني تعلَّمتها في الجيش كوني جنديا بسيطا في أسفل هرم القيادة هي أن خط التماس دائما ما سيُختَرَق، أي إن خطوط الدفاع لا تدوم للأبد، ومن ثمَّ عليك أن تبني خططك وفقا لتلك الحقيقة. ولكننا قررنا أن التكنولوجيا تجُبُّ ما عرفناه من حقائق على الأرض.
لقد وثقت إسرائيل بسياج غزة ونطاق الإشارات الاستخباراتية، التي بدا وأنها قادرة على فعل أي شيء اللهم إلا قراءة العقول، وقد بلغت الثقة حدَّ قيام الشرطة الإسرائيلية بمنح تصاريح لحفل رقص يحضره الآلاف على بُعد خمسة كيلومترات من السياج يوم السابع من أكتوبرتشرين الأول. وقد قيل لفرق الأمن عند إحدى المستوطنات الحدودية ألا يحتفظوا بالبنادق في منازلهم، بل أن يبقوها داخل مخزن للأسلحة، لأن الجيش كان متوجسا من سرقة الأسلحة، أكثر من خوفه أن يُشَن هجوم من غزة. تجدر الإشارة إلى أن أكثر من 350 شخصا قُتلوا في الحفل المذكور، وأن عددا من رجال الأمن بالمستوطنة لم يملكوا الوقت الكافي للوصول إلى أسلحتهم.
في تل أبيب، وبين جولات القتال مع حماس على مدار السنوات العشر الماضية، مضى اقتصاد التكنولوجيا الإسرائيلي في طريقه. وقد نظرنا إلى أعلى بينما طارت الصواريخ فوق رؤوسنا، وشكرنا الله على القبة الحديدية، ثم عُدنا إلى المزيد من البرمجة وكتابة الأكواد. باتت الأمهات يردن الآن من أبنائهن الذين انتهوا حديثا من دراستهم الثانوية أن يجدوا مكانا في الوحدة 8200، وحدة النخبة المُخصَّصة للتكنولوجيا والاستخبارات، وهي وحدة تضمن لمَن ارتادها وظيفة في قطاع التكنولوجيا.
لطالما تمتَّع الجنود المقاتلون بصفة لوهِم Lohem وتعني المقاتِل، وهي كلمة لها وزنها تمنحهم بعض التعويض المادي على ما لاقوه في خدمتهم العسكرية. ولكن بينما انتقل التقدير من وحدات القتال إلى عالم التكنولوجيا، فإن الجنود الذين يخدمون بوصفهم مُبرمجين وفنيي حاسوب، الذين نُظِر إليهم بازدراء في يوم من الأيام على أنهم مجرد فرسان مكاتب؛ صاروا اليوم لوهامي سايبر، أي مقاتلين سيبرانيين.
ترى إسرائيل في نفسها دولة صغيرة وذكية، وقد أحببنا فكرة الجيش الصغير والذكي تلك، حتى يصير لدى جيشنا تكنولوجيا أكثر ومتاعب أقل. ارتبط أفيف كوخافي، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي بين عامي 2019-2023، ارتباطا وثيقا بذلك المفهوم، ففي شهره الأخير في منصبه، ألقى الرجل خطابا غير موفَّق امتدح فيه نجاحات الجيش أثناء فترة خدمته، بما في ذلك قطاع غزة. لقد تمرَّس الجيش الإسرائيلي بشدة في مواجهة أعدائه، حتى إن حماس أمرت قوات النخبة الخاصة بها بأن تلزم بيوتها، على حد وصفه. وكانت قوات النخبة لدى حماس هي مَن قاد هجوم السابع من أكتوبرتشرين الأول بعد نحو عشرة أشهر.
لقد كانت الحدود مع غزة في أهدأ أحوالها منذ سنوات، إلى درجة أن أسعار العقارات في مستوطنات غلاف غزة أخذت ترتفع، وتحدَّث كوخافي عن تلك الظاهرة قائلا لا تحاولوا أن تجدوا شقة في غلاف غزة خلال السنوات الثلاث القادمة، لأنكم ببساطة لن تحصلوا على واحدة في إشارة إلى اشتداد الطلب عليها. سرعان ما ثبتت صحة توقُّع كوخافي، لكن لأسباب لم يتوقعها لقد ترك المستوطنون عقاراتهم بعد أن لقوا حتفهم على يد مقاتلي حماس واختُطف أُسر منهم المئات.
إن دعاية أمة الشركات الناشئة التي قام بها الجيش لم تمر على الإعلاميين الساخرين في إسرائيل مرور الكرام، بمَن فيهم كُتَّاب البرنامج التلفزيوني البلد البديع Eretz Nehederet. ففي عام 2018، حين أشعلت فرق غزاوية النار في الأراضي الزراعية الإسرائيلية باستخدام طائرات ورقية مُحترقة، عرض البرنامج مشهدا ساخرا يحُل فيه رجال التكنولوجيا ذوو الزي العسكري المشكلة باستخدام تكنولوجيا الناتو لتغليف كل حبة من محصول القمح بزي مضاد للحرائق. نعم، صحيح أن جوال الدقيق يُكلِّف الآن أربعة آلاف دولار ويُسبب بعض السرطانات، لكنني فخور بالقول إننا هزمنا تهديد الطائرات الورقية، هكذا قال الممثل الذي لعب دور الضابط في البرنامج الساخر. أتت انتقادات أقل كوميدية من داخل الجيش، حيث نُشرت ورقة عام 2017 في دورية التقييم الإستراتيجي، وقالت إن فن المناورة انحدر، وحلَّت محله إمكانيات الاستخبارات وإطلاق النيران المعتمدة على التكنولوجيا.
حدَّثني غابي سيبوني، عقيد احتياط شغل منصب مستشار الميزانية لوزارة الدفاع وأحد مؤلفي الورقة، عن رؤيته القادة العسكريين وهم يتبنُّون فكرة حلول التكنولوجيا محل العمل المأساوي والمُضني للمشاة والدبابات، وقال لي إذا ألقيت نظرة على طاقم القيادة في الجيش الإسرائيلي، فسترى كيف استعضنا عن مستوى صنع الإستراتيجية والتخطيط بمستوى التكنولوجيا والانصياع لنظام يعتقد أن كل مشكلة عملياتية لها حل تكنولوجي. وقد سألت سيبوني إن كان يعتقد بأن تصحيح المسار سيبدأ الآن، فردَّ قائلا إن كان ثمَّة تصحيح سيجري، على الأرجح سيكون لفترة قصيرة. إننا غربيون أكثر من اللازم، ونريد للأشياء أن تتم دون جَلَبة. نحن لم نفكر بطريقة تلائم المنطقة التي نعيش فيها.
بينما صعدت إسرائيل سُلَّم التكنولوجيا المتطورة، نزلت حماس إلى أدنى السُّلَّم. لقد خطَّط قادة حماس لهجوم السابع من أكتوبرتشرين الأول بملاحظات كتبوها على الأوراق بأيديهم، وحين حصلت الاستخبارات الإسرائيلية على خطط الهجوم بالفعل، وحاول أحد المحللين تحذير رؤسائه الصيف الماضي، قال القادة إن التهديد وهمي. في صبيحة يوم الهجوم، دمَّر مقاتلو حماس كاميرات المراقبة الحدودية باستخدام البنادق، وفجَّروا الأبراج ذات الرشاشات الآلية ذاتية التحكُّم بطائرات مُسيَّرة رخيصة. وفي مواجهة تلك التقنية المتواضعة، وقف الجيش الإسرائيلي عاجزا، فلم تكن لديه خطة لهجوم مفاجئ بهذا الحجم. إن الحاجز المُعقَّد الموجود تحت الأرض لم يساعدنا في شيء، لأن مقاتلي حماس حلَّقوا ببساطة فوقه، وتجاوزوا السياج في العشرات من النقاط بالجرَّافات وقاطعات الأسلاك، ثم شنوا هجومهم بالرصاص والسكاكين والمعاول.
إن إخفاق إسرائيل التكنولوجي المُميت جدير بأن يلقى الانتباه بينما تسير أميركا ومعظم دول العالم نحو ضباب عالم الاعتماد على الحاسوب والواقع الافتراضي والميتافِرس والذكاء الاصطناعي والعجز المتنامي عن تمييز الواقع عمَّا سواه.
في عام 2008، العام نفسه الذي أمضت فيه وحدتي بعض الوقت على حدود غزة، نشرت مجلة أتلانتيك على غلافها موضوعا من كتابة نيكولاس كار بعنوان هل يجعلنا غوغل أغبياء؟، وجاء فيه في يوم من الأيام، كنت غوَّاصا في بحر الكلمات، والآن أنا أتحرَّك على السطح وكأنني شاب على متن دراجة مائية. لقد بدأ يتضح لي منذ ذلك الوقت أن التكنولوجيا لن تخدم العقل البشري، بل ستُعيد نسجه من جديد، وكان هذا أمرا يجعل بعضنا غير مرتاح وبعضنا الآخر متحمسا. وكي يمنح المتحمسين صوتا في مقاله، نقل كار كلمات الرئيس السابق لشركة غوغل سيرجي برين، حين قال إذا ما باتت كل المعلومات الموجودة في العالم مُلصقة مباشرة بعقلك، أو امتلكت مخا صناعيا أذكى كثيرا من مخك؛ فإنك أفضل حالا لا شك.
إن الرؤية التكنولوجية بمنزلة تقدُّم لا ينتهي يصبح معه كل تحديث لبرنامج أفضل من سابقه، تاركا إيَّانا في وضع أفضل من ذي قبل. ولكن عملية السابع من أكتوبرتشرين الأول تشي لنا بالمستقبل الذي يُرجَّح أن نعيشه بالفعل جرَّاء ذلك. بينما تصبح الثقافات الغربية الثرية أكثر انفصالا عن الحقائق البسيطة لبقاء البشر، فإنها ستخضع لتهديد واضح من أولئك الأشد بأسا والأكثر نهما.
في منتصف نوفمبرتشرين الثاني الماضي، أجرى يوسِّي بشار، نائب قائد القيادة الجنوبية للجيش الإسرائيلي، حوارا عن أحداث السابع من أكتوبرتشرين الأول مع الإذاعة العامة الإسرائيلية. ينحدر بشار، البالغ من العمر 59 عاما، من مستوطنة بيري، التي قُتل فيها أكثر من مئة شخص، منهم والدته. أمضى بشار معظم يوم السابع من أكتوبرتشرين الأول يقاتل رجال حماس من الشرفة الأرضية المفتوحة لمنزل سيدة عجوز، ومنذ تلك اللحظة، وهو يدير الحرب داخل غزة، وهي حرب تشمل القوة الجوية والتكنولوجيا المتقدمة، لكنها تشمل أيضا المشاة والدبابات، والحاجة إلى الشجاعة التي أثبتت مجددا أنه لا غنى عنها.
إن الجيش الأكثر تطوُّرا تكنولوجيًّا في تاريخ إسرائيل قد تكبَّد للتو الهزيمة الأسوأ في تاريخ دولتنا. لقد أمكن لكتيبة إنذار مثل تلك التي استخدمتها قوات المشاة في الحرب العالمية الأولى، إن نقلناها من عام 1917 إلى حدود غزة عام 2023، أن تُجنِّبنا هجوم حماس. من الأفضل أن تقبع مرعوبا في خندق وأن تعلم يقينا أن هناك أحدا بانتظارك في الخارج، عن أن تنام لأنك تعتقد أن شخصا ما، أو شيئا ما، يعرف ما يدور بالنيابة عنك.
-
هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع أبعاد.
ترجمة ماجدة معروف. | https://www.aljazeera.net/politics/2023/12/18/%d8%ac%d9%86%d8%af%d9%8a-%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84%d9%8a-%d8%b3%d8%a7%d8%a8%d9%82-%d9%8a%d8%aa%d8%ad%d8%af%d9%8e%d9%91%d8%ab-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b9%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%af | 2023-12-18T10:40:57 | 2024-10-31T11:57:42 | أبعاد |
|
123 | أمراض نفسية نادرة وغامضة موجودة في بعض البُلدان فقط.. تعرّف عليها | سنأخذك في رحلة علمية تشرح كيف بدأ العلماء برصد وملاحظة الظواهر والاضطرابات النفسية الغريبة والنادرة التي تحدث لدى شعوب أكثر من غيرها وكيف حاولوا تفسيرها. | يبدأ أحدهم بالصراخ فجأةً والركض والتعرّي وتناول البراز والركض بعيدًا، ثمّ يفقد الوعي دون أن يتذكّر أنّه قد فعل شيئًا. تحدث هذه الأعراض لدى بعض الشعوب التي تعيش في الأقطاب المتجمّدة دونًا عن غيرها. أما لماذا، فسنستعرض في هذا المقال عدد من الاضطرابات النفسية الغريبة والنادرة التي تحدث لدى شعوب أكثر من غيرها، وقبل أن نأتي بالذكر على هذه المتلازمات، سنأخذك في رحلة علمية مبسَّطة تشرح كيف بدأ العلماء برصد وملاحظة هذه الظواهر الغريبة وكيف حاولوا تفسيرها.
في بدايات القرن العشرين، وبينما كان الاستعمار الغربي يبسط هيمنته على العالم، أخذ أطباء وباحثو الدول المستعمِرة بالانتشار في الدول المستعمَرة، حيث بدؤوا برصد حالات نفسية في ثقافات مختلفة لم يكونوا قد خبروها في مجتمعاتهم الغربية، وقد أطلقوا عليها في ذلك الوقت مصطلح ظاهرة غير مألوفة، في الوقت الذي كانت هذه الظواهر مألوفة للشعوب المستعمَرة بأسماء محلّية مثل كورو Koro وأموك Amok والتي سنتحدث عنها لاحقا بتفصيل أكبر.
أطلق الباحثون مصطلحات مختلفة لتوصيف هذه الحالات، فاستخدموا -في بادئ الأمر- مصطلح أمراض نفسية غير مألوفة في الخمسينيات، وفي مرحلة لاحقة في الثمانينات، اختاروا مصطلحا آخر، وهو متلازمات متعلقة بالثقافة. وقد عُرّفت هذه الظواهر بأنها حالات عقلية ونفسية تحدث وتتطور في ثقافة معينة، ما يعني أنه لمعرفة كيفية التعاطي مع هذه الحالات على الصعيد النفسي والطبي، فإنه يلزم فهم الثقافة الحاضنة لها والاستفادة من الخبرة الثقافية الخاصة في التعامل معها1.
وقد شكّلت هذه الأمراض نقطة فارقة في تاريخ الطب النفسي، إذ كانت سببا لنشوء حقل فرعي فيه دُعي بالطب النفسي الثقافي، ذلك أن الطب النفسي كان قد نشأ بوصفه مؤسسة وحقلا غربيا، وكان موضوعه الأساسي هو الإنسان الغربي واعتلالاته النفسية، بحيث بات كل ما هو خارج عن العالم الغربي مجرد فئات غير مألوفة أو أقليات، إلا أن هذه الحالات استطاعت أن تحرج النزعة المركزية الغربية في الطب النفسي عبر تسليطها الضوء على الثقافة ودورها في الاعتلال النفسي، وهذا هو بشكل أساسي ما يبحث فيه الطب النفسي الثقافي1. وسيأتي تاليا، 11 متلازمة نفسية ترتبط بثقافات معينة، وكيف تم التعبير عنها والتعامل معها أو تفسيرها.
يعود هذا المصطلح لما قبل القرن التاسع عشر، وقد تكرر استخدامه في عدة حقب تاريخية في الثقافة الملاوية التي تشمل كلا من ماليزيا وإندونيسيا، وكان يرتبط غالبا بثقافة الحرب والشرف والدفاع عن الأرض، أي أن هذه الظاهرة كان يُنظر إليها بشكل إيجابي2. ويمكن تلخيصها بأنها نوبة غضب وعنف حادة يقوم المصاب فيها، الذي غالبا ما يكون ذَكَرا، بقتل عدد من الأشخاص، وتُلحق بإنهاك جسدي وفقدان للذاكرة أو إقدام على الانتحار3.
كانت هذه الظاهرة موضع تقدير في الحالات التي تتصل بالحروب، إلا أنه في فترة الاستعمار الأوروبي للمنطقة تم تجريم هذه الحوادث ومعاقبة فاعليها، ولاحقا مع تقدم الطب النفسي اعتُبرت هذه الحالات جزءا من الجنون Psychosis، وبعض الحالات صُنّفت على أنها حالات فصام2 Schizophrenia. أما فيما يتصل بأصل الكلمة، فهناك عدة ترجيحات، إذ يرى البعض أنها من اللغة الملاوية وتعني المقاتل أو حالة الهيجان، أو من اللغة السنسكريتية وتعني الصلابة 23، وقد ذكرت إحدى الأوراق البحثية أن هذه الحالة كانت تُفسّر لدى الثقافة الملاوية بأن روح النمر تتلبّس الإنسان وتسيطر عليه4.
يرفض بعض الباحثين ربط هذا المصطلح بالشعوب الشرق آسيوية، ويروا أن حوادث القتل الجماعي في المجتمعات الغربية مشابهة لهذه الظاهرة، ويمكن تتبعها في ألمانيا وأمريكا وبلدان أخرى مثل اليابان 42. كما يعبّر المصطلح حاليا عن الأفعال العنيفة بشكل عام ولم يعد يتطلب وقوع حادثة قتل2.
تُعرف هذه الحالة في الثقافة الملاوية، أي في ماليزيا وإندونيسيا مرة أخرى، إلا أنها تحدث عادة لدى النساء، وقد رُبطت كذلك بعاملات المنازل3. وتعرف بأنها الإتيان بردة فعل مبالغة من الجفول والفزع من حدث ما أو محفّز مخيف، تُستتبع بسلوكيات غريبة كإصدار كلمات غير مفهومة أو تقليد للأصوات والحركات المحيطة3. وقد ذكرت إحدى الأوراق البحثية المنشورة عام 1980 أن هذه الحالة لم تعد تظهر، وبقي تشخيصها منحصرا بنساء كبيرات السن كُنّ قد شُخِّصْنَ بها فيما مضى1، إلا أنه توجد ظاهرتان شبيهتان بهذه الحالة في كل من القطاعات الفرنسية في كندا، خصوصا لدى الحطّابين.
هي نوبة من الصراخ والتصرفات الغريبة مثل تناول البراز وتكرار كلام الآخرين والركض عراة خارج المنزل في القطب الشمالي وغرين لاند، وعادة ما تصيب النساء، وأهم ما يميزها طبيا هو فقدان الوعي بالنوبة وفقدان الذاكرة بعد حصولها 35. يذكر بعض الباحثين أن هذه الأعراض قد يكون لها علاقة بتسمم فيتامين أ بسبب طبيعة طعام أهل المنطقة الغني بهذا الفيتامين5.
هذه الحالة تشبه كثيرا نوبات الهلع، وقد عُرفت في أمريكا اللاتينية، وهي عبارة عن نوبة من الصراخ والبكاء والارتجاف والشعور بحرارة في الصدر، بالإضافة لارتباطها بالانفصال عن الواقع وحدوث نوبات صرع أو فقدان للوعي أحيانا، وغالبا ما تحدث على إثر ضغوط أو مشكلات عائلية5.
كان الطبيب النفسي الكندي رايموند برنس أول من وثّق هذه الحالة في نيجيريا عام 1960، وتعرف بأنها حالة من الأعراض الجسدية غير المفسَّرة، بالإضافة لبعض أعراض الاكتئاب، تصيب طلّاب المدارس في المرحلة الثانوية، ويفقد بسببها الطالب القدرة على التركيز. فُسّرت هذه الحالة بأنها نتيجة الضغط العائلي الهائل الذي يوضع على الطلّاب المتفوقين، حيث يكفل أحد أفراد العائلة تعليمهم مقابل مساعدتهم لباقي أفراد العائلة اقتصاديا بعد فترة التعليم. لوحظ بعد عدة سنوات من أطباء نفسيين آخرين أن هذه الحالة تصيب فئات غير الطلاب ممن يتعرضون لضغوطات حياتية مشابهة، كما تم رصدها في بلاد أفريقية أخرى مثل أوغندا وجنوب أفريقيا وساحل العاج1.
سوستو هي كلمة إسبانية وتعني الخوف أو الفزع، لكنها هنا تعبّر عن حالة عرفت في أمريكا اللاتينية، حيث كان يُعتقد بأن روح الإنسان تغادره بعد بعض الحوادث المفزعة أو بعد فقدان أحد أفراد العائلة ويبقى في حالة ذهول دون روح، وتصاحب هذه الحالة أعراض من قبيل التوتر وعدم القدرة على النوم أو الرغبة بالطعام، بالإضافة لبعض الأعراض الجسدية كالخمول والإسهال. الجدير بالذكر هنا أن هذا الوصف يشابه أعراض بعض الأمراض النفسية الناجمة عن الحوادث المخيفة، لكن ما يجعل هذه الحالة ضمن المتلازمات المرتبطة بالثقافة هو الاعتقاد السائد في التعاطي معها، حيث لا بد من إعادة الروح للمصاب من خلال طقوس معينة حتى يتعافى ويعود إلى طبيعته. وقد وُجدت حالات أخرى بأسماء مختلفة في كل من بوليفيا والفلبين تشبه حالات السيستو1,3,5.
تندرج هذه الحالة ضمن ما يعرف بأبحاث تعابير المِحَن Distress Idioms، وهو مبحث في الطب النفسي يحاول تتبع المصطلحات التي عبرّت عن المِحَن والصَّدَمات عند مختلف الشعوب وإمكانية مقارنتها بالمتلازمة التالية للصدمة PTSD. ومصطلح الشجاعة المنكسرة هو لفظ آتٍ من كمبوديا، ويعبّر عن أعراض عديدة تشبه وتتقاطع مع أعراض الاكتئاب والقلق والمتلازمة التالية للصدمة. وتصف هذه الحالة الناجين من المذبحة التي قام بها الحزب الشيوعي هناك والمعروف بـخمير روج Khmer Rouge في السبعينيات6.
هذه الحالة تصيب الأطفال الذين تعرّضوا للصدمات النفسية في مجتمعات المهاجرين تحديدا، بحيث يتعرّض الطفل لنوبة اكتئاب، ثم يبدأ بفقدان وظائفه الجسدية كالقدرة على المشي، إلى أن يفقد كذلك القدرة على تناول الطعام، ما يضطره لتركيب أنابيب تغذية، وتستمر الحالة لعدة أشهر وحتى العام، بعدها تعود وظائف جسم الطفل إلى طبيعتها. يرى الباحثون أن هذه الحالة تشبه أعراضا كثيرة مكتوبة في أدبيات الطب النفسي، كحالة التخشّب أو الجمود Catatonia، والتي تشمل أعراضها فقدان القدرة على المشي أو الكلام. غير أن ما يميز هذه الحالة هو توزعها الجغرافي، حيث إن الكثير من هذه الحالة رُصِدت -في السنوات العشر الماضية- في مجتمعات اللاجئين في السويد على وجه التحديد، ما جعل بعض الباحثين يعتبرونها جزءا من الحالات المرتبطة بالثقافة، لكن ما زال هناك الكثير من الأسئلة المتعلقة بها مع عدم وجود تفسير نهائي لها7.
هي حالة تصيب الذكور في جنوب شرق آسيا والصين، وفيها يتوهم المصاب بأن قضيبه قد انكمش أو اختفى تماما3. الجدير بالذكر أن هذه الحالة كانت واحدة من الحالات التي فتحت الباب على التساؤل حول استمرارية الحالات النفسية المرتبطة بالثقافة، بمعنى أنه ثمة حالات ظهرت في فترات زمنية معينة واختفت فيما بعد، تماما كحالة كورو التي ظهرت في بدايات القرن التاسع عشر، حيث أُرّخ لها أول مرة، ثم انتشرت بشكل ملاحظ في الستينيات والسبعينيات في الصين وسنغافورة، حيث رُصدت آخر الحالات في منتصف الثمانينيات. ويعتقد أن الحملات التوعوية النفسية التي انطلقت بشدة حينها، بالإضافة للتحسن الاقتصادي في المنطقة، قد أسهما في اندثار هذه الحالة1.
كلمة الدات هي كلمة قادمة من اللغة السنسكريتية، وتعني المعدن أو الإكسير، وهذه الحالة تصيب الذكور، بحيث يعانون فيها من القذف المبكر أو عدم الانتصاب أو خروج السائل المنوي أثناء التبول، ما يُشعر المصاب بالذنب لأنه يرجع السبب لكثرة استمنائه. وقد يصاحب هذه الحالة الشعور بالتعب والإرهاق وعدم القدرة على النوم، ويعتقد بعض المصابين أن قضيبهم قد قصر حجمه38.
هذه الحالة رُصِدت في اليابان في التسعينيات، حيث سُجّلت 100 حالة مرتبطة بانتحار عائلات بشكل جماعي. تبدأ هذه الحالة بالخوف من تشكيل العلاقات الشخصية والخوف الدائم من أذيّة الآخرين دون التفكير بالذات مطلقا، وبعض المصادر تذكر مخاوف مرتبطة بشكل الجسد، وفي حال رافق هذه الحالة شعورٌ بالعار بسبب فعل ما، فقد يُقدِم المصاب على الانتحار وقتل أطفاله وعائلته؛ خوفا من أن يصبحوا أيتاما يُعامَلون بقسوة وينتقل إليهم ذلك العار. يُذكر أن هذه الحالة مرتبطة ببعض المعتقدات في الثقافة اليابانية المتعلقة بالعائلة والاحترام والعلاقات مع الآخرين، ويُذكر كذلك أن عدد الحالات انحدر واختفى تقريبا مع التغييرات التي حصلت في الثقافة اليابانية والانفتاح الاقتصادي، وأصبحت ترصد حالات أقرب لمرض الشخصية الحدّية والفوبيا الاجتماعية واضطراب تشوه الجسم1,3.
منذ منتصف الستينيات، برزت عدة محاولات لتصنيف المتلازمات المتعلقة بالثقافة، حيث نجد في العام 1967 أن الطبيب بي.إم.ياب P. M. Yap كان قد اقترح تصنيفها حسب الأعراض المميّزة للحالة، فعلي سبيل المثال قام بوضع مجموعة أمراض تمثّل ردة الفعل تجاه الخوف والقلق، ومجموعة أخرى متعلقة بأعراض الغضب الشديد وهكذا. ثم اقترح الطبيب النفسي الأمريكي رونالد سايمونز، المختص في الطب النفسي الثقافي، بتصنيف الحالات حسب العوامل المشتركة فيما بينها، فيكون لدينا -تبعا لهذا التصنيف- مجموعة للأمراض التي تؤثر على النوم أو مجموعة للحالات المتعلقة بالأعضاء الجنسية وهكذا، وهو ما عرف بنظام الأصنوفة Taxon classification. ثم قام الطبيبان تسينغ وماكديرمونتبمحاولة تصنيف هذه الأمراض تبعا لأثر الثقافة عليها، فهناك مجموعة للأمراض المرتبطة باعتقادات ثقافية، ومجموعة أخرى للأمراض التي تتشكل بوصفها ردة فعل مقبولة اجتماعيا للتعامل مع الضغوطات، وغيرها من المجموعات التي ترتكز على فكرة رئيسية، وهي أن ما هو ثقافي قادر على التأثير في عملية الإمراض النفسية وتشكيلها بطرق مختلفة1.
أما في سياق التصنيف الغربي للأمراض والمتمثل بصورة أساسية بكُتيّب الأمراض العقلية والنفسية DSM، فإن كثيرا من الأمراض المتعلقة بالثقافة جرى تصنيفها بوصفها فروعا لأمراض موجودة سلفا، سواء أكانت أمراض الشخصية أو أمراض المزاج وغيرها، وأحيانا استُخدِم مصطلح Not otherwise specified أمراض غير محددة عند الحديث عنها. ويُذكر أن الكُتيّب الرابع النسخة السابقة من الدليل التشخيصي قد صنّف بعض هذه الأمراض وذَكَرها في الملحق بشكل وصفي، وليس من ناحية إرشادات العلاج، والمصطلح المستخدم لهذه الأمراض هو المتلازمات المتعلقةالمرتبطة بالثقافةCulture- Bound Syndromes 18. أما في الكتيب الخامس فأُطلق على هذه الحالات، بعد أن تم إزالة بعضها وإضافة حالات أخرى، اسم المفاهيم الثقافية للمِحَن9 Cultural Concepts of Distress.
وللإجابة عن تساؤل ما إذا كانت هذه الحالات عبارة عن أعراض أم متلازمات، فيجب -بدايةً- التفريق بين المصطلحين، فالعَرَض هو كالحرارة، جزء من عدة أمراض، بينما مجموعة الأعراض غير المعرّفة -أي تلك التي لا تندرج تحت أي أمراض- تُعرَف باسم المتلازمة. وفي سياق حديثنا، فإن هذه الحالات كانت تُذكَر في أدبيات الطب النفسي إما بوصفها عرضا معروفا باسم معيّن في ثقافة ما، لكن في الغالب كانت تُذكَر بوصفها متلازمة متشكلة من عدد من الأعراض، وفي حالات أقل بعض هذه الحالات كانت تشكل جوائح نفسية تنتشر فجأةً في ثقافات معينة بزمن ما ثم تختفي1.
وختاما، فإن هذا الحقل اليافع في الطب النفسي والذي عُرف بالطب النفسي الثقافي، فتح الباب على أسئلة بحثية كثيرة وبعض الاعتراضات، فعلى سبيل المثال كانت هناك اعتراضات متعلقة بربط هذه الحالات المتعلقة بالثقافة بالشعوب الشرقية أو غير الغربية، رغم وجود أمراض نفسية متعلقة بالثقافة الغربية مثل اضطراب تشوه الجسم Body Dysmorphic Disorder وأمراض تناول الطعام Eating Disorders، وطرح السؤال الآتي هل تصنيف المرض ضمن كتيبات التشخيص الغربية هو ما يجعل أحد الأمراض النفسية أكثر حقيقية من غيره؟
في المقابل فإن هذه الأمراض المرتبطة بالثقافة قدّمت عامل الثقافة بوصفه مؤثرا أساسيا في عملية الإمراض النفسية، الأمر الذي دفع لفهم أوسع وأدق لكثير من الأمراض النفسية. وفي طبيعة الحال، فإن تطورًا كهذا يعد مهما جدا في مبحث الطب النفسي، ويصب في سياق التغيرات المستمرة التي تحدث في تصنيف الأمراض النفسية مع إصدار كل طبعة حديثة من كتيّب تشخيص الأمراض النفسية والعقلية، لتصب هذه التغيّرات -في نهاية المطاف- في مصلحة المريض من خلال إرشادات لممارسة طبية أفضل.
_______________________________________________
المصادر | https://www.aljazeera.net/sukoon/2021/12/7/%d8%a3%d9%85%d8%b1%d8%a7%d8%b6-%d9%86%d9%81%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d9%86%d8%a7%d8%af%d8%b1%d8%a9-%d9%85%d8%aa%d9%84%d8%a7%d8%b2%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d8%ba%d8%b1%d9%8a%d8%a8%d8%a9-%d8%aa%d8%ad%d8%b5%d9%84 | null | 2024-06-06T11:46:46 | أبعاد |
|
124 | كيف أتخلص من الكوابيس والأحلام المزعجة؟ | إذا كان ذِكر الأحلام يستدعي لديك القلق، فرُبما سيُهمك أن تُكمل القراءة، إذ نناقش في هذا المقال ما يقوله العِلم بخصوص الأحلام: لماذا نحلم أساسًا؟ ولماذا نحلم بالكوابيس؟ وما الذي يُحفز الأحلام المزعجة؟ | تستيقظ فجأة خلال الليل محاولًا التقاط أنفاسك، يتصبب منك العرق كأنك كنت تجري أميالًا، لقد كنت تجري فعلًا في كابوسك، هربًا من شيءٍ ما، أو من شخص ما ربما. أنت مستيقظٌ الآن وآمن، لكن رغم معرفتك البديهية أن كل ما حصل في المنام بقي هناك، وخرجت أنت منه إلى وعيك، فإن شعور الضيق والتوتر، والخوف ربما، ما زال يمنعك من أن تعود إلى النوم. قد يتكرر هذا الكابوس أو غيره مرات عديدة، كأن تحلم بأنك مُطاردٌ لكنك لا تستطيع الحركة، أو أنك على وشك الموت، أو غيرها من المواقف التي تخلق شعورًا سلبيًّا يتجاوز تأثيره حلمك ليمتد إلى واقعك. إذا كان ذِكر الأحلام يستدعي لديك هذا القلق، فرُبما سيُهمك أن تُكمل القراءة، إذ نناقش في هذا المقال ما يقوله العِلم بخصوص الأحلام لماذا نحلم أساسًا؟ ولماذا نحلم بالكوابيس؟ وما الذي يُحفز الأحلام المزعجة؟ وكيف يمكننا التخلص من الأحلام المُزعجة أو الكوابيس؟
لا يمكن أن يكون الحلم، أي حُلم، مُجرد حلم
من فيلم Eyes wide shut
عندما ننام، فإن أدمغتنا تختلق قصصًا وصورًا نختبرها خلال النوم، تُعرف بالأحلام، تكون تلك القصص مسلية وممتعة أحيانًا، وغريبة أو مخيفة أحيانًا أخرى. ربما قد تعتقد أنك لا تَحلُم بتاتًا لأن ذاكرتك لا تستدعي أي أحلامٍ اختبرتها سابقًا، لكن العلم يُخبرنا أننا جميعًا نَحلم، إلا أن بعضنا ينساها كما ننسى جميعنا الكثير من أحلامنا بعد الاستيقاظ مباشرة. من المهم عند الحديث عن الأحلام أن نناقش مراحل النوم بوصفها مدخلًا لفهمها، وهنا يمكن القول إن مراحل نومنا يمكن تقسيمها بشكل رئيسي إلى مرحلتين أساسيتين نوم حركة العين غير السريعة Non-REM Sleeping، ونوم حركة العين السريعة REM Sleeping، والأخيرة تُعرف أيضًا بمرحلة النوم العميق، وهي مهمة وأساسية للعديد من الوظائف المتعلقة بالنمو والتطور في أدمغتنا. وفي حين أننا يُمكن أن نختبر الأحلام في كلا المرحلتين، إلا أن أكثر الأحلام وضوحًا وأشدّها كثافة هي تلك التي نختبرها في مرحلة النوم العميق.
في سياق علم النفس، يُعدّ أشهر وأهم مَن عالج ظاهرة الأحلام هما الطبيبان سيغموند فرويد وكارل يونغ، حيث يقول لنا فرويد إن الأحلام هي بمثابة بوابة إلى اللاوعي الخاص بنا، فنحن -وفقًا له- تُحفزنا رغبات لا نَعترف بها في وعينا، مثل غرائزنا العدوانية والجنسية، وعليه يمكن لتلك الرغبات والأفكار أن تتجلى في الحُلم بشكل مختلف تمامًا وتجريدي.
يُحاصرني في المنامِ كلامي، كلامي الذي لم أقُلهُ
محمود درويش
لكن بالمقابل، يخالف فرويد زميله الآخر يونغ الذي يعتقد أن ليس كل ما نراه في الحلم له علاقة برغبة مكبوتة في دواخلنا، بل يُشكل بالأحرى جسرًا بين الوعي واللاوعي الخاص بنا، بمعنى أن ما نراه في أحلامنا أي اللاوعي قد ينطوي على رمزية تساعدنا في حل مشكلاتنا وأزماتنا اليومية الوعي، على العكس من فرويد الذي عزا كل أسباب الحُلم إلى رغباتنا اللاواعية.
لكن، رغم أننا حتى الآن لا نعرف أيّهما أصاب، ولا نعرف أيضًا سببًا واضحًا على وجه التأكيد حول أسباب اختبارنا للأحلام، فإن من أهم التفسيرات والمقاربات حول أحلامنا هو أنها تساعدنا على استيعاب مشاعرنا والتعامل معها، حيث يمكنك أن تعتبر الأحلام بمثابة جلسات علاج ليلية، فمن خلالها يُعالج الدماغ المواقف والأحداث والانفعالات التي واجهها خلال اليوم، كأنها فترة نقاهة، لكن على مستوى المشاعر والعاطفة. قد تُذكرنا وظيفة الأحلام هذه بحُلم تيدي في فيلم Shutter Island، حيث يتحدث إلى زوجته المتوفاة في شقتهما القديمة، ثم يحيط بهما فجأة الرماد المتناثر، وتظهر آثار النيران على جسدها الذي يتلاشى مُحترقًا بين ذراعي زوجها، وتشتعل النيران في الشقة. نحن نَعلم مُسبقًا أن البطل يعتقد أن زوجته ماتت في حريق، تتعدى هذه الذكريات على مساحة أحلامه وتُصبح تمثيلًا لصدمة وفاة زوجته.
كما يَحضُر حُلم مشابه في فيلم Manchester by the Sea، حين يُراود البطل حلم حول ابنته التي تُخبره أنها تحترق، والذي يُذكّره بحادثة فقدانه أبناءه في حريق منزلهم الذي كان هو سببًا في حدوثه. وفي هذا السياق، فإن اختبارنا لتجاربنا السلبية مرارًا وتكرارًا في الأحلام قد لا يكون عبثًا، بل يحدث لسببٍ وجيه. لقد وجدت دراسات عديدة أن من يحلمون بتجاربهم السلبية التي مرّوا بها على وجه التحديد، تزيد قدرتهم على تقبلّ هذه التجارب وتجاوزها1. وبالإضافة إلى معالجة المشاعر، فإن من الأسباب الأُخرى التي يُعتقد أنها تؤسس لأحلامنا هي حفظ الذكريات، والتعبير عن رغباتنا الداخلية، وتعلم التعامل مع المواقف التي تنطوي على المواجهة.
بالطبع من المهم هنا أن نفرّق بين الأحلام المزعجة والكوابيس، ففي حين قد تتذكر أحلامك المزعجة حين تستيقظ صباحًا أو لا تتذكرها، توقظك الكوابيس من نومك، وتجعل العودة إلى النوم أكثر صعوبة أيضًا؛ ما يؤثر على العديد من جوانب الحياة، كما تُرافقها أعراض جسدية أهمها التعرق وضيق النفس. لقد وجدت إحدى الدراسات أن كوابيس البالغين تتشابه إلى حد كبير، فبعد تحليل ما يُقارب 10,000 حلم، خلص الباحثون إلى أن معظمها تنطوي على عُنف جسدي بشكل ما، كما كان المرض، والموت، والشعور بالتهديد من أكثر سمات الأحلام حضورًا2. وكما الأحلام، تنشأ هذه الكوابيس نتيجة للعديد من الأسباب، نذكر أهمها
يؤثر الاستيقاظ المتكرر خلال الليل نتيجة الأحلام المزعجة على جودة نومك، ومن ثم على مستويات النشاط والإنتاجية خلال النهار، بالإضافة إلى الأرق الناتج عن عدم تمكنك من العودة للنوم بعد أن يوقظك الكابوس في منتصف الليل مثلًا، أو الإفراط في النوم خلال النهار لتعويض ما فقدته ليلًا، كما قد تقاوم -سواء بوعي أو بلا وعي- النوم خلال المساء؛ وذلك لارتباط النوم باختبار مشاعر سلبية. ويرتبط الاختبار المتكرر للكوابيس باضطرابات نفسية عديدة مثل القلق والاكتئاب، بل وتجد الدراسات أنه يزيد من خطر الإقدام على الانتحار5.
إن أحد أهم اضطرابات النوم التي يُعرّفها الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس للاضطرابات النفسية DSM-5 هو اضطراب الكوابيس Nightmare Disorder، وهي حالة يعاني فيها الفرد من كوابيس مزمنة ومكثفة تستمر لفترة طويلة، ويتذكرها جيدًا إلى حدّ أنها تُعطل حياته اليومية في كثير من الأحيان5. من المهم التنويه هُنا إلى أن اختبارك للكوابيس لا يعني بالضرورة أنك تُعاني من هذا الاضطراب، إذ لا بُد أن تنطبق عليك معايير التشخيص التي يُقيّمها طبيب مُختص، منها أن تقع الكوابيس بشكل متكرر ويمكن تذكر أحداثها جيدًا -وهو ما يكون مرعبًا للفرد بطبيعة الحال- بالإضافة للتدني الملحوظ في الأداء على المستوى الاجتماعي والمهني، ومن المهم أيضًا كي يتم التشخيص بطريقة سليمة ألا تُعزى أسباب هذه الكوابيس إلى تأثيرات فسيولوجية خارجية، مثل الكوابيس الناتجة عن تناول أدوية معينة قد تؤثر على المزاج، أو تلك التي تُسببها اضطرابات المزاج الأخرى.
1. لا تتجنب النوم، ولكن رتب جدول نومك ومارس عادات النوم الصحي Sleep Hygiene
يساعدك تحديد جدول نوم منتظم على الحفاظ على استقرار نومك، كما يمكن أن تُساعدك تهيئة البيئة المحيطة بك قبل النوم على تجنب الكوابيس، فمثلًا يُنصح بتقليل تعرضك لضوء شاشات الأجهزة الإلكترونية، وعدم تناول المشروبات المنبهة كالقهوة وغيرها قبل النوم بفترة كافية، وهنا من المهم أن نُشير إلى أن تركيز المنبهات يستمر فترة طويلة في جسمك ويؤثر على جودة النوم حتى في حال استطعت أن تنام بسهولة. حاول أيضًا أن تتخلص من مُسببات التوتر خاصة قبل النوم، كمهام اليوم التالي من مشكلات عمل أو دراسة أو مسؤوليات العائلة، هنا يمكن أن تُفيدك ممارسة التأمل في طرد التوتر وترتيب أفكارك. ربما تبدو لك هذه الخطوات الصغيرة بديهية وغير مؤثرة، لكن ثِق أن تراكمها والمواظبة عليها هو ما يُحدث الفرق.
2. حاول أن تفهم أسباب اختبارك هذه الأحلام
بمجرد استيقاظك من كابوس ما، حاول أن تتذكر أحداثه وتفاصيله، يمكنك على سبيل المثال أن تكتبها على ملاحظات هاتفك الذكي، أو على دفتر تحتفظ به بجوار سريرك. بالإضافة إلى ذلك، فإن من التمارين التي تُستخدَم في التأثير على الكوابيس والأحلام المزعجة هي محاولة وضع نهاية بديلة لما يحصل خلال الحلم. تُستخدم هذه الطريقة في سياق علمي تحت مُسمى العلاج التخيلي الاسترجاعي Imagery Rehearsal Therapy، الذي يُعد شكلًا من أشكال العلاج السلوكي، والذي يتضمن أن تتخيل نهاية أخرى للكابوس، وتتدرب عليها، حتى تُحققها في حلمك.
تتعدد أساليب العلاج التي أثبتت فعاليتها في اكتشاف وعلاج الكوابيس، فعلى سبيل المثال، يُمكن أن يُساعدك العلاج النفسي التحليلي Psychoanalysis في فهم الأسباب التي تجعلك تختبر كوابيسَ مزعجة، ومن ثم التخلص منها، كما يُستخدم أيضًا العلاج بالتعرض Exposure Therapy في علاج اضطرابات الصدمة؛ ما قد يؤدي إلى التخلص من الكوابيس المرافقة لها. توجد العديد من العلاجات الأخرى التي يمكن الاستفادة منها، مثل تدخل الحلم الواعي أو الوعي بالحلم Lucid dreaming الذي يهدف إلى إعادة رسم مسار الحلم عن طريق جعلك تعي بأنك تحلم خلال الحلم نفسه، لكن هذا التدخل لا يزال تحت الدراسة والبحث لعدم وجود نتائج كافية. كما تستخدم تقنية Systematic Desensitization أو ما يعرف بالتخلص المنظم من الحساسية6. وبالإضافة للعلاج النفسي، فمن الممكن أن يفيد استخدام العلاج الدوائي في بعض حالات الكوابيس أو اضطراب الكوابيس5، لكن التركيز على العلاجات الأخرى ما زال مهيمنًا بشكل أكبر في هذا الشأن. من المهم أن تستشير طبيبًا مختصًّا قبل إقدامك على أيٍّ من خيارات العلاج المذكورة أو غيرها، حيث إن العلاج الأمثل يختلف من حالة لأخرى ويعتمد على طبيعة الكوابيس ومسبباتها.
يمكنك الاستعانة بالاختبار التالي في حال كنت تشّك أنك تعاني من اضطراب الكوابيس، اسأل نفسك الأسئلة الآتية
في حال أجبت بـنعم على جميع الأسئلة السابقة أو على أربعة فأكثر منها، فإنه من الأفضل أن تستشير طبيبًا مختصًّا، حيث يمكنه أن يشخّص الأسباب والحالة التي تمر بها.
1 16 Why we dream during sleep Matt Walker and Lex Fridman YouTube.
2 Thematic and Content Analysis of Idiopathic Nightmares and Bad Dreams 2014.
3 Nightmare content during the COVID-19 pandemic Influence of COVID-related stress and sleep disruption in the United States, 2022.
4 Prevalence and Characteristics of Posttraumatic Nightmares in War- and Conflict-Affected Students 2021.
5 Aetiology and treatment of nightmare disorder State of the art and future perspectives 2019.
6 Pharmacological and non-pharmacological treatments for nightmare disorder. 2014.
7 Nightmares Sleep Education by American Academy of Sleep Medicine. | https://www.aljazeera.net/sukoon/2022/7/4/%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%a3%d8%aa%d8%ae%d9%84%d8%b5-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%88%d8%a7%d8%a8%d9%8a%d8%b3-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ad%d9%84%d8%a7%d9%85 | 2022-07-04T07:07:08 | 2024-06-06T11:52:37 | أبعاد |
|
125 | كيف أعرف الشخص المناسب للزواج؟ علماء النفس يوصون بهذه المعايير | قد يكون الشخص المتزوج أكثر تعاسة من غير المتزوج، خاصةً إذا ما عرفنا أنّ العلاقات السيئة وغير المناسبة تخلّف آثارًا كارثية، وهنا تكمن أهمية اختيار شريك الحياة. | يقضي ملايين البشر قدرًا جيّدًا من أوقاتهم وهم يفكّرون في السؤال الذي طرحناه في العنوان، والحقيقةُ أنّه سؤال معقّد ومتشابك، تتداخل فيه مساحات العلاقات الشخصية بالمجتمع والثقافة وحتى السياسة والعلم. وهو السؤال الّذي يتوق جميع البشر لمعرفة إجابته، ويتحمّسون عند نقاشه، لأنه ببساطة؛ يمسّهم جميعًا. وبطبيعة الحال، ليس هناك إجابة سهلة أو واحدة تنطبق على جميع البشر.
في هذا التقرير، سنعرض بعض نتائج أبحاث علم نفس العلاقات، والتي درست العوامل الأساسية التي تشكّل العلاقات الناجحة، وحاولت استخلاص أهمّ الملامح التي تتنبّأ بعلاقة ناجحة بين الطرفين. وهكذا، يمكن لهذه المؤشرات العامة أن تكون أحد الوسائل التي يستعين بها الإنسانُ على صنع قراره.
من المهمّ قبل البدء التنويهُ بأنّ المقصود بالعلاقات هنا هو العلاقات الحميمية طويلة الأمد بين الرجل والمرأة، وأن النجاح المقصود هو الرضا الزوجي والسعادة على المدى الطويل. ومن الجدير بالذكر أنّ معظم الدراسات المعروضة في هذا التقرير أُجريَت في سياقات غربيّة، مع بعض الاستثناءات، وبسبب أن هذا الموضوع يتأثر بالثقافة والمجتمع، فربّما يكون من الجيد التعاملُ مع هذه الخلاصات بشيءٍ من الحذر، وتهيئتها وتخصيصها لدى كل شخص بما يناسبه هو. وأخيرًا، هذا التقرير ليس تبشيريًّا ولا مرشدًا أخلاقيًّا، وإنّما يعرض ما تقدّمه الأبحاث وما يقترحه أساتذة علم النفس للوصول إلى علاقة تمتاز بالاستمرارية الإيجابية والرضا الزوجي للطرفين.
تشكّل العلاقة الزوجية حجرَ أساسٍ في حياة معظم البشر. وقد وجدَت أبحاثٌ في السنوات الأخيرة أنّ نسب الرّضاالسعادة لدى الفرد في العلاقة الحميميّة هي أحد أفضل المتنبّئات بحالته النفسية بشكل عام إذا ما قارنّاها بنسب رضاه في المجالات والعلاقات الأخرى في الحياة، مثل العمل أو الصداقة أو العائلة أو المجتمع بشكل عام1. فإذا قلّ الرضا فيها، قلّ الرضا في الحياة بشكل عام، والعكس بالعكس. واستنتجت أبحاثٌ أخرى أنّ المتزوّجين يعيشون حياة أطول، تحديدًا حين تقلّ في علاقاتهم نسب الخلاف والعدوانية، وترتفع نسب الرضا والسعادة لدى الطرفين12. بل إن بعض الدراسات خَلُصَت إلى أنّ الحالة الصحية ككلّ بما فيها الجسدية والنفسية تتأثّر بشكل واضح جدًّا بوجود المشكلات وغياب الرضا في العلاقة الزوجية34.
وسواءٌ كنتَ من أنصار الحبّ من نظرة واحدة وتتصوّر أنّ العلاقة يجب أن تُولد من جاذبية وافتتان مباشر لا يمكن تفسيره عقلانيًّا، أو من أولئك الّذين يخطّطون لكل شيءٍ بالتفاصيل الدقيقة قبل الدخول في علاقة، ويرَونَ أنّها مشروع عقلاني للنضج والسعادة الهادئة المشتركة بين طرفين، فإنّك غالبًا ترغب بعلاقة مستدامة وسعيدة قدر الإمكان على الأمد البعيد.
ورغم أنّ هناك قناعة شائعة لدى البعض بأنّ الزواج أيًّا كان يُعتبر أفضل للإنسان من ألّا يكون متزوّجًا، فإنّ هذا كلام غير دقيق إذا ما عرفنا أنّ العلاقات السيئة والمليئة بالنزاعات والخلافات تخلّف آثارًا نفسيةً سيئة وتترك جروحًا غائرة في نفس الإنسان، وتمتد للأبناء والبنات في حال وجودهم. لذلك، ليس كل العلاقات سواء. ويجادل الكثير من الخبراء الأُسَريّين بأنّ جودة العلاقة أهم من وجود العلاقة بحد ذاتها.
من هنا، تكمن أهمية قرار اختيار شريك الحياة. فهو الشخص الذي نقضي معه أغلب أوقات حياتنا أكثر حتى من الوالدين والأبناء والأصدقاء، وهي العلاقة التي تحتوي على أكبر قدر ممكن من الاعتمادية التبادلية بين الطرفين. ولأنّنا مجتمعات محافظة في طبعِها العام، يكتسب هذا القرار أهمية أكبر لعواقبه الكثيرة التي قد تكون إيجابية أو سلبية بحسب الحالة، إلّا أن الاهتمام باختيار شريك الحياة هي ظاهرة إنسانية عابرة للمجتمعات والثقافات، وإذا لم يكن لدى الغرب داية أم زكي التي تجمع الأزواج مع بعضهم بالمعنى الموجود لدينا، فإنّ لديهم داية إلكترونية تُدعى بمواقع صانعي الأزواج Matchmakers، وهو مجالٌ يزداد ضخامةً في حجمه والاستثمار به مع ازدياد اعتماد البشر على التكنولوجيا وطرق التواصل الإلكترونية5.
ومع كل هذا الاهتمام من قبل المجتمعات وحتى البزنس بالعلاقات البشرية الحميمية، ما زال هناك الكثير من العلاقات غير الناجحة وغير السعيدة. فما العوامل الأهم في تنبؤ مصير العلاقات ونسب رضا الطرفين فيها؟
اختيار الزوج والشريك المناسب يعني ازدياد فرص واحتمالات نجاح العلاقة واستمرارها ورفع جودتها ومقدار الرضا والسعادة المتحقّق منها. وبالرغم من أنّ الوسط العلمي لم يصل بعدُ إلى مرحلة متقدّمة من تحديد العوامل وبشكل دقيق، فإن هناك دراسات جيدة تُشير إلى أنماط واضحة واتجاهات عامة تتشكل للإجابة عن هذا السؤال.
أوّلًا من أهمّ هذه الاتّجاهات هي التأكيد على أهمية وجود قدرةٍ على النقاش والتفاوض لحلّ الخلافات وإدارة المشكلات، أي -باختصار- وجود طريقة صحية وفعّالة للتعامل مع الخلافات، بما يشمله ذلك من تقديم تنازلات مشتركة والسعي لفهم الآخر عبر الاستماع الحقيقي له ورؤية الخلاف بوصفه فرصة لتعميق العلاقة بدلًا من دفعها نحو الحافّةالانفصال. ثمّة أبحاثٌ متزايدةٌ تدعم هذا العاملَ باعتباره الأهمّ، بل وقد قام بعضُها بإجراء تحليل معمّق استنتج أنّ الخلافات في العادة لا تكون هي المشكلة بحد ذاتها، وإنّما الإستراتيجيات التي يتعامل من خلالها الطرفان مع هذه الخلافات، ومدى حضور هذه الخلافات والإستراتيجيات غير الفعّالة في التعامل معها مقارنةً بحضور التفاعلات والمواقف الإيجابية بين الطرفين67. ويبدو أن التفاعل بين الزوجين وطرق حل الخلاف بينهما هو الأمر الذي تزداد أهميته مع مضيّ الزمن على حساب عوامل أخرى8.
ثانيًا تؤكّد أبحاثٌ كثيرة على أهمية وجود إحساسٍ عامٍّ بالأمان Security لدى الطرفين تجاه بعضهما بعضًا؛ لأنّ هذا الشعور -كما يقول متخصصون- هو شرطٌ أساسيّ لمشاعر وسلوكات أخرى تعزّز العلاقة ونسب الرضا فيها، مثل الإفصاح عن الذات Self-disclosure دون خجل أو خوف، وتصوّر وجود دعمٍ دائم من الطرف الآخر حتى عند الخطأ والتقصير، والشعور بالأريحية في العلاقة الجنسية الحميمية91011، وكأنّ هذا كلّه يؤكّد نصيحة اقترب عندما تطمئن، لا عندما تنبهر.
ثالثًا تشير دراساتٌ أخرى إلى مفهوم الصّداقة بوصفها عاملًا وسيطًا يؤدي دورًا مهمًّا في زيادة نسب الرضا والسعادة في العلاقات الحميمية.فإذا وُجدَت صداقةٌ بين الطرفين، كانت نسب الرضا أعلى. وهذا أمرٌ أُثبت -حرفيًّا- في دراسة تحليلية استخدمت قواعد بيانات تحتوي على إجابات مئات آلاف البشر12، ووجدت أن من تزوّجوا أشخاصًا يعتبرونهم الصديق المفضل كانت نسب رضاهم مضاعفةً مقارنةً بغيرهم حتى عند تثبيت عوامل العمر والجنس والدخل المادي والوضع الصحي ونسب الرضا لدى الشخص ما قبل الزواج. والصداقة تعني بطبيعة الحال وجود ثقة متبادلة ومتعة في إمضاء الوقت واهتمامات وتجارب مشتركة واحترام عميق للطرف الآخر بمعزلٍ عن العلاقة الحميمية بحد ذاتها. ويدخل تحت هذا الباب أيضًا الأبحاث التي وجدت علاقة مباشرة بين مشاركة التجارب باستمرار تحديدًا الجديدة13.
رابعًا يبدو أن من أهمّ أساسات العلاقات الحميمية هو التكافؤ. أيّ أن تكون الاعتمادية متبادلة، وألّا يكون هناك اختلال في التوازن العامّ للعلاقة باتجاه طرف على حساب الآخر، بحيث يشعر أحدهما أنّه يقدّم الكثير دون أن يأخذ أو العكس. هذا أمرٌ يتّضح أكثر بعد دخول العلاقة نفسها، لكنّ بعض المؤشرات قد تظهر قبل ذلك.1415
خامسًا درَست بعض الأبحاث عددا من الصفات المحددة في الشخصية ويبدو أن النتائج كانت متواترة بشأنها. ومن أشهر الأمثلة على ذلك هما حسّ الفكاهة، حيث يبدو أن امتلاك حسّ فكاهة مشترك بين الطرفين يدعم نسب الرضا الزوجي في العلاقة، بينما تلعب سمة القلق العاطفي دورًا سلبيًّا، وتحديدًا إذا كان الطرفان يشتركان في تسجيل نسب عاليةٍ منها1617.
من المهم بعد كل هذا التذكيرُ بأنّ الكثير من الدراسات المذكورة تحيّد عوامل اجتماعية مهمّة، مثل الوضع الاقتصادي أو الطبقة الاجتماعية أو الظرف السياسي والاقتصادي المحيط، لأنها -بطبيعة الحال- تؤثر على العلاقات. لذلك، ينبغي التنويه إلى أنّ التشابه في الطبقة الاجتماعية والوضع المادي يؤدي دورًا في زيادة نسب نجاح العلاقة.18.
ربما تكون هذه النصيحة مبتذلة أو معتادة بعض الشيء، إلّا أنها تبقى -فعلًا- أمرًا مهمًّا في سياق العلاقات الإنسانية، فنحن لا نستطيع التواصل جيدًا مع شخص آخر إذا لم نعرف أنفسنا ولم نعرف كيف نقدّمها له. ومن التناقضات المثيرة للاهتمام -كما يقول متخصصون في علم نفس العلاقات- أنّ الشرط الأساسيّ للاتصال الحميميّ الحقيقي مع الآخر هو قدرتنا على أن نكون وحدنا ومتّصلين مع أنفسنا. وهكذا، يبدو أن معرفة شخصياتنا ونمط تعلّقنا وطرقنا في حلّ الخلاف والتأمل الذاتي في سماتنا الشخصية هو أمرٌ في غاية الأهمية. وينصح متخصّصون أيضًا بوجود قدر معقول من الرؤية المستقبلية، على جميع الصُّعد مهنيًّا واجتماعيًّا وعائليًّا.
ربّما يتّضح من العوامل التي عُرِضت بوصفها مؤشراتٍ على نجاح العلاقات طويلة الأمد أنّها عوامل تحتاج شيئًا من الوقت لكي تظهر، بل إنّ معظمها لا يظهر بشكل كامل إلا داخل العلاقة. ولذلك، من الجيد التريّثُ والتفكير جيدًا وبتأنٍّ قبل اتخاذ القرارات المصيرية، وإعطاء مرحلة التعارف حقّها. قد يشعر بعض الأشخاص بضغط اجتماعي كبير لإنجاز خطوة ما على هذا الصعيد، لكنّ الصّبر المترافق مع المزيد من التعارف الموجّه بشكل جيد عادةً ما يكون هو الخيار الأفضل بحسب المتخصصين. على صعيد آخر، قد يشعر البعض بخجل من مناقشة أمور حسّاسة أو خلافية، مثل القيم الأساسية ونقاط ضعف الشخصية والمعتقدات الدينية وطرق التعامل مع الغضب والخلافات، إلّا أنّ هذه النقاشات الصعبة والذهاب بها إلى أقصاها هو ما يصنع التفاهمات العميقة والحقيقية في معظم الأحيان. وتذكّر أن الشعور بالأمان والأريحية هو أحد العوامل المهمّة أصلًا في إنجاح العلاقة.
يكاد يُجمع علماء نفس العلاقات على أنّنا سنتعرّض دائمًا لشكوك في دواخلنا بخصوص القرار الذي اتخذناه بدخول العلاقة والالتزام بها، لكن هذه هي طبيعة العلاقات البشرية. لن تجدَ شخصًا كاملًا طوال الوقت، وكلّما عرفتَ عيوبه بشكل مبكّر وحدّدت موقفك تجاهها، كان ذلك أفضل. فالنجاح في العلاقات الزوجية لا يكمن في تحقّق الكمال ولا الحياة السعيدة بشكل دائم، بقدر ما يكمن في الشعور بمعنى الاتّصال العميق بشخص آخر، وبناء أسرة، والنمو الذاتي عبر تقديم التنازلات والعطاء والتخلّي عن التمركز حول الذات.
من المهمّ تَبَعًا لذلك أن نبقي توقّعاتنا عقلانية من الآخَر ومن العلاقة ككلّ، وألّا ندع خيالاتنا الحالمة تسيطر على مواقفنا وقراراتنا. يقول إريك فروم إنّنا مشغولون جدًّا بإيجاد الشريك المثالي، لكننا لسنا مشغولين بأن نكون نحن الشريك المثالي وأفضل نسخة يمكن أن نكونها. هناك شخصٌ أفضل من آخر بالتأكيد، لكنّنا عادةً ما نُغفل جانبًا مهمًّا من المعادلة هو نحن. الكثير من البشر يعتمدون في توقّعاتهم للسعادة في العلاقات الحميمية على أفعال الآخر، لا على أنفسهم أو على تفاعلهم معه19، رغم أن الأبحاث تظهر بوضوح أهمية التفاعل المشترك في رفع نسب الرضا وحتى الرغبة لدى الطرفين.
ينصح متخصّصون واستشاريون في العلاج الأسري بالسؤال عن هذه المواضيع تحديدًا وبشكل معمّق، بصفتها تفتح الباب للكثير من الآراء والمواضيع المتّصلة. وهذا بدوره سيجعل التواصل في مرحلة التعارف أو اختيار شريك الحياة أكثر جدوى وفاعليّة. مواضيع العائلة والأصدقاء والتعامل مع الغضب والخلافات تكشف الكثير عن طريقة تفكير الشخص، وتتقاطع مع الكثير من التحدّيات التي قد تواجهها أي علاقة حميمية. بالطبع هناك العديد من المواضيع الأخرى المهمّة لنقاشها، لكن هذه مقترحات مبدئية لا أكثر.
___________________________________________-
المصادر | https://www.aljazeera.net/sukoon/2022/1/31/%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%aa%d8%ae%d8%aa%d8%a7%d8%b1-%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d9%83-%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%aa%d9%83%d8%9f-%d8%a5%d9%84%d9%8a%d9%83%d9%8e-%d9%86%d8%b5%d8%a7%d8%a6%d8%ad | 2022-01-31T04:44:25 | 2024-05-27T12:14:18 | أبعاد |
|
126 | الهند تريد الدخول في سوق صناعة الأسلحة وتصديرها فما القصة؟ | يشير تقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام إلى أن الهند تعد أكبر مستورد للأسلحة في العالم في الوقت الحالي، لكن الهند لا تريد لهذا الواقع أن يستمر، بل تريد أن تصنع سلاحها بنفسها. | ألقى الصباح خيوطا واهنة فوق مصنع هندوستان للطائرات في بنغالور، جنوب العاصمة الهندية دلهي. كانت شمس السادس من فبرايرشباط 1959 لا تزال أسفل خط الأفق، ورغم ذلك، دبت حركة استثنائية في أرجاء المصنع، استعدادا لزيارة رئيس وزراء الهند آنذاك، جواهر لال نهرو، الذي شق طريقه فور وصوله نحو حظيرة تجميع الطائرات، ثم طلب رؤية الآلة الجديدة.
قال نهرو على الرغم من ضيق وقتي فإنني انتهزت الفرصة لإلقاء نظرة على عملك. كان نهرو يوجّه الكلام إلى كورت تانك الذي وقف في صدارة مستقبليه وأجابه قائلا بكل سرور.
الآلة المقصودة هي مقاتلة ماروت النفاثة HF-24 Marut، التي أنتجتها الهند خلال ستينيات القرن الماضي، أما تانك فهو مهندس طيران ألماني الأصل لُقِّب الأستاذ نظرا لبراعته، حيث قاد قسم التصميم في شركة فوكه وولف الألمانية، التي كانت مسؤولة عن تصميم العديد من الطائرات المتميزة في سلاح الجو الألماني، قبل الحرب العالمية الثانية وأثناءها.
بعد انتهاء الحرب لم يكن تانك ضمن العلماء والمهندسين الألمان الذين تم إجلاؤهم قسرا إلى الاتحاد السوفياتي أو أميركا، إذ سافر أولا إلى الأرجنتين ومن هناك استقدمه نهرو، الذي وضعه على رأس فريق تصميم الطائرة ماروت؛ كان النزاع حول منطقة كشمير دافعا لتوقع حرب أخرى بين الهند وباكستان، فتطلع سلاح الجو الهندي -آنذاك- إلى امتلاك مقاتلة نفاثة تفوق سرعة الصوت، وتزامن ذلك مع رغبة الهند في تأسيس استقلالها في مجال الطيران عن دول العالم الأول.
نجح فريق تانك في تقديم تصميم لماروت، ومع ذلك كانت الهند بعيدة كل البُعد عن تطوير محرك يلائم الطائرة المقاتلة؛ فتم بحث البدائل إلى أن استقر الرأي على استخدام محرك نفاث بريطاني الصُنع من طراز أورفيوس، لكن أداء الطائرة ظل ضعيفا ولم تتمكن غالبا من كسر حاجز الصوت، ولم تستطع مضاهاة طائرات الميغ الروسية ولا مقاتلات ستار فايتر الأميركية، التي اعتمد عليها الجيش الباكستاني في ذلك الوقت؛ مما دفع الكثيرين إلى اعتبار مشروع ماروت فشلا طويل الأمد.
الضربة الأخيرة في مسيرة ماروت أتت بعد إجراء الحكومة الهندية تجاربها النووية الأولى في مدينة بوخران عام 1974، حيث منعتها الضغوط الدولية من استيراد محركات أفضل للطائرة، كما أدت إلى حرمانها من توفير قطع غيار لمحرك أورفيوس، وكان هذا سببا رئيسيا في توقف الإنتاج.
على خلفية ذلك وُجِّهت انتقادات إلى الحكومة الهندية، كان أبرزها الإشارة إلى التناقض بين الطموح وقدرات البنية التحتية والقاعدة العلمية؛ مما أدى إلى الاعتماد بشكل كبير على التقنيات الأجنبية والمكوّنات المستوردة، ثم أدى غياب الغطاء السياسي والافتقار إلى التنسيق بين الجيش والساسة إلى فرض حظر على إمداد قطع الغيار وفشل البرنامج.
سبقت ذلك هزيمة الهند الكارثية في الحرب الحدودية مع الصين عام 1962. ووفقا لأحد وثائق المخابرات المركزية الأميركية، طلب نهرو مساعدة عسكرية من الولايات المتحدة في أعقاب أكتوبرتشرين الأول 1962؛ مما أثمر تعاونًا استخباريًّا قصير الأمد بين البلدين، كانت نهايته بوفاة نهرو في 1964.
الوثيقة تشير إلى موافقة الهند على تزويد طائرات الاستطلاع الأميركية يو 2 بالوقود داخل مجالها الجوي، مقابل منح الهند معلومات حول وضع القوات الصينية وتوغلاتها داخل الحدود، مما يعد خرقا لـسياسة عدم الانحياز التي التزمت بها الهند منذ استقلالها، حيث أرادت الولايات المتحدة من هذه الخطوة الحصول على قاعدة جوية في الهند، تمكنها من تسيير طائراتها الاستطلاعية فوق مواقع اختبار الصواريخ الباليستية السوفياتية، التي كانت تجري آنذاك في مدينة ساريشغان الكازاخستانية.
سعت الهند أيضا خلال حقبة الستينيات، إلى التعاقد على سربين 32 طائرة من أحدث أنواع مقاتلات الميغ الروسية؛ مما أدى إلى تعرضها لضغوط غربية، خصوصا من جانب بريطانيا، التي كانت منتجاتها آنذاك تشكّل غالبية الترسانة الجوية الهندية، وقد أقر نهرو بأن الآثار الأيديولوجية للصفقة قد تؤثر في المساعدات الغربية بشكل كبير، في حين جادل البعض في ذلك، بأن عدم الانحياز يحتم على الهند السعي إلى الحصول على مساعدات عسكرية من الكتلة السوفياتية باعتبارها معادلة للمساعدات العسكرية من الغرب، التي بدأت تتدفق إلى الهند بعد فترة وجيزة من الهجوم الصيني.
في هذا الصدد يشير سوميت جانجولي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة إنديانا الأميركية، إلى أن سياسة الهند الخارجية مرت بثلاثة تحولات، شكّلت الفترة الأولى منها المرحلة الأكثر مثالية تحت وصاية جواهر لال نهرو، وامتدت تلك المرحلة من حصول الهند على استقلالها عام 1947 إلى هزيمة عام 1962، حيث بدأت الفترة الثانية، التي شهدت تحولا تدريجيا بعيدا عن المثالية المبكرة التي ميزت السياسة الخارجية للهند، واعتماد نهج المساعدة الذاتية في السياسة الخارجية بشكل متزايد مع الاحتفاظ بعناصر من الخطاب النهري، ثم كانت المرحلة الثالثة مع نهاية الحرب الباردة واعتمدت خلالها الهند سياسة خارجية أكثر براغماتية تتبنى مبادئ الواقعية.
المعنى ذاته صاغه ياشوانت سينها، وزير الشؤون الخارجية السابق في الحكومة الهندية، خلال محاضرة ألقاها عام 2002 داخل كلية الدفاع الوطني في نيودلهي. إذ رأى أن سياسة الهند الخارجية في أعقاب الاستقلال، كانت على الدرجة نفسها من المثالية التي تميز النضال من أجل الحرية، أمّا ما تلا ذلك فيشير بوضوح إلى اعتماد سياسة خارجية أكثر واقعية.
السياسة البراغماتية أو الواقعية تولدت عن سعي الهند لاستغلال أية وسيلة لصد الخطرين الصيني والباكستاني، بما في ذلك زيادة الإنفاق العسكري والانغماس في استيراد المعدات العسكرية، إضافة إلى استخدام تلك الصفقات أداةً لتكوين التحالفات. لقد أدركت الهند من تجارب مثل حرب الصين وفشل ماروت وغيرها، الارتباط بين الغطاء السياسي وبناء القدرات العسكرية وتكوين التحالفات.
وبدءًا من عام 1962، تصاعدت مشتريات الهند العسكرية بشكل سنوي، خصوصا تلك القادمة من موسكو، التي نظرت إليها الهند بوصفها حليفا إستراتيجيا، نظرا لتنامي الخلاف الصيني السوفياتي خلال عقد الستينيات، ثم استخدام موسكو حق النقض الفيتو في مجلس الأمن بشأن كشمير، بما يصب في مصلحة الهند، في مقابل انخراط باكستان في شراكة مع الولايات المتحدة في ذلك الوقت.
ومنذ عام 2010، تربعت الهند على عرش مستوردي الأسلحة في العالم، حيث يشير تقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، إلى أن الهند تعد أكبر مستورد للأسلحة في العالم في الوقت الحالي، وتمثل وارداتها من المعدات العسكرية 9.8٪ من إجمالي الواردات العالمية في الفترة 2019-2023، كما توقع مركز أبحاث الكونغرس الأميركي أن إنفاق الهند على المشتريات الدفاعية سوف يبلغ 220 مليار دولار خلال العقد القادم.
تقرير معهد ستوكهولم يشير إلى أن روسيا لا تزال مورّد الأسلحة الرئيسي إلى الهند، حيث تمثّل صادراتها نسبة 36 من إجمالي مشتريات الهند الدفاعية، في حين تحتل فرنسا المرتبة الثانية بنسبة 33، تليها الولايات المتحدة بنسبة 13 من إجمالي المشتريات.
في الوقت ذاته تحتل الهند المرتبة الأولى، من حيث كونها أكبر مستورد للأسلحة من ثلاث دول، هي بالترتيب روسيا وفرنسا ودولة الاحتلال الإسرائيلي، حيث تشتري الهند 37 من إجمالي صادرات إسرائيل العسكرية، كما تشمل تعاملاتها بولندا وكوريا الجنوبية وجنوب أفريقيا.
ومع ذلك، يرصد التقرير انخفاض حصة الهند من الأسلحة الروسية في السنوات الأخيرة بسبب تداعيات الحرب الأوكرانية، التي أدت إلى انخفاض صادرات موسكو العسكرية بشكل عام، حيث انخفضت صادراتها من الأسلحة بنسبة 53 لتبلغ 11 من إجمالي صادرات الأسلحة العالمية بالتساوي مع فرنسا، وتشير التقديرات إلى أن الهند حصلت على معدات دفاعية روسية متنوعة بقيمة 35 مليار دولار بين عامي 1960 و1990، لا يزال الكثير منها نشطا من الناحية التشغيلية، ويتوقع أن يظل كذلك على مدى العقدين القادمين.
التعاون العسكري بين دلهي وموسكو ظل قائما بعد تفكك الاتحاد السوفياتي السابق، حيث وقّع البلدان معاهدة جديدة للصداقة والتعاون في عام 1993، ومع ذلك أثار التقارب بين روسيا والصين مخاوف الهند، علاوة على ذلك، تراجع دور حزب المؤتمر ذي النزعة الاشتراكية، الذي قاد الهند منذ الاستقلال إلى مطلع تسعينيات القرن الماضي؛ مما أدى إلى انفتاح الهند على الدول الغربية وزيادة التبادل التجاري والتعاون في قضايا الأمن، في حين كانت السياسة الخارجية الهندية تسعى إلى التكيف مع العالم الأحادي القطب، ومن ثم التقارب مع الولايات المتحدة عبر استغلال مخاوف الأخيرة حيال نمو بكين وأطماعها.
استفادت الهند مجددا من ورقة الصين لكنها ألقت أشرعتها تلك المرة نحو الغرب. من جانبها سارعت واشنطن إلى احتضان الهند؛ وتشير مجلة شؤون المحيطين الهندي والهادئ، التابعة لإدارة القوات الجوية الأميركية، إلى أن القرن الـ21 شهد نموا هائلا للشراكة بين الهند والولايات المتحدة، التي بذلت جهودًا كبيرة بدءًا من عام 2005 لمساعدة الهند على أن تصبح قوة عالمية كبرى، حيث سعت واشنطن إلى تعزيز مكانة دلهي في النظام العالمي والمؤسسات الدولية، وتعزيز قدرات الهند في مجال الأسلحة وقاعدتها التكنولوجية، وتمكين قابلية التشغيل البيني للعمليات العسكرية، كما تم تصنيف الهند شريكًا دفاعيًّا رئيسيًّا عام 2016، على قدم المساواة مع حلفاء الناتو.
ومنذ عام 2008 برزت التجارة الدفاعية جانبًا أساسيًّا في علاقة واشنطن ودلهي، حيث تعاقدت الهند على مشتريات دفاعية أميركية متنوعة بقيمة 20 مليار دولار خلال الـ15 عاما الماضية، وتزامن ذلك مع ازدياد وتيرة التدريبات العسكرية المشتركة وتعقيداتها ونطاقها بين الطرفين، مع التركيز على الأمن البحري.
وتقوم الهند حاليا بإجراء تدريبات وتبادل أفراد مع الولايات المتحدة أكثر من أي دولة أخرى، حيث أجرى الطرفان 14 تدريبا مشتركا منذ عام 2010، كما حضر المئات من جنود القوات الخاصة الأميركية تدريبات داخل الهند على حرب الأدغال.
على جانب آخر، تتصاعد مشتريات الهند الدفاعية من فرنسا، مما يلقي الضوء على رغبة دلهي في تنويع مصادر أسلحتها وتوسيع قاعدة تحالفاتها، وهو ما يمكن تفسيره عبر إشارة سمير طاطا، مؤسس ورئيس شركة تحليلات المخاطر الدولية، إذ يرى أن توازن القوى سوف يظل غير متماثل لصالح الصين في المستقبل المنظور، وأن الهند لن تتمكن من الاعتماد على شريان المعدات العسكرية الروسية في حالة نشوب حرب أخرى مع الصين، نظرا لأن موسكو أصبحت تعتمد على بكين في أمنها الاقتصادي بشكل متزايد، أما من جانب واشنطن، فإن تكفلها بدعم وإمداد أوكرانيا في حربها ضد روسيا ودعم جيش الاحتلال الإسرائيلي في حرب الإبادة التي يشنها على قطاع غزة المحاصر، لن يمكنها أيضا من تلبية متطلبات الهند العسكرية العاجلة في حالة نشوب الحرب.
إن القوة العظمى ذات المصداقية يجب أن يكون لديها قاعدة متينة لصناعة الدفاع، والهند ليست استثناء؛ فإذا أرادت أن تطمح بجدية إلى أن تصبح قوة عظمى، فسوف تحتاج إلى صنع أسلحتها ودباباتها وقنابلها.
دفع ذلك الهند إلى إطلاق مبادرة اصنع في الهند عام 2014. المبادرة تشمل الصناعات الدفاعية بغرض استخدامها محليا لتوفير الإنفاق العسكري إضافة إلى رغبة الهند في دخول أسواق التصدير، لذلك تعمل الهند على نشر التعليم الفني وتعزيز الإبداع التكنولوجي، إضافة إلى تسريع وتيرة التوطين عبر ربطها ذلك بقرارات الشراء.
الولايات المتحدة تدرك أن طموح الهند في هذا الصدد متجذر منذ تجربة ماروت، وأن استمرار الهند في التعامل مع المعدات الروسية كان مرتبطًا بالحوافز الكامنة في الصفقات، بما في ذلك نقل التكنولوجيا للسماح بالإنتاج المرخص لأجزاء المقاتلات في الهند، مما دفع واشنطن إلى مغازلة هذا الطموح وإطلاق منظومة إندوس الثنائية لتسريع الدفاع مع الهند في يونيوحزيران 2023، بغرض توسيع نطاق التعاون التقني والصناعي الدفاعي.
كما قدمت شركة جنرال إلكتريك الأميركية عرضا غير مسبوق، يتضمن إنتاج محركها النفاث المتطور إف 414 بشكل مشترك مع شركة هندوستان للملاحة الجوية المملوكة للدولة، بغرض استخدامه في النسخة المحدثة من مقاتلات تيجاس التي تصنعها الهند؛ مما يجعل الهند الدولة الوحيدة التي تحظى بتوطين صناعة هذا المحرك، فضلا عن الولايات المتحدة.
جدير بالذكر، أن الهند اختبرت فشلا آخر في حقبة الثمانينيات مماثلا لتجربة ماروت، حيث أخفق المحرك المحلي الصنع كافيري في التوافق مع المقاتلة تيجاس في أعقاب جهود تطوير طويلة، نظرا لأن نسبة الدفع المطلوبة إلى وزن المقاتلة كانت أقل من المطلوب، مما يعني أن تكنولوجيا المحركات النفاثة لا تزال إحدى الفجوات الكبيرة في قدرات الهند الصناعية، وفي ضوء ذلك يمكن فهم أهمية نقل التقنية وتصنيع محرك إف 414 محليا بالنسبة للهند.
محرك إف 414 أثبت نجاحه عبر استخدامه في طائرات البحرية الأميركية منذ أكثر من 30 عاما، ويعمل على تشغيل طرازات مختلفة من المقاتلات، منها إف 16 الأميركية ومقاتلات الجيل الخامس الكورية إضافة إلى مقاتلات ساب جاس السويدية، وقد سلمت جنرال إلكتريك قرابة 1600 محرك إلى هذه الدول، وسجلت هذه المحركات 5 ملايين ساعة طيران.
ترغب الهند في أن تصبح لاعبا مؤثرا في أسواق صادرات الأسلحة من خلال مبادرات توطين الصناعة العسكرية، بعدما أمضت عقودا في دور المستهلك. وتشير التقارير إلى أن صادرات الهند الدفاعية بلغت أعلى مستوى لها على الإطلاق عام 2023 بقيمة 1.94 مليار دولار، وهو ما يمثل زيادة بقرابة عشرة أضعاف العام المالي 2016-2017، الذي بلغت فيه الصادرات الدفاعية الهندية 184 مليون دولار.
وفي الوقت الحالي تقوم 100 شركة صناعة عسكرية هندية بتصدير منتجاتها إلى 85 دولة، تقع أغلبها في أفريقيا وجنوب آسيا وغربها، وتستهدف الهند تصدير معدات دفاعية بقيمة 5 مليارات دولار بحلول عام 2025.
وفقا لبيانات وزارة الدفاع الهندية، صدّرت دلهي سترات واقية من الرصاص إلى 34 دولة، من بينها أستراليا واليابان وإسرائيل والبرازيل، كذلك اشترت 10 دول ذخائر من الهند تتراوح أعيرتها بين 5.56 و155 ملم، وحصلت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا على أنظمة إلكترونيات دفاعية هندية، وتصدّر دلهي أيضا قوارب اعتراضية سريعة إلى موريشيوس وسيشيل وجزر المالديف، في حين أوردت شركة هندوستان للملاحة الجوية، أنها تجري محادثات مع ثلاثة دول، على الأقل، لبيع طائراتها المقاتلة المتعددة المهام من طراز تيجاس.
مقاتلة متوسطة الوزن متعددة المهام وزن المقاتلة 7850 كغم حمولة الأسلحة 6.5 أطنان حمولة الوقود 3.4 أطنان الأبعاد الطول 14.6 مترا، العرض 8.5 أمتار، الارتفاع 4.8 أمتار المحرك إف 404 في النسخة الحالية مع تحديث مستقبلي يتضمن محرك إف 414 في النسخة المحسنة موعد إطلاق النسخة المحسنة عام 2026 سرعة التحليق القصوى 2385 كم في الساعة 2 ماخ مدى المقاتلة 2500 كم ويصل إلى 3500 كم مع تزويد خزانات الوقود الإضافية التسليح رشاش من عيار 30 مم للاشتباك القريب مع 13 نقطة خارجية لحمل أسلحة قابلة للتزود بالوقود أثناء التحليق
الترسانة الصاروخية تصدّرت أيضا اهتمامات صناعة الهند الدفاعية، بالتوازي مع برنامجها النووي والمقاتلات الجوية 32 33. وتعمل دلهي على تطوير أنظمتها الصاروخية المتوسطة والطويلة المدى منذ الثمانينيات، وتمتلك قرابة 13 نوعا من الصواريخ الباليستية والمجنحة، أبرزها صاروخ أجني الباليستي Agni بفئاته المختلفة 6 فئات، الذي تشرف منظمة البحث والتطوير الهندية على تطويره.
الهند اختبرت بنجاح أجني 5 عام 2021، وهو صاروخ باليستي عابر للقارات قادر على حمل رؤوس نووية، ويُعتقد أنه قادر على استهداف أي مكان في باكستان والصين، ويتميز هذا الصاروخ بإمكانية إطلاقه من منصة متحركة على الطرق مما يقلل من الوقت اللازم للتحضير. وتشير التقارير إلى أن أجني 6، وهو أحدث صواريخ العائلة ولا يزال قيد التطوير، سوف يكون قادرا على قطع مسافة تصل إلى 12 ألف كم مع حمولة نووية تبلغ 3 أطنان.
قدرات الهند الصاروخية امتدت إلى الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية ASAT، حيث تمكنت في مارسآذار 2019 من تدمير القمر الصناعي ميكروسات على ارتفاع منخفض بواسطة صاروخ مضاد للأقمار الصناعية، لتكون بذلك رابع دولة تمتلك هذه النوعية من الأسلحة بعد الولايات المتحدة وروسيا والصين.
جدير بالذكر أن تلك الأسلحة مُصممة لتعطيل أو تدمير الأقمار الصناعية لأغراض عسكرية إستراتيجية. ورغم أن أيًّا منها لم يستخدم إلى الآن في الحروب فإن الدول التي تمتلك مثل هذه الأسلحة تقوم بإجراء اختبارات على أقمارها الصناعية بهدف استعراض قدراتها العسكرية، لكن ثمة مخاوف تتعلق بآثار الحطام المتولد عن هذه التجارب وأضراره البيئية، إضافة إلى إمكانية إتلافه معدات فضائية أخرى في المدار.
تعد أرمينيا من أكبر مستوردي الأسلحة الهندية في الوقت الحالي، وقد بدأت دلهي توريد المعدات الدفاعية إلى هذه الدولة الآسيوية منذ عام 2022، بالتزامن مع الصراع الدائر بين أرمينيا وأذربيجان. وتتلقى أرمينيا من الهند نظام صواريخ أرض-جو من طراز أكاش، وهو نظام صاروخي متنقل متوسط المدى يتم تصنيعه بواسطة شركة بهارات ديناميكس المحدودة، كما تستورد أرمينيا أيضا قاذفات صواريخ بيناكا الهندية المتعددة الفوهات وأنظمة صواريخ بروسبينا المضادة للدبابات، إضافة إلى رادارات سواثي الموجهة إلكترونيا التي تستخدمها القوات البرية لاكتشاف وتوجيه نيران المدفعية المضادة للذخائر المعادية.
الكثير من النقاشات في دوائر تجارة الأسلحة تتساءل عن كيفية تفوق الهند على الشركات التي تربطها علاقات وثيقة بالجيش الأرميني، مثل شركتي ألماز-أنتي الروسية وبيت رادوار البولندية، حيث وقعت أرمينيا مشروع إنتاج دفاعي مشترك مع بولندا عام 2013، كما يربطها تحالف رسمي مع روسيا منذ التسعينيات.
ويبدو أن الهند نجحت في استمالة أرمينيا على مستويات عدة، حيث تم توقيع عدد من الاتفاقيات بين البلدين عام 2010 بشأن التعاون في مجالات الثقافة والتعليم والعلوم، إضافة إلى ذلك تحظى أذربيجان بدعم باكستاني؛ مما يجعل الصراع بينها وبين أرمينيا نموذجا مصغرا للصراع الهندي الباكستاني، الذي حظي من قبل بدعم القطبين العالميين كساحة بديلة عن مواجهتهما المباشرة، وهو الأمر الذي شاع كثيرا خلال القرن الماضي، وتحاول الهند -حاليا- من خلال هذا النموذج، تخطي موقع طالب الحماية واتخاذ موقع الراعي.
ومع ذلك، تشير الدراسات إلى أن الزيادة الأخيرة في المبيعات الدفاعية الهندية ليست زيادة مستدامة، نظرا لأن أغلبها عبارة عن ذخائر ومعدات خفيفة. ويؤكد ساروج بيشوي، الزميل الباحث في مركز التكنولوجيا والدراسات العلمية في نيودلهي، أن رغبة الهند في زيادة صادراتها الدفاعية بشكل مؤثر، تحتم عليها البحث عن مستوردين رئيسيين مستدامين للمنصات الدفاعية الكبيرة، مثل طائرات الهليكوبتر الخفيفة المتقدمة ودبابات أرجون ومقاتلات تيجاس، وهي معدات تنال اهتماما في الأسواق الخارجية بالفعل، إلا أنها لم تتعد هذا النطاق نحو خطوات تعاقد وتشغيل فعلي إلى الآن.
على جانب آخر، يرى فاسيلي كاشين، زميل الأبحاث في معهد الشرق الأقصى ومقره موسكو، أن قدرات الهند في توطين الصناعات الدفاعية المتطورة لا تزال محدودة، ومن أبرز أمثلة ذلك محاولة نقل التقنيات الخاصة بتصنيع مقاتلات سوخوي الروسية، حيث لم يحدث تقدم بالسرعة المخطط لها، نظرا لصعوبات في الإنتاج الصناعي المحلي، ونقص العمالة الماهرة، وانخفاض الالتزام بالمتطلبات التكنولوجية. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/10/9/%d8%a7%d9%84%d9%87%d9%86%d8%af-%d8%aa%d8%b1%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%ae%d9%88%d9%84-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d9%82-%d8%b5%d9%86%d8%a7%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d9%84%d8%ad%d8%a9 | 2024-10-09T02:44:02 | 2024-10-15T00:05:42 | أبعاد |
|
127 | قصة التعاون الاستخباري بين واشنطن وتل أبيب | حينما أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي هجومه على غزة، كان المسرح مُهيَّئا للدعم والتنسيق بين مؤسستي الاستخبارات في واشنطن وتل أبيب، وأصبح الجهازان بمثابة جهاز واحد لمجابهة المقاومة الفلسطينية وحلفائها. | ظُهر الثامن عشر من أكتوبرتشرين الأول 2023، هبطت طائرة الرئيس الأميركي جو بايدن في مطار بن غوريون ليجد في انتظاره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ. احتضن بايدن صديقه القديم نتنياهو حالما لمست قدماه أرض المطار. وفي وقت لاحق من هذه الزيارة التي استغرقت يومًا واحدًا، وبعد قصف الاحتلال للمستشفى المعمداني مباشرة، قال بايدن في خطاب للإسرائيليين لستم وحدكم
أمس السبت، تأكد الإسرائيليون والعالم بأسره أن دولة الاحتلال ليست وحدها بالفعل، رُغم أسابيع من الحديث عن التوترات بين الجانبين الأميركي والإسرائيلي، وبين بايدن ونتنياهو. فما إن انتهى العمل على الجسر العائم لإدخال المساعدات إلى قطاع غزة من جانب الولايات المتحدة وبدأ يباشر مهامه، حتى أعلن جيش الاحتلال تحرير أربعة أسرى في عملية عسكرية تمَّت بمساعدة استخبارية أميركية، وباستخدام غطاء مدني أميركي، حيث استُخدِمَت شاحنات مساعدات في العملية، كما شارك فريق من خبراء الاستخبارات الأميركية داخل دولة الاحتلال في توجيه وتنفيذ العملية. وقد أشارت مصادر عِدة، منها صحيفة هآرتس الإسرائيلية، إلى احتمالية استخدام الجسر العائم في العملية، في خطوة يُمكن أن تنسف جهود الهُدنة الأميركية، وتُسقِط ورقة التوت الأخيرة عمَّا تبقى من مصداقية أميركية في تلك الحرب.
الإسرائيليون ليسوا وحدهم، وهُم يعلمون ذلك تمام العِلم منذ عقود، وإلا ما استطاعوا الاستمرار في معركتهم مع فصائل المقاومة الفلسطينية منذ السابع من أكتوبرتشرين الأول الماضي، بل ومن قبلها مع شتى أشكال المقاومة الفلسطينية والتحركات العسكرية العربية منذ زمن الحرب الباردة. تُعَد دولة الاحتلال أكبر متلق للمساعدات الخارجية الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ووفقا للمؤشرات الرسمية الأميركية، بلغت المساعدات الإجمالية المقدّمة من الولايات المتحدة لإسرائيل نحو 158.6 مليار دولار بين عامي 1946-2023. معظم المساعدات الأميركية لإسرائيل تصب في القطاع العسكري، التي بلغ حجمها في الفترة نفسها نحو 114.4 مليار دولار، إضافة إلى نحو 9.9 مليارات دولار للدفاع الصاروخي. أما عقِب عملية طوفان الأقصى، أخذ الدعم منحنى تصاعديا، ففي مطلع نوفمبرتشرين الثاني الماضي، وافق مجلس النواب الأميركي على طلب إدارة الرئيس جو بايدن بتخصيص حزمة مساعدات غير مسبوقة لإسرائيل بقيمة 14.3 مليار دولار.
لكن الدعم الأميركي لا يتوقف عند هذا الحد، بل يشمل تدخلا مباشرا في مجريات الحرب على الأرض عبر دعم لا يلقى الاهتمام الإعلامي ذاته رغم تأثيره، ذلك أنه أحد أهم ركائز استمرار أي عملية عسكرية إسرائيلية، تمامًا كما أثبتت عملية تحرير الأسرى الإسرائيليين الأربعة بالأمس.
من المعروف أن التنسيقات تجري في الكواليس بعيدا عن الأضواء في أجواء ترشح بالغموض، مع تغييب متعمد لأي توثيق معلوماتي، لكن الحرب على قطاع غزة أزاحت كثيرًا من الأستار، فنطق رجال الظل، ودُفع بالتعاون إلى أقصى مدى. وصلت مدَيات التنسيق بين الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية لتتجاوز العتبة الاستراتيجية، وتمتد نحو أرض التكتيكات والتفصيلات الميدانية التي عبَّدت الطريق أمام عمليات القصف والاغتيال المستمرة على مدار أكثر من 5 أشهر.
من أبرز مظاهر هذا التعاون كان استخدام ثقل سمعة الأجهزة الاستخباراتية الأميركية من أجل تقديم غطاء لأفعال الجيش الإسرائيلي الإجرامية وتبريرها؛ تم ذلك على إثر تقديم تلك الجهات الأميركية معلومات تبيَّن أنها مضللة، في سبيل استباحة مستشفيات القطاع. أشهرها عملية اقتحام مستشفى الشفاء بدعوى وجود نقطة قيادة ومراقبة للمقاومة الفلسطينية داخل المستشفى، وفقا لمعلومات استخباراتية أعلنها البنتاغون رسميًا وكشفت إدارة الاستخبارات الأميركية السرية عنها. وهذا ما أشار إليه مارك بوليميروبولوس، المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية CIA، حيث قال إن الولايات المتحدة رفعت السرية عن هذه النتائج لأن الهدف الواضح منها هو منح متنفَّس لإسرائيل، خاصة بعد الغضب العالمي بسبب حصار جيش الاحتلال للمستشفى.
بالطبع ثمة أسس عميقة قديمة سبقت هذا التطور التنسيقي الحالي، فأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية لطالما سوَّقت نفسها على أنها بمثابة عين وأذن الاستخبارات الأميركية في الشرق الأوسط. قبل مجيء الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، كان التبادل المعلوماتي بين جهازي الاستخبارات الأميركي والإسرائيلي مقتصرا في الأغلب على الجانب الإستراتيجي لا التكتيكي التفصيلي، وهذا ما أكده مسؤولون أميركيون لصحيفة وول ستريت جورنال، حيث أوضحوا أن وكالات الاستخبارات الأميركية توقفت عن التجسس على حركة حماس وغيرها من حركات المقاومة الفلسطينية في السنوات التالية لهجمات 11 سبتمبرأيلول عام 2001، وأنها وجَّهت مواردها لملاحقة قادة تنظيم القاعدة، ثم تنظيم الدولة الإسلامية لاحقا.
لكن السنوات القليلة الماضية، وخاصة في ظل إدارة ترامب، شهدت تزايدًا في مستوى التنسيق والاتصال بين أجهزة الاستخبارات، وتعمَّقًا في التعاون الأمني الأميركي الإسرائيلي، لا سيَّما مع توجه اهتمام الإدارة الأميركية السابقة نحو مواجهة إيران وشبكاتها في المنطقة، وهو ما توِّج بتنسيق عالي المستوى على صعيد بعض العمليات الأمنية المحدودة بين واشنطن وتل أبيب داخل إيران، والتي لعب فيها التبادل المعلوماتي دورا بارزا. لذلك، عندما وقع الهجوم على غزة كان المسرح مُهيَّئا للدعم والتنسيق بين مؤسستي الاستخبارات في واشنطن وتل أبيب، وبات الجهازان بمثابة جهاز واحد فيما يتعلَّق بمجابهة المقاومة الفلسطينية وحلفائها.
تحدَّث مايك تِرنر، عضو الحزب الجمهوري ورئيس لجنة المخابرات بمجلس النواب الأميركي، في 3 ديسمبركانون الأول الماضي عن ملامح المرحلة الجديدة من التعاون الاستخباراتي الأميركي الإسرائيلي في حوار مع برنامج Face the Nation، وسرد بعضًا من التفاصيل فيما يتعلق بمشاركة المخابرات الأميركية في العمليات الإسرائيلية أثناء الحرب الحالية على قطاع غزة، مؤكدا أن الولايات المتحدة تساعد في تحديد مواقع قيادات حركة حماس، وأن وكالة الاستخبارات الأميركية تعمل عن قرب مع دولة الاحتلال لسد بعض الفجوات الواضحة لديهم.
في ينايركانون الثاني الماضي، أكد مسؤولون أميركيون لصحيفة نيويورك تايمز، أن وكالة الاستخبارات المركزية أنشأت فرقة عمل خاصة جديدة بعد عملية طوفان الأقصى لجمع معلومات عن كبار قادة حماس، ومواقع الرهائن في قطاع غزة، ثم أخذت تقدم تلك المعلومات الاستخباراتية مباشرة لدولة الاحتلال. وقد أوضح المسؤولون للصحيفة أن الولايات المتحدة رفعت من درجة أولوية حركة حماس إلى المستوى الثاني، ورفع مستوى الأولوية معناه توفير تمويل إضافي لجمع المعلومات الاستخباراتية، مع أن حركة المقاومة الفلسطينية لا تشكل أي تهديد مباشر لأمن الولايات المتحدة أو مصالحها المباشرة في الشرق الأوسط.
قبل عملية طوفان الأقصى، كانت حماس أولوية من المستوى الرابع، ما يعني تخصيص موارد أقل لجمع المعلومات الاستخباراتية حولها، ولكن منذ بداية الحرب رُفِعت درجة الأولوية إلى المستوى الثاني. أما المستوى الأول، الذي يستحوذ على أغلب الموارد الاستخباراتية، فهو مُخصص للأعداء المباشرين ممن يُمكن أن يُشكلوا تهديدًا مباشرًا أكبر للولايات المتحدة ومصالحها، مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران.
يعني هذا أن الولايات المتحدة تشارك بكل ما تملك من عتاد ومعلومات استخباراتية لدعم دولة الاحتلال في حرب الإبادة الجارية على قطاع غزة، ويعني أيضًا أن أحداث طوفان الأقصى أجبرت أجهزة الاستخبارات الأميركية على التدخل بنفسها، بعد الفشل الاستخباراتي للأجهزة الإسرائيلية، خاصة فيما يتعلق بحركة حماس، التي كانت مسؤولية جهاز المخابرات الداخلي الإسرائيلي الشاباك، ولذا تسعى أميركا الآن لتقديم عمليات دعم استخباراتي تكتيكي واسعة لصالح إسرائيل.
فمثلًا، سارع الجيش الأميركي بعد 7 أكتوبرتشرين الأول بإضافة المزيد من محللي الاستخبارات في مقر القيادة المركزية الأميركية لمتابعة الوضع في فلسطين المحتلة، عبر إعادة تكليف المحللين المسؤولين عن متابعة التنظيمات المسلحة، مثل القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، إلى بدء مراقبة التطورات وجمع المعلومات عن الحرب في قطاع غزة، وذلك وفقا لما ذكرته صحيفة تايم عن مصادر على دراية بتلك التغييرات، وهي مصادر اشترطت عدم الإفصاح عنها. ووفقا لأحد تلك المصادر، كان المسؤولون في القيادة المركزية، التي تشرف على آلة الحرب الأميركية في الشرق الأوسط، قد خفَّضوا عدد محللي الاستخبارات المدنية المُكلفين بمراقبة مجريات الصراع بين الاحتلال والمقاومة على مدى السنوات الثلاث الماضية، وأن مَن بقي من المحللين وجَّه تركيزه أكثر على الضفة الغربية، وفهم سياسة حكومة دولة الاحتلال، مقارنة بمتابعة الأوضاع في قطاع غزة.
من أمثلة المعلومات الاستخباراتية الاستراتيجية الأخيرة كانت سلسلة من التقارير التحليلية التي أجرتها وكالة الاستخبارات الأميركية، وحذَّرت إسرائيل من ارتفاع ملحوظ في مصداقية وتأثير حركة المقاومة الإسلامية حماس داخل وخارج الشرق الأوسط على مدار الأشهر الماضية، وتحديدًا منذ عملية طوفان الأقصى، ثم مع بداية العدوان العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة. وقد ذكرت التقارير أن حماس نجحت في تقديم نفسها بوصفها حركة المقاومة المسلحة الوحيدة التي تقود حربًا على الطاغية المتوحش الذي يقتل الأطفال والنساء، وربما ما يمكن استنتاجه أن هذه المعلومة مهمة ومؤثرة على السردية الإسرائيلية، وقد تعني خسارة دولة الاحتلال للمعركة المعلوماتية الأهم في الحرب الجارية وفي المستقبل على المدى البعيد.
لكن ماذا يعني أن تكون المساعدات الاستخباراتية الأميركية المقدمة لإسرائيل في حرب غزة ذات توجه استخباراتي تكتيكي؟ يعني أن الدعم المقدم هو من النوع الذي ينبني عليه أعمالا قتالية، وتُسمَّى تلك الاستخبارات بالتنفيذية أو الفعَّالة Actionable Intelligence، وهو مصطلح يشير إلى المعلومات المفيدة والمهمة التي تساهم مباشرة في العمليات العسكرية على الأرض، مثل تحديد أهداف الاغتيالات وأهداف القصف بالضربات الجوية، والمساعدة في البحث عن الرهائن، واستخبارات الإشارات. كل هذا بجانب عمليات الاستطلاع المختلفة، التي تنفذها طائرات أميركية، لجمع المعلومات ومساعدة أجهزة المخابرات الإسرائيلية. هذا النوع من المعلومات محدد أكثر ويملك تأثيرًا فوريًا عند مقارنته بالمعلومات الاستخباراتية الاستراتيجية الأوسع التي ترتبط أكثر بصُنَّاع القرار على المدى الطويل.
تشمل المعلومات الاستخباراتية التكتيكية معلومات لتحديد أهداف القصف على سبيل المثال، حيث يستخدم جيش الاحتلال أنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل نظام غوسبِل، لتحديد أهداف القصف داخل قطاع غزة، كما يستخدم المدفعية الثقيلة في عمليات القصف بعيدة المدى. ويحتاج القصف الإسرائيلي إلى معلومات استخباراتية مُسبَقة تشاركها القوات الجوية الأميركية، بعدما أرسلت ضباطًا متخصصين في هذا النوع الدقيق من الاستخبارات إلى إسرائيل في أواخر نوفمبر تشرين الثاني الماضي، وذلك وفقًا لوثيقة خاصة بقانون حرية تداول المعلومات أشار إليها موقع ذي إنترسِبت The Intercept. ويذكر الخبراء أن فريقًا من الضباط بهذا التخصص سيوفر معلومات استخباراتية عبر الأقمار الاصطناعية للاستهداف داخل غزة.
مثال آخر هو عمليات الاستطلاع وجمع المعلومات ومشاركتها مع أجهزة المخابرات الإسرائيلية. ففي بدايات شهر نوفمبرتشرين الثاني الماضي، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز، نقلًا عن مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية، أن الجيش الأميركي كان يحلق بطائرات استطلاع مُسيَّرة فوق قطاع غزة، وأن الهدف كان البحث عن الرهائن المُحتجزين لدى المقاومة الفلسطينية، وكما أشارت الصحيفة فإنها خطوة غير مسبوقة، ما يشير إلى انخراط أجهزة المخابرات الأميركية أكثر مما كان معروفا في السابق.
لا يمكن معرفة تفاصيل الدعم الاستخباراتي التكتيكي الذي تقدمه واشنطن بالكامل، لكن يمكننا البحث ومحاولة استنتاج أنواعه المختلفة ومدى ضخامته في الحرب الحالية على قطاع غزة. وهنا أمدّتنا وكالة سند للتحقق والرصد الإخباري بشبكة الجزيرة، بمجموعة من التحليلات والمعطيات الهامة، إذ وبعد تحليل بيانات ملاحية لما يزيد عن 2600 رحلة عسكرية، منذ 7 أكتوبرتشرين الأول وحتى 15 ينايركانون الثاني الماضي، حصلت عليها وكالة سند من موقع رادار بوكس Radarbox.com، أظهرت البيانات أن نحو 230 رحلة نقل عسكري توجهت إلى إسرائيل بالإضافة إلى 360 رحلة إلى القواعد العسكرية في قبرص واليونان وإيطاليا بإجمالي يتجاوز 600 رحلة شحن عسكري.
أما الدعم الاستخباراتي الجوي فتمثل في رحلات الاستطلاع، التي توفر المعلومات الاستخباراتية لأجهزة المخابرات، وكانت صحيفة نيويورك تايمز قد أشارت إلى أن جهاز الاستخبارات الأميركي كثَّف جهوده لجمع المعلومات عن حركة حماس عبر زيادة وتيرة رحلات الاستطلاع بالطائرات المُسيَّرة في سماء القطاع. وقد حلَّلت وكالة سند نحو 1100 رحلة استطلاع، نفذت معظمَها القوات الجوية الإسرائيلية بنحو 800 رحلة، في حين نفذت القوات الملكية البريطانية 150 رحلة، والقوات الجوية الأميركية نحو 110 رحلة، وهي بالطبع الرحلات التي ظهرت على الرادار، إذ يمكن أن يكون الرقم أكبر لأن هناك رحلات استطلاع كثيفة للقوات الأميركية لا تظهر على الرادار.
وهذه مجرد أمثلة بسيطة عن المعلومات المتاحة حول تلك الرحلات، لأن تتبُّعها معقّد ويحتاج إلى مجهودات وخطوات مختلفة. سنحاول أن نفهم الكيفية التي تتبعنا خلالها مسار رحلات طائرات الاستطلاع فوق قطاع غزة. الخطوة الأولى في هذه العملية تتضمن تحديد منطقة الاهتمام والفترة الزمنية لرصد تلك رحلات فوقها، مثل اختيار القواعد العسكرية القريبة من قطاع غزة، التي تنطلق منها رحلات الدعم العسكري. فمثلًا يظهر عدد كبير من تلك الرحلات في القواعد العسكرية في قبرص واليونان وإيطاليا، وفي مقدمتها القاعدة البريطانية الأشهر أكروتيري Akrotiri في جزيرة قبرص، بجانب مطار خانيا الدولي بجزيرة كريت اليونانية. وفي الخطوة التالية، يعمل الفريق على جمع البيانات الخاصة بتلك الرحلات الجوية عبر التعاون مع مواقع متخصصة، مثل موقع رادار بوكس الذي يوفر قائمة بكل الطائرات التي أقلعت أو هبطت بتلك المنطقة في الفترة الزمنية المحددة.
ثم يفرز الفريق ويُصنِّف تلك البيانات للتأكد من صلتها وارتباطها بالملف الذي نحاول دراسته وفهمه، وفي حالتنا هو التركيز على رحلات الدعم العسكري ورحلات الاستطلاع. وبعد جمع البيانات، يأتي دور أدوات تحليلها، التي تساهم في استخراج رؤى ومعلومات قيمة حول هذه الرحلات. إذ تساعد عملية تحليل البيانات في وصول الفريق لمعلومات تفصيلية مثل عدد الرحلات والجهات المشغلة لها، بجانب أنواع الطائرات، وغيرها من التفاصيل المهمة التي تساعدنا في فهم طبيعة تلك الأنشطة الجوية في سماء قطاع غزة. ثم تأتي الخطوة الأخيرة بالتحليل الجغرافي لمسارات الرحلات باستخدام برامج نظم المعلومات الجغرافية GIS، الذي يساعد في تحديد الأماكن التي مرت بها الطائرات، بالإضافة لتمثيل تلك الرحلات بصريًا على الخرائط، كما يظهر في الصور السابقة.
كما ذكرنا، توفر لنا البيانات معرفة أنواع الطائرات التي تستخدمها القوات الأميركية في رحلات الاستطلاع وجمع المعلومات الاستخباراتية، ومنها يظهر اعتماد القوات الأميركية على عدد من الطائرات بقدرات ومواصفات مختلفة، وأهمها طائرة الدوريات البحرية متعددة المهام بوينغ بي 8 بوسيدون Boeing P-8 Poseidon، التي تتميز في العمليات المضادة للغواصات، وتستخدم بالأساس في مهام جمع المعلومات الاستخباراتية والاستطلاع والبحث والإنقاذ. وبإمكان الطائرة التحليق على ارتفاع يصل إلى حوالي 12 ألف متر وبسرعة 907 كيلومتر في الساعة، ما يسمح لها بالاستجابة السريعة والتغطية الفعالة أثناء تنفيذ العمليات العسكرية.
يوجد أكثر من 166 طائرة من هذا الطراز في الخدمة، وبعدد ساعات طيران تخطى 560 ألف ساعة عالميًا قدمت الدعم للقوات البحرية لعدة دول. وتأتي طائرة بوينغ بي-8 بنموذجين مختلفين، وهما النموذج المتخصص بي-8 آي التابع للبحرية الهندية، والنموذج بي-8 بوسيدون الذي تستخدمه البحرية الأميركية وسلاح الجو الملكي البريطاني والأسترالي والنرويجي والقوات الجوية الملكية النيوزيلندية. وقد صُمِّمت الطائرة لتعمل في الخدمة على مدار 25 عامًا أو 25 ألف ساعة طيران في البيئات والظروف البحرية القاسية.
تستخدم القوات الأميركية أيضًا طائرة أخرى من شركة بوينغ في عمليات الاستطلاع وجمع المعلومات الاستخباراتية وهي طائرة بوينغ آر سي 135 Boeing RC-135، وهي ضمن عائلة طائرات الاستطلاع الكبيرة لدى القوات الجوية الأميركية، إذ يبلغ طولها نحو 41 مترا، ويبلغ طول جناحيها 40 مترا، ويصل ارتفاعها إلى 12.7 مترا. وتعمل الطائرة بأربع محركات، ويمكن أن يصل عدد أفراد طاقمها إلى 27 فردًا، وتصل سرعتها القصوى إلى 933 كيلومتر في الساعة، ويمكنها التحليق على ارتفاع يصل إلى 15 ألف متر.
بدأ استخدام بوينغ آر سي 135 عام 1964، وتطورت على مدار السنوات التالية لتعزيز قدراتها، وقد أُنتِج منها عدد من النماذج المتخصصة، المجهزة بأنظمة استشعار متطورة لجمع وإرسال المعلومات الاستخباراتية في الوقت الفعلي. على سبيل المثال، يوفر النموذج RC-135VW Rivet Joint استخبارات الإشارات، ويقدم نموذج RC-135U Combat Sent جمع المعلومات الاستخباراتية الإلكترونية.
وتستخدم القوات الأميركية كذلك الطائرة المُسيَّرة آر كيو 4 غلوبال هوك RQ-4 Global Hawk، وهي من أهم طائرات الاستطلاع لدى الجيش الأميركي. وقد بدأ تطوير المُسيَّرة عام 2001، مع تطوير نُسَخ أحدث على مدار السنوات التالية، وتتولى شركة نورثروب غرومَّان Northrop Grumman إنتاجها، ويدير المشروع وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة داربا DARPA. ويمكن للمُسيَّرة الطيران بسرعة 574 كيلومترا في الساعة، على ارتفاع 18 ألف متر ولمدة تصل إلى 34 ساعة، وبهذا تغطي مساحات جغرافية واسعة، وهي مزودة بمستشعرات مختلفة للاستطلاع والمراقبة في مختلف الأجواء بما يشمل التغطية المستمرة بالتصوير في الوقت الفعلي، واستخبارات الإشارات، وإمكانية تحديد الأهداف المتحركة.
أما المُسيَّرة الأشهر والأقوى لدى القوات الأميركية فهي إم كيو-9 ريبر MQ-9 Reaper، التي تتميز بقدرتها على حمل أسلحة منها صاروخ AGM-114، والقنبلة الموجهة بالليزر GBU-12 Paveway II، وذخائر من طراز GBU-38. وتوصف ريبر بأنها من أهم المُسيَّرات في الأسطول الأميركي وإحدى مقومات قوته، ويمكنها الطيران لمسافة 1850 كيلومترا، دون التزود بوقود إضافي، ويمكنها أيضًا تنفيذ مهام متعددة على ارتفاعات متوسطة، وهي مجهزة بنظام رادار ينقل البيانات لعدد من الطائرات أو المواقع الأرضية. كما تستطيع ريبر اعتراض الاتصالات الإلكترونية المنبعثة من أجهزة اللاسلكي والهواتف الخلوية، وتلعب دورا محوريا في عمليات الاغتيال والاعتقال. وقد استخدمها الجيش الأميركي في المهام الاستخباراتية وجمع المعلومات، قبل أن يطورها ويستعملها في ضرب الأهداف وقصفها، بعدما بدأ يستخدم طائرة آر كيو-4 غلوبال هوك للمراقبة وجمع المعلومات.
أثار كل هذا الدعم الأميركي غير المشروط حفيظة عدد من المسؤولين الأميركيين أنفسهم، وتصاعدت أصوات تطالب بأن يخضع هذا الدعم للرقابة. وقد أشار براين فونيكين، المستشار في البرنامج الأميركي التابع لمجموعة الأزمات الدولية ICG، إلى أن الدعم الاستخباراتي قد يثير من المخاوف والقلق أكثر مما قد يفعل الدعم العسكري التقليدي، خاصة المعلومات التكتيكية التي تشاركها المخابرات الأميركية مع نظيرتها الإسرائيلية، مثل تحديد أهداف القصف وعمليات الاستطلاع المختلفة. ويرى كذلك بعض أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي أن المساعدات العسكرية لا يجب أن تستمر دون شروط، بعدما اقترح أكثر من عشرة أعضاء بالمجلس من الحزب الديمقراطي تعديلاً على مشروع قانون لفرض شروط على المساعدات العسكرية الأميركية للكيان الصهيوني.
تمتلك الولايات المتحدة الأدوات اللازمة للضغط على إسرائيل بما يتجاوز مجرد التصريحات التي يُدلي بها المسؤولون، ولعل أدوات الضغط تمكنها من إنهاء الحرب في قطاع غزة إذا توفرت الإرادة. فيمكن لواشنطن مثلا فرض رقابة على المساعدات العسكرية، أو التوقف عن الدفاع عن دولة الاحتلال في الأمم المتحدة، أو إيقاف المساعدات الاستخباراتية التي تقدمها أثناء الحرب، حتى أن بعض نواب الكونجرس الديمقراطيين اقترحوا مشروع قانون للحد من تبادل المعلومات الاستخباراتية مع إسرائيل، لكن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن رفضت بشدة كل هذه التحركات.
ولذا، فإن الدعم الأميركي غير المشروط مستمر لإسرائيل، لأن الأصوات الأقوى في الحكومة الأميركية لا تزال تُصِر على استمرار هذا الدعم. لعل إسرائيل لم تصبح بَعْد العبء الذي يُثقِل كاهل الولايات المتحدة كقوة كُبرى إقليميا ودوليا، غير أن وصولها إلى هذه المرحلة يقترب يوما بعد يوم أكثر من أي وقت مضى. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/6/9/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%a7%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%ae%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%aa%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%b1%d9%8a%d9%83%d9%8a | 2024-06-09T11:21:49 | 2024-08-21T01:32:07 | أبعاد |
|
128 | إبراهيم المقادمة مفكر المقاومة | لم يكن إطلاق لقب “مفكر المقاومة” على الدكتور المقادمة اعتباطيا، ولا مجاملة من أتباع، فقد شهد له بذلك شيخه أحمد ياسين يوم خرج في تشييع جنازته الحاشدة، فقال عنه إنه “رجل فهم ورجل علم وبحاثة”. | في عام 1984، كان الدكتور إبراهيم أحمد المقادمة 1952-2003 يقيم مع شيخه الشيخ أحمد ياسين في غرفة واحدة بالسجون الإسرائيلية، وكان المقادمة بما عُرف عنه من نشاط وحيوية داخل السجون وخارجها، يقدم محاضرة للأسرى يحدثهم فيها عن ضرورة إحداث تغـيير جذري في نفسية الإنسان الفلسطيني بشكل خاص والمسلم بشكل عام، تنقله من حياة الاتكالية على الغير والركون إلى الحياة الدنيا والأنانية؛ إلى حياة المبادرة والإيجابية والتضحية، مستحضرا غزوة مؤتة واستقبال أطفال المدينة المنورة ونسائها للمجاهدين ووصمهم إياهم بالفرار.
في ثنايا المحاضرة، قال المقادمة، وشيخه ياسين يستمع، إننا بحاجة إلى تربية عميقة لشعبنا للوصول إلى هذه الروح التي تجعل الشعب بأكمله مجاهداً، شيباً وشباباً ونساء.. ضحك الشيخ ياسين وقال للمقادمة متى ستعمل ذلك؟، فأجاب التلميذ المحاضر بالجد والمثابرة نستطيع، ورغم أننا في بداية الطريق، فإننا حققنا بعض الإنجازات، فقال الشيخ ياسين بهدوئه المعروف وحكمته المعهودة يا بني لن تصل إلى ذلك إلا من خلال الجهاد.. ابدؤوا الجهاد وسترى تحققَ ذلك على الأرض.. يقول المقادمة وكانت لفتة جميلة من هذا الشيخ المربي الذي آمن دائما بأن العمل الصالح هـو مفتاح التوفيق والهداية، والعلم والتطوير.
بعد ذلك الحوار بين الشيخ وتلميذه المقرب، رأى المقادمة نموذج الحاضنة الجهادية الذي حلم به في غزة يوم شيّع نصفُ سكانها الشهيد يحيى عياش عام 1996، ورآه في خنساء فلسطين أم نضال وهي تودع أبناءها للاستشهاد. وبالطبع لم يكن الطريق سالكا إلى الجهاد في فلسطين بعد نكسة 1967، ولا بناء نموذج الحاضنة سهلا في شعب سلطت عليه كل أسباب الفتن، وكان الضباط الإسرائيليون يحاضرون في أبنائه يحذرونهم من الجهاد، ويرسخون اليأس في نفوسهم وفلسفة العدمية في ضمائرهم.
وقد حضر المقادمة وهو في السادسة عشرة من عمره، محاضرة لنائب الحاكم العسكري الإسرائيلي في غزة، وقد جمع أبناء مخيم الشاطئ من سن 16 عاما إلى عمر الستين، وكان يخوفهم من العمل الفدائي وهم في فترة منع تجول استمرت 24 يوما، وألقى على مسامعهم محاضرة مقرفة خلاصتها التشكيك في العمل الفدائي وجدواه من جانب، والتشكيك في أخلاقيات الفدائيين من جانب آخر.
كان مما قاله الضابط الإسرائيلي إن هؤلاء الفدائيين تأثيرهم بالنسبة لجيش الدفاع الإسرائيلي مثل قرصة الذبابة، فهم لا تأثير لهم، وإن جميع الدول العربية أوقفت إطلاق النار إلى أن يفرجها االله، لأن جيش الدفاع الإسرائيلي هزم كل الجيوش العربية ولم يبق إلا مخيم جباليا لم يوقف النار، فلماذا لا توقفوا النار إلى أن يفرجها الله.
كان كلام الضابط المحتل مقرفا عند المقادمة بطبيعة الحال، لكنّ تفهّم أحد الحضور لكلامه كان عميق الأثر في حياة المقادمة، فقد قال رجل كبير يجلس بجواره والله بيحكي نقدي، أي يؤمّن على كلام الضابط الإسرائيلي.. كان هذا التعليق صاعقا لإبراهيم، وأيقن من حينها أن شعبه بحاجة إلى تغيير جذري حتى يستوعب فكرة المقاومة ويدعمها ويلتف من حولها ويحميها ويطورها.
ما إن استوى المقادمة على سوقه فكريا وقياديا، وقد رأى مع شيخه ورفاق دربه ثمار حركة المقاومة الإسلامية حماس التي أسسوها قد بدأت تَيْنَع، وتجاوزوا بفضل الله وبتضحيات شعبهم وصموده كل المحن والضربات الأمنية، وبدأت الانتفاضة الثانية، حتى تفاجأ بأن مناضلي الأمس من أبناء حركة فتح وغيرها وصلوا إلى قناعة ذلك المسن الجاهل وبدؤوا يتقبلون آراء ضباط الاحتلال، وكان يقرأ في الصحف ويسمع في وسائل الإعلام مطلع عام 2003 من يتبنى نفس الموقف بأن وسائل المقاومة لا قيمة لها وأنها لا تزعج اليهود، بل تجلب لنا الخراب والدمار والقتل والاعتقال.
لم تؤثر المفاجأة على نفسية المقادمة المطارد حينها من قوات الاحتلال والسلطة، فقد كان صدره مفعما بالأمل وتجاوز صدمة موقف ذلك المسن الجاهل، ورأى التغيير الهائل الذي حصل في تركيبة شعبه ونفسيته تجاه الجهاد والمقاومة بشكل إيجابي، هذا التغيير المذهل لعب المقادمة فيه دور المنظر والمؤرخ والمربي، واشتهر بصفة مفكر حماس أو مفكر المقاومة.
لم يكن إطلاق مفكر المقاومة أو حماس على الدكتور المقادمة اعتباطيا، ولا مجاملة أيديولوجية من أتباع، فقد شهد له بذلك شيخه أحمد ياسين يوم خرج في تشييع جنازته الحاشدة، فقال عنه كان الدكتور رجل فهم ورجل علم وبحاثة، وكان يدرس الكثير الكثير جداً بينما غيره يلهو ويلعب في السجون أو غير ذلك، له لمسات كثيرة في فكر الحركة وتربية أبنائها، وله بعض المؤلفات والكتب عن فلسطين، وكان مدرسة في البناء والتربية، وهذا قدرنا وقدره أن يلقى الله شهيداً غير مضيّع ولا مفرط.
فلئن اشتُهِر دور الدكتور الشهيد إبراهيم المقادمة في تأسيس حركة حماس، وعرفتْ جهوده وتضحياته في القضية الفلسطينية، وأُعجب الدارسون بجمعه بين جهاد السيف وجهاد القلم، كما عرف معاصروه مزاياه الشخصية والتربوية، سواء في أزقة مخيمات غزة ومساجدها، أو في جامعات مصر، أو سجون إسرائيل، فإن ثمة ملمحا من حياته تميز به، لم ينل حظه من الدراسة في سياقه الفلسطيني الخاص، وسياقه الإسلامي العام، وهو جانبه الفكري وتنظيره للمقاومة ووضعه معالم في الطريق إلى تحرير فلسطين.
هذا الجانب الفكري من حياة الدكتور المقادمة نوّه به شيخه أحمد ياسين، ورفاق دربه أمثال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي والدكتور محمود الزهار، فهو لدى الأول مفكر واسع الثقافة والاطلاع، ولدى الثاني أكثر الناس إدراكاً للتاريخ الفلسطيني ووعياً بمجريات ما يحدث، بالإضافة إلى قدرته على التحليل والاستفادة من هذه التجارب.
إشارة الشيخ أحمد ياسين إلى لمسات المقادمة في صياغة فكر حركة حماس وتربية أبنائها، تجعل التوقف مع معالم فكره محطة أساسية لتتبع خطى الحركة من الانطلاق عام 1987 إلى طوفان الأقصى فجر 7 أكتوبرتشرين الأول 2023، وهو دور فكري وقيادي أهّله لأوصاف كثيرة منها نووي حماس، والمفكر الشهيد، وفيلسوف الشهداء.
وكان المقادمة صاحب قلم موسوعي، إذ كتب في الفكر والسياسة والتاريخ والأدب والشعر والمسرح والإعلام، وهو القائد الأكثر تنظيرا للتحرير في تاريخ الحركة، مما جعل أعماله الكاملة غير المنشورة تقع في مجلدين ضخمين بنحو 1400 صفحة.
جمع المقادمة بين التنظير والتطبيق في عمله الإسلامي والمقاوم، فقد كان يدَ ورجل ولسان الشيخ أحمد ياسين، والشارح لرؤاه، والمؤصل لأفكاره، وتميز بالبعد الحركي والقومي، ولذلك وجدناه في فترة من الفترات مسؤولا عن ترتيبات إدارية وأمنية في الحركة، وهذه الترتيبات قادرة على أن تحقق الهدف العام لرؤيته الإستراتيجية الواضحة، وفقا للدكتور محمود الزهار.
كما جمع بين العمل داخل فلسطين وخارجها، فهو أول من أطلق لحيته في كلية الطب بجامعة القاهرة، وكان نظيره الدكتور موسى أبو مرزوق في كلية الهندسة، وهما ممن أعادا تنظيم صفوف الإخوان المصريين والفلسطينيين في جامعات مصر مطلع السبعينيات.
كان مقام المقادمة في مصر لدراسة طب الأسنان منذ قدومه إليها يوم 16 أغسطسآب 1971 مرحلة محورية في حياته الدعوية والتنظيمية، فقد جاءها بعد مبايعته جماعة الإخوان في غزة عام 1970، وهي الجماعة التي سمع عنها عام 1965 أيام محنتها من عبد الناصر، وكان ناصري الهوى قبل أن تصعقه هزيمة 1967، فصحا فهمه على حقيقة الدعاية الناصرية التي عوّل عليها جيله في تحرير فلسطين وهو في الإعدادية ابن 15 ربيعا، فكان الإخفاق قاسيا يوم أخبره أستاذه أن الجيش المصري في بئر السبع سيسحق إسرائيل في ساعات، فكان العكس المؤلم.
لقد تركت تلك النكسة في نفس المقادمة أثرا عميقا تحدث عنه في أكثر من موضع، فقال كنت ممن نشؤوا في زمن حكم جمال عبد الناصر، وكنت من المفتونين بشخصيته وبالشعارات التي يطرحها والمصطلحات الثورية التي تربينا عليها، حتى جاءت حرب 1967 فكشفت زيف هذه الشعارات وخواء هذه المصطلحات، وكذب هذا الزعيم بل وكل الزعماء الذين قادوا الأمة إلى الهزيمة.
عرف المقادمة جماعة الإخوان أكثر بعد تعرفه على الشيخ أحمد ياسين الذي سمع عن خطبه التجديدية في قطاع غزة، فسافر إلى مسجد العباس في مدينة غزة حتى رأى ذلك الخطيب المشلول الذي يحدث الناس عن شمول الإسلام، ويحثهم على العمل المنظم. وفي مصر لقي أعلام الدعوة أمثال الشيخ محمد الغزالي وسيد سابق، وأتيحت له الكتب والموسوعات فكان عينا على الدراسة وعينا على السياسة.
عند عودته إلى قطاع غزة طبيبا للأسنان عام 1976، انخرط مع الشيخ أحمد ياسين في الدعوة والتنظيم، فكان من الجيل الثاني المؤسس للحركة الإسلامية في فلسطين، فعمل في مستشفى ناصر الحكومي وفي العريش وتعلم الأشعة، ثم فتح عيادة للطب والدعوة في مخيم جباليا الذي ولد فيه يوم 14 مايوأيار 1952، فكان سفير الدعوة إلى المخيم الذي نزح إليه أهله عام 1948 من بيت دراس في قضاء غزة، ثم هجروا منه إلى مخيم البريج عام 1971.
في قطاع غزة بعد رجوعه طبيبا، جمع المقادمة بين العمل الحكومي والخاص والنشاط الدعوي، قبل أن يدخل مع شيخه أحمد ياسين السجن الذي مكثا فيه 9 سنوات، علاوة على سنة أخرى في سجون السلطة بتهمة تأسيس جهاز عسكري سري. وكانت فترة السجن الأولى هي المحضن لتطوير فكرة المقاومة ونفسية المقاومين التي تعتمد على الإنسان المؤمن أولاً وقبل كل شيء، وكان هو ممن أسس ما عرف في أدبيات حركة حماس الأسيرة بالمدرسة اليوسفية.
خلال إقامته في السجن كتب المقادمة أهم كتبه وبحوثه، وبعضها كتبه بأسماء مستعارة بسبب الأوضاع الأمنية في السجون، مثل بحث الصراع السكاني في فلسطين الذي كتبه باسم محسن كريم، ومسرحية محاكمة يحيى عياش التي كتبها باسم عبد الله الخليلي، وبحث أساسيات في التربية باسم سلامة خليل.
بحوث المقادمة ومقالاته كثيرة جدا كُتبت في فترات متفاوتة وفي أحوال متباينة من تاريخ القضية الفلسطينية، وكتبت بلغة صارمة متحررة من إكراهات السياسة، وتناولت مختلف القضايا التاريخية والديموغرافية والإسلامية، وأسس التربية والبناء الحركي، وتصحيح المفاهيم والصراع السياسي الداخلي وفكر المقاومة. وما يهمنا من كل ذلك هو رؤيته لتحرير فلسطين باعتبار أن أكبر كتبه خصصه لهذا الأمر، وكل الكتب والبحوث والمقالات الأخرى تُعد كالهوامش لهذا الكتاب، فما هي معالم طريق تحرير فلسطين عند مفكر حماس؟
أدرك المقادمة أن القضية الفلسطينية منذ ظهور مقدماتها أواخر القرن 19 وظهورها عملياً أمام الجميع بعد وعد بلفور يوم 2 نوفمبرتشرين الثاني 1917، لم تعالَج معالجةً حقيقيةً لا على المستوى النظري والفكري، ولا على المستوى السياسي والعملي والعسكري.
ويرى أن كل المعالجات التي سبقت معالجتَه الفكرية للتحرير كانت إما مشوهة منحرفة أو كانت قاصرة عن الإحاطة بجميع جوانبها، وفي الوقت الذي كانت تبرز فيه بعض التصورات والمفاهيم الجيدة، كانت تنقصها الخبرة العملية لمواجهة المؤامرة بحجمها الحقيقي، مما جعل بعض الحركات الناضجة فكرياً تُجهض في مهدها نتيجة للظروف والتحديات التي كانت أكبر حجماً من هذه المعالجة.
ومن ثم يرى أنه آن الأوان لتقديم رؤية للتحرير منبثقة من الإسلام، فالحركة الإسلامية عنده هي المهيأة للقيام بهذا الدور بعدما فشلت كل الأطروحات التي سبقتها، فبعد المعاناة المريرة والفشل الذريع الذي تميزت به المواجهة العربية، لا بد لنا من وقفة صادقة مع النفس نراجع فيها كل معادلة الصراع بأطرافها المشتركة فيها وأبعادها وطرق مواجهتها، كما يقول في مقدمة كتابه معالم في الطريق إلى تحرير فلسطين المؤلف في السجن عام 1987 قبيل وأثناء انطلاق المفاوضات الأولى، وهو أطول كتبه وأهمها، وإن طرأت بعده تغيرات في معادلة القضية الفلسطينية غطاها بمقالات مواكبة لكل التطورات وفي بحوث وكتب أخرى، أهمها كتابه عن اتفاق غزة-أريحا.. رؤية إسلامية، وبحث الصراع السكاني في فلسطين.
في اعتقاد المقادمة أن الحركة الإسلامية في فلسطين هي المسؤولة عن التحرير وهي القادرة عليه، بشرط أن تتسلح في جهادها بستِّ خصائص حددها، وهي
وهذه المحددات المنبثقة من التصور الإسلامي للعمل والجهاد محورية عند المقادمة، باعتبار أن الإسلام هو وحده القادر على حشد الطاقات لتحرير الأرض، فلا بد من العودة إلى الإسلام وإنشاء جيل مسلم يتولى حل القضايا الإسـلامية.
يرى المقادمة أن معرفة العناصر المشاركة في الصراع داخل فلسطين شرط أساسي للتحرير، فيجب أن يُعرف كل واحد منها على حدة، وأن تُعرف أهدافه من الدخول في هذا الصراع حتى يكون واضحاً لدينا أسلوب التعامل مع كل هذه العناصر. كما يجب عنده معرفة طبيعة هذا الصراع حتى نعدّ له عدته، ونتسلح بأدواته ونعدّ أنفسنا إعداداً يكافئ تحدياته، لأن معرفة طبيعة المعركة وتحديدها هي أول الطريق إلى النصر.
والعناصر المشاركة في الصراع عند المقادمة أيام تأليفه للكتاب؛ أربعة، وهي
قام المقادمة بدراسة كل فريق من هذه الفرق على حدة، درس فيها دوافعه للصراع وصفاته ودوره فيه، وبدأ باليهود وانتهى بالمسلمين الذين عليهم المعوّل في تحويل مسار القضية من الهزائم المتلاحقة إلى النصر الحاسم بإذن االله.
ينطلق المقادمة في دراسته لهذه العناصر الأربعة من حقائق قررها القرآن الكريم، لا سيما عن اليهود وخصائصهم النفسية، ثم تحولاتهم التاريخية وما كتبه مؤسسو الصهيونية في مذكراتهم، ويستعرض الأساطير المؤسسة للفكرة الصهيونية. وقد أخذت دراسة هذه العناصر جزءا كبيرا من صفحات الكتاب، لا سيما التجارب التي مر بها النضال الفلسطيني قبل حركة حماس. وقد توقف المقادمة مع تلك التجارب طويلا دارسا ومعتبرا.
توقف المقادمة مع تجارب النضال الفلسطيني منذ بدء المؤتمر الصهيوني عام 1897، مرورا بأحداث موسم النبي موسى عام 1920، وأحداث البراق عام 1929، وثورة القسام بين عامي 1935 و1939، وهي الثورة الفلسطينية الكبرى. كما استعرض ما أسماها الحلول الترويضية وتاريخها، ونشأة حركة التحرير الفلسطينية ومآلاتها، في سرد تاريخي متقن وتأمل متأنٍّ، وكان رصده التاريخي والعبر المستخلصة منه دعوة لحركة حماس إلى تجنب أخطاء الماضين.
ورأى أن ثورة القسام اختفت تماما بسبب طريقة التجميع لأفرادها، وهي ببساطة جمع كل من يقوم للعمل ضد الاحتلال بدون أي دور من أدوار التربية والتثقيف الروحي والعقائدي والسياسي، وبدون التركيز على روابط تنظيمية قوية. وكانت الطرق المتبعة في تجميع الأنصار هي القيام بالمؤتمرات الخطابية في هذه المدينة أو تلك القرية، حيث تلهب عواطف الجماهير بدون تركيز على التكوين الفردي والجماعي للأفراد.
وأدرك أن هذا الأسلوب من فوائده سرعة تجميع أكبر عدد من الأنصار، ولكن من سلبياته الخطيرة أن هؤلاء الأنصار سرعان ما ينفضون عن الثورة إذا طال الطريق أو بدت في الأفق علامات انتكاس. وعلى هذا فإن الكثير من الثوار ينقلبون تحت وطأة اليأس إلى عمال في معسكرات جيش الاحتلال، إن لم يتحولوا تماما إلى الصف الآخر.
ومن عيوب هذه الطريقة عنده أيضا، سهولة اختراق جسم الثورة من قبل العملاء والمرتزقة والمتسلقين، حيث لا تدقيق في نقاء الأفراد، ويكون مؤهل الدخول في الثورة والترقي في مراكزها القيادية من نصيب الأعلى صوتا والأكثر مالا ونفوذا، ولعل هذا يفسر كيف أن الثورة اختفت تماما بعد عام 1939 ولم يعد لها وجود.
كما أخذ على الثورة الكبرى أيضا أنها بدأت مفاجِئة من غير تدرج، ومن شروط نجاح الثورة عنده أنها تبدأ بدايات بسيطة ثم تنمو مع الزمن كالطفل الوليد يشتد ساعده يوما بعد يوم، ومن خلال التجارب والنجاحات الصغيرة والإخفاقات والمعاناة يشتد ساعد الثورة ويصلب عودها، حتى تلتف حولها في النهاية كل الجماهير، وبذلك تدخل الثورة في زمن الانتصار.
وأشار المقادمة إلى أن فقدان الثورة للعمق الإستراتيجي أضرّ بها، فقد كان واضحا لدى القيادة الفلسطينية البعد الإستراتيجي للصراع وحجم الأعداء الذين تواجههم، وكان طبيعيا أن تنظر هذه القيادة حولها لكي تشكل لها عمقا إستراتيجيا لحمايتها حتى لا تقف وحدها في صراعها الطويل، وهنا وقعت الثورة في تقديرين خاطئين أحدهما الاعتماد على الغير من غير وعي، والثاني الارتهان للأنظمة التي تتوهم دعمها، وهي بعض الأخطاء التي وقعت فيها حركة فتح فيما بعد.
وهذه الأخطاء التاريخية هي التي حاولت حماس تفاديها في التأسيس والمسار، ولخّصها المقادمة في كتاب معالم طريق التحرير، وأوضحها في كتاب اتفاق غزة-أريحا.. رؤية إسلامية، وذكر في الأخير أن من شروط التحرير والتصدي للاتفاق الاستسلامي عدة أمور
كان الدكتور المقادمة يراجع نظرياته في التحرير باستمرار وفق التطورات التي عرفتها القضية، ويقيسها بمستوى الوعي الجهادي في الشعب الفلسطيني ومدى تمكن وانتشار تأثير الحركة الإسلامية، وهي عنده حركة تغيير في المقام الأول، وانقلاب شامل على كل الأوضاع الفاسدة التي أدت إلى الهزيمة، لكي نحولها إلى أوضاع جديدة تؤدي بنا إلى النصر، وما لم يفهم دعاة الإسلام ذلك فإنهم سينجرون في النهاية إلى ما انجر إليه غيرهم من التسليم بالأمر الواقع والإقرار للمحتل بحقه فيما اغتصبه من أرضنا.
وفي مراجعة أخيرة لمعالم تحرير فلسطين بعد قيام الانتفاضة الأولى وتوقيع أوسلو، ومؤتمر شرم الشيخ، وقبيل انطلاق الانتفاضة الثانية بشهور، رأى المقادمة أن فلسطين لن تُحرر قبل تَحرر أبنائها من 10 أوهام حددها في ورقة بحثية قدمها خلال ندوة ضياع فلسطين.. دروس وعبر التي نظمتها جمعية البحوث والدراسات الإسلامية في ذكرى النكبة يوم 20 مايوأيار 2001 في قاعة المؤتمرات بالجامعة الإسلامية في غزة.
أولها؛ وهم إمكانية التحرر تحت راية غير راية الإسلام، فعنده أن فلسطين مدينة برمزيتها ووجودها للإسلام الذي فتحها باسمه عمر الفاروق، وحررها بسببه من الصليبيين صلاح الدين، وأن الإسلام وحده هو القادر على حشد الطاقات لتحريرها، وأنها ضاعت حين ضعف الإسلام بإسقاط الخلافة العثمانية، فهي عنده معيار لحضور الإسلام قوة وضعفا، متعالية على كل الشعارات الخاطئة التي رفعت في بعض الأزمنة لتحريرها.
الثاني؛ التحرر من وهم الشرعية الدولية، فهي لم تكن في يوم من أيام التاريخ وسيلة لإقامة الدول، والشرعية الدولية اليوم -كما هي عبر التاريخ- شرعية القوي، والقوة الدولية الآن هي مع الصليبيين المعادين لديننا ولوجودنا، وهم الذين صنعوا دولة إسرائيل. وحين كانت بريطانيا تمثل الشرعية الدولية، احتلت فلسطين وقدمتها على طبق من فضة لليهود، وهي التي أمدتهم بالمال والسلاح والدعم السياسي، وهي التي أوصلت العرب إلى حافة اليأس.
الثالث؛ التحرر من وهم المراهنة على الولايات المتحدة، فهو يرى أن المراهنة عليها أدت إلى ضياع الجهود والأوقات، وقادت الفلسطينيين إلى متاهة تمكنت من خلالها أميركا من تكريس النكبة في الواقع العربي، وكان من نتيجته أن خرجت مصر من الصراع مع إسرائيل بالرعاية الأميركية، ولحق بها الأردن. وهكذا تستمر إسرائيل في عربدتها وتوسعها بمد أذرعها الأخطبوطية إلى كل بلدان الخليج حيث الثروة النفطية. فعند المقادمة أنه لا بد من معاملة أميركا وبريطانيا على أنهما العدو الأول، موضحا أن العداء لهما لن يزيد في بؤس الفلسطينيين شيئًا عن محاولة الصداقة معهما، بل سيضع أقدامنا على بداية الطريق الصحيح للتحرر.
الرابع؛ التحرر من وهم المراهنة على الحكام العرب، فلا يتصور المقادمة أن يأتي الحكام لتحرير فلسطين، فليس ذلك من شأنهم ولا يفكرون في هذا التحرير، وكيف يفكرون في تحرير فلسطين وأوطانُهم غير محررة وإراداتهم مسلوبة ومرهونة بالأجنبي. ويذهب المقادمة في رؤيته التحررية إلى أبعد من ذلك، فيقترح على الشعب الفلسطيني أن يكون وقود المعركة التي من شأنها حرق هؤلاء الحكام العرب وتثوير شعوبهم عليهم، وحينها نستطيع أن نتعاون جميعا لتحرير فلسطين.
الخامس؛ التخلص من وهم إمكانية تحرير الأرض قبل تحرير الإنسان المسلم، فعنده أنه لا بد من تحرير الإنسان العربي المسلم من الوهن والضعف ومن روح الاستكانة والاستسلام، وتحريره من الرعب الذي وضعه فيه حكام العرب والمسلمين، وانخلاعه عن السلبية التي فرضتها عليه الأنظمة، وفي سبيل ذلك التحرير لا بد عنده من أن ينتهي تكميم الأفواه وسلب الإرادة.
السادس؛ التحرر من وهم إمكانية منح الحكام للحرية، فعنده أن تحرر المسلم لا يمكن أن يكون هدية من الحكام، فهؤلاء ليس عندهم من هدايا لشعوبهم إلا الهراوات والكرابيج والمعتقلات لكي يحفظوا عروشهم. وبالنسبة له، غنيٌ عن القول بأن هذا التحرير لا يأتي لأناس كسالى مسلوبي الإرادة غارقين في الأوهام.. بل لا بد أن يُنتزع انتزاعا.
السابع؛ التحرر من وهم المساعدات الأوروبية والأميركية والعالمية في بناء فلسطين، فيرى أن هذه المساعدات لم تأت لبناء الدولة، وإلا فأين كانت هذه المساعدات عنا حين كنا نناضل من أجل التحرير؟ فالمساعدات جاءت لتنسي الشعب الفلسطيني دولته، بدليل أنها لم تأت إلا حين القبول بالحلول الأميركية والأوروبية كوسيلة لدعم تيار الانهيار حتى يكون له زخم شعبي، مشيرا إلى أن شظف العيش والتقشف هما السبيل الوحيد للتحرر عبر التاريخ.
الثامن؛ التخلص من وهم إمكانية الوحدة العربية تحت أي راية غير راية الإسلام، فلا يمكن للمسلمين أن يتوحدوا تحت أيٍّ من الشعارات التي تطرحها الأنظمة، لأن هذه الأنظمة ما وُجدت إلا لمنع الوحدة العربية، وأي حاكم يحاول تغيير هذا الواقع عن طريق القوة فإن أميركا له بالمرصاد، وحربُ العراق والكويت خير دليل على ذلك. ولكن من خلال الإسلام، فإن الوحدة تكون وحدة شعوب، ولن تستطيع أميركا أن تقف في وجه شعوب ثائرة تريد حريتها.
التاسع؛ التحرر من وهم المراهنة على السياسة الإسرائيلية في رسم مستقبل القضية الفلسطينية، فاليهود لن يعملوا أبدا لمصلحة الشعب الفلسطيني، وإنما كل همهم -على اختلاف مشاربهم السياسية- كيف يتخلصون من الشعب الفلسطيني.. تتعدد الوسائل والهدف واحد وهو التمكين لدولة اليهود في بلادنا وتوسعها على حسابنا وتصفية وجودنا على أرضنا، مشيرا إلى زيف حكاية جماعات السلام الإسرائيلية.
العاشر؛ التحرر من وهم إمكانية استرداد الأرض وحماية المقدسات وإقامة الدولة بدون جهاد في سبيل االله، فكل وقائع التاريخ تقرر أن الأرض لمن غلب، وأن الأوطان لا تنتزع وتؤخذ من محتليها إلا غلابا.
تلك هي خلاصات فكر الدكتور إبراهيم المقادمة في تحرير فلسطين، وهي خلاصات صاغها رجل عاش كل التجارب داخل حركة حماس المتصدرة للمقاومة، عاشها من موقع تأسيس العمل العسكري والأمني والسياسي والتربوي والمجتمعي، وهو أول قائد سياسي تغتاله إسرائيل وذلك يوم 8 مارسآذار 2003 في عيد المرأة العالمي، وقد بكته كل فلسطين وغزة نساء ورجالا، وكانت بصماته الأمنية والسياسية والتربوية واختياراته التنظيمية واضحة في مسارات الحركة، بما فيها عملية طوفان الأقصى. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/10/19/%d8%a5%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%8a%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d8%a7%d8%af%d9%85%d8%a9-%d9%85%d9%81%d9%83%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d8%a7%d9%88%d9%85%d8%a9 | 2024-10-19T13:43:54 | 2024-10-19T13:43:54 | أبعاد |
|
129 | مدمن تعذيب الجزائريين والسيرة البشعة لجان ماري لوبان | وها قد مات جان ماري لوبان في السابع من يناير من العام الجاري. ولأن الإنسان ما هو إلا سيرة تحاول أن تتحدى النسيان، فقد جئنا في هذه ننبش في ذاكرة خامدة وإرث لا يذكره الكثيرون. |
أريد أن أُعذب حتى أتأكد أن جسدي الفاني لن يخونني
الاسم وحده وصف، جان ماري لوبان، مَن لا يعرف الرجل؟ ليس في معرفة اسمه أي إنجاز معرفي، فالجميع في أوروبا وغيرها يعرفون اللقب قبل الفكرة، الاسم قبل الوجه والملامح، التاريخ قبل الحاضر، الحياة قبل الوفاة.
لا يختلف اثنان على أن اسم لوبان في فرنسا ليس مجرد اسم عائلي، وليس مجرد عائلة سياسية، بل هو خط أيديولوجي قائم، يجاور النازية والفاشية في الأفكار المعلنة تارة، والمكتومة تارات كثيرة.
كانت أفكار جان ماري لوبان تقترب من الرأي العام في بعض الأحيان، وينفر منها غالبا، إلا في بعض المحطات التاريخية التي منحته شعبية سياسية بسبب أحداث معينة، كما حدث في الانتخابات الرئاسية لعام 2002، عندما استغل أحداث 11 سبتمبرأيلول، ليصل في مفاجأة مدوية للدور الثاني من الانتخابات أمام جاك شيراك، وحش السياسة اليمينية الفرنسية وصاحب الشعبية الساحقة.
أخرج جان ماري لوبان سلاحه من فهمه، وأطلق على نفسه رصاصة مقتله سياسيا عندما وصف المحرقة بالتفصيلة في الحرب العالمية الثانية، وأعاد إطلاق رصاصة الرحمة مرة ثانية في رأسه عندما أصر على أقواله ذات صباح في لقاء صحفي مع قناة بي إف إم الإخبارية.
اختزل الجميع تاريخ جان ماري لوبان في هذين التصريحين، اعتبرته ابنته إرثا ثقيلا، فرَمَت به إلى النسيان، هي التي حاولت مرات ومرات ربط علاقات مع إسرائيل لكنها فشلت في ذلك فشلا ذريعا.
لكن جان لوبان، قد عاش ما بقي من عمره يحكي القصص والروايات ويتمنى وينتظر الأماني أن تسعفه، وها قد مات في السابع من ينايركانون الثاني من العام الجاري. ولأن الإنسان ما هو إلا سيرة تحاول أن تتحدى النسيان، فقد جئنا في هذه المادة ننبش في ذاكرة خامدة وإرث لا يذكره الكثيرون.
كان يا مكان، جان ماري لوبان والجزائر، كان يا مكان، ملف قديم من ملفات فرنسا في الأراضي التي احتلّتها.
في السنوات الأخيرة، لم يستطع أحد اللحاق بالإعلام الفرنسي في جريه السريع نحو التوجهات اليمينية. فحتى الأمس القريب كان بعض القنوات الإخبارية من قبيل قناة بي إف إم الفرنسية، المملوكة لباتريك دراهي، رجل الأعمال الإسرائيلي الفرنسي، هي التي تقود هذا التوجه الإعلامي اليميني، لكن مع ظهور قناة سي نيوز التابعة لمجموعة كانال بلس، انتقلت الفاشية الإعلامية إلى مستوى آخر مختلف تماما.
فلنفترض مثلا أن المشاهد لا يعرف جان ماري لوبان وتاريخه الكبير، وهو الذي اختير لقيادة حزب أسسه مجموعة نازيين، ماذا كان سيكتشف من خلال تغطية قناة سي نيوز مثلا؟ يجيب تقرير لموقع ميديا بارت عن هذا السؤال حينما يتحدث عن إعادة كتابة تاريخ حَرفية كان الإعلام اليميني يقوم بها لصالح جان لوبان الذي عنون وفاته بـرحيل أحد وجوه السياسة الفرنسية.
لم تدخر صونيا مبروك، الصحفية الفرنسية ذات الأصول العربية، جهدا في نعت جان لوبان بالألقاب المهمة واللامعة، كان وحشا سياسيا وإعلاميا، كان يمتلك ثقافة مدهشة، كان يحتل جزءا من العقل الجمعي السياسي. نصّبت القناة إستوديوهاتها في احتفال واحتفاء بالرجل، لكن دون تسليط الضوء طويلا على أفكاره الخطيرة الممتدة والقادمة من حلم مسَّ ذات مرة أهل الرايخ الثالث. رفع الإعلام اليميني شعار اذكروا محاسن موتاكم حصرا، وأقام مآدب المديح، لكنه لم يتحدث كثيرا عن تلك القضايا الشائكة التي خلَّفها لوبان وراءه، ومن بينها إدمانه التعذيب في الجزائر حسب الشهادات المختلفة.
في لقاء مع الصحفي روبير مينار، أسرَّ جان ماري لوبان لمحاوره بمعلومة حصرية تفتق عنها ذهنه، وهي أن الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك لم يقبل بأن يُشكِّل معه حلفا لليمين في الانتخابات الرئاسية لمواجهة اليسار، وذلك لأن شيراك كان قد اكتشف قبل ذلك أن له أصولا يهودية.
لا يحب لوبان إسرائيل لأنه متيقن من أن هنالك لوبيا يهوديا يحيك المؤامرات ضده، كان يرى في نفسه ذلك الاستثناء العظيم، الشخص الذي يحاربه الجميع لعِظَمه هو شخصيا وعظم أفكاره.
ينظر الرجل إلى حياته على أنها مغامرة مهمة للغاية كان هو بطلها الأوحد، عاش وبداخله إحساس بالفوقية والتميز الثقافي خصوصا والسياسي أيضا، ذلك الإنسان الفذ الذي فهم كل شيء وحاربه الجميع لأنه كان الوحيد القادر على رؤية الحقيقة.
يوم 28 ديسمبركانون الأول 1956، وصل الفوج الأول للمظليين بمنطقة زراده بالجزائر المحتلة، الموجودة على بُعد كيلومترات قليلة من غرب الجزائر العاصمة. من بين الواصلين كان لوبان، 29 سنة، الذي كان قد استهل مسيرة سياسية بالموازاة مع حضوره العسكري. تطوع لوبان للخدمة في الجزائر التي لم يكن يراها سوى بلاد واسعة، خاضعة لفرنسا، ممتدة لها، خادمة لمشروعها الاستعماري.
كانت حرب التحرير قد انطلقت بالفعل، عقد ونيف من الزمان على احتلال البلاد وإذلال العباد كان قد شارف على الانتهاء، لم يعد الجزائريون يقبلون الضيم، وكانت الثورة دموية جدا، كان ذلك السبيل الوحيد لتحرير الجزائر من قبضة فرنسية دموية للغاية ما زلنا حتى الآن لم نقف على تفاصيلها ولا تفاصيل ملفاتها السرية التي لم تفرج باريس عن غالبيتها، بل وما زالت تتدارس منذ زمان مجرد الاعتذار عما قامت به طيلة عقود استعمارها للجزائر.
خلال هذه السنوات، حرصت فرنسا وجيشها خصوصا على تكوين صورة تقول إن الدولة الفرنسية تحارب مجموعة إرهابيين لا يقتفون آثار جنودها فقط، بل يستهدفون المدنيين، لتظهر قصص وضع المقاومين الجزائرين لقنابل موقوتة تستهدف التجمعات البشرية التي يغلب عليها الفرنسيون.
من أجل إيقاف هذا النزيف، وقمع المقاومة الجزائرية التي تتزعمها جبهة التحرير الوطني، كان لا بد من الوصول إلى معلومات استخباراتية حساسة، لذلك كان التحقيق جزءا لا يتجزأ من طرق الوصول إلى هذه المعلومات، وكان التعذيب الضلع الأبعد للوصول إلى المعلومات ذاتها. شكَّلت هذه الضرورة الاستخباراتية فرصة ذهبية لرأس محشو بالأفكار اليمينية المبنية على التفوق العِرقي للرجل الأبيض، فكانت تلك الفرصة من أثمن ما قُدِّم لجان لوبان لممارسة كل أفكاره على أرض الواقع.
رغم سرية كل هذه العمليات، فإن العديد من التحقيقات الصحفية تمكنت من الوصول إلى تفاصيل التفاصيل بفضل العديد من الشهادات من داخل الجيش ومن خارجه. كان يوم الضابط لوبان يبدأ في الليل المتأخر، حين تخضع المدينة لسلطان النوم، يتألق الرجل وسط جنوده في إحدى قواعد الاستخبارات الفرنسية المنتشرة في البلاد، أو لعله يُفضِّل في بعض الأحيان ألا يُتعِب المتهمين، فيتكرم هو نفسه عليهم بالزيارة في منازلهم.
يدخل لوبان مصحوبا برجل مُقنَّع يُطلِق عليه الجزائريون بو شكارة، يكون الدخول بنوع من الأكشن بعنف استعراضي، يُهدَّد من خلاله الجميع مع نثر الشتائم القذرة على جميع الحضور من رجال ونساء وشياب وأطفال، حينها يكون الاختيار ما بين بدء التحقيق والتعذيب في المنزل نفسه، أو الاختفاء التام للشخص المبحوث عنه في إحدى النقاط السوداء غير الخاضعة لأي قوانين تخص الاعتقال.
تختلف حظوظ الأسر التي تُنتزَع فلذات أكبادها، فهناك الأسر المحظوظة التي تتلقف بعض أخبار مفقودها بعد أشهر، والأسر الأقل حظا التي قد تعثر على الغائب بعد سنوات، أما الأقل حظا فقد لا ترى أثرا له البتة، ولا نقصد بالأثر أن يكون بالضرورة حيا يُرزق، بل أن تظهر عظامه، ولو كانت رميما.
أضحى التعذيب روتينا يوميا للملازم لوبان، انتشرت سُمعته في كل مكان، ورغم أنه كان يُكذِّب أن يكون قد أشرف على حفلات التعذيب كون بعض الأماكن الواردة في الشهادات كانت خارج المناطق المسؤول عنها، فإن هذا العذر كذّبته تحقيقات صحفية فرنسية عدّة، لأن كثيرا من المناطق كانت خاضعة للفوج العاشر للمظليين الذين كانوا يتقاسمون أجزاء واسعة من العاصمة بسهولة ويُسر، ولم تكن هناك أي صرامة في مسألة تقسيم المناطق على حسب القائد لكل منطقة.
في ينايركانون الثاني 1957، وسَّع الجيش الفرنسي من الضغط الكبير الذي كان يقوم به بسبب الإضراب العام الذي كانت تقوده جبهة التحرير الوطنية لمدة 8 أيام، وذلك بهدف منع الجزائريين من الانخراط في هذا الإضراب.
خلال شهر ينايركانون الثاني لم يُرصَد أي تحرك للوبان، لأنه في الحقيقة كان قد عاد إلى فرنسا خلال هذه الفترة للاستعداد لاستحقاق انتخابي. لكن السياسي اليميني والملازم في الجيش الفرنسي سيظهر في ليلة ما بين الثاني والثالث من فبرايرشباط، اليوم الذي تصادف مع آخر يوم من أيام الإضراب. في عددها ليوم 4 يونيوحزيران 2002، ذكرت صحيفة لوموند 3 قصص لأشخاص عذَّبهم جان لوبان.
في مساء يوم 2 فبرايرشباط، كان لوبان موجودا رفقة رجاله في 5 زقاق غرناطة بمنطقة القصبة، جمعٌ من الناس وعبد القادر عمور، شاب في ربيعه التاسع عشر. يشبه المشهد ما سيألفه العرب في معتقلاتهم وفي سجون محتلّيهم من غوانتانامو إلى صيدنايا. جُرِّد الشاب الجزائري من ملابسه، ثم بدأت حفلة التعذيب بالماء والكهرباء، وليس في اختيار هاتين الوسيلتين أي ارتجال، فقد كان الجيش الفرنسي -كما يقول لوبان نفسه- يحرص على استعمال طرق تعذيب مريعة، لكنها لا تترك آثارا جسدية واضحة على الضحايا.
في البداية تُوضَع الأقطاب الكهربائية على المناطق الحساسة في جسم المُستجوَب، يجلس لوبان غير بعيد معطيا الأوامر ببدء التعذيب أو إيقافه، صالحة مزيان، زوجة أحد الرجال الذين عُذِّبوا أمام ذويهم في قلب منازلهم، تقول في شهادة لها حول هذه المشاهد إن الجزائريين كانوا يتوسّلون لوبان وزبنايته، ويعوون من هول التعذيب كالكلاب.
حتى هذه اللحظة، كان المعذَّبون وذووهم لا يعلمون الشيء الكثير عن الرجل الذي كان يجلس مشرفا على حفلات التعذيب، الرجل الذي كان هو نفسه يقوم بتمرير الكهرباء بيده إذا لزم الأمر، حيث كان الجنود ينادونه باسم مستعار ماركو، بيد أن هويته ستُكتشف لاحقا بعد نشر الصحف لصورته حين كرَّمه الجنرال ماسو، اللواء الفرنسي الذي كان يشرف على قيادة مجموعة المظليين، الرجل صاحب التصريح الغريب بأن الجزائريين لم يُعذَّبوا إلا بعد أن جرَّب طرق التعذيب على نفسه ليتأكد بأنها ليست فوق طاقة الإنسان.
واصل ماركو زياراته للأسر الجزائرية للفتك بأبنائها على مرأى ومسمع من الجميع، عند عائلة مروان كان يبحث عن ابنين من أبناء العائلة، علي وبوعلام، ولأن الشابين لم يكونا في المنزل، فقد بدأ في التحقيق مع أخيهما مصطفى وتعذيبه للكشف عن مكان أخويه، ثم أخذ وهو في طريقه للخروج الوالد محمد. عند الوصول إلى أحد مراكز الاعتقال سيُعذِّب لوبان الابن والأب، سيخرج الأول حيا، لكنه سيترك خلفه والده الذي ذهب في رحلة اللاعودة مع آخرين اختفوا، حيث يُشتبه في كونهم أُعدموا وأُحرقت أجسادهم.
عند عائلة عمارة، كان لوبان يبحث عن علي، وبما أنه هو الآخر كان غائبا، فقد اكتفى بأخذ أخويه محمد، 18 سنة، وسعيد، 24 سنة. عُذِّب سعيد بدرجة وحشية للغاية لدرجة أن شقيقه محمد سيقول لـفلورانس بوجي، الصحفية في جريدة لوموند إن ملامح شقيقه تغيرت تماما. سيختفي سعيد تماما قبل أن يظهر أثره في وثيقة أرشيفية للجيش الفرنسي تقول إنه قُتِل في يوم 13 مارسآذار.
سيتكرر هذا السيناريو بحذافيره مع العديد من الأسر الجزائرية التي وجدت نفسها تُقدِّم أبناءها قربانا لرغبات جان لوبان المحمومة في مواجهة الإرهاب، يدمنون طرق الأبواب باحثين عن أي أمل أو أي بصيص من الإنسانية، لكن الجواب يكون بنفي معرفة أماكن المختفين، فهم إما انتحروا، وإما نجحوا في الفرار، وإما قُتلوا بسبب خلافات مع جهات جزائرية أخرى لا علم للجيش بها.
الحدث كان في فرنسا، لكن ارتداداته كانت في الجزائر أيضا، بمجرد انتشار خبر وفاة جان ماري لوبان، عادت ذكريات الماضي الأليم تحوم حول الضحايا الذين تحدثوا مرارا وتكرارا عن الانتهاكات التي حدثت في حقهم.
لم تتأخر روائح ما كان يقوم به جان ماري لوبان كثيرا، ففي عام استقلال الجزائر، اعترف العسكري السابق في جريدة لو كومبا بأنه قام بممارسات تعذيب لأنه كان يجب القيام بذلك، ولأنه لم يكن هنالك من سبيل للدفاع عن النفس سوى التعذيب. في أكتوبرتشرين الأول عام 1966، سيخرج جاك شوفاليي، العمدة السابق للجزائر العاصمة أيام الاستعمار، بتصريح اتهم فيه جان لوبان بتعذيب أحد الموظفين السابقين في بلدية المدينة، لكن المتهم اعتبر أن الأمر لا يتجاوز مكايدات سياسية ليس أكثر.
في عام 1972، سيؤسس لوبان رفقة مجموعة رفاق يحملون في رؤوسهم فكرا شديد التطرف حزب الجبهة الوطنية، وفي عام 1983، حقق الحزب أول نجاح انتخابي له، وبدا أن صاحب الأفكار الشاذة بات الآن رقما سياسيا، هكذا تقول الانتخابات.
في يوم 13 فبرايرشباط عام 1984، وخلال استضافته في برنامج ساعة الحقيقة الذي كان يُعد من أهم البرامج التلفزية في فرنسا حينها، سيجد لوبان نفسه مجبرا على التخلي عن وقاره السياسي وبرودة دمه بعد أن تطرق محاوره لتقرير المفوض الشرطي ريني جيل الذي تحدث عن جرائم زعيم الحزب اليميني الفرنسي في الجزائر.
بعد هذا البرنامج التلفزي بسنة واحدة، ستنشر صحيفة ليبيراسيون تحقيقا صحفيا شاملا حمل عنوان معذبون من طرف لوبان، سيروي التحقيق القصة كاملة على لسان 5 ضحايا عاشوا التعذيب. بعد ذلك ستنشر صحيفة لوموند شهادة من داخل الجيش الفرنسي لشخص يُدعى جون موريس دو ماركي، كان يخدم في الفترة نفسها والمكان والزمان مع لوبان، وكانت شهادته تقول إن لوبان كان يُقْدِم هو نفسه على التعذيب بيديه.
توالت التحقيقات الصحفية التي توثق لهذه الفترة، وذهب أصحابها إلى المحاكم بسبب القضايا الكثيرة التي رفعها المتهم في وجه الجميع صارخا بنظرية المؤامرة. لكن مع مرور السنوات، بزغ نجم الرجل، ثم خفت، وبين المرحلتين كانت قضايا تعذيب الجزائريين تخفت أكثر فأكثر.
في فرنسا، كانوا يعتبرون شهادات الجزائريين حول فظائع الاستعمار غير موضوعية، كونهم الضحايا، في تفسير كوميدي يفوح بالسواد، لذلك حتى وإن تحدث الكثيرون عن موضوع التعذيب الذي قام به لوبان وغيره، فلا شيء في الواقع حدث، ظلَّ الرجل بدون عقاب، عاش عمرا مديدا حاملا في نفسه أفكاره الفاشية، وفي قلبه نشوة بعض ما قام به. | https://www.aljazeera.net/politics/2025/1/24/%d9%85%d8%af%d9%85%d9%86-%d8%aa%d8%b9%d8%b0%d9%8a%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d8%b1%d9%8a%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b4%d8%b9%d8%a9 | 2025-01-24T12:39:48 | 2025-01-25T11:57:34 | أبعاد |
|
130 | من الهيمنة إلى التوازن..الولايات المتحدة والشرق الأوسط | لا يمكن لأي قوة عظمى أن تزهد في منطقة تمر منها أهم الطرق التجارية وتحتوي على أهم منابع الطاقة | بدأت الولايات المتحدة الأميركية العقد الأول من الألفية باحتلال أفغانستان، وبعد سنتين كانت تسقط نظام صدام حسين في العراق، وترسل التهديدات إلى ما أسمته محور الشر، مئات الآلاف من الجنود ومليارات من الدولارات استهلكتها حروب تغيير الأنظمة وملاحقة الجهاديين في العالم، كل ذلك جرى في ظل تصاعد محموم للصين والقوى التقليدية الأخرى. عقد واحد كان كافيًا ليدفع الولايات المتحدة إلى التخلي عن طموحاتها لتشكيل الشرق الأوسط، فانسحبت من بغداد عام 2011، ثم من كابل عام 2021.
تزامن التراجع الأميركي في الشرق الأوسط مع اندلاع ثورات الربيع العربي وما رافقها من صراعات مسلحة أنهت الشكل القديم للنظام العربي، وقد تفاعلت الولايات المتحدة مع هذه الصراعات بالحد الأدنى من استخدام القوة، واعتمدت أكبر على اللاعبين المحليين مع مساحة أوسع للقوى الإقليمية؛ مما فتح الباب أمام سؤال هل تراجعت أهمية المنطقة للولايات المتحدة أم أن الولايات المتحدة نفسها قد تراجعت؟
ومن الممكن تناول الدور الأميركي في المنطقة من خلال مجموعة من المؤشرات التي تظهر الموقع الحقيقي للمنطقة والدور الأميركي فيها، لعل أهمها وأصلبها البنية العسكرية التي تتيح للولايات المتحدة ردع خصومها والتدخل بفعالية ضد أي تهديد لمصالحها، أما المؤشر الثاني فهو الاقتصاد وتحديدًا الطاقة والممرات الإستراتيجية التي تحتويها المنطقة، وأخيرًا شكل الإستراتيجية الأميركية في المنطقة ومدى تدخلها والمساحات التي تتركها للقوى المحلية.
تمثل القواعد العسكرية المظهر الأهم للإمبريالية الأميركية، ورأس حربتها في الهيمنة العالمية، وتشير بعض التقديرات إلى امتلاك واشنطن ما يقرب من 750 قاعدة عسكرية منتشرة في 80 دولة من العالم، يخدم فيها نحو 173 ألف جندي أميركي في 153 دولة. وقد بدأت عملية الانتشار مع نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما بدأت القوات الأميركية التمركز في أوروبا واليابان، وتطورت لاحقًا في إطار الحرب الباردة ومواجهة الاتحاد السوفيتي وحلفائه.
في الشرق الأوسط، مر الانتشار العسكري بمراحل متعددة، فخلال الحرب الباردة لم تحتفظ أميركا بوجود عسكري قوي في المنطقة، واعتمدت على قاعدتين، قاعدة إنجرليك الجوية في تركيا التي كانت مخصصة بالدرجة الأساسية للتعامل مع الاتحاد السوفيتي والدفاع عن القارة الأوروبية، وقاعدة المنامة البحرية في البحرين التي استخدمتها بعد الانسحاب البريطاني منها، إضافة إلى بعض المنشآت التي وظفت للعمليات الأمنية والتنصت الإلكتروني.
وجود أميركا العسكري المحدود في المنطقة لم يمنعها من التدخل بفعالية بالاعتماد على قواتها القريبة من الشرق الأوسط، عبر قواعدها الأوروبية أو حتى بالاعتماد على إسرائيل لاحقًا.
وفي بداية عقد الثمانينيات بدأت الإستراتيجية الأميركية اتجاه المنطقة وتحديدًا الخليج العربي أخذ خطوات مبادرة، مع نجاح الثورة الإسلامية في إيران 1979، واتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية 1978، ومع ما هو أهم وهو الغزو السوفيتي لأفغانستان 1980.
وفي خطابه عن حالة الاتحاد في ينايركانون الثاني 1980 أعلن الرئيس الأميركي جيمي كارتر ما سوف يعرف بمبدأ كارتر الذي التزمت فيه الولايات المتحدة الأميركية بحماية حقول النفط في الخليج العربي من أي غزو خارجي.
وفي ذات العام جرى تأسيس قوة المهام المشتركة للانتشار السريع التي سوف تخرج منها لاحقًا القيادة المركزية الأميركية، وسرعان ما أعلنت الولايات المتحدة لاحقًا عملية الإرادة الصادقة لحماية ناقلات النفط الخليجية خلال حرب الناقلات بين إيران والعراق.
وشكلت حرب الخليج الثانية وما تلاها من أحداث نقطة التحول الأهم في الوجود العسكري الأميركي في المنطقة الذي شكل بداية الانتشار الأوسع للقوات الأميركية في منطقة الخليج من خلال مجموعة من القواعد العسكرية في السعودية والكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة، إضافة إلى مصر والأردن وإسرائيل، ولاحقًا العراق وسوريا.
وتوزعت هذه القواعد بين أفرع القوات المسلحة الأميركية البحرية والجوية والجيش، إضافة إلى القواعد الاستخبارية وتحديدًا استخبارات الإشارة ومنظومات الدفاع الجوي التي تشغّلها بالتعاون مع الدول المضيفة.
وإلى جوار القواعد العسكرية البرية التي تنتشر في المنطقة، تشغل البحرية الأميركية أسطولين بحريين، الأسطول الخامس الذي يتخذ من البحرين مقرًّا له، وتمتد مهامه على طول الخليج العربي وبحر العرب والبحر الأحمر والمضايق الإستراتيجية؛ هرمز وباب المندب وقناة السويس، والأسطول السادس الذي يمتد نطاق عمله في البحر الأبيض المتوسط ودوله. ويملك كلا الأسطولين مجموعة حاملة طائرات وعددًا من القواعد اللوجستية على سواحل الخليج والبحر الأبيض المتوسط.
وإلى جوار القواعد العسكرية الأميركية، أبرمت الولايات المتحدة الأميركية مجموعة من الاتفاقيات مع دول في المنطقة تتيح لها استخدام منشآتها وبنيتها التحتية لأغراض عسكرية، كما تشغّل وكالة المخابرات الأميركية مجموعة من المحطات الأمنية المنتشرة في المنطقة التي تضم أكبر السفارات الأميركية في العالم، كما هو الحال مع السفارة الأميركية في بغداد والسفارة الأميركية التي يجري إنشاؤها في العاصمة اللبنانية بيروت، وسابقًا السفارة الأميركية في القاهرة التي بُنيت عام 1980.
وتؤدّي القواعد العسكرية أدوارًا عدة في منظومة الهيمنة الأميركية، فهي رأس جسر لأي تحرك في المنطقة، ومنطلق أي تدخل سريع، وإلى جوار وظيفتها العسكرية، تمثل القواعد الأميركية التزامًا سياسيًّا من الولايات المتحدة بأمن الدولة المستضيفة في مواجهة أي تهديدات داخلية أو خارجية، وتعبيرًا عن أهمية المنطقة التي توجد بها هذه القواعد.
هذه القواعد والبنية العسكرية الأميركية تشكل نواة لنظام دفاعي وأمني إقليمي، من هنا جاء انضمام إسرائيل إلى المنطقة المركزية سنتكوم التي يمتد نطاق عملها من مصر إلى آسيا الوسطى، كخطوة هامة في إطار بناء نظام دفاع إقليمي تشرف عليه الولايات المتحدة في المنطقة، جرى تجريبه للمرة الأولى خلال التصدي للضربة الإيرانية في شهر أبريلنيسان الماضي، وتؤدّي فيه قيادة المنطقة دور محطة معالجة مركزية للبيانات الواردة من محطات الرصد القادمة من الدول المختلفة، وتطمح الولايات المتحدة مستقبلًا إلى نظام أكثر تكاملًا بين هذه القوى.
النفط هو مدخل الولايات المتحدة الأول إلى المنطقة منذ النصف الأول من القرن الماضي، أي قبل أن تتحول إلى إمبراطورية ذات التزامات عالمية، وقد مثل لقاء الملك عبد العزيز مع الرئيس الأميركي روزفلت على البارجة الأميركية يو إس إس كوينسي المحطة الأولى في هذا التوجه الذي تكفلت بموجبه الولايات المتحدة بتوفير الحماية لمصادر الطاقة مقابل تدفق إمدادات النفط.
ومع تصفية الإمبراطورية البريطانية وتصاعد التنافس السوفيتي الأميركي عملت الولايات المتحدة على حماية المنطقة من وصول السوفيت إلى مواردها وموقعها الإستراتيجي فقامت بتطوير سياسة الأحزمة الإستراتيجية التي اعتمدت على الأحلاف كحلف بغداد أو على العلاقات مع دول بعينها كما هو الحال مع تركيا وإيران الشاه.
وجاءت أهمّ نقطة تحول في هذا المجال، خلال حرب أكتوبر التي حظرت فيها الدول العربية بيع النفط وما تركه ذلك من أثر في الاقتصاد العالمي والأميركي؛ مما ضاعف أهمية المنطقة ونفطها، ومن ثَمّ الاهتمام الأميركي بها؛ فتدخلت الولايات المتحدة لأول مرة عسكريًّا خلال الحرب العراقية الإيرانية لحماية ناقلات النفط من الاستهداف الإيراني؛ لتصبح حماية خطوط الطاقة من أهم الأولويات الأميركية التي طورت وجودًا عسكريًّا يترافق مع هذه الغاية يتركز على الأسطول الخامس والقواعد العسكرية المنتشرة في الخليج.
وعلى مدار عقود التسعينيات وبداية الألفية حافظت الولايات المتحدة على سياسة نشطة في تأمين مصادر الطاقة بالخليج، مع تزايد الاعتماد الأميركي في استهلاك النفط على الاستيراد من الخارج الذي بلغ ذروته بما يقرب من 12.5 مليون برميل في اليوم الواحد.
ومع زيادة الاستثمار الأميركي في النفط الصخري والمصادر البديلة بدأ الاعتماد الأميركي على الواردات النفطية التراجع. فبعد أن وصل عدد البراميل النفطية التي تستوردها الولايات المتحدة من دول الأوبك إلى 5.9 ملايين برميل في اليوم الواحد عام 2007، تراجع إلى 1.2 مليون برميل في اليوم الواحد عام 2023، كما تراجعت صادرات السعودية إلى الولايات المتحدة من 1.7 مليون برميل عام 2003 إلى ما يقرب من 400 ألف برميل عام 2023.
تراجع الاعتماد الأميركي على النفط الشرق أوسطي قابله تصاعد في الواردات الصينية للنفط الشرق أوسطي وتحديدًا القادم من السعودية. فالصين التي أصبحت أكبر مستورد للنفط في العالم العام الماضي بـ11.3 مليون برميل يوميًّا أمّنت ما يقرب من نصف احتياجاتها من الشرق الأوسط، كما تمثل الطاقة نحو 46٪ من الاستثمارات الصينية في المنطقة التي بلغت بين عامي 2005 و2022 ما يقرب من 126 مليار دولار، وفي عام 2021 خصصت الصين 28.5٪ من استثمارات مبادرة الحزام والطريق لمنطقة الشرق الأوسط.
تصاعد الاهتمام الصيني بالمنطقة يشكل تفسيرًا لاحتفاظ الولايات المتحدة بوجودها في المنطقة وحرصها على حمايته وتعزيزه. فحتى في ظل عدم استيراد الولايات المتحدة الجزء الأكبر من نفطها من المنطقة فإن منافستها الإستراتيجية تفعل ذلك؛ ومن ثَمّ يصبح من المهم أن تبقى مصادر الطاقة والممرات الإستراتيجية تحت الهيمنة الأميركية، فازدياد النفوذ الصيني يجعل ترك المنطقة والانسحاب منها يحدِثان فراغًا إستراتيجيًّا تملؤه الصين.
فتح الانسحاب الأميركي من العراق الباب مجددًا على الإستراتيجية الأميركية المثلى للتعامل مع الشرق الأوسط، في ظل تصاعد تهديدات تقليدية سواء من الصين في آسيا أو من عودة الحرب إلى الساحة الأوروبية مع الحرب الروسية الأوكرانية.
ودائمًا ما كانت أولويات توزيع الموارد العسكرية والأمنية والحاجة إلى الاقتصاد في القوة واستخدامها أساسًا للنقاش، بعد سنوات من التورط والاستنزاف الأميركي في حروب العراق وأفغانستان، اللذين كان الاحتلال الأميركي لهما ذروة إستراتيجية الهيمنة الليبرالية ومساعيها لتغيير الأنظمة بالقوة الغاشمة.
وفي مقابل تلك الإستراتيجية يُنظِّر أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو جون ميرشايمر وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفرد ستيفن والت لفكرة التوازن الخارجي.
يرى ميرشايمر ووالت أنه بموجب إستراتيجية التوازن الخارجي فإنه على واشنطن بداية التخلي عن الجهود الطموحة لإعادة تشكيل المجتمعات الأخرى وأن تركز على ما يهم حقا الحفاظ على هيمنة الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي ومواجهة القوى المهيمنة المحتملة في أوروبا وشمال شرق آسيا والخليج العربي.
ووفقًا لهذه الإستراتيجية فإن المحدد الأساسي للانتشار الأميركي الواسع في أيّ من المناطق الثلاث هو ظهور قوة مهيمنة يمكنها تهديد المصالح الأميركية، فهذا الأمر هو وحده الذي يستحق أن تخصص من أجله الولايات المتحدة الموارد المادية والبشرية.
وعلى العكس من ذلك إذا لم تكن هناك قوة مهيمنة محتملة في الأفق في أوروبا، أو شمال شرق آسيا، أو الخليج، فلن يكون هناك سبب لنشر قوات برية أو جوية هناك، لأن الأمر يستغرق سنوات عديدة قبل أن تكتسب أي دولة القدرة على الهيمنة على منطقتها، فسوف ترى واشنطن ذلك قادمًا وسيكون لديها الوقت للرد.
وتأتي إستراتيجية التوازن الخارجي في مواجهة طرح الهيمنة الليبرالية التي تفترض أن الحفاظ على الهيمنة الأميركية في العالم يستلزم نشر أكبر قدر ممكن من القوات العسكرية في مناطق مختلفة من العالم، وهو ما يرفضه ميرشايمر ووالت ويريان أن التوازن الخارجي يستلزم من الولايات المتحدة تجنب مساعي الهندسة الاجتماعية، وتقليص البصمة العسكرية وعدم تمركز الجنود على أرض أجنبية إلا عندما تكون دول ما في منطقة حيوية تتعرض لتهديد من قبل قوة مهيمنة محتملة.
ويلاحظ أن ما تركز عليه إستراتيجية التوازن الخارجي في مقابل الهيمنة الليبرالية هو توزيع الموارد العسكرية ومستوى التدخل في الدول والمناطق، فإستراتيجية التوازن الخارجي تنطق من الحاجة إلى الاقتصاد في القوة وضبط الأولويات، أما الهيمنة الليبرالية فتنطلق من الحاجة إلى الوجود المكثف بشكل وقائي تجنبًا لدفع أثمان أكبر.
وعند النظر إلى منطقة الشرق الأوسط والسياسة الأميركية اتجاهها يلاحظ أن الفترة الممتدّة من نهاية الحرب العالمية الثانية حتى نهاية الحرب الباردة أدارت الولايات المتحدة سياستها فيها بالاعتماد على التوازنات الموجودة من دون أن تقوم بأي عمليات انتشار واسعة للقوات، وباستثناء حالات قليلة كما هو الحال مع لبنان عامي 1958 و1982 لم تتدخل قوات أميركية بشكل واسع في أي من صراعات المنطقة.
هذا الأمر تغير مع انهيار الاتحاد السوفيتي في تسعينيات القرن الماضي والتدخل الأميركي الواسع في حرب الخليج التي تلاها تمركز الولايات المتحدة في المنطقة، وجاء احتلال العراق وأفغانستان ليكون ذروة التدخل الأميركي، ثم عادت الولايات المتحدة لتخفف مجددًا من هذه القوة ومستوى التدخل، لصالح إستراتيجية جديدة جمعت بين مستوى التدخل والقوة المنتشرة في المنطقة، ومستوى من تجنب الانخراط في الصراعات الإقليمية.
باستثناء حالات الاستعمار المباشر، لم يسبق لأي قوة أجنبية أن نشرت هذه القوة العسكرية في المنطقة العربية كما تفعل الولايات المتحدة الأمريكية، باستثناء فترة الحرب على العراق، فلم يسبق للولايات المتحدة الأمريكية أن احتفظت بهذا الحجم من القوات أو الأصول العسكرية والأمنية في المنطقة.
فالولايات المتحدة تحتفظ بقواعد عسكرية بالقرب من مصادر الطاقة في الخليج والعراق، كما تتواجد في سوريا وإسرائيل، بالإضافة إلى نشاط الأسطول الخامس في بحر العرب والبحر الأحمر الذي يضم الممرات الاستراتيجية الأهم.
كما لم تتخلى الولايات المتحدة عن محاولات بناء أحلاف سياسية موالية لها، ومازالت تحتفظ بسياسة نشطة في احتواء أو مواجهة الدول الاقليمية ذات الطموح كإيران وتركيا، وتسعى إلى الحد من نفوذ القوى الدولية المناوئة كما هو الحال مع الصين ومساعيها لبناء نفوذ سياسي واقتصادي في المنطقة في تصاعد الاعتماد الصيني على نفط المنطقة، وحاجاتها إلى حماية خطوط التجارة الدولية التي تمر منها.
فلا يمكن لأي قوة عظمى أن تزهد في منطقة تمر منها أهم الطرق التجارية وتحتوي على أهم منابع الطاقة، لكن يمكن لهذه القوى أن يتراجع نفوذها، فلا يمكن مقاربة الدور الأمريكي في المنطقة دون تجاوز آثار الحرب في العراق وأفغانستان عليه وما أنتجته من معضلات للولايات المتحدة، فما يمنع إيران من تواجه مصير العراق 2003، وهو ما تعرضت له الولايات المتحدة في العراق، ففائض القوة الذي تمتعت به الولايات المتحدة في ذلك الوقت هو ما أتاح لها القدرة على خوض هذه المغامرات، والحاجة إلى الاقتصاد في القوة هو ما يدفعها الان إلى التعايش مع معضلات قائمة. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/7/25/%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%87%d9%8a%d9%85%d9%86%d8%a9-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%a7%d8%b2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%88%d9%84%d8%a7%d9%8a%d8%a7%d8%aa | 2024-07-25T09:52:35 | 2024-12-02T03:23:37 | أبعاد |
|
131 | ماذا نعرف عن القنابل التي يرجح استخدامها في اغتيال نصر الله؟ | أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن القنابل المستخدمة في الهجوم على الضاحية الجنوبية هي من طراز “مارك 84″، دون أن يصدر أي تأكيد أو نفي رسمي حول الأمر من الجيش الإسرائيلي، فما هي هذه القنابل؟ | أصدر حزب الله اللبناني بيانا نعى فيه أمينه العام حسن نصر الله الذي لقي حتفه مساء الجمعة، إثر غارات إسرائيلية استهدفت مقر القيادة المركزية للحزب في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت.
ووفقا لإذاعة الجيش الإسرائيلي، أسقطت طائرات من السرب 69 نحو 85 قنبلة خارقة للتحصينات تزن الواحدة منها طنًّا تقريبا على مكان وجود نصر الله ما أدى إلى مصرعه ورفاقه.
يتفق ذلك مع ما أوردته مصادر صحفية، ومنها شبكة سي إن إن، أوضحت أن نطاق الدمار الذي محا 6 أبراج كاملة في حارة حريك في ضاحية بيروت، وحجم الحفر التي خلفتها الانفجارات، ونطاق اهتزازات المنازل الذي جاوز 20 ميلا، يشير ربما إلى استخدام قنابل يصل وزنها إلى 2000 رطل 907 كيلوغرامات نحو طن كامل، وهو ما يتوافق مع طرازات عدد من القنابل أميركية الصنع التي يحتفظ بها الجيش الإسرائيلي في ترسانته والمصممة لضرب الأهداف تحت الأرض مثل قنابل مارك 84 Mk 84، وقنابل MPR-2000، وحتى قنابل BLU-109.
من جانبها، أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن القنابل المستخدمة في الهجوم على الضاحية الجنوبية هي من طراز مارك 84، دون أن يصدر أي تأكيد أو نفي رسمي حول الأمر من الجيش الإسرائيلي.
تُعد مارك 84 هي الأثقل بين سلسلة قنابل مارك 80 MK-80 أميركية الصنع التي تضم 4 أنواع من القنابل متعددة الأوزان تتراوح بين 250-2000 رطل. وتُصنَّف جميع أنواع مارك 80 بأنها قنابل غبية، وهو مصطلح يُطلق على القنابل غير الموجهة التي تعتمد على السقوط الحر بفعل الجاذبية الأرضية، بدون محركات توجيه.
وغالبا ما تتمتع هذه القنابل بقدرات تدميرية عالية بسبب احتوائها على حمولة ثقيلة من المتفجرات، فمثلا تحتوي قنابل مارك 84 على أكثر من 400 كيلوغرام من مادة تريتونال شديدة الانفجار، وهو ما يناهز نصف وزن القنبلة. والتريتونال هو خليط من مادتي تي إن تي ومسحوق الألمنيوم بنسبة 4 إلى 1، ويعمل مسحوق الألمنيوم على زيادة كمية الحرارة المنطلقة والحجم التفجيري؛ مما يجعل التريتونال أشد تدميرا من مادة تي إن تي بمفردها.
ووفقا لمكتب إدارة الذخيرة في الجيش الأميركي، فإن الأهداف المثالية لمثل هذه القنابل المدمرة تشمل المباني والسكك الحديدية وخطوط الاتصالات، ويمكن استخدامها في سائر العمليات التي تتطلب أقصى قدر من الطاقة التفجيرية.
وكما يظهر من اسمها، تفتقر القنابل الغبية للدقة في التوجيه، وهي مصممة أصلا لإحداث دمار هائل النطاق من دون تمييز دقيق أو لتدمير أهداف واسعة في بيئة مكشوفة؛ لذلك يُفترض ألا تُستخدم في المناطق السكانية بسبب أضرارها الهائلة على المدنيين.
فمثلا بإمكان قنابل مارك 84 إحداث دمار هائل في دائرة نصف قُطرها 400 متر.
وهناك أكثر من طريقة يمكن لهذه القنابل أن تفتك من خلالها بالبشر، بداية من غلافها الذي يتحطم عند الانفجار إلى شظايا حادة قادرة على تمزيق أجساد الناس والمركبات غير المدرعة على حدٍّ سواء، كما أن الضغط الناتج عن انفجار هذه النوعية من الأسلحة قادر على تمزيق الرئتين وتفجير تجاويف الجيوب الأنفية وقطع الأطراف على بُعد مئات الأمتار من موقع الانفجار، هذا ولم نذكر بعدُ الكم الهائل من الضحايا بسبب تحطم المباني فوق رؤوس ساكنيها.
ونتيجة لذلك، فإن استخدام مثل هذه القنابل في المناطق المكتظة بالسكان يُعد انتهاكا للقانون الدولي الإنساني نظرا لأنها تنتهك بوضوح مبدأ التناسب، الذي يوجب أن تكون الخسائر المدنية متناسبة مع تحقيق هدف عسكري محدد.
وإذا فشلت القوة المعتدية في إثبات أن أعداد الضحايا المدنيين كانت متناسبة وغير مفرطة بشكل واضح مقارنة بأي ميزة عسكرية مباشرة، فإن الهجوم يُعد جريمة حرب وفقا لقواعد المحكمة الجنائية الدولية.
جدير بالذكر أن الإدارة الأميركية قامت في وقت سابق من شهر مايوأيار الماضي بتعليق إرسال شحنة من القنابل الثقيلة من نوع مارك 80 إلى إسرائيل، بعدما فشلت الأخيرة في معالجة مخاوف واشنطن بشأن خططها لاجتياح رفح جنوبي قطاع غزة.
حيث أشار وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ جرت في الشهر نفسه، إلى أن منطقة مكتظة بالسكان مثل رفح تتطلب أسلحة أقل قوة وأكثر دقة، نظرا لأن متوسط كثافة سكانها يبلغ 20 ألف نسمة لكل كيلومتر مربع، وأضاف أوستن أن الولايات المتحدة أوقفت شحن هذه القنابل بسبب وجود نية إسرائيلية لشنّ هجوم على رفح من دون خطة مناسبة لحماية مليون مدني لجؤوا إلى هناك.
ومع ذلك، أعادت واشنطن إمداد دولة الاحتلال بهذه القنابل في يونيوحزيران الماضي، فيما ظل التعليق ساريا على قنابل مارك 84 الأثقل فقط والمرجح استخدامها في اغتيال حسن نصر الله.
لكن الولايات المتحدة كانت قد أمدت الاحتلال بكل أنواع مارك على مدار 7 أشهر منذ بدء العدوان على غزة، بما في ذلك مارك 84، لذا يُرجح أن إسرائيل لا تزال تحتفظ بمخزونات من القنبلة الأثقل ربما تكون قررت استخدامها في لبنان مؤخرا.
لا يقف الاستخدام الإسرائيلي المحتمل للقنابل الغبية على حدود لبنان فقط، فبحسب تقييم استخباري أميركي في ديسمبركانون الأول الماضي، فإن قرابة 50 من ذخائر جو-أرض التي استخدمها جيش الاحتلال الإسرائيلي في غزة منذ 7 أكتوبرتشرين الأول 2023 كانت غير موجهة؛ مما تسبب في ارتفاع أعداد القتلى المدنيين، وهو ما ينفي ادعاء إسرائيل حول قصفها أهدافا عسكرية، ويُعد دليلا على تعمدها إلحاق الأذى بالمدنيين.
خاصة إذا علمنا أن الاحتلال يمتلك ذخائر موجهة متطورة تصل دقتها إلى 3 أمتار، لكنه يُفضِّل استخدام الذخائر غير الموجهة رغم هامش الخطأ الواسع الذي تنجم عنه زيادة هائلة في أعداد القتلى.
ومما يؤكد أن الجيش الإسرائيلي يعمد إلى ارتكاب عمليات إبادة بلا تمييز، كما سبق له أن قام بها في غزة على مدار عام أو كما يفعل حاليا في لبنان، هو سجل قنابل مارك 80 الحافل بالأخطاء ومؤشرات انعدام الدقة.
حيث تشير البيانات إلى أن أغلب القنابل من هذا النوع التي ألقيت فوق فيتنام وكمبوديا من قِبَل الجيش الأميركي بين عامي 1965-1973، هبطت على مسافة 400 قدم من هدفها في أفضل الأحوال، سواء نتيجة خطأ من الطيار أو بسبب الرياح التي دفعتها بعد إسقاطها؛ مما أدى إلى مقتل أعداد كبيرة من المدنيين، فضلا عن أعداد من الجنود الأميركيين.
وفي واقعة بعينها، فشل الرادار في تحديد المكان الصحيح لإسقاط القنابل خلال موجة طقس سيّئ؛ مما تسبب في سقوط 34 قنبلة من طراز مارك 82 خطأً فوق قاعدة جوية أميركية في مدينة دا نانغ الفيتنامية؛ وهو ما دفع شركة تكساس إنسترومنتس إلى تطوير مجموعة من الملحقات عُرفت باسم بافواي Paveway في ستينيات القرن الماضي، وكان الغرض منها السماح بتوجيه القنبلة ذاتيا من خلال أشعة ليزر تسلطها الطائرات الحربية، بهدف تقليص مسافة الخطأ إلى نحو 10 أقدام.
ومع ذلك لم تُشكِّل القنابل المجهزة بنظام بافواي إلا جزءا ضئيلا من الترسانة الأميركية من القنابل أثناء حرب فيتنام، نظرا لتكلفتها العالية.
المحاولة الأخيرة في سياق تحسين نمط التوجيه في قنابل مارك جاءت بإضافة ملحق آخر يُعرف بـذخيرة الهجوم المباشر المشترك jDAMs. هذا الملحق عبارة عن مجموعة توجيه تعمل عبر نظام تحديد المواقع العالمي جي بي إس، وتُركَّب في ذيل القنابل ذات السقوط الحر لتحوّلها إلى ذخائر ذكية أكثر دقة، لكن هذه الفئة لا تزال ذات تكلفة مرتفعة، وإن كانت أقل من مثيلاتها الموجهة عن طريق نظام بافواي.
وعموما، تتميز قنابل مارك بانخفاض تكلفتها بشكل كبير مقارنة بمثيلتها الموجهة، مما يوفر حافزا آخر لاستخدامها من قِبَل جيش الاحتلال، حيث تتراوح تكلفة الأولى بين 3-16 ألف دولار، في حين تصل تكلفة أنواع من الذخيرة الموجهة إلى نحو 250 ألف دولار.
وعلى صعيد مزاياها الأخرى، فإن أغلفتها مصممة أسطوانيا بما يمنحها انسيابية حركية في الهواء، كما أنها مؤهلة لاستقبال زعانف مخروطية في الذيل؛ مما يزيد من استقرارها بعد الإطلاق، وهي تستخدم فتيل اتصال للتفجير عند الاصطدام أو بعده بكسر ضئيل من الثانية إذا كان تأثير الاختراق مطلوبا، كما في حالة استخدامها من جانب جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي يوظفها أحيانا في تفجير المناطق التي يعتقد أن ثمة أنفاقا أو مبانيَ محصنة أسفلها، نظرا لأن القنبلة تتسبب في حفرة بعمق يصل إلى 11 مترا، وقُطر يصل إلى 15 مترا.
ويكثف الاحتلال الإسرائيلي ضغوطه على الإدارة الأميركية من أجل استمرار توريد الذخائر الثقيلة، وهو يستخدم في ذلك حجة رئيسية قادمة من العوالم السياسية المظلمة، مفادها أن الولايات المتحدة سبق أن استخدمت هذه القنابل في مناطق فيها كثافة سكانية؛ لذا فلا يوجد ما يمنع من أن تفعل إسرائيل الأمر نفسه.
ومن ذلك ما نشرته مجلة كومنتاري الصادرة عن اللجنة اليهودية الأميركية التي أشارت في تقرير لها إلى أن الولايات المتحدة سبق أن استخدمت قنابل مارك 84 في بيئات حضرية كثيفة أثناء حرب العراق، وذكر التقرير أن القوات الجوية الأميركية أسقطت قنبلتين من الطراز ذاته عام 2016 في منطقة سكنية داخل الموصل، بغرض تدمير قبو يحتوي على مخزون ضخم من النقود امتلكه تنظيم الدولة الإسلامية آنذاك.
يُذكر أن الولايات المتحدة أسقطت أكثر من 12,000 قنبلة مارك 84 على العراق خلال عملية عاصفة الصحراء عام 1991 ضد مجموعة واسعة من الأهداف، بما في ذلك المدفعية والشاحنات والمخابئ ومواقع صواريخ أرض-جو، إضافة إلى مواقع المدفعية المضادة للطائرات ورادارات الإنذار المبكر ونقاط الإمداد.
أما في حرب فيتنام فألقت أميركا عددا من قنابل مارك 82 يفوق كل أنواع الأسلحة الأخرى مجتمعة، واستخدمت قنابل مارك 84 في تدمير المباني الكبيرة والبنية الأساسية والجسور.
وفيما يبدو، تستجيب واشنطن للضغوط الإسرائيلية، وتحاول تبرير استخدام الاحتلال للقنابل الثقيلة في الأحياء المكتظة سكانيا، حيث يقول مسؤولون أميركيون إن واشنطن تعتقد أن الجيش الإسرائيلي يُسقط قنابل مارك باستخدام تكنيك يُسمّى القصف الغطسي، وهو تكنيك يتم خلاله إسقاط القنبلة أثناء غوص الطائرة بشكل حاد نحو الهدف، وهو ما يزيد من دقة القنابل لأنه يقربها من الهدف.
وتستفيد هذه العملية من وجود كيس هوائي في ذيل القنبلة مصنوع من نسيج النايلون المقوى، يعمل على إبطاء سرعة القنبلة عند إطلاقها من ارتفاع منخفض؛ مما يمنح المقاتلة فرصة الهرب بعيدا عن مدى الانفجار.
لا يمكن التأكد بشكل جازم من دقة هذه المزاعم الأميركية، لكن الأعداد الهائلة من القتلى المدنيين في غزة وفي لبنان تلقي بظلال كثيفة من الشكوك حولها.
يعضد هذه الشكوك التحليل الذي أجراه مركز خدمات أبحاث التسليح بتكليف من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الذي يشير إلى أن محاولات تحسين مسار هذه القنابل وإكسابها دقة أكبر لا يمكنها أن تخفف من احتمالات إلحاق الضرر بالمدنيين، وأن المنطقة التي سوف تسقط فيها هذه القنابل سوف تكون أكبر دائما من مساحة نظيراتها المستهدفة بأسلحة ذكية أو موجهة.
أضف إلى ذلك ما خلص إليه تقرير الأمم المتحدة الصادر في يونيوحزيران الماضي من أن الاحتلال الإسرائيلي قام بسلسلة من الضربات الجوية العشوائية وغير المتناسبة على قطاع غزة فيما بين أكتوبرتشرين الأول وديسمبركانون الأول 2023، واستخدم في هجماته قنابل ثقيلة تراوحت أوزانها بين 250-2000 رطل، وتركزت ضرباته على مبانٍ سكنية ومخيمات للاجئين ومدرسة وسوق؛ مما أدى إلى مقتل 218 شخصا على الأقل في 6 ضربات فقط.
يشير التقرير إلى أن جيش الاحتلال انتهك مرارا وتكرارا المبادئ الأساسية لقوانين الحرب. كما يربط بين فشل الاحتلال في تمييز المدنيين من المقاتلين أثناء هجماته، وبين وسائله واختياراته لإدارة أعماله العدائية في غزة، بما في ذلك الاستخدام المكثف للأسلحة المتفجرة ذات التأثيرات واسعة النطاق في المناطق المأهولة بالسكان.
إضافة إلى ذلك، يرصد التقرير مقولة للمتحدث باسم جيش الاحتلال أفصح خلالها عن اختيار قواته لأسلحة تسبب أقصى قدر من الضرر في غزة، وهو ما يتفق مع نظرة وزير دفاع الاحتلال إلى الفلسطينيين الذين وصفهم بألفاظ تسعى لنزع الإنسانية عن أهل غزة، وهو أمر يمكن مده إلى استقامته إلى لبنان.
تفسر هذه الحقائق والتصريحات مجتمعة سرّ إصرار الاحتلال على الحصول على هذه القنابل الغبية، وهو أن الدمار الشامل والقتل واسع النطاق هما هدف إسرائيل في المقام الأول. ما يحدث في غزة وفي لبنان هو ببساطة حرب ترهيب وتدمير شاملين، قبل أن يكون عملية عسكرية ذات أهداف محددة؛ لذا فإن الأسلحة المستخدمة فيها مختارة بعناية لإلحاق أكبر قدر ممكن من القتل والدمار. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/7/25/%d8%a3%d8%b3%d9%84%d8%ad%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85%d8%a7%d8%b9%d9%8a-%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d8%aa%d8%aa%d9%85%d8%b3%d9%83 | 2024-07-25T08:28:29 | 2024-09-28T23:14:43 | أبعاد |
|
132 | طبيب نفسي أم أخصائي نفسي؟ أيهما أختار وما الفرق بينهما؟ | تبدو عمليّة اختيار الطبيب أو المعالج النفسيّ محيّرةً لدى الكثير من الناس، فكيف يمكن لك أن تختارَ الشخص الذي ستطلعه على أسرارك وأعمق أشكال معاناتك النفسية؟.. أسئلة كثيرة نجيبك عليها في هذا التقرير. | لا شك أن عمليّة اختيار الطبيب أو المعالج النفسيّ تبدو محيّرةً لدى الكثير من الناس، فكيف يمكن لنا أن نختارَ الشخص الذي سنُطلعه على أسرارنا وأعمق أشكال معاناتنا النفسية؟ وكيف نتأكّد من قدرتنا على الثقة به؟ ولعلّ هذا يفسّر جزءًا من عزوف الناس عن زيارة المتخصص النفسي، فليسوا كلّهم مستعدّين للكشف عن ذواتهم أمام إنسان آخر بكل هذا الوضوح، ولا هم قادرون على مجابهة آثار ذلك حتى لو كانت استجابة المتخصص إيجابيةً.
إلّا أنّ التقدّم الكبير الذي حدث في مجال الصحة النفسية، واعتبارها جزءًا لا يتجزّأ من الصحة، واعتبار الطب النفسي كذلك جزءًا أساسيًّا من الخدمات الطبية العامّة، جعلَ الأمرَ أكثر سلاسةً على أرض الواقع. وترافق ذلك مع دور التكنولوجيا الكبير في تسهيل اختيار الطبيب أو المتخصص، والمقارنة بين الخدمات الطبية المختلفة من حيث هي خدمات تخضع لمنطق العرض والطلب والمنافسة.
هذا المقال يحاول وضع إرشادات عامّة لعملية اختيار المتخصص النفسي، بالإضافة إلى إرشادك لبعض المعطيات الأساسية البسيطة التي قد تسهّل عليك عملية الاختيار.
تؤدي شخصية الطبيب ومهارات التواصل لديه وقدرته على فهم المريض دورًا جيّدًا في مآل المرض والتعافي منه، وهذه نتيجة تثبتها أبحاث متزايدةٌ عبر السنوات. ويزداد هذا التأثير أهمية في المجال النفسي تحديدًا؛ لأنّ بعض أوجه العملية العلاجية تعتمد كثيرًا على المهارات السريرية الخاصّة، وعلى شخصية الطبيبالمعالج النفسي1.
بالإضافة إلى ذلك، تتنوّع المشكلات النفسية تنوّعًا كبيرًا ربما لا نجده في الفروع الأخرى من الطب، وهذا يرفع من قيمة التخصّصية، فطبيب نفس الأطفال يتعامل مع حالات مختلفة كلّيًّا عن الحالات التي يتعامل معها الطبيب المتخصص في الإدمان. واختيار الطبيب أو المعالج ذي الخبرة المناسبة يحمل معه قدرة أكبر على فهم ما تستلزمه الحالة، وآمالًا أكبر بتحسّنها2.
حتى في العلاج النفسي غير الدوائي Psychotherapy، تختلف المدارس العلاجية في نظرتها إلى المشكلات وفعاليتها في كلّ منها. على سبيل المثال، أثبت العلاج الجدلي السلوكي علوّ كعبه على العلاجات الأخرى في اضطراب الشخصية الحدّية أو الأفكار الانتحارية، بينما يُعدّ العلاج المعرفي السلوكي أكثر فعالية في اضطرابات الاكتئاب والقلق مثلًا.
من المهمّ هنا أيضًا القولُ إن زيارة المتخصص النفسي ليست أمرًا محايدًا، فالطبيب أو المعالج غير الكفء قد يزيد الأمور سوءًا ولا يتركها حتى كما هي، والعكس صحيح3. وقد تصبح تجربة المراجعة من جديد أمرًا في غاية الصعوبة بسبب ذكريات التجربة الأولى السيئة. من هنا تزداد أهمية محاولة الاختيار الجيّد قدر الإمكان منذ البداية حتى وإن تمّ التغيير للأفضل لاحقًا.
من جهة أخرى، ما زال المجالُ النفسيّ يتشكّل ويزداد حضورًا على الصّعيدين العلمي والعمليّ في منطقتنا العربية. وهناك لَبسٌ كبيرٌ لدى الكثيرين بين ما هو علميّ وما هو غير علمي في هذه المجالات، هذا يجعل الكثيرين عُرضةً للوقوع في فخّ وتضليل مدّعي التخصصيةالمعرفة مثل الشيوخ ومدربي التنمية البشرية والطاقة ومدربي الحياة وغيرهم، واستنزاف أموالهم وجهودهم وأوقاتهم دون فائدة. وهذا سبب آخر يجعل الحرص على الاختيار الصحيح في الاستشارة عند مواجهة مشكلة نفسية أمرًا مهمًّا.
يخلطُ الكثيرون بين علم النفس والطب النفسي لأسباب كثيرةٍ، منها أنّهما مجالان يتقاطعان مع بعضهما فعلًا، بل ويتشاركا في علاج الاضطرابات النفسية المختلفة. والوعي بالفرق بينهما هو أمرٌ مهمٌّ كمعرفة أساسية تساعد في الاختيار الصحيح عند الاستشارة.
علم النّفس هو مجال شديد الاتّساع وشديد التّفرع كذلك، يهتمّ بدراسة العمليات العقلية Mental والسلوكية Behavioral لدى البشر. طبّ النفس على الجهة الأخرى هو فَرعٌ من الطبّ، فهو يُعنى بدراسة الاضطرابات النفسية وتشخيصها وعلاجها، ويكون الطبيب خبيرًا في استخدام الأدوية والعلاجات الأخرى في هذه الحالات.
على الطبيب النفسي Psychiatrist أن ينال درجة الطبّ البشريّ العام أوّلًا، ثم أن يتخصّص تحديدًا في الطبّ النفسيّ وينال شهادة اختصاص تؤهّله لممارسة الطبّ النفسيّ ووصف الأدوية. بينما يصبح الشخص عالم نفس Psychologist بدراسة تخصص علم النفس في البكالوريوس، وهي درجة تؤهله للعمل العام والتخصص بعد ذلك في مجالات واسعة ومتنوعة، ولكنها لا تؤهّل لوصف الأدوية أو حتى العلاج بالطرق النفسية غير الدوائية إلا بحدود معينة. ويستطيع الشخص بعد ذلك أن يكون مؤهّلًا ومتخصّصًا في العلاج النفسي Psychotherapy إذا حصل على درجة عالية في العلاج النفسي السريري Clinical Psychology.
في الحالات المثالية، على الطبيب النفسي والمعالج النفسي وغيرهما أن يتعاونا في سبيل توفير أفضل التدخّلات الممكنة للحالات المرضية المختلفة. وأثبتت دراسات عديدة أن أفضل التدخّلات العلاجية الممكنة غالبًا ما تكون بتوفر الأدوية -عند الحاجة- بالإضافة إلى العلاج النفسي والدعم الاجتماعي وفق التصوّر البيولوجي-النفسي-الاجتماعي Biopsychosocial للاضطراب النفسي4. مع الأسف، لا توجد هذه الميزة في الكثير من الأماكن لأسباب عديدة، منها نقص التدريب لدى الأطباء على العلاجات النفسية غير الدوائية مع أنها في غاية الأهمية، ومنها عدم وجود برامج تدريب كافية وقوية لتدريس وتأهيل كوادر مميزة من المعالجين النفسيين من خرّيجي تخصص علم النفس، ما يترك الأمر مرهونًا بالمحاولات والاجتهادات الفردية.
من الجيّد في البدايةِ أن يحدّد الشخصُ ما يعاني منه ويضع ذلك في كلمات واضحة وإن لم تكن علميةً تمامًا، فهذا سيسهّل الخطوات القادمة عند اختيار المتخصص أو الجهة التي ينبغي لك اللجوء إليها.
ربّما تساعدك هذه الأسئلة في تحديد المشكلة أو الأعراض بشكل كافٍ ومبدئي
بعد أن تحدّد المشكلة، تأتي مرحلة معرفة المجال أو التخصص الذي يتعامل مع هذه المشكلات تحديدًا. بعض المشكلات البسيطة أو التساؤلات ربما تحتاج إلى مرشد نفسي أو شخص حكيم حتّى، وليس طبيبًا أو معالجًا بالضرورة. وبعضها الآخر يحتاج إلى مستشار أسري أو عامل في الدعم النفسي الاجتماعي. وفي جميع الحالات، لا بأسَ من استشارة الطبيب أو المعالج النفسي الذين يُفترض أن يكونوا آخر الخطوط، فالاستشارة لا تعني بالضرورة إكمال الطريق من هناك.
من الجيد أيضًا معرفةُ أنّ بعض المشكلات النفسية قد يكون منبعُها عُضويًّا، أو قد يتقاطع فيها النفسي مع العُضوي، ومن ثَم تكون استشارة الطبيب العام أو الباطني أو طبيب الأعصاب جيدةً مع العلم أنّ الطبيب النفسي يجب أن يستبعد الأسباب العضوية قبل أن يشخّص الاضطراب النفسي، ومع الحذر من أنّ بعض الأطبّاء في التخصصات الأخرى لا يحيلون إلى الطبيب النفسي؛ لأسباب كثيرة، أبسطها الجهل، وأسوَؤها الاستغلال.
أما داخل المجال النفسي، فلا بأسَ من مراجعة طبيب نفسي أو معالج سريري متخصص، كلاهما يستطيع تمييز المشكلات النفسية رغم أن الطبيب هو الأكثر قدرةً وكفاءة في ذلك غالبًا، وكلاهما عليه أن يُحيل إلى الآخر في حال وجد ضرورةً لذلك رغم أن الحالة المثالية هي العمل معًا كما ذكرنا سابقا.
في عالمنا العربي، ليس هناك الكثير من التخصصية داخل المجال النفسي في معظم البلدان، وبكلمات أخرى، لم نصل بعدُ إلى مرحلةٍ نمتلك فيها متخصصين في جميع المجالات الفرعية في العلوم النفسية، ولذلك، لا بأس في مراجعة طبيب أو معالج نفسي عامّ بل ربما يكون الخيار الوحيد الممكن لعدم وجود آخرين بتخصصات فرعية أصلا.
رغم أن سَماع آراء الكثير من الأشخاص قد يُسبّب بعض التشتّت، فإنه كذلك يمنح شعورًا بالتشجيع والطمأنينة تجاه خيار الذهاب إلى المتخصص النفسي. معظم من استفادوا من مراجعتهم للمعالج أو الطبيب لا يتحدّثون عن ذلك، أما أولئك الذين مرّوا بتجارب سيئة فتجدهم أكثر تعبيرًا، ويُحدث هذا خَلَلًا وتصوّرًا بأنّ معظم المراجعين يمرّون بتجارب سيئة، إلا أن هذا غير صحيح، فالأغلبية العظمى من المرضى يشعرون بشعور إيجابي بعد تجربة العلاج عمومًا5.
يُسهم الاستماع إلى تجارب الآخرين وآرائهم الذين راجعوا فعلًا طبيبًا أو معالجًا في تشكّل صورة أفضل عن شكل الحاجة لدى الشخص، وقدرة أكبر على اختيار المتخصص الأنسب لها، وشعور عامٍّ بالأمان تجاه العملية العلاجية.
يتحدّد مدى وفرة الخيارات والخدمات النفسية وتنوّعها بالمحيط الجغرافي الذي يوجد فيه الشخص، وقدرته المادية على تغطية التكاليف. البلدان العربية عمومًا هي أقلّ وفرةً بخدمات الصحة النفسية والمتخصصين6، كما قد لا يوجد طبيب نفسي واحد حتى في المناطق الأكثر بعدًا عن المدن المركزية.
هذه المحدودية تتطلّب معرفةً عامّةً بالخيارات الموجودة حولك، وتقديرًا لتكاليفها وقدرتك على تغطيتها، وأحيانا إيجاد معادلة مناسبة بين الجودة والتكلفة. قد تساعدك المواقع الإلكترونية أو التطبيقات في إيجاد المعالجين والأطباء، وهذه إحدى فوائد التقدم التكنولوجي الكبيرة في حياتنا. يمكنك أيضًا السؤال عن أي خدمات نفسية مجانية في مجتمعك بعض الدول تقدم الخدمات الصحية الحكومية مجانا لمواطنيها، وبعض المنظمات الدولية التي تعمل في البلدان المستقبلة للّاجئين توفّر علاجًا نفسيًّا مجّانيًّا للّاجئين والمواطنين، كما أن بعض المؤسسات التعليمية توفر الاستشارات النفسية للطلّاب مجّانًا.
ننصحك كذلك بقراءة المراجعات والتعليقات على صفحات الأطباء والمعالجين الشخصية والترويجية على هذه المواقع. آراء الناس ليست مقياسًا نهائيًّا، لكنها مؤشرٌ مهمّ على مهارات المتخصص وطريقة تعامله مع المراجعين. كما أنّه من الجيد أن تطّلع أحيانًا على السيرة الذاتية للمتخصص التي قد تجدها ببعض البحث عبر الإنترنت للتمييز والمقارنة بين الخبرات المختلفة، فبعض المتخصصين يبالغون في مؤهلاتهم لغايات تسويقية لا أكثر.
في حال تفضيلك لمراجعة متخصصة من جنس أو عمر أو خلفية دينية معينة لأن ذلك سيشعرك بأريحية أكبر في الحديث، حاول وضع هذه العوامل بعين الاعتبار عند البحث كذلك، ولا تقلل من شأنها، فالتماثل في التوجّهات الدّينية أو وجودك مع معالج من الجنس نفسه قد يُعين على تشكيل تفاهم أكبر وبناء حلف علاجي وثقة إفصاحية أعلى.
تكمن الخطوةُ الأخيرة من هذه المرحلة في الفعل نفسه. حاول عدم تأجيل عملية الاختيار طالما أنّك اجتهدتَ في البحث والمحاولة. كلّما تم التعجيل في مراجعة المتخصص، كان مآل المشكلة أفضل. من المهمّ أيضًا أن تترافق عملية الاختيار مع تجهيزٍ عامٍّ للأسئلة التي تريد إجابتها والمشكلات التي تريد حلّها والأهداف التي تريد تحقيقها في العملية العلاجية. من المهم أيضًا تحضير مشاعرك لكل الاحتمالات الممكنة، فقد لا يكون هذا المعالج هو الخيار الأنسب بكل تأكيد ولذلك عليك أن تبقي ذهنك وقلبك متيقّظَين لما يحدث خلال الجلسات، لكنّك اجتهدت قدر الإمكان، وهذا يكفي في البداية.
هذه بداية الطريق، وقد فعلت كل ما في وسعك، فتفاءل خيرًا، وانطلق
بإمكانك دائمًا البحث عن طريق محرّك البحث جوجل عن طريق وضع اسم عيادة الطبيب أو المعالج أو اسمه في خانة البحث، وستظهر في حال كانت مُدرجة ضمن خرائط جوجل صفحة خاصّة بالعيادة، بها معلومات عامّة عن العيادة، عن عنوانها وهاتف الاتّصال، بالإضافة إلى تعليقات المراجعين الآخرين وتقييماتهم. قد تُعطيك التقييمات مُؤشّرًا مبدئيًا حول جودة الطبيب ومدى تفهمه أو سعر الكشفية الخاصّة بمراجعته، لكن تذكّر على الدوام أنّنا نحن البشر كائنات مُنحازة لتجاربنا، لهذا قد يُسيء بعض المراجعين للطبيب أو المعالج دون إنصافه أو دون وجه حقّ، فقط لأنّه لَم يُعطه ما يُريد، لذلك لا تُصدّق كلّ ما تقرأ، لكن استفد ممّا ستقرأ، وفي حال تواتر وتكرار تعليق نفسه من أشخاص مختلفين على فترة زمنية طويلة، فإنّ هذا من شأنه أن يُعطيكَ مُؤشّرًا لشيءٍ ما، أليس كذلك؟
في هذا الفيديو7، يشرح المعالج النفسي الأميركي تود غراندي 6 صفات تُعدّ مؤشرات سلبية جدًّا حالَ وجودها في المتخصص النفسي، ومن الجيد الوعي بها في مرحلة البحث عن معالج أو طبيب.
في هذا الفيديو8، يقدم د. عمار نواب أخصائي الطب النفسي عرضًا عامًّا عن الفروقات الأساسية بين الطبيب والمعالج الأخصائي النفسي.
________________________________________________________
المصادر | https://www.aljazeera.net/sukoon/2021/11/14/%d8%b7%d8%a8%d9%8a%d8%a8-%d9%86%d9%81%d8%b3%d9%8a-%d8%a3%d9%85-%d8%a3%d8%ae%d8%b5%d8%a7%d8%a6%d9%8a-%d9%86%d9%81%d8%b3%d9%8a%d8%9f-%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d8%a3%d8%ae%d8%aa%d8%a7%d8%b1 | 2021-11-14T17:03:31 | 2024-05-30T10:02:22 | أبعاد |
|
133 | أميركا تتهم إيران وروسيا والصين بمحاولة اختراق الانتخابات فما القصة؟ | تنظر العديد من الدول للانتخابات الأميركية من العدسة الخاصة بها، بما يمكن أن يخدم قضاياها، فتفضل مرشحا على آخر، وتحاول عبر ما تمتلكه من أدوات أن تؤثر في النتيجة النهائية، بما يحقق تصوراتها ورؤاها. | هي إحدى أهم الانتخابات في العالم، إن لم تكن الأهم. فالانتخابات الأميركية ليست مجرد انتخابات ينحصر تأثيرها داخل دولة بعينها، بل يمتد نحو العالم بأسره دون مبالغة. لا يعني ذلك بالتأكيد أن الفائز سيغير وجه العالم الذي نعرفه بصورة جذرية، على اعتبار أن الولايات المتحدة دولة مؤسسات ولها اتجاهات عامة تهدف للحفاظ على مصالحها خارج أراضيها، لكن الفائز حتما ستكون له وجهة نظر ومسار محدد للتعامل مع قضايا بعينها.
هذا ما يجعل كثيرا من دول العالم تنظر إلى الانتخابات الأميركية من العدسة الخاصة بها، بما يمكن أن يخدم قضاياها ولو جزئيا على المديات القصيرة والمتوسطة والبعيدة، فتفضل مرشحا على آخر، وتحاول عبر ما تمتلكه من أدوات أن تؤثر في النتيجة النهائية، بما يحقق تصوراتها ورؤاها.
لذلك، تشهد الانتخابات هذا العام عددا متزايدا من التدخلات الأجنبية، التي تهدف للتأثير في السباق الانتخابي وتوجيه الناخبين عبر التدخلات السيبرانية على وجه الخصوص.
فبحسب تقرير وكالة الاستخبارات المركزية سي آي أي، تتصدر روسيا قائمة أكثر الدول نشاطا للتأثير في الانتخابات الرئاسية 2024، وتأتي الصين في المرتبة الثانية، في حين تمارس إيران نشاطا غير مسبوق هذا العام مقارنة مع الدورات السابقة.
في المقابل، تنفي كل من روسيا والصين وإيران تلك الاتهامات. إلا أن وكالة الاستخبارات المركزية لم تكن وحدها هي التي صدّرت هذا الادعاء، حيث شهدت الأيام الماضية سلسلة من الاتهامات المباشرة التي أطلقتها عدة جهات حكومية وغير حكومية، ربما يكون أبرزها اتهامات الرئيس السابق والمرشح الحالي دونالد ترامب، الذي اتهم طهران باختراق حملته الانتخابية وصولا لمحاولة اغتياله، في حين تُتَّهم روسيا والصين بتوظيف البرامج السيبرانية ضد المرشحين.
وعند هذه النقطة، سنبدأ الحديث عن التدخل الإيراني باعتباره الأحدث والأكثر اتصالا بالتوترات التي تشهدها المنطقة اليوم، ثم ننتقل إلى روسيا ثم الصين، لمحاولة فهم طبيعة تلك التدخلات وأهدافها.
بحسب عدد من المصادر الغربية، لا تمثل اتهامات إيران بالتدخل في الانتخابات أمرا جديدا. ففي عام 2020، تحدثت صحيفة الغارديان البريطانية عن اختراق استهدف وقتها البريد الإلكتروني الخاص لأحد أكبر مساعدي الرئيس السابق والمرشح الجمهوري الحالي دونالد ترامب، في حملته الانتخابية 2020، وهو روجر ستون. وأشارت الصحفية إلى أن من يقف وراء تلك الهجمة هي مجموعة قرصنة تديرها وحدة استخبارية تتبع للحرس الثوري الإيراني.
وذكرت الصحيفة ذاتها أنه في عام 2022 تمكن فريق قراصنة إيرانيين يتبعون للحرس الثوري الإيراني من استهداف مسؤول سابق في إدارة الرئيس الحالي جو بايدن وذلك باختراق حساب البريد الإلكتروني الخاص به.
وبعد الوصول إلى حساب ذلك المسؤول والسيطرة عليه، أرسل القراصنة رسالة بريدية إلى مجموعة منتقاة من الأشخاص الذين يُعرف عنهم انتقادهم لإيران داخل الولايات المتحدة، طالبين منهم مراجعة كتاب يدّعون أنه عن البرامج النووية لإيران وكوريا الشمالية.
وكانت الرسالة تضم رابطا مُموهًا يُظهر أنه سيحيل مباشرة إلى ذلك الكتاب، لكنه في الحقيقة يحمل برنامجا خبيثا يُمكّن القراصنة من الوصول غير المقيد إلى أجهزة الكمبيوتر لكل من يفتح الرابط.
لم تدم تلك الحادثة طويلا، إذ تشير الغارديان وعدد من الصحف الأخرى إلى أن عملية الاختراق كُشفت مبكرا من خلال تحذير وصل إلى مكتب التحقيقات الفدرالية من محاولة اختراق متطورة للغاية، وهو ما قاد إلى سلسلة من التنبيهات والاحترازات لمنع تفشي الاختراقات.
أما عن الانتخابات الحالية، فقد نقل موقع سي أن أن، تعرض حملة ترامب لقرصنة إلكترونية في أغسطسآب من العام الحالي، ترتّب عليها تسريب وثائق خاصة بحملته الانتخابية إلى وسائل إعلام أميركية، لكن الوسائل المذكورة امتنعت عن نشر تلك الوثائق بحسب ما نقلت سي أن أن.
في الحالات السابقة، اتجهت أصابع الاتهام نحو طهران. إذ أشار المتحدث باسم حملة ترامب الرئاسية، ستيفن تشيونغ، يوم 10 أغسطسآب من هذا العام، إلى قيام عملاء إيرانيين بتكثيف محاولاتهم للتأثير في الانتخابات الرئاسية الأميركية ومراقبتها من خلال إنشاء منافذ إخبارية مزيفة تستهدف الناخبين الليبراليين والمحافظين، بحسب تعبيره.
ورغم ما سبق فإن مكتب التحقيقات الفدرالي اتجه إلى القول بأن التحرك الإيراني في الانتخابات الرئاسية الحالية 2024 يمثل حالة غير مسبوقة من حيث اتساع نطاقها وزخمها.
فالاختراقات التي جرت لمسؤولين أميركيين سابقين وحاليين، وفق الاتهامات الأميركية، ستزيد من مخاوف واشنطن بأن طهران قد حصلت على معلومات استخبارية أو وثائق وملفات، لا يُعلم حجمها ولا سريتها ولا قدرتها على التأثير في السنوات المقبلة، ولا متى ستقرر إيران التلويح بها فضلا عن استخدامها.
كل ذلك والمصادر الصحفية التقنية تشير إلى أن فريق إيران السيبراني لا يمكن مقارنته بما تمتلكه الصين وروسيا من معدات وخبرات وتقنيات متطورة. إلا أن خبراء أشاروا إلى أن طهران تمكنت من تكوين فريق سيبراني قوي، وتم الاستثمار فيه خلال السنوات القليلة الماضية. ويدل على ذلك ما أشار إليه عدد من الدراسات الأخيرة لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط، التي ذكرت أن وتيرة العمليات الإيرانية في ارتفاع منذ اغتيال القائد السابق للحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في 2020 بضربة أميركية.
ورفضت إيران المزاعم والاتهامات السابقة كلّها، حتى إن المتحدث السابق باسم الخارجية الإيرانية، ناصر كنعاني، وصف هذه الاتهامات بأنها حاقدة ولها استهلاك داخلي في أميركا، وقال كنعاني إن الإدارة الأميركية تأتي في طليعة الدول التي تمارس تدخلات غير قانونية في الشؤون الداخلية للدول المستقلة، ولديها سجل طويل من التصرفات المخربة.
رغم نفي كنعاني، فلا شك أن إيران تحديدا كانت من أكثر الدول تأثرا بفوز ترامب عام 2016، فمسار الاتفاق النووي كان يشق طريقه، قبل أن يتبوأ ترامب مقعد البيت الأبيض، ويجعل الضغط على النظام الإيراني من أولوياته الخارجية. ظهر ذلك في الانسحاب من الاتفاق النووي، وتطبيق ما عُرف حينها بسياسة الضغط الأقصى، إضافة إلى اغتيال قاسم سليماني في بغداد.
كل هذا التاريخ، جعل عضو اللجنة الاستشارية للرئيس ترامب لعام 2024، غبريال صوما، يكرر تلك المزاعم، بأن طهران تقف وراء التحريض على الرئيس ترامب، وأنها حاولت اغتياله، وفق حديثه.
وأكد صوما، أنه إذا فاز ترامب في الانتخابات الأميركية القادمة، فإنه سيفرض عقوبات صارمة على إيران لم نشهد لها مثيلاً، وقال سنقوم بشل الاقتصاد الإيراني، وحينها لن تتمكن من مساعدة المنظمات في الشرق الأوسط أو حتى التدخل في الشأن الأميركي أو القيام بأي عمل ضد حلفائنا في الشرق الأوسط.
وتشير العديد من التحليلات إلى أن وصول ترامب إلى البيت الأبيض، سيعني أن العلاقات الثنائية بين الأخير وطهران ستزداد حدة توترها عما كانت عليه في عهد الإدارة الديمقراطية الحالية، وهو ما يعني أن طهران تفضل فوز مرشح ديمقراطي، لاعتقادها أن فوز ترامب سيعمق مشكلاتها مع الولايات المتحدة، إلا أن الكاتب والباحث في الشأن الأميركي، إيلي يوسف، يرى أن هذه التقديرات تحمل أوهاما وآمالا غير واقعية، لأن ما يحكم السياسة الأميركية ليست المصالح الحزبية.
من جهتها، تطمح إيران لاستعادة الاتفاق النووي، لأن ذلك سيعني فك عزلتها وحصارها الاقتصادي الذي كانت له آثار سلبية على الوضع الاقتصادي والاجتماعي الداخلي. لكن هذه الطموحات، ستكون مستحيلة إذا ما فاز ترامب.
وأيا ما يكن الفائز، فإنه يبدو بحكم البديهي أن كلا الحزبين يجمعان على أنه لا يمكن السماح لإيران بالحصول على سلاح نووي، وإن اختلفا في طريقة التعاطي مع هذه المسألة.
على الجانب المقابل، فإن ما أعلنه وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في يوليوتموز من العام الحالي، من أن طهران على وشك أسبوع أو اثنين من امتلاك سلاح نووي إذا ما قررت ذلك، يعني أن طهران استثمرت انسحاب أميركا في عهد ترامب من الاتفاق النووي في تسريع جهودها النووية.
وإذا امتلكت إيران السلاح النووي، فإن ذلك سيعني تغيرا في معادلات الردع والصراع بين الدولتين، أيا ما يكن الفائز في الانتخابات الأميركية المقبلة.
رسميا، ترفض إيران باستمرار الاتهامات الأميركية بتدخلها في رئاسيات أميركا 2024، ففي آخر بيان أصدره المتحدث المتحدث باسم الخارجية الإيراني، إسماعيل بقائي، اعتبر أن هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة وغير مقبولة بتاتا، وأن بعض الساسة والمؤسسات في الولايات المتحدة يستخدمونها لأغراض سياسية.
وجاء في بيان الخارجية الإيرانية، أن الحكومة الأميركية التي لها تاريخ طويل من التدخل غير القانوني في الشؤون الداخلية للدول الأخرى ليست في وضع يسمح لها بتوجيه مثل هذه الاتهامات إلى دول أخرى.
وردًّا على التقرير السنوي لوزارة الأمن الداخلي الأميركية، نفى بقائي الادعاءات التي تتهم بعض الدول بما فيها إيران، باستخدام الذكاء الاصطناعي لنشر معلومات كاذبة أو مثيرة للانقسام حول الانتخابات الرئاسية الأميركية، معتبرا أن هذه الادعاءات المتكررة مسيّسة وذات دوافع واستخدامات سياسية داخلية.
من جهته رد الباحث السياسي الإيراني رضا صدر الحسيني، على الاتهامات الأميركية لبلاده بالتدخل في الانتخابات سواء عبر الاختراق السيبراني أو عبر توظيف اللوبيات، رافضا أن تكون لبلاده أي أجندة للتأثير في نتائج الانتخابات الأميركية عبر الاختراق السيبراني أو توظيف اللوبيات، معتبرا أن هذه الاتهامات التي تتكرر بين الفينة والأخرى متحيزة وتصبّ في إطار سياسة التخويف من إيران التي تتبعها واشنطن.
ويعتبر الباحث الإيراني، الاتهامات لبلاده بالتدخل في الانتخابات الأميركية هروبا إلى الأمام، مشيرا إلى أن واشنطن كانت ولا تزال رائدة في التدخل في الشؤون الداخلية للدول المستقلة ومنها إيران.
وبرأي الحسيني، فإن الجو العام للأحزاب والأوساط السياسية في الجمهورية الإسلامية يعتبر -في الوقت الراهن- أن الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة وجهان لعملة واحدة، وأنه لا فرق بين سياساتهما حيال طهران، وبالتالي لا يجد الجانب الإيراني حافزا أو مبررا لترجيح أي منهما على الآخر.
منذ سنوات، كان اسم روسيا هو الأكثر حضورا حين الحديث عن محاولات التدخل والتأثير في الانتخابات الأميركية. وفي هذا العام، يشير تقرير لمكتب التحقيقات الفدرالي إلى أن روسيا هي الخصم الأجنبي الأكثر نشاطا في محاولة التأثير في الانتخابات الأميركية 2024.
ويشير التقرير إلى أن التحدي الروسي يمثل جانبا أكثر تعقيدا وتركيبا، على اعتبار أن الروس يعتمدون على مجموعة متنوعة من الأساليب والتقنيات، مثل الذكاء الاصطناعي ووسائل تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني، والجواسيس المباشرين، والتأثير الدعائي والإعلاني في الشبكات الاجتماعية، إضافة إلى محاولات اختراق المؤسسات الحكومية.
خلال هذا العام، وجهت السلطات الأميركية اتهامات مباشرة لشركة تمتلك مقرا في ولاية تينيسي، زاعمة أنها تلقت 10 ملايين دولار من قناة روسيا اليوم RT، مقابل إنتاج محتوى إعلامي يتضمن رسائل روسية مبطنة، لدعم روايات تيارات أقصى اليمين حول قضايا مفصلية في الشارع الأميركي مثل الاقتصاد والهجرة والهوية الجنسية، وفق وثيقة الاتهام التي اطّلعت الجزيرة نت على تفاصيلها.
وعلى إثر ذلك بدأت الجهات الرسمية الأميركية في ملاحقات قضائية لمسؤولَين يعملان في روسيا اليوم RT فضلا عن مصادرة 32 اسم نطاق URL مرتبطة بروسيا على خلفية شبهات بمحاولة التأثير في الانتخابات. كما فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على الشبكة الإعلامية الروسية ورئيسة تحريرها مارغاريتا سيمونيان، ونائبيها، وموظفين آخرين، بحسب ما أوردته قناة روسيا اليوم.
وبناءً على هذا التسلسل من الأحداث، أعلنت مجموعة ميتا الأميركية، المالكة لمنصات فيسبوك و إنستغرام وواتساب، أنها حجبت وصول وسائل الإعلام الروسية إلى منصاتها في جميع دول العالم، وذلك لمنع تدخلها للتأثير في الانتخابات.
بالنسبة للجانب الأميركي، فهم يرون أن دوافع التدخل الروسي تهدف لأمرين أساسيين، يتمثل الأول في إظهار هذه الانتخابات على أنها غير موثوق بها، أما الثاني فيتصل بمحاولة نزع الشرعية عن الحكومات المنتخبة ومفاقمة الانقسامات والاستقطابات السياسية الأميركية، وما يمكن أن ينتج عنها من شروخ مجتمعية.
وخلافًا لإيران، فإن الاتهامات الموجّة إلى روسيا تشير إلى أن موسكو تفضل وصول ترامب إلى البيت الأبيض، إذ كشف تقرير استخباري أميركي عام 2020 أن روسيا حاولت التدخل في الانتخابات الرئاسية لصالح ترامب في مواجهته للرئيس الحالي، وهدفت إلى تقويض ثقة الجمهور في العملية الانتخابية، وتشويه سمعة بايدن بحسب ما يقول التقرير.
وبحسب العميد السابق في المخابرات الأردنية عمر الرداد فإن العلاقة بين ترامب وبوتين يمكن وصفها بأنها دافئة، ويبدو أن روسيا تراهن على مكاسب عدة في حال فوز ترامب، في مقدمتها إنهاء الحرب مع أوكرانيا، وقد يكون ذلك صعبا في حال فوز أي مرشح ديمقراطي.
كما أن تصريحات ترامب المنتقدة لحلف شمال الأطلسي الناتو، وسياساته التي تضع أميركا أولا، لا حلفاءها، تصب من الناحية الإستراتيجية في هدف روسيا بتفكيك التكتلات الدولية التي تحركت خلال الأعوام الماضية ضد موسكو على إثر الحرب التي شنتها على أوكرانيا.
هذه ليست المرة الأولى التي توجه فيها أميركا أصابع الاتهام إلى روسيا بالتدخل للتأثير في نتيجة الانتخابات الأميركية، أو التجسس، أو توظيف التقنيات السيبرانية ضد شخصيات سياسية أميركية.
فقد ظهرت في وقت مبكر من عام 2016 تكهنات تشير إلى تدخل موسكو بكثافة في انتخابات 2016 لصالح ترامب ضد مرشحة الحزب الديمقراطي وقتها هيلاري كلينتون. هذه التكهنات سرعان ما تحولت إلى حقائق قضائية، حيث شملت لائحة الاتهام التي قدمها مكتب التحقيقات الفدرالي اثني عشر ضابطًا في المخابرات العسكرية الروسية لدورهم المزعوم في التدخل في الانتخابات الأميركية لعام 2016.
لكن الاتهامات التي طالت روسيا لم تنحصر في محاولات التأثير في الانتخابات وما يدور حولها، حيث اتهمت أميركا موسكو باتساع نطاق أنشطتها التجسسية، وقررت في يونيوحزيران من هذا العام حظر برنامج مكافحة الفيروسات الروسي كاسبرسكي عملاق الأمن السيبراني والمتخصص في أمن الحواسيب وتطبيقات برامج مكافحة الفيروسات في الولايات المتحدة، كما حثت الأميركيين في أماكن أخرى من العالم على الامتناع عن استخدامه.
بالنسبة لواشنطن، تمتلك روسيا النية والقدرة لاستغلال شركات روسية، مثل كاسبرسكي لاب، لجمع معلومات أميركية حساسة ثم استغلالها لاحقا بما يحقق مصالحها، وفق ما صرحت به وزيرة التجارة الأميركية جينا ريموندو.
وكذلك وجّهت السلطات القضائية الأميركية، في ديسمبركانون الأول من العام الماضي، لائحة اتهام أصدرتها محكمة في سان فرانسيسكو إلى مواطنَين روسيين أحدهما عنصر في جهاز الأمن الفدرالي الروسي، بتهمة الإقدام على قرصنة الشبكات المعلوماتية لأميركا وبريطانيا ودول أخرى ضمن حلف شمال الأطلسي الناتو، لصالح الحكومة الروسية.
على الطرف الآخر، تتهم موسكو واشنطن بمحاولة اختراق وتجسس وتنفيذ هجوم سيبراني على أجهزة أبل لموظفي شركة كاسبرسكي لاب الروسية. حيث تلقت الأجهزة الإلكترونية الخاصة بموظفي الشركة الروسية رسائل غير مرئية مرفقة ببرمجيات خبيثة تقوم بتثبيت برنامج للتجسس. كما أن روسيا وجهت اتهامات رسمية إلى الإدارة الأميركية بشنّ هجمات سيبرانية على نظام التصويت الخاص بالانتخابات الرئاسية الروسية في مارسآذار الماضي، وأشارت روسيا إلى أن معظم الخوادم التي قادت تلك الهجمات، تقع في الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة، وفق ما نقلته وكالة تاس الروسية.
في الواقع، للطرفين إرث طويل من مساعي تجسس متبادلة تعود جذورها إلى حقبة الحرب الباردة حين كانا يتنافسان على زعامة النظام العالمي. أما المؤكد اليوم فهو أن التطور السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي، والتزييف العميق، وروبوتات الدردشة، والمكالمات الآلية، جعلت الدول أكثر قلقا وأقل استعدادا للمواجهة وزادت أخطار التهديدات المتبادلة بأساليب غير تقليدية.
خلال لقاء الرئيس الصيني، شي جين بينغ بالرئيس الأميركي جو بايدن في نوفمبرتشرين الثاني الماضي في مدينة سان فرانسيسكو الأميركية، تعهد الرئيس الصيني بأن بلاده لن تتدخل للتأثير في الانتخابات الأميركية 2024 القادمة. كان هذا ما ظهر على وسائل الإعلام.
لكن تقريرا حديثا لشركة غرافيكا Graphika المتخصصة في البحوث عبر الإنترنت، كشف أن حملة صينية تُدعى سباموفلاج Spamouflage، أنشأت حسابات وهمية على وسائل التواصل الاجتماعي بهدف تعزيز الانقسامات الداخلية في المجتمع الأميركي قبل انتخابات 2024 بحسب ما ورد في التقرير.
يشير التقرير إلى أن الحسابات الوهمية بدت وكأنها لناشطين أميركيين، وتعمدت نشر محتوى مرتبط بقضايا تعتبر ساخنة ومفصلية في المجتمع الأميركي مثل حقوق الإنجاب والمشردين في الشوارع وقضايا الهويات الجنسية. كما اتجهت هذه الحسابات إلى انتقاد الطبقة السياسية، وشمل ذلك بايدن وهاريس وترامب على السواء، وذلك باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنشاء محتوى مزيف.
وبالنسبة لواشنطن، فإن الجهود الصينية تمثل خطرا محدقا بالأمن القومي الأميركي يتجاوز خطر روسيا وإيران. حيث إن بكين لا تركز جهودها على اختراق الساسة والتأثير في الانتخابات، بل تتجه بحسب مزاعم واشنطن إلى استهداف البنية التحتية الحكومية والقطاع الخاص الأميركي على السواء، وهو ما يهدد المنظومة المؤسسية الأميركية برمّتها.
أما السبب الثاني للخطر الصيني من وجهة النظر الأميركية، فيعود إلى أن واشنطن تنظر إلى بكين بوصفها التهديد الأكثر خطرا على زعامة النظام العالمي، وذلك بحسب إستراتيجية الأمن القومي التي صدرت عام 2022.
دفعت تلك التحركات الصينية عددا من المحللين والخبراء نحو النظر في دوافع بكين والسيناريوهات التي تفضلها. وتتجه تلك التحليلات إلى أن بكين ليست معنية بهوية ساكن البيت الأبيض، لأنها لا تعول على اختلاف في آلية التعامل الأميركية معها. لذلك، وعوضا عن التركيز على الانتخابات في حد ذاتها والاشغال بدعم مرشح أو إقصاء آخر، فهي تنظر إلى الانتخابات القادمة بوصفها فرصةً سانحة لتعزيز الانقسامات في المجتمع الأميركي.
ولكن بكين تنفي هذه الاتهامات وتعتبرها متحيزة وتحمل تكهنات خبيثة. يتفق جزئيا مع هذا الطرح رئيس تحرير مجلة المراسل -التي تصدر من أميركا- عماد رواشدة، حيث قال إن ثمة حربا باردة غير معلنة بين البلدين، وتستخدم فيها واشنطن تلك المزاعم لتوحيد الأميركيين في مواجهة الأخطار الخارجية.
ويضيف رواشدة، أنه على امتداد التاريخ الأميركي في القرن العشرين حرص النظام الأميركي على تضخيم أعدائه الخارجيين واللعب على مشاعر الخوف لتحقيق ما يسميه المفكر الأميركي نعوم تشومسكي صناعة التوافق manufacturing Consent.
فالتنافس بين الصين والولايات المتحدة تتصاعد وتيرته في مجالات عدة، بدءًا من الحرب التجارية بين البلدين وما يتصل بالتنافس الاقتصادي والتجاري، إلى ملف تايوان، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، وغيرها.
في الواقع، تجدر الإشارة إلى أن السياسة الخارجية عادة ما تؤدّي دورا هامشيا عندما يتعلق الأمر بالتأثير في نتائج الانتخابات الرئاسية، وذلك عائد إلى عوامل عدة في مقدمتها اهتمامات الناخب الأميركي وما يعنيه ويتوقعه من رئيسه القادم، وتقع على رأس هذه الأولويات قضايا الاقتصاد والمعيشة. صحيح أن القضية الفلسطينية، والحرب التي يشنها جيش الاحتلال الإسرائيلي على القطاع المحاصر بدعم أميركي قد تؤدّيان دورا مؤثرا في عدد من الولايات المتأرجحة، إلا أن ذلك شأن آخر لا يتصل بموضوع تقريرنا.
وعلى العموم، تحمل كل من إيران وروسيا والصين مجموعة من السمات المتشابهة، فهي لا تدور في الفلك الأميركي، بل وتشكل تهديدات تختلف حدتها وتأثيرها من دولة إلى أخرى على المصالح الأميركية المنتشرة في العالم. ولهذا الأمر تحديدا، تشكك فئة من المفكرين والسياسيين في النيات الأميركية وصدقية الاتهامات الموجهة إلى الدول الثلاث.
عند هذه النقطة، يشير عماد رواشدة إلى أنه يجب أن لا ننسى تدخل الولايات المتحدة في أكثر من ٨٠ انتخابا في العالم لإنجاح مرشح يخدم مصالحها، وإقصاء آخر، وازدادت وتيرة التدخلات الأميركية عقب الحرب العالمية الثانية ومنافستها مع الاتحاد السوفيتي.
وتنوعت وسائل الإدارات الأميركية على اختلاف رؤسائها في تحقيق تلك الأهداف، سواء عبر نشر معلومات مضللة تخدم مصالحها، أو العمل على تصميم محتوى الحملات الانتخابية للمرشحين الذين تريد فوزهم، أو تمويل الحملات للحزب الذي تدعمه، حتى وصل الأمر إلى التهديد بقطع المساعدات الخارجية أو الإكراه في حال فوز المرشح الذي لا يحقق المصالح الأميركية.
لذلك، فإنه حتى مع صحة المزاعم الأميركية حول التدخلات الخارجية، فإن عددا من المحللين ينظرون إليها باعتبارها تجرعا من ذات الكأس التي أذاقتها أميركا لكثير من دول العالم، حتى انبسطت لها زعامة النظام العالمي، وجزاءً بسيطا من جنس عملها. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/10/24/%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1%d9%83%d8%a7-%d8%aa%d8%aa%d9%87%d9%85-%d8%a5%d9%8a%d8%b1%d8%a7%d9%86-%d9%88%d8%b1%d9%88%d8%b3%d9%8a%d8%a7-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%8a%d9%86 | 2024-10-24T01:48:04 | 2024-10-24T01:48:04 | أبعاد |
|
134 | لماذا يستهدف اللوبي الإسرائيلي بأميركا أسامة أبو ارشيد؟ | في هذه المادة المطولة، لا يستعرض الكاتب قصة أسامة أبو ارشيد وملاحقته أمنيا وسياسيا فقط، بل يحكي معها قصة التحولات في المشهد السياسي والاجتماعي في الولايات المتحدة. | مساء يوم الجمعة، الخامس عشر من نوفمبرتشرين الثاني الماضي، أي بعد خمسة أسابيع تقريبا من بدء عملية طوفان الأقصى، وفي ولاية فيرجينيا المحاذية للعاصمة الأميركية واشنطن، التقيتُ بأستاذ العلوم السياسية الدكتور أسامة أبو ارشيد، في مطعم بدعوة من صديق مشترك. كان مطعم البوادي الواقع بالقرب من مسجد دار الهجرة مزدحما، وصفُّ الانتظار يمتد إلى طريق أرلينغتون المجاور. أما علّة ذلك الازدحام -غير المعتاد- فهي أن صاحب المطعم، فلسطيني الأصل والمنحدر من غزة، قد استُشهد اثنان من أفراد عائلته في الحرب الدائرة، فخصَّص ريع ذلك اليوم بأكمله إلى أهل غزة.
وفي أجواء نوفمبر الباردة، جلسنا وسط ضجيج المطعم وضجيج السياسة. ولخصوصية الزمان والمكان، كان الحديث متمحورا حول تبعات الطوفان على المسلمين والعرب والفلسطينيين في الولايات المتحدة. وفي غير مرّة، كان أبو ارشيد يعرّج في حديثه على شراسة الاستهداف الذي يواجهه يوميا، دون الدخول في التفاصيل، إثر تصدّره للعمل المتصل بالقضية الفلسطينية، وهو المدير التنفيذي لمنظمة أميركيون مسلمون لأجل فلسطين.
انتهت الجلسة، وصحبته بعدها إلى سيارته المصفوفة بعيدا. وفي طريقنا، أخبرني أنه ذاهب إلى المكتب في منتصف الليل لإتمام بعض المهام المتراكمة. لكن الذهاب للمكتب لم يعد كما كان سابقا في ظل تهديدات القتل التي وصلته حتى باب منزله، وذلك على إثر اتهام المدعي العام لولاية فيرجينيا جيسون مايرز منظمة أميركيون مسلمون لأجل فلسطين بعلاقة مزعومة مع حركة المقاومة الإسلامية حماس، ورفعه قضية مدنية على المنظمة التي يرأسها أبو ارشيد. توالت التهديدات، مصحوبة بهجمة إعلامية شرسة قادت أسامة إلى الطلب من موظفي مؤسسته الحقوقية ألا يحضروا لمقر العمل إلا للضرورة، كما اضطرت عائلته للابتعاد والعيش في ولاية أخرى ليست قريبة من الولاية التي يقطن فيها أبو ارشيد.
لم تكن هذه الملاحقة أمرا مستجدا على أبو ارشيد، الذي وُضع على قوائم الترقب بسبب نشاطه السياسي لفلسطين وبتحريض من قِبَل المجموعات الداعمة لإسرائيل والمؤسسات التي تنتمي إلى اللوبي الداعم لإسرائيل لأكثر من سبعة أعوام، بين 2010-2017، وهي القائمة التي يُضاف إليها مَن تُثار حولهم شبهات العلاقة بأشخاص أو حركات أو منظمات تشك السلطات الأميركية بانخراطها في أنشطة إرهابية، بحسب وصف مكتب التحقيقات الفيدرالي أف بي آي.
لكن ما يتعرض له أبو ارشيد اشتدّ كثيرا، وهو يفسّر ذلك بالقول إن الإسرائيليين يريدون اجتثاث المقاومة من غزة، ويريدون اجتثاث كل مَن يدعم فلسطين في الولايات المتحدة، وهم يستخدمون هجوم السابع من أكتوبر ذريعة لهذا الأمر. وهذا الدعم هو الذي وُضع أبو ارشيد بسببه على قوائم الترقب مرة أخرى في مايوأيار من العام الحالي بعد أن كان قد رُفع عنها منذ عام 2017.
لم يعد داعمو إسرائيل مهتمين بصورتهم، ولا لتحولات الرأي العام، ولا حتى باستعادة التعاطف الذي فقدوه من شرائح واسعة، خاصة الشباب. يقول أبو ارشيد إن أهداف هؤلاء تتمحور فقط حول سحق أي صوت مؤيد للحقوق الفلسطينية، حتى لو كانت أصواتا يهودية مثل ما استهدفت منظمتَيْ كود بينك وأصوات يهودية من أجل السلام.
وعلى مدار الأيام والأسابيع اللاحقة، حكى لنا أبو ارشيد قصته، التي تسلط الضوء على الحملة الممنهجة لاستهداف العمل الفلسطيني الفاعل في الولايات المتحدة، وعلى المنظمات والشخصيات التي تقف وراء هذه الحملة، والإستراتيجيات التي يتبعونها لتحقيق أهدافهم، لا سيما مع تصاعد الأصوات الرافضة لجرائم إسرائيل والدعم الأميركي غير المشروط لها.
أما قبل أيام قليلة، فقد أعلن مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية رفع دعوى قضائية ضد مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي بسبب قائمة مراقبة سرية لأميركيين مسلمين أو من أصول فلسطينية، وأشار المجلس إلى أن ما يتعرض له أسامة أبو أرشيد مثال على ما يواجهه مسلمو أميركا من تمييز.
كان وقع المظاهرات الطلابية في أميركا وتزايد وتيرتها في الآونة الأخيرة مؤشرا واضحا على تحول يجري في المشهد السياسي والاجتماعي الأميركي. أدرك داعمو إسرائيل ذلك مبكرا، لذلك فقد أثارت تلك الجموع الغاضبة، التي انتشر صوتها في الولايات الأميركية المختلفة، ردود أفعال شديدة الحدّة من جانبهم. أدرك هؤلاء أيضا أن قضية إسرائيل لم تعد محصنة في الرأي العام بحسب ما أظهر أكثر من استطلاع رأي، وأن تهمة معاداة السامية والتشهير بمؤيدي فلسطين في مواقع مثل كناري ميشن لم تعد كافية لتخويف المعارضين لإسرائيل.
فمثلا، أجرت مؤسسة غالوب تقريرا يحلل جميع الاستطلاعات السابقة التي أجرتها حول فلسطين وإسرائيل، منذ عام 2010 وحتى نهاية 2016، وصدرت في عام 2017. أما النتيجة فقد لخصتها صحيفة هآرتس الإسرائيلية بقولها كلما عرف الأميركيون أكثر عن إسرائيل، كلما قلَّ حبهم لها.
صاحبت حزمة الإدراكات تلك حملات تشويه للحراك الطلابي، بدءا من تهمة معاداة السامية، ودعم الإرهاب، وصولا لادعاءات تلقّي الطلاب تمويلا من جهات خارجية. أتى كل ذلك مصحوبا بعنف شديد من الشرطة بما لا يتلاءم مع طبيعة الاحتجاجات السلمية التي انطلقت في بلد ديمقراطي يعتز بأن نموذجه الحضاري قائم على حرية التعبير.
دفع هذا العنف المتظاهرين لاتهام إدارات الجامعات وأجهزة الأمن بالتحيز للرواية الإسرائيلية وداعميها. هذه المزاعم عضّدها تحقيق صحيفة واشنطن بوست بضلوع أثرياء في دعم وحث عمدة مدينة نيويورك إيريك آدامز بفض اعتصامات المدينة بالقوة، وسعيهم لتشذيب السياسة الأميركية والرأي العام الأميركي باتجاه معاداة مظاهرات الطلبة المناصرة لفلسطين. وللمفارقة، تُعد نيويورك المدينة التي تحوي أعلى نسبة لليهود خارج أراضي فلسطين التاريخية بإجمالي سكان يقرب من 1.8 مليون، بحسب آخر إحصائية صدرت في عام 2024، كما أن هذه المدينة هي التي انطلقت منها شرارة الاعتصامات من قلب جامعة كولومبيا. مع الإشارة إلى أن هذه المجموعة من الأثرياء لم ينحصر تأثيرها ونطاق عملها في نيويورك، بل امتد للرقعة الأميركية بأكملها.
وفق هذا الواقع، يذكر أبو ارشيد أن استهداف العمل الفلسطيني في أميركا والناشطين فيه تضاعف إثر التحولات الكبيرة في الرأي العام، خاصة لدى شريحة الشباب، والأقليات، وما يُعرف بالتيار التقدمي في الحزب الديمقراطي. يضيف أبو ارشيد أن هذا التحول لم يبدأ بعد السابع من أكتوبر، بل يمكن إرجاع آثاره بالتوازي مع تولي باراك أوباما مقاليد رئاسة أميركا منذ عام 2009، وهو الذي تبنى في بداية رئاسته تحديدا موقفا مختلفا عن أقرانه من الرؤساء السابقين تجاه إسرائيل، حيث دعا أن يكون للسياسة الأميركية مسافة تفصلها عن السياسة الإسرائيلية. وهذه المسافة الفاصلة لم تكن تعني بالتأكيد ضربا في مشروعية إسرائيل، أو تقليصا في أهميتها الإستراتيجية، بل عَنَت فقط أخذ مسافة، ربما تكون خطوة أو خطوتين لفك الالتصاق التام.
أما الإعلان عن سياسته الجديدة تلك، فقد جاء أثناء حديثه مع زعماء المنظمات الصهيونية في البيت الأبيض بعد توليه الرئاسة مباشرة، مما أثار ردود فعل شرسة في أوساط الحزب الديمقراطي ممن يؤيدون إسرائيل. بقيت هذه السياسة على حالها حتى خسر الحزب الديمقراطي انتخابات مجلس النواب النصفية عام 2010. لم تكن أسباب الخسارة عائدة إلى سياسة أوباما تجاه إسرائيل حصرا، بل لأسباب عدة كان أبرزها الأداء الاقتصادي. لكن على ما يبدو، ومع تعدد مناطق الهجوم والانتقاد ومساراته، بدأ أوباما بتعديل سياساته نحو الاقتراب الكبير مع سياسة أسلافه تجاه إسرائيل واسترضائها.
ورغم هذا التعديل، أدرك اللوبي الداعم لإسرائيل أن ثمة تحولات كبرى قد بدأت بالفعل. وبحسب أبو ارشيد، اعتقد أوباما أن قواعد الحزب الديمقراطي المستاءة من إسرائيل قد تسمح له بأخذ تلك المسافة. أي إن موقف أوباما ذاك لم يكن سببا لتحولات المواقف السياسية من إسرائيل، بل أحد إفرازاته.
ومنذ ذلك الحين، بدأ اللوبي محاولة حصر أسباب التغير في رؤية الحزب الديمقراطي، والكثير من الأميركيين، تجاه إسرائيل. رأى اللوبي الإسرائيلي أسباب هذا التغير في المنظمات الفلسطينية أو المسلمة، وحتى المنظمات اليهودية المناصرة لفلسطين، بالإضافة إلى أكاديميين مثل رشيد خالدي، المؤرخ الفلسطيني الأميركي في جامعة كولومبيا، الذي شُنت عليه حملة شرسة سابقا في عام 2008، لصداقته بباراك أوباما، وما وصفوه بتأثيره الواسع عليه فيما يخص القضية الفلسطينية.
مرّت الأعوام وصولا لعام 2015، العام الذي شهد خطاب نتنياهو في الكونغرس بعد دعوة الحزب الجمهوري له. كان ذلك الحدث لحظة فارقة في إبراز هذا التحول، حين قاطع 88 عضوا من الحزب الديمقراطي في مجلس النواب خطاب نتنياهو. أثارت تلك الدعوة جدلا أميركيا وإسرائيليا واسعا، كونها أتت دون تنسيق مع الحزب الديمقراطي ولا مؤسسة الرئاسة، مما جعلها تبدو وكأنها قضية حزبية تخص الجمهوريين حصرا، وليست قضية فوق حزبية أو تجمع الحزبين كما كانت سابقا.
وبالنظر لعناوين الصحف والمجلات الأميركية وقتها، كان ثمة إدراك بتلك التحولات، حيث وصفت مجلة فوكس Vox مساعي نتنياهو تقويض جهود أوباما بالتوصل لاتفاق مع إيران بشأن السلاح النووي، ومن ثم دعمه للجمهوريين في مواجهة أوباما والديمقراطيين، بأنها مخاطرة يقودها نتنياهو بما يجعل إسرائيل قضية حزبية، وبالتالي الإضرار بالعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
وأشارت المجلة إلى أن نتنياهو والجمهوريين بخطوتهم تلك لا يعملون فقط على تقويض جهود أوباما للتوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، بل أيضا سلطته الرئاسية فيما يتعلق بالسياسة الخارجية وسيطرته عليها. أشارت المجلة إلى ذلك السخط الديمقراطي بوضوح عبر قولها الديمقراطيون غاضبون من الإهانة الواضحة للرئيس.
لم يكن أوباما بالتأكيد عدوا لإسرائيل ولا حليفا للفلسطينيين، إذ رغم خلافاته مع بنيامين نتنياهو في ذلك الوقت، فقد وصلت المساعدات الأميركية السنوية لإسرائيل ذروتها في عهده، كما اتسعت المستوطنات في قضم أراضي الضفة الغربية دون رادع إلا بعض التصريحات الشكلية تماما مثل التعبير عن القلق بعد قتل 10 آلاف، ثم التعبير مرة أخرى عن القلق بعد قتل 20 ألف، وهكذا. ولم ينتج في عهده حل للقضية الفلسطينية كما كان يردد دائما، مع بقاء إسرائيل رقما ثابتا في الإستراتيجية الأميركية الأمنية الأوسع وجزءا أساسيا من المنظومة الغربية.
أما موقفه من القضية الفلسطينية، فيُقرأ بوصفه متسقا مع إستراتيجيته التي ترمي لخفض التدخل الأميركي في الشرق الأوسط على إثر الحروب المستنزفة التي خاضتها أميركا في عهد سلفه جورج بوش الابن. لكن، وعلى غير تخطيط من أوباما نفسه، فقد كان لتلك التصريحات الكلامية أثر في التعبير عن التحولات التي بدأت تطرأ تجاه الموقف من إسرائيل.
ومع قدوم دونالد ترامب للرئاسة عقب انتخابات عام 2016، تصاعدت حِدَّة التوتر والاستقطاب المتصل بإسرائيل وعلاقة أميركا بها، خاصة مع إقامة الرئيس الجديد تحالفا مع بنيامين نتنياهو والخط اليميني في إسرائيل. دفع ذلك عددا من المسؤولين الإسرائيليين لتحذير الأجهزة الأمنية الإسرائيلية من مغبّة تحول العلاقة الأميركية الإسرائيلية إلى علاقة حزبية، يمينية-يمينية، مما يجعلها قضيةً محلَّ خلاف.
هذا التحذير من الأوساط الأمنية الإسرائيلية لم يكن استشرافا لما يمكن أن يجري في المستقبل، بل إدراكا لتغيرات بدأت تطرأ بالفعل، ودخول القضية الفلسطينية على خارطة اللغة اليومية عند الأميركيين، ما يعني بالضرورة تفككا في السردية الإسرائيلية التي سادت لعقود، وإن تدريجيا.
في هذا السياق، يضيف أبو ارشيد أنه في عام 2017، أي حينما أتى ترامب للرئاسة، فقد شنت حملته الانتخابية حربا على الكثير من الأقليات، حيث دعا ذوي الأصول المكسيكية بالمغتصبين، وهاجم النساء أكثر من مرة، وشنع على الديمقراطيين، والمسلمين والعرب الذي اعتبرهم إرهابيين، والإعلام الذي سماه عدو الدولة. هذا الخطاب الذي جاء به ترامب، أدى إلى تعزيز ما يُعرف بحركة العدالة الاجتماعية في أميركا، وحينها دخلت فلسطين في القلب من هذا الحراك بصورة أكبر مما سبق، وبات هناك ما يشبه الالتحام بين قضايا الأقليات.
لقد تم اختيارنا، على نحو واضح، لكي نُهدي شعوب العالم كيفية السير في درب الحرية.
أنا أؤمن بأن الرب هو مَن أشرف على نشوء هذه الأمة، وأومن بأنه غرس في نفوسنا رؤى الحرية.
منذ نشأة الولايات المتحدة على دماء السكان الأصليين، طغت روح رسولية Messianic على خطابات وأفكار الآباء المؤسسين. استندت هذه الروح إلى فكرة أساسية ومركزية في تمثيل الاستثنائية الأميركية American exceptionalism، وهي الحرية. يظهر ذلك جليا في التعديل الأول من الدستور الأميركي الذي ينص على حماية حرية التعبير والصحافة والتجمع والحق في تقديم التماس إلى الحكومة من أجل معالجة المظالم.
مثّلت الحرية على مدى سنين طوال مدار الحلم الأميركي، فأنت حر في تبنّي وعبادة وقول وفعل ما تريد، وكان هذا هو المحدد الرئيسي لتلك الاستثنائية الأميركية. لكن كما كانت الحرية ركيزة أولى لوجه أميركا الحديث، فإن الركيزة الأخرى كانت هي الكونية، أي إن هذه الأمة الأميركية هي أمة تتمتع بحظوة إلهية ومشربة بالدعوة المقدسة ويجب عليها أن تنقل هذه الرسالة إلى العالم.
وكما يقول المؤرخ وعالم الاجتماع بيري أندرسون Perry Anderson في كتاب السياسة الخارجية الأميركية ومفكّروها، إن هاتين الركيزتين المتناقضتين في جوهرهما هما ما قادتا الولايات المتحدة، وهما اللتان ستخلقان شقوقا في الجدار الأميركي. فقد كان الإيمان الراسخ بالاستثنائية يسمح بالاعتقاد أن بإمكان الولايات المتحدة الحفاظ على فضائلها الفريدة من خلال انفصالها عن عالم متهالك. أما الالتزام بالكونية فقد كان يمنح الولايات المتحدة صلاحية القيام بأنشطة تبشيرية للتدخل في شؤون العالم بدعوى تحريره. وبين هذين المتناقضين، كان الرأي العام يتحول فجأة مرة بعد أخرى.
تبرز لنا مفارقة الانفصال والتدخل حاضرةً في أشد تمثلاتها في اللحظة الحالية. فتدخُّل الولايات المتحدة بدعم إسرائيل دون قيد أو شرط جعلها ضالعا وشريكا أساسيا في الحرب على قطاع غزة. لكن هذا الدعم ليس حديثا، ولا طارئا، بل علاقة عضوية تمتد لسنوات، أضحت معها إسرائيل المتلقي الأبرز للمساعدات الأميركية، وشريكا رئيسيا للإستراتيجية الأمنية والعسكرية الأميركية في منطقة الشرق.
كان ذلك التدخل المستمر عاملا في تفكيك استثنائية الولايات المتحدة. فلا الإعلام بات مركزيا، ولا الرجل الأبيض بات يُشكِّل الأغلبية الساحقة، ولا أميركا باتت قادرة على الالتزام بالقيم التي رسمتها لنفسها وسوَّقت خلالها الحلم الأميركي رافعةً لهيمنتها الثقافية خارج حدودها. كل ذلك دفع إلى تغيرات بدأت ملامحها تختمر سنةً بعد أخرى.
فعلى مدار العقود الأخيرة، اندلعت الكثير من الاحتجاجات الداخلية مدفوعةً بالتدخل الخارجي الأميركي الفج في دول أخرى. في فيتنام، والعراق، وأفغانستان، واليوم في غزة. كانت هذه المظاهرات تُمثِّل اختبارا على الدوام لتلك الاستثنائية الأميركية.
في وقت مبكر، أدركت المؤسسات الداعمة لإسرائيل أن التحولات التي تشهدها الرؤية الأميركية، حتى بين الشباب اليهود، تجاه إسرائيل تعود في جزء منها إلى مواقع التواصل الاجتماعي، لكن ذلك دفع المؤسسات أيضا إلى النظر ناحية المؤسسات العاملة للقضية الفلسطينية في أميركا، ومن ثم استهدافها والأفراد العاملين بها.
ورغم ما أظهرته آلة القمع الأمنية في المظاهرات التي اندلعت إثر الحرب الإسرائيلية على غزة، والتشويه الإعلامي للمتظاهرين السلميين المحتجين على ما يصفونه بالتواطؤ الأميركي-الغربي على الفلسطينيين، فإن هذا الاستهداف بدأ منذ وقت طويل.
يقول أبو ارشيد إن سبب الاستهداف الذي طاله وطال غيره قديم. وللمفارقة، فقد كان سبب استهداف شخصه ووضعه على قوائم الترقب في المرة الأولى دراسة أكاديمية عمل عليها مع صديق يهودي اسمه بول شام Paul Scham، وهو رئيس قسم الدراسات الإسرائيلية في جامعة ميريلاند كوليج بارك، هذا الصديق يحمل الجنسية الإسرائيلية، وهو أميركي في الوقت ذاته، وكان مستشارا من الدائرة الواسعة في حملة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما للشرق الأوسط، ويعمل اليوم مع معهد دراسات الشرق الأوسط في واشنطن.
يضيف أبو ارشيد عرض عليّ بول شام في وقت سابق، حينما كان أوباما مرشحا للمرة الأولى في السباق الرئاسي، إعداد دراسة مشتركة مع معهد السلام الأميركي، وهو واحد من أكبر مراكز الدراسات في أميركا، ويتبع وزارة الخارجية الأميركية. وكانت الدراسة تتمحور حول إمكانية أن تكون حماس جزءا من العملية السياسية السلمية. وقمنا بإصدار الدراسة وتسليمها بعد الموافقة عليها ومرورها على عمليات تحرير وصياغة أثّرت على اللغة الأصلية المستخدمة فيها دون أن تؤثر كثيرا في جوهرها.
وقبل نشرها، أثار اللوبي الصهيوني حملة كبيرة جدا على هذه الدراسة، وكان جورج بوش الابن هو الرئيس الأميركي في ذلك الوقت. لذلك، وبعد مرورها على جميع مراحل الموافقة والتحرير، جاء قرار بعدم نشرها. لكن بعد مجيء باراك أوباما للبيت الأبيض، قرر معهد السلام الأميركي نشر الدراسة التي صدرت بعنوان حماس.. تشنج أيديولوجي ومرونة سياسية Hamas Ideological Rigidity and Political Flexibility في الأول من يونيوحزيران 2009 وأُجري حولها منتدى نقاشي، شارك فيه سياسيون مرموقون على صعيد السياسة الأميركية.
صاحَبَ نشر الدراسة وإقامة المنتدى حملة تشويه ضخمة، إذ عدّوا هذه الورقة اختراقا بوصفها ترويجا لحماس. ويقول أسامة أبو ارشيد وصموني أنني تابع لحماس، وهذا كذب، ولم يروا أن الذي شارك معي في الدراسة هو يهودي يحمل الجنسية الإسرائيلية. كما أن حضور هذا الأكاديمي بول شام في الأروقة السياسية والبحثية الأميركية له وزن أكثر ثقلا من وزني الأكاديمي، نظرا لعلاقاته وحضوره الممتد في الأكاديميا الأميركية.
ورغم التعديلات الكثيرة على اللغة الأصلية للدراسة، فإن ما أثار غضب اللوبي الصهيوني كما يصف أبو ارشيد، هو أن الدراسة أخذت اتجاها يُفضي بأن حركة حماس هي حركة سياسية عاقلة ولاعب سياسي يتحرك وفق المنطق السياسي الدولي، وهو ما استند على معلومات ووثائق الحركة الرسمية، وعبر تحليل لقرارات الحركة السياسية طوال السنوات التي سبقت الدراسة، دون أي انحياز.
منذ تلك اللحظة، بدأت الحملة تستهدف أبو ارشيد بشراسة، ومع نهاية عام 2010 كان قد وُضع على قوائم الترقب.
الولايات المتحدة الأميركية تؤمن باستثنائيتها، أي بتفوق الأمة الأميركية على أي أمة أخرى، ولكن هذا أمر لا يدعمه الحقائق أو التاريخ.
رئيس برنامج الدراسات الهندية-الأميركية بجامعة أريزونا
يقول أبو ارشيد انتبه اللوبي الصهيوني إلى تصاعد الصوت الفلسطيني وتأثيره في التحولات التي يشهدها المجتمع الأميركي. وهنا جاء الدور على مؤسسة أميركيون مسلمون لأجل فلسطين، وذلك عائد إلى أن المؤسسة انتقلت من المناصرة التعليمية ناحية إطلاق يوم سنوي معنيّ بالتحشيد السياسي لأجل فلسطين، وهو يوم المناصرة Advocacy لفلسطين في الكونغرس بمجلسيه. كان العام 2015 بداية انطلاق هذه الفكرة التي تتشابه مع ما تقوم به منظمة الآيباك عبر إطلاقنا مؤسسة سياسية هي أميركيون من أجل العدالة في فلسطين، التي يرأسها أبو ارشيد أيضا.
ويضيف نقوم في هذا اليوم بجلب مجموعة مختلفة ومتنوعة من جميع الأطياف المناصرة لفلسطين، سواء من اليهود، أو اللاتينيين، أو العرب، المسلمين، أو الفلسطينيين الأميركيين، وكل مَن له قدرة على القدوم إلى واشنطن، إذ نعمل على استضافتهم، ثم أخذهم إلى الكونغرس بقائمة من الأجندة والقضايا التي نطالبهم بالمدافعة عنها والمناصرة لها عبر اللقاء مع الممثلين في مجلسي النواب والشيوخ.
صاحب هذا التقدم على مستوى خطاب المؤسسة وتأثيرها في الأوساط الأميركية تطور مضاد على صعيد القضايا التي استهدفت المؤسسة. يوضح أبو ارشيد هذه المرة كان الاستهداف مبنيًّا على قضية بلا أسس -كيدية- من قِبَل اللوبي الإسرائيلي، حيث أقنعوا عائلة شاب إسرائيلي، اسمه ديفيد بويم David Boim برفع قضية على مؤسستنا عام 2017. هذا الشاب قُتل في شهر أبريلنيسان عام 1996 في إحدى المستوطنات في الضفة الغربية، وقالوا إن حركة المقاومة الإسلامية حماس تبنت العملية في ذلك الوقت.
هذا الشاب أميركي يهودي يحمل الجنسية الإسرائيلية. في عام 2000، أي بعد أربعة أعوام من مقتله، قامت عائلته بدعم من منظمات صهيونية برفع دعوى على عدد من المؤسسات الأميركية الإسلامية البحثية والسياسية والخيرية، مثل مؤسسة الأرض المقدسة هولي لاند فاونديشن، ومؤسسة الدراسات والبحوث، وعدد من المؤسسات الأخرى. كانت فحوى تلك القضية أن هذه المؤسسات شريكة في جريمة قتل بويم، بحجة دعمهم لأجندة حماس في الولايات المتحدة، وأن مؤسسة الأرض المقدسة هولي لاند فاونديشن كانت ترسل أموالا لعائلات تنتمي إلى حماس، بحسب زعمهم.
وببحث سريع حول تلك الحادثة على المواقع الإلكترونية الأميركية، فقد عنونت أكثر من صحيفة أميركية تلك الحادثة بـالضحية الأميركية الأولى لحماس. وبمزيد من البحث، تستطيع أن تلحظ استدعاء عدد من المواقع الصحفية لتلك الحادثة للتحذير من خطر المؤسسات العاملة لفلسطين داخل أميركا اليوم. فهل ثمة ما يفوق في إثارته من استدعاء حادثة تاريخية التصقت بمنظمة فلسطينية للتحذير من الخطر الرابض والجاثم هنا أي في قلب بلاد الحريات؟ وهل ثمة تفسير أسهل وأكثر نمطية من إلصاق هذا الحجم من المظاهرات الداعمة لفلسطين بالمؤسسات العاملة لفلسطين؟
تبدو المؤامرة مكتملة الأركان، والتهديد بات اليوم متغلغلا في البلاد التي يقف تمثال حريتها على شواطئ نيويورك مؤذنا بحمله شعلة الحرية والليبرالية للعالم أجمع. كل هذه الرمزيات تمتزج لتخلق فانتازيا العدو التي صُنعت بإتقان مَن قتل الأميركي بويم بالأمس هو مَن أسر الرهائن اليوم.. ومَن يعلم ما الذي سيفعله غدا؟
كانت تبعات قضية مؤسسة الأرض المقدسة كبيرة في المحاكم الأميركية. وبسبب أحداث سبتمبرأيلول 2001، وما تبعها من سُعار إعلامي وأمني على المسلمين، استهدفت إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش المؤسسات المسلمة هناك، والقضايا التي رُفعت في وقت سابق أخذت زخما سرّع من وتيرة الحكم عليها.
أُغلقت هولي لاند فاونديشن بقرار حكومي مباشر عام 2001، بينما أغلق الاتحاد الإسلامي لفلسطين أبوابه عام 2004 -المؤسسة التي كان أبو ارشيد موظّفا فيها- اضطرارا وطواعية، نظرا لعدم امتلاكها الأموال الكافية للدفاع عن نفسها أمام سيل القضايا القانونية، بقضايا بلغ مجموعها 156 مليون دولار.
لم تقف القصة هنا. ففي عام 2017، قامت العائلة ذاتها بإعادة رفع الدعوى ذاتها على مؤسسة أميركيون مسلمون لأجل فلسطين، التي تأسست عام 2006، حيث ادعت أن هذه المنظمة أميركيون مسلمون لأجل فلسطين هي انعكاس المرآة للمنظمات ذاتها التي أُغلقت على إثر تلك الدعوى، مثل الاتحاد الإسلامي لفلسطين.
يضيف أبو ارشيد قالوا إن هذه المؤسسة استمرار لتلك، وبالتالي طالبونا بدفع مبلغ 156 مليون دولار التي لم يتحصّلوا عليها في المرة الأولى. إضافة إلى ذلك، لم يكتفوا برفع الدعوى على المؤسسة، بل رفعوا دعاوى شخصية على شخصي واثنين آخرين أتحفّظ على ذكر أسمائهم مراعاةً لخصوصيتهم.
ويكمل عَنَت تلك الدعوى تجميد جميع الأصول التي أمتلكها وعدم قدرتي على بيعها أو نقل ملكيتها، مثل السيارة والمنزل، على اعتبار أنها من الأصول التي يمكن الاستحواذ عليها في حال خسارة الدعوى لتكون جزءا من تلك الـ156 مليون دولار التي يطالبون بها.
لكن تلك الدعوى لم تستند إلى أي حقيقة. فلم يكن أبو ارشيد من المؤسسين للمنظمة، ولم ينضم إليها إلا عام 2010، ولاحقا تولى قيادتها في 2019.
ومنذ عام 2017، كسب أبو ارشيد وفريقه 3 جولات، حيث استبعده القاضي من الدعوى على اعتبار أنه لم يكن موجودا في أميركا حين قُتل ديفيد بويم عام 1996. كما أنه لم يعمل في الاتحاد الإسلامي لفلسطين إلا عام 2000. لكن القضية بقيت متصلة بالمؤسسة، يقول أبو ارشيد إن الجهات الصهيونية المحرّكة للقضية لم تستسلم، وأعادت القضية من محكمة الاستئناف مع تعديل لائحة الاتهام، إذ نُحي اثنان من الثلاثة المتهمين، وأُبقي على اتهام المؤسسة وشخص آخر من خارج المؤسسة.
وبالبحث، اكتشف المحامون أن إحدى تلك المنظمات التي قادت الحملة على مؤسسة أميركيون مسلمون من أجل فلسطين تعمل بشكل رئيسي على محاربة المنظمات الداعية لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية. أما استهداف المؤسسة التي يرأسها، كما يقول أبو ارشيد، فهي محاولة لتكون عبرة ومثالا لجميع المنظمات الأخرى العاملة لأجل فلسطين.
لم تكن تلك نهاية القصة، فتبعات الاستهداف الممنهج كما يصفه أبو ارشيد امتد لحقِّه بالحصول على الجنسية الأميركية. يقول كنت مستحقا للجنسية منذ عام 2006، لكن حصلت عليها عام 2017، ولم آخذها إلا حينما قمت برفع دعوى عام 2015 على الحكومة. فبعد أن رُفع الأمر للقاضي الذي اطلع على كل تفاصيل الرفض والتعنت، سحبت الحكومة بصورة مفاجئة اعتراضها على نيل أبو ارشيد للجنسية الأميركية. كانت النتيجة أنه حصل عليها يوم 11 سبتمبرأيلول 2017، وأنا اسمي أسامة، في دلالة عميقة على المفارقات في الولايات المتحدة.
ما بين عام 2010-2017، لم يستطع أبو ارشيد ركوب طائرة من ولاية لأخرى دون تفتيش وتعطيل وتحقيق. أما إذا أوقفه شرطي أثناء قيادته للسيارة، يأتيني 6 أفراد بأسلحتهم من كل جانب، وبقي على هذه الحال سبعة أعوام.
يقول أبو ارشيد إنه عاش معاناة كبيرة، وضاعت منه فرص عمل كثيرة داخل أميركا وخارجها. في إحدى المرات، أوقفوا زوجتي وبناتي حينما كانوا صغارا لأن السيارة التي كانوا يقودونها كانت مسجَّلةً باسمي، وكان الاستهداف على كل المستويات، قضائيا عبر دعاوى كيدية، وأمنيا عبر تحريض الحكومة الأميركية ضدي.
أما عمّن يقف وراء تلك الدعاوى، فقد أجرت الجزيرة الإنجليزية تحقيقا للكشف عمن يقف وراء هذه الحملات. جوناثان شانزر Jonathan Schanzer، وهو المحلل السابق لشؤون تمويل الإرهاب في وزارة الخزانة الأميركية، الذي يقول أبو ارشيد إنه ذكر مسألة جنسيته ثلاث مرات أمام مجلسي النواب والشيوخ عام 2015 لمنعه من الحصول على الجنسية الأميركية. الآن، يقود شانزر الحملة ضده بعد السابع من أكتوبر، وهو يُمثِّل تيارا أوسع من داعمي إسرائيل الذين يُسخِّرون أوقاتهم وأموالهم لمحاربة النشاط المؤيد لفلسطين في الولايات المتحدة.
جوناثان شانزر على برنامج د. فيل Dr.Phil، يعيد تكرار المزاعم ذاتها حول علاقة أبو ارشيد بقضية بويم ومن ثم علاقته بحركة حماس.
في المقطع أعلاه، يجلس المذيع الأميركي الشهير، والمعروف بتأييده الشديد لإسرائيل، د. فيل مقدما محايدا، ليسأل جوناثان شانزر عمّن يموِّل مظاهرات الطلاب. توضع صورة لأبو ارشيد مع شعار حماس، كرأس لهذا الحراك الذي فاجأ الجميع، وتُستدعى مع استدعاء صورته القضايا الفائتة جميعها. يعرض فيل على الشاشة زيارته لإسرائيل بعد السابع من أكتوبر، ومشاهدته لقصص مروعة للمستوطنين. بينما يومئ شانزر برأسه متأسفا، ليكتمل المشهد بعرض المخرج لصورة قريبة Close-Up Shot، وهو نوع من اللقطات التي تؤخذ عادة لإبراز المشاعر، لامرأة من الحضور ممسكةً برأسها من هول ما تسمع
يستحضر هذا المشهد مقولة لأستاذ العلوم السياسية علي مزروعي الذي قال العالم يؤمرك ثقافيا، في حين تأبى أميركا أن تتأنسن أخلاقيا. فالرئيس هاري ترومان لم يتقلب في فراشه أرَقًا بسبب المدنيين اليابانيين حين أمر بإلقاء القنابل الذرية على هيروشيما وناغازاكي، وهو الذي قال في الخطاب الذي ألقاه يوم إلقاء القنبلة الذرية الثانية على ناغازاكي نشكر الله لأنها القنبلة الذرية كانت من نصيبنا، لا من نصيب أعدائنا. ونحن ندعو الله أن يرشدنا لكي نستخدمها فيما يُرضيه ومن أجل تحقيق أهدافه. لا يختلف الحال كثيرا مع سياسيي اليوم، الذين لم يؤرقهم قتل 40 ألف فلسطيني بأسلحة ودعم سياسي ودبلوماسي أميركي غير محدود لأكثر من تسعة أشهر.
عوّدت هذه الأمركة الثقافية للعالم الالتفات لـالإرهاب بوصفه فعلا لجماعات دون الدولة، عوضا عن أن تفحص الإرهاب بوصفه مصطلحا سياسيا ضمن منظومة الحرب الثقافية، ودون أن تُعرّف الإرهاب في سياق الأثر الذي تُخلِّفه عوضا عن الفاعل الذي يقوم به. دفع ذلك علي مزروعي للقول إرهاب الدولة هو الذي ينجو عادة من الفحص الأخلاقي الدقيق.
لكن كل ما سبق أخذ أبعادا أكثر شراسة بعد السابع من أكتوبر، ولم يعد خاضعا للمنطق السابق ذاته، ولا للأسلوب ذاته. هنا، وجد الداعمون لإسرائيل الوضع ملائما لاجتثاث أي صوت يدافع عن الحقوق الفلسطينية داخل الولايات المتحدة، وصاحب ذلك ردة فعل عنيفة تجاه الطلبة، وتجاه عدد من الأكاديميين، والمؤسسات العاملة لفلسطين.
كان كل ما سبق قبل السابع من أكتوبر، قبل الطوفان الذي وصلت أمواجه إلى الضفة الأخرى من الأطلسي. فمنذ ذلك الوقت، رُفعت 8 قضايا مدنية كيدية ضد أبو ارشيد ومؤسسته. كانت أول قضية من نصيب المدعي العام لولاية فيرجينيا والعضو في الحزب الجمهوري جيسون مايرز Jason Miyares، وهو ما يوازي وزير العدل على مستوى الولاية، الذي سافر لإسرائيل في أواخر أكتوبرتشرين الأول الفائت، وحينما عاد إلى أميركا، أعلن فتح تحقيق ضد المؤسسة بتهمة تمويلها للإرهاب، وفي اليوم ذاته وصلت أبو ارشيد مذكرة الدعوى.
وبالتزامن مع ذلك، بدأت تصل أبو ارشيد وغيره من موظفي المؤسسة تهديدات بالقتل والعنف، يقول أبو ارشيد وصلتني رسالة على هاتفي تهددني بالقتل بمجرد دخولي للمنزل، لكن المفاجأة أنه حينما اتصلت بالشرطة، لم يحضروا إلا بعد مرور أكثر من ساعة. كما تواصل أبو ارشيد مع قسم الحقوق المدنية في وزارة العدل بشأن تلك التهديدات، ورغم وعود تلقاها بالتحقيق في المسألة، لم ترجع إليه السلطات بأي معلومة جديدة حتى نشر هذه السطور. ولا تزال التهديدات بالعنف تصل إلى أميركيون مسلمون من أجل فلسطين. وحتى الآن، يقول أبو ارشيد لم أعد أسكن مع عائلتي، حيث اضطررت لأطلب منهم الانتقال إلى ولاية أخرى، كما أنني لا أسافر معهم في المطارات خشية استهدافهم.
لم تمر أسابيع بعد التهديدات حتى استقبلت المنظمة دعاوى من عائلات أميركية تحمل الجنسية الإسرائيلية ولهم أقارب من المستوطنين والجنود الذين تضرروا مما جرى يوم السابع من أكتوبر، إضافة إلى قضيتين أخريين تزعمان أن مؤسسة أبو ارشيد ومنظمات أخرى، بما فيها منظمة كود بينك التي يقودها يهود أميركيون، كانوا على علم مسبق بما جرى في السابع من أكتوبر وتطالب الدعاوى بمئات الملايين من الدولارات تعويضا، وهو ما يضع كل ممتلكات أبو ارشيد وغيره من النشطاء تحت تهديد المصادرة في حال خسارة تلك الدعاوى الكيدية.
ما شاهدته منذ ذلك اليوم وحتى يومنا هذا من أشرس ما رأيته في حياتي. هنا يعود اسم جوناثان شانزر للظهور مرة أخرى، إذ زادت وتيرة تحركاته عقب الحراك الطلابي الذي اشتعل في ربوع أميركا، حيث قام أبو ارشيد بإلقاء كلمات مؤيدة لحراك الطلاب في جامعة كولومبيا وجامعة جورج واشنطن وغيرها من الجامعات.
لقد حاول الإسرائيليون وداعموهم في الولايات المتحدة أن يصنعوا وجها يتهمونه بالوقوف وراء حراك الطلاب من أجل شيطنة الدعم الهائل الذي حصلت عليه القضية الفلسطينية بسبب حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة، وكان أبو ارشيد هذا الوجه فأثناء مشاركتنا في إحدى التظاهرات أمام السفارة الإسرائيلية في واشنطن، مرت شاحنات متنقلة تحمل صورنا، وتعرض صورة كُتب عليها أميركيون مسلمون لأجل حماس، وتحرّض ضدنا بصورة وحشية وقذرة.
ومع سيل الاتهامات، تنضم جهات منظمة داعمة لإسرائيل، فبالإضافة إلى د. فيل، أجرت قناة فوكس نيوز تحقيقات حول التبرعات المالية التي قدمها أبو ارشيد لأعضاء في الكونغرس، وهو تحقيق ستشعر معه وكأن أبو ارشيد عمل على شراء ولاءات أعضاء الكونغرس الأميركيين، في حين أن مجموع تبرعات أبو ارشيد لم تتجاوز ثلاثة آلاف دولار على مدار سنوات كما يقول. كذلك ظهر أبو ارشيد على الصفحة الأولى من صحيفة أميركا اليوم USA today، وكل ذلك في هجوم منسق ومتزامن.
ورغم وهن الادعاءات والقضايا الكيدية التي يُتهم بها أبو ارشيد، فإن أحد جوانبها هو الاستنزاف، إذ تستهلك هذه الدعاوى من وقت وجهد ونفسية وأموال المدّعى عليه. ونظرا لطبيعة النظام القضائي الأميركي وإجراءاته الطويلة والمعقدة، فإن الدعوى قد تأخذ في المحاكم سنوات حتى يُبت فيها، كما أن داعمي إسرائيل جاهزون لتغيير بعض بنود الدعوى بعد البت في حكمها الأول، ومن ثم إعادة رفعها وفتحها مرة أخرى.
يقول أبو ارشيد مستاءً بينما نحن على الطرف الآخر، لا نمتلك الإمكانيات ذاتها، ولولا أن ثمة مؤسسات تدافع عن قضايانا دون مقابل، وإلا أفلسنا جميعا منذ مدة، وهذا هو الهدف.
خلص داعمو إسرائيل إلى نتيجة مفادها أن رفع مستوى الوعي حول القضية الفلسطينية هو الذي يقود إلى تراجع شعبية إسرائيل، وعلى أساس ذلك يزداد الهجوم شراسة، وبدل مقارعة الحجة بالحجة يلجؤون إلى تشويه الطرف المقابل لهم.
في شهر مايوأيار الماضي، وحينما كان أبو ارشيد يتوجه للسفر في المطار، وجد نفسه مرةً أخرى على قائمة الترقب، وهي القائمة ذاتها التي أُزيل اسمه منها عام 2017. وحينما استفسر من أمن المطار عن السبب، أشاروا لما يُثار حولي في وسائل الإعلام والكونغرس.
ويضيف أبو ارشيد أخبرتهم أني لم أكن أعلم أن الحكومة منحازة لطرف على حساب آخر، وأن الدعاوى المرفوعة هي قضايا مدنية لم يُبت فيها، فكيف تصبح الحكومة الأميركية طرفا في مواجهة مواطن أميركي لم يثبت عليه أي اتهام؟ لكن لم يستجب ولم يسمع أحد.
ما يحدث مع أبو ارشيد يعزز من نتيجة توصل إليها الداعمون لفلسطين في الولايات المتحدة، فالعدالة على المستوى التنفيذي، وليس على المستوى القضائي، باتت منتفية. تماما كفصل الطلاب، والأساتذة الجامعيين، والاعتداء عليهم. ومن ذلك ما حصل في مدينة لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا، من الاعتداء على المخيم الطلابي من قِبَل مجموعة من المناوئين للمظاهرات الفلسطينية، بمساعدة الشرطة، فلأول مرة يمكن ملاحظة هذه الصلافة في انتهاك الحقوق الدستورية الأساسية للأميركيين من قِبَل الشرطة مثل الحق في التعبير.
وهذا ما قاله أبو ارشيد للعميل الفيدرالي الذي التقاه في المطار أخبرته أنني اخترتُ أن أصبح أميركيا بإرادتي، وليس بالولادة. اخترتها لما كانت تمثله أميركا من صورة ومثال في حرية التعبير، وحرية الاعتقاد، وحرية التجمع، وحرية الممارسة الصحفية. وعلى اعتبار أنني كنتُ صحفيا، وأُستهدف لآرائي خارج أميركا، وإذا تجمّعنا نُعتقل، وإذا تحدثنا نُعتقل. أتيت إلى أميركا لأجل هذه الحقوق، لكننا اليوم نكتشف أن هذه القيم لا تنطبق علينا. فإذا عارضنا الخط الرسمي للدولة، نُشوَّه ونُهاجم تماما مثل ما يحدث في الديكتاتوريات.
أبو ارشيد ليس الوحيد، حيث يقول إنما أنا حالة من آلاف الحالات. وبالنظر للسياق الأوسع، فقد هدد المحامي الأميركي آلان ديرتشويتز Alan Dershowitz في خطاب واضح للمتظاهرين الداعمين لفلسطين سوف نعرف مَن أنتم، وسنصل إليكم، ونذهب بكم إلى المحاكم حتى تصمتوا جميعا.
أما ديرتشويتز هذا فقد كان يدرس القانون في جامعة هارفارد، وقام بتدريس الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، وهو أحد مَن ذُكر اسمهم في تسريبات فضائح جزيرة جيفري إبستين، لكن الإعلام لا يلتفت كثيرا لجرائمه والادعاءات ضده، رغم اتهام طفلة عمرها 13 عاما له باغتصابها.
واليوم، لم يعد خوف المؤيدين لفلسطين محصورا في المتطرفين، بل إن القلق يشمل حتى الشرطة، إذ يمكن لمخالفة مرور صغيرة في الشارع أن تتطور لأكثر من ذلك، إذا ما كان هناك شرطي غير متزن تصرف دون تفكير ومن منطلق عنصري في حال رأى اسم الموقوف على قوائم الترقب، وفسر أي حركة طبيعية على أنها تهديد لأمنه الشخصي، ما قد يبرر استخدام العنف وعلى خلفية الاستهداف الحكومي غير المبرر، فإن أبو ارشيد في طور رفع قضية على الحكومة الأميركية الآن بسبب التعدي على حقوقه الدستورية والمدنية.
رغم ذلك، يقول أبو ارشيد، مثل ما أن تاريخ أميركا حافل بالعنصرية والتجاوز على الحقوق الدستورية وانتهاك الحريات المدنية لمواطنين، على أساس خلفياتهم العِرقية أو السياسية، فإن الدرس الأهم هو أن تلك الحقوق والحريات لا تُصان إلا عبر نضال مدني سلمي. هذا ما تُثبته تجربة السود الأميركيين الذي عانوا من العبودية والاضطهاد لقرون طويلة، والأمر ذاته ينسحب على اليابانيين والألمان الأميركيين الذين عانوا تمييزا واستهدافا ممنهجا خلال الحرب العالمية الثانية.
الأمر نفسه يقال عن مرحلة المكارثية في الولايات المتحدة، في خمسينيات القرن الماضي، التي استُهدف بها سياسيون وفنانون ومفكرون أميركيون بشبهة أنهم شيوعيون أو أنهم متعاطفون معها.
وفي العقود الثلاثة الماضية، أصبح العرب والمسلمون الأميركيون هم هدف حملة التمييز والاستهداف في أميركا، ومستقبل الحقوق الدستورية الأميركية والحريات المدنية يعتمد على كيفية التصدي لها، وعلى كيفية تجاوب الرأي العام الأميركي مع مطالباتهم، ذلك أن أي انتقاص من حقوق أقلية ما ينتهي به المطاف للانتقاص من حقوق الأميركيين وحرياتهم المدنية عموما.
الأهم من ذلك أنه مهما بلغ حجم الضغوط والاستهداف والتشويه، يقول أبو ارشيد لن نتخلى، كوننا أميركيين، عن رفض السياسات الخارجية الظالمة التي تتبناها الولايات المتحدة، وعلى رأسها دعم الساسة الأميركيين لدولة فصل عنصري تمارس الإبادة الإنسانية، وسنبقى نناضل حتى نغير ذلك السلوك المخزي الممارس باسمنا نحن المواطنين، وحتى تغيير السياسة الخارجية الأميركية وجعلها أكثر عدلا وتوازنا.
تلخص قصة أبو ارشيد تحوُّل واشنطن في تعاطيها مع الحريات، فالأميركي يتمتع بحرية التعبير إلى أن يتظاهر ضد حرب إبادة تمولها واشنطن، ليصبح المتظاهرون ضد إسرائيل ممولين ذوي أجندات خارجية، ويصبح المعادون للفصل العنصري تهديدا للأمن القومي الأميركي.
يبدو الحال، كما يقول المفكر الأميركي بيري أندرسن، أن أميركا لم تعد معجبة بتفوقها وبقيمها، بل باتت تنحو أكثر نحو القبول بالواقع تفاديا للأسوأ. أما الأسوأ، فيحدده أصحاب المصلحة والمال والنفوذ، وأما القيم، فتوظَّف بحسب السياق والمرحلة. أما أبو ارشيد ورفاقه، فسيستمرون في مقاومتهم لاستثنائية إسرائيل، التي ما دامت مستمرة، فلن تستطيع واشنطن إقناع أحد بـالاستثنائية الأميركية، لا خارج حدودها، ولا حتى بين مواطنيها. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/9/3/%d8%a3%d8%b4%d8%b1%d8%b3-%d9%87%d8%ac%d9%85%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%aa%d9%8a-%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d9%8a%d8%b3%d8%aa%d9%87%d8%af%d9%81 | 2024-09-03T05:20:19 | 2025-01-14T11:30:51 | أبعاد |
|
135 | هل بدد نتنياهو ما بنته إسرائيل في الغرب خلال 100 عام؟ | لأول مرة منذ تأسيسها، تفشل إسرائيل في التحكم في القصة، وفي صياغة رؤية العالم للحقيقة، وفي منع الفلسطينيين من حقهم في السرد، لذلك ربما يتوقف الأمر على مدى قدرة مناصري القضية على الاستمرار في مناصرتها. | تُرى، ما الذي كان سيقوله أي من آباء إسرائيل المؤسسين لو قام من قبره ليرى العالم اليوم؟ عالم تتعالى فيه أصوات الطلاب بالهتاف للمقاومة الفلسطينية، وتتناثر الاعتصامات حول العالم رفضا للجرائم الإسرائيلية، أما ثالثة الأثافي فهي أن تأمر محكمة الجنايات الدولية باعتقال مسؤولي إسرائيل الأهم بتهم الإبادة الجماعية وارتكاب جرائم حرب تشمل استخدام الجوع سلاحا ضد المدنيين، وهم من عانى آباؤهم من النبذ والجوع في معسكرات الاعتقال وفي أزقة أوروبا.
فعندما تأسست إسرائيل، كانت الصورة التي تُرسم عن الدولة اليهودية الوليدة أنها موطن الضحايا، وملتقى المعذبين في الأرض، هؤلاء الذين يريدون أرضا هادئة يعمرونها، ويعيش فيها أبناؤهم، ويحمونها من جور العالم والجيران. فلعقود طويلة، كانت إسرائيل مجرد فكرة بدأت في عقول عدد من مؤسسي الحركة الصهيونية في القرن التاسع عشر، واستطاع هؤلاء أن يحشدوا تأييدا بين الساسة في الدول الاستعمارية الغربية الكبرى، لكنهم لم يكونوا قد امتلكوا ناصية السردية التي تمكنهم من إقناع الرأي العام العالمي.
لكن هذا تغير بعد الحرب العالمية الثانية، ومعرفة العالم بالانتهاكات التي قام بها النازيون في أوروبا ضد الأقليات، وعلى رأسهم اليهود، وحينها كانت ذروة الرأي العام العالمي في دعم حق اليهود في تأسيس دولة يحتمون بها. لم ترد القوى الغربية المنتصرة للعالم أن يرى جريمة غير جرائم النازية، فكل ما سواها يهون.
وبعد أن عانى العالم في مجمله من ويلات الحرب الثانية، وشاهد الناس فظائع النازيين، لم يكن مستغربا أن يقدموا كل الدعم للضحية التي سُلط الضوء على الانتهاكات ضدها أكثر من أي طرف آخر. وكان هذا هو العالم الذي تأسست فيه إسرائيل، عالم تقوده عقدة الذنب، وتحركه صورة الضحية التي لم تكن ثمة صورة غيرها، وينشأ فيه الأطفال على وجود ضحية واحدة، ومقدّس واحد لا يجوز التشكيك فيه، لكن ذلك كان قبل 77 عاما.
خلال هذه الأعوام الطويلة، تغيرت صورة إسرائيل لدى شعوب العالم، وكثير منهم أخلاقيون محبون للعدل والسلام. حتى قبل انطلاق حرب السابع من أكتوبر 2023 وما تبعها من إبادة جماعية في قطاع غزة عقابا على ممارسة الفلسطينيين حقهم في المقاومة، كان جيل جديد في الغرب قد بزغ ولديه قناعات مختلفة كثيرا عن الأجيال التي سبقته بشأن القضية الفلسطينية، فقد بدأت الإحصاءات والبيانات تخبرنا بأن الأجيال الجديدة في الغرب تحمل رؤى مختلفة تماما حول هذا الصراع، وقد جاءت الحرب الجارية حاليا لتعمق هذه الفجوة الجيلية في الغرب، وتكثف وتبلور آراء الأجيال الجديدة الناقدة بشدة لدعم دولها لدولة الاحتلال الاستيطاني كما يصفونها.
لم يعد هذا التبلور يحدث من خلال النقاشات أو التعليقات العابرة على مواقع التواصل الاجتماعي فقط، وإنما ظهر بوضوح متشابكا على أرض الواقع من خلال مظاهرات ضخمة في كل العواصم الغربية رغم كل الإجراءات القمعية لكبحها، وهي المظاهرات المستمرة التي خرجت تندد بإسرائيل والتواطؤ الغربي على انتهاكاتها، في مشهد جعل الحكومات الغربية تظهر أمام العالم بصفتها منتهجة لسياسات معارضة لشعوبها، وتحديدا شبابها والأجيال الأصغر سنا من مواطنيها.
وإذا كانت الإحصاءات الأخيرة تدلل على شيء، فهو ما يمكن أن يحدث في المستقبل، إذ إن الأجيال الجديدة في دول أوروبا والولايات المتحدة تميل بشكل واضح ومتزايد في اتجاه تأييد القضية الفلسطينية، والابتعاد عن دعم إسرائيل. لا نتحدث هنا عن أسباب عاطفية تتعلق بحق الفلسطينيين في الغذاء والدواء وحرية إدخال المساعدات، بل نتحدث عن منظومة قيمية عالمية لا يعود لإسرائيل فيها مكان، وعلى افتراض أن المشهد استمر على ما هو عليه ولم تتغير قناعات تلك الأجيال الجديدة جذريا بعد ذلك، فهذا يعني باختصار أنه بعد سنوات قليلة ستجد الدول الغربية نفسها، وهي تدعم إسرائيل واحتلالها الاستيطاني، في مواجهة خاسرة مع الأغلبية الساحقة من شعوبها قد تضطرها رغما عنها لتغيير سلوكها الداعم للاحتلال.
ربما كانت الدولة الأكثر فحصا من جانب الباحثين فيما يتعلق بتحولات آراء صغار السن فيها لصالح فلسطين على نحو شديد الوضوح كانت الولايات المتحدة الأميركية، الداعم الأهم والأكبر لإسرائيل، والتي يرى الكثيرون أنه لولا دعمها غير المشروط لإسرائيل لواجهت صعوبات كبيرة في استمرار استعمارها الاستيطاني.
لسنوات طويلة كان الأميركيون متعاطفين في أغلبهم مع إسرائيل، ويرون أن من واجب الولايات المتحدة المشاركة في دعمها وضمان أمنها وسلامتها، لكن شيئا قد تغير بوضوح الآن، إذ يبدو أن لدى أبناء الأميركيين اليوم رأيا مختلفا تماما عن آبائهم وأجدادهم، وحتى المدافعين عن إسرائيل اليوم في أميركا يدركون تماما حجم التبدل في المواقف عند الأجيال الجديدة ولا ينكرونه رغم استيائهم منه.
من قبل أن تبدأ الحرب الأخيرة كانت الإحصاءات قد بدأت في الكشف عن هذا التحول الكبير، ففي استطلاع أجراه مركز بيو للدراسات الشهير عام 2022، وهو مركز أبحاث أميركي غير حزبي يقع في العاصمة واشنطن، ويعد من أشهر المراكز عالميا التي تعمل على تقديم البيانات والأرقام حول القضايا الاجتماعية والرأي العام والاتجاهات الديموغرافية في الولايات المتحدة الأميركية والعالم؛ وجد الاستطلاع أن 55 من الأميركيين ينظرون لإسرائيل بشكل إيجابي، وأن 41 فقط هم من يعارضونها، لكن عند التعمق في تحليل البيانات نجد أن الصورة توحي بإمكانية أن تتغير على نحو كبير في السنوات القادمة.
ورغم أن المناهج المدرسية والمقرّرات التثقيفية والخطابات السياسية قد عبأت أجيال الغرب بمقولات قيم الحرية والحقوق، شهدت هذه الأجيال ضلوع قادة دولها وحكوماتها في عملية سحق مرئية لا هوادة فيها لهذه القيم والمبادئ دون أن تعترض الطبقة السياسية والنخب الإعلامية والثقافية المتنفِّذة على ما يجري.
إذ إن 41 فقط من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاما هم من ينظرون إلى دولة الاحتلال بإيجابية، وكذلك تزداد النسبة بشكل أبسط في الجيل الذي يكبره مباشرة الذين تتراوح أعمارهم بين 30 و49 عاما، لكنها لا تصل إلى تحقيق الأغلبية، إذ رأى 49 من تلك هذه الفئة العمرية لإسرائيل بطريقة إيجابية، وكانت نسبة من يؤيدون إسرائيل بين الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و64 عاما هي 60، فيما وُجدت الأغلبية الكبرى لداعمي إسرائيل في الجيل الأكبر سنا، وهم الذي تزيد أعمارهم عن 69 عاما، بنسبة 69.
وكذلك رصدت أرقام مؤسسة غالوب الأميركية للاستشارات والتحليلات، التي تقع في واشنطن، في مارسآذار من عام 2023، نفس الاتجاه الهابط لتأييد إسرائيل بين الأجيال المختلفة، لكن هذه المرة بين المنتمين للحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة الأميركية، وأنه كلما قل العمر زادت احتمالية الاصطفاف مع فلسطين، فبينما حظيت إسرائيل بمستوى تعاطف إيجابي بلغ 46 بين فئة مواليد 1946-1964، و32 بين فئة مواليد 1965-1979، كانت أرقام التعاطف مع إسرائيل سلبية حين جاء الدور على فئة مواليد مواليد 1980-2000، إذ بلغ التعاطف معدلا سلبيا في مقابل التعاطف مع فلسطين بنسبة -2.
وحتى بين اليهود الأميركيين نرى نفس الفجوة الجيلية، فبحلول عام 2020 كان 48 فقط ممن تقل أعمارهم عن 29 عاما منهم يشعرون بارتباط شديد مع إسرائيل، في مقابل 67 من اليهود الذين تبلغ أعمارهم أكثر من 65 عاما، إذ كانوا يشعرون بالانتماء والارتباط بدولة الاحتلال.
وحين قامت حرب السابع من أكتوبر، أجرت مجلة الإيكونوميست استطلاعا في الفترة بين 21 أكتوبر و24 أكتوبر، وقد وجدت أن نسبة المتعاطفين مع الفلسطينيين ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاما أعلى من نسبة الذين يتعاطفون مع إسرائيل من نفس الفئة العمرية، بنسبة 28 في مقابل 20. في حين كانت النسبة بين المتعاطفين مع إسرائيل مقارنة بالمتعاطفين مع الفلسطينيين بين هؤلاء الذين تزيد أعمارهم عن 65 عاما هي 65 في مقابل 6.
وكما يقول الباحث الفلسطيني المتخصص في الشأن الأوروبي حسام شاكر في مقاله على الجزيرة نت، فإن الأمر لا يتعلق فقط برؤية الواقع، بل بالبحث عن المعنى، إذ تجود فلسطين على هذه الجماهير بامتياز منح الهُوية واسترجاع المعنى واستلهام المغزى، فثمة قيم ومبادئ يتجند المرء لأجلها في الميادين ويبذل تضحيات على طريقها من مكتسباته، كأنْ تعاقبه الجامعة المرموقة أو تعتقله قوات الشرطة أو يواجه غرامات مالية أو تطارده حملات تحريض، وقد يضحّي بطموحه الوظيفي لتسجيل موقف مبدئي.
لذلك لم يكن غريبا أن يشير استطلاع الرأي، الذي أجرته إذاعة إن بي آر بالتعاون مع بي إس نيوز وماريست ناشيونال بعد 4 أيام من انطلاق الحرب، إلى أن 48 فقط من جيل الألفية وجيل زد يرون ضرورة دعم الولايات المتحدة الأميركية لدولة الاحتلال، بينما كان 83 من جيل طفرة المواليد ونسبة أعلى في الأجيال الأكبر يرون ضرورة دعم الولايات المتحدة لإسرائيل.
فلسنوات، كان النضال المقترح على أجيال الحاضر منحصرا في شواغل محلية أو قضايا بيئية أو اهتمامات جنسية، مع ترك شواغل السياسة لأولي الأمر ورجال الاستخبارات الذين لا يُسائلهم أحد تقريبا، لكن الأمر بدأ يتغير وبشكل جذري.
فبحسب استطلاع رأي هارفارد كابس-هاريس بول في الشهور الأولى للحرب، فقد كان 51 من المستجيبين الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاما يعتقدون أن من حق حركة المقاومة الإسلامية حماس مهاجمة المواطنين الإسرائيليين بسبب عدالة المظلمة الفلسطينية، وكذلك كانت نسبة من يرون ذلك في الأعمار التي تتراوح بين 25 و35 عاما هي 48، في حين اعتقد من هم أكبر من 55 وصولا إلى 65 عاما بنسبة 89 أن هجمات حماس لا يمكن تبريرها على الإطلاق، وكانت النسبة تزيد كلما زاد العمر عن ذلك.
ربما أخذت الولايات المتحدة الأميركية وشبابها نصيب الأسد في الدراسات والاستطلاعات التي أجريت حول تغير الآراء تجاه فلسطين وإسرائيل، لكن الواقع أن هذا البعد الجيلي الواضح فيما يتعلق بتغير الآراء تجاه إسرائيل والميل لكفة فلسطين يمتد لأوروبا وكندا أيضا وكافة أرجاء العالم الغربي.
فبحسب الاستطلاع الذي أجرته شركة كومريس البريطانية لصالح شبكة سي إن إن في عام 2018، والذي كان المبحوثون فيه أكثر من 7 آلاف أوروبي في 7 دول، للتعرف على رأيهم بشأن القضية الفلسطينية وإسرائيل؛ أظهر الاستطلاع بوضوح أن الفارق في وجهات النظر بالأساس كان فارقا جيليا، إذ كان الأكبر سنا هم الأكثر دعما لإسرائيل في مقابل الأصغر سنا الأكثر دعما لفلسطين، كما أظهر استطلاع أجراه معهد إيفوب الفرنسي المتخصص في استطلاعات الرأي في عام 2018 أن 57 من المبحوثين الذين تبلغ أعمارهم 65 عاما أو أكثر يحبون إسرائيل، بينما 32 فقط من الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 35 عاما لديهم وجهة نظر إيجابية حولها.
هذا التأثير يمكن ملاحظته بشكل أعم، إذ قالت لوتشيا أردوفيني، الأستاذة بجامعة لانكستر البريطانية، للجزيرة نت في وقت سابق؛ إنها فوجئت بالتحول الهائل الذي حدث لطلابها في أعقاب هجوم السابع من أكتوبر والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وأوضحت ذلك قائلة يمكنني القول إن هذا الجيل هو الجيل الأقل تسييسا الذي رأيته على الإطلاق...، لكن كان هذا قبل الحرب على غزة. وأكدت أن الطلاب الآن يُظهرون اهتماما فائقا بالشأن العام، ويظهرون استعدادا كبيرا لتحديد تفضيلاتهم في التصويت في الانتخابات على سبيل المثال، اعتمادا على مواقف الساسة والمشرعين من الحرب على غزة ودعم الاحتلال.
وقد أظهر استطلاع للرأي أجرته شركة يوجوف العالمية للاستطلاعات في أبريل نيسان 2024 في 5 دول أوروبية، هي بلجيكا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والسويد، ذلك التباين بين آراء الشباب وكبار السن حول القضية الفلسطينية.
لقد أظهر الاستطلاع أن نسبة كبيرة من تلك الشعوب كانت مع الشهر السادس للحرب قد اقتنعت بتأييد حظر تجارة الأسلحة مع إسرائيل إيطاليا 65، بلجيكا 62، السويد 50، فرنسا 51، ألمانيا 49، بينما كانت نسبة من يعتقدون أن إسرائيل تقوم بإبادة جماعية في القطاع هي إيطاليا 49، السويد 46، بلجيكا 43، فرنسا 34، ألمانيا 33، وقد أعرب عدد كبير من الناس عن أن حكومات بلادهم ينبغي أن تكون أكثر دعما للفلسطينيين أو أن تكون مواقفها أكثر توازنا على الأقل بلجيكا 45، ألمانيا 49، فرنسا 43، إيطاليا 52، السويد 48 بدلا من دعم إسرائيل، وكذلك كانت فكرة أن إسرائيل ينبغي أن تُفرض عليها العقوبات تلقى تأييدا يصل إلى الأغلبية في هذا الاستطلاع.
لكن المهم في الأمر أن الاستطلاع قد أكد الاختلاف في وجهات النظر تجاه القضية الفلسطينية بين جيل الشباب ما بين 18-24 عاما وبين الجيل الأكثر سنا، إذ كان الجيل الشاب أكثر انحيازا في الاستطلاع لفلسطين، باعتبارها تمثل قضية نضال من أجل الحرية، من الجيل الأكبر، وأكثر وعيا بانتهاكات إسرائيل.
وفي بريطانيا بعد عام كامل من الصراع، كان ثلث الجمهور البريطاني يعتقد وفق التليجراف أن إسرائيل تعامل الفلسطينيين بأسوأ الطرق التي اختبرتها أوروبا من قبل في الحرب العالمية الثانية، ويسود هذا الاعتقاد بين الشباب بين 18-24 عاما تحديدا، حيث تصل النسبة بينهم المعتقدة بهذا الاعتقاد إلى 48، في حين يعتقد أكثر من ثلث تلك الفئة العمرية أن إسرائيل تفلت من العقاب بسبب سيطرة أنصارها على صناعة الإعلام، في حين لا يعتقد 23 منهم أن دولة الاحتلال لها الحق في الدفاع عن نفسها، ولا يعتقد 18 منهم بحقها في الوجود.
وبحسب صامويل روبنستين، الباحث في التاريخ بكامبريدج، وهو الكاتب المؤيد لإسرائيل، فإن ما يحدث في لندن يشبه إلى حد كبير الطقوس الدينية، ففي كل يوم سبت منذ السابع من أكتوبر تكتظ منطقة وسط لندن بالمحتجين الذين يلوّحون بالأعلام الفلسطينية ويهتفون من النهر إلى البحر. وبالنسبة للمراقب المحايد والفضولي، فإن هناك حقيقة واضحة.. أنهم دائما من صغار السن.
على جانب آخر، ووفق استطلاع أجرته ما تسمى بـحملة مكافحة معاداة السامية caa، فإن 1 من كل 8 من الشباب في بريطانيا الذين تتراوح أعمارهم بين 18-24 عاما يشكّون في التقارير الغربية التي تحدثت عما يسمى بالفظائع التي قامت بها حركة المقاومة الإسلامية حماس ضد المدنيين، ويعتقد 16 من الشباب في بريطانيا أن هجمات حماس كانت مبررة أخلاقيا، وبالإضافة لذلك يعتقد أكثر من 1 من كل 8 13 أن الحكومة البريطانية أخطأت بوضوح حين صنفت حركة المقاومة الإسلامية حماس باعتبارها جماعة إرهابية.
هذا يؤكد أن القضية الفلسطينية لم تعد أمام هؤلاء الطلاب ومناصريهم قضية إغاثية، تتناول اللاجئين أو إدخال المساعدات أو إخراج المصابين للعلاج، بل أصبحت قضية ثورية تجمع المؤمنين بالحق والعدل. فبمشاركة ذوي خلفيات متعددة في اعتصام جامعة إدنبرة الإسكتلندية، على سبيل المثال، من البوذيين والمسلمين واليهود وحتى الإسرائيليين المؤيدين للسلام، تحوّل الاعتصام شيئا فشيئا ليصبح دعوة للتحرر بأقوى العبارات والوسائل.
فمثلا، في مظاهرة في الأول من يونيوحزيران الماضي، تحدث بعض الطلاب عن خسائر جيش الاحتلال في غزة، ليهتف عدد من المتظاهرين مطلقين صافرات الاحتفال بمقتل جنديين إسرائيليين في غزة. أما التغيير الأبرز، من ناحية أخرى، فهو التحول التدريجي من استخدام الهتافات الإنجليزية الأقرب إلى الحياد، إلى الهتافات العربية المؤيدة للمقاومة بشكل واضح، التي يترجمها الطلاب العرب لرفاقهم الأجانب، ويهتفون بها جميعا.
وفي كندا أظهرت استطلاعات الرأي التي أجريت قبل وبعد السابع من أكتوبر بحسب تقرير لسي بي سي الكندية أن الكنديين الذين تبلغ أعمارهم أقل من 30 عاما يميلون إلى الجانب الفلسطيني، بعكس من تبلغ أعمارهم أكثر من 55 عاما، وأن الكنديين عموما من كل الاتجاهات أكثر دعما من حكومتهم للقضية الفلسطينية. وبحسب استطلاع للرأي أجرته مؤسسة إيكوس في سبتمبرأيلول 2023، فإن ما يقرب من نصف 48 الكنديين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاما يرون إسرائيل دولة فصل عنصري، بينما لم يرَها كذلك إلا 29 فقط من الذين تتراوح أعمارهم بين 55 و64 عاما.
في يوم 25 فبرايرشباط، شهد العالم الحادثة المأساوية للعسكري التابع للقوات الجوية الأميركية آرون بوشنيل، والذي كان متخصصا في عمليات الدفاع الإلكتروني والدعم الاستخباراتي بالقاعدة 531 في سان أنطونيو لاكلاند، كانت الحادثة باختصار أن العسكري مرهف الحس قد تأثر بشدة بالمشاهد التي تحدث في قطاع غزة، وبدعم دولته لنظام الفصل العنصري الإسرائيلي، فذهب أمام السفارة الإسرائيلية في واشنطن وأضرم النار بجسده وهو يصرخ مرددا فلسطين حرة.
العسكري كان من مواليد عام 1999، إنه ينتمي لهذا الجيل الذي لم يعد مصدقا للبروباجندا الأميركية، ويعرف إلى حد كبير حقيقة إسرائيل، بعكس آبائه وأجداده، وقد جعلته الحرب الأخيرة يعرف أكثر وأكثر عن طبيعتها وتاريخها. يمثل آرون جيلا جديدا -في البلاد الغربية كلهاـ صار وعيه يتبلو أكثر وأكثر حول القضية الفلسطينية وعدالتها.
كان آرون بوشنيل، يحتل موقعا حساسا باعتباره عضوا في الدعم الاستخباراتي في قاعدة أميركية عسكرية، وقد اختار أن يوصل رسالته بطريقته اعتراضا على الطريقة التي يدير بها الرجال الأكبر سنا والأكثر نفوذا النظام الأميركي، وهي الطريقة التي دعمت واحدة من أشرس الإبادات في العصر الحديث، لكن رفاقا آخرين لبوشنيل سيستمرون في الحياة وهم يحملون نفس أفكاره، وبالنظر للإحصاءات يمكن ملاحظة أنه بعد سنوات من الآن سيتقلص عدد المؤيدين لإسرائيل في الغرب أكثر وأكثر، ويصعد جيل جديد أكثر إدراكا للمظلمة الفلسطينية وحق الشعب في التحرير وتقرير المصير.
لم يعد خافيا على الكثير من الباحثين في العلوم السياسية أن الدعم الشعبي الرئيسي الذي تتلقاه إسرائيل في الولايات المتحدة الأميركية يأتي من المسيحية الإنجيلية التي تشكل عمودا فقريا لأهم جماعات الضغط الأميركية الداعمة لتل أبيب، لكن بالنظر إلى الإحصاءات نكتشف أنه بحسب استطلاع أعدته جامعة كارولينا الشمالية فإن الإنجيليين الأصغر سنا أنفسهم باتوا يميلون أكثر وأكثر في السنوات الأخيرة للقضية الفلسطينية على حساب إسرائيل بعكس قادة الطائفة الآن، فبعد أن كان 40 من الجيل الأصغر سنا مؤيدين لدعم الولايات المتحدة لإسرائيل في عام 2015، بات 21 منهم فقط يؤيدون هذا الدعم في عام 2018.
وبحسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية، ففي غضون الخمسة عشر عاما القادمة ستكون هناك قيادات جديدة للمجتمع الإنجيلي مؤمنة بعدالة القضية الفلسطينية، على عكس القيادات الحالية التي تلعب دورا أساسيا وصلبا في الضغط من أجل دعم جيش الاحتلال.
ولعل ذلك، كما أوردت صحيفة واشنطن بوست، لأن الشيوخ يرون المحرقة النازية حاضرة، لأن الحدث غُرس في ذاكرتهم التي تشكلت في أواخر سن المراهقة وأوائل العشرينات، أما شباب اليوم فلم يعوا سوى جرائم إسرائيلية لا تختلف كثيرا عن الهولوكوست في كثير من النواحي. فبينما رأى الشيوخ أن إسرائيل تمثل الملاذ لليهود العائدين لبلادهم بعد ألفي عام من الاضطهاد، رأى الشباب القصة الحقيقية في معاناة الفلسطينيين المستمرة مع الاستعمار والاحتلال حتى من قبل النكبة.
وبغض النظر عن أي نتيجة ستؤول إليها هذه الحرب في ظل وصول الهوس الإسرائيلي بالتدمير إلى حدود غير مسبوقة، فربما على الداعمين للقضية الفلسطينية أن يعرفوا حقيقة أنه للمرة الأولى في التاريخ ستكون أغلبية العالم الغربي مهيأة للميل لصالح فلسطين أكثر من إسرائيل، وربما يكون من تلك الأغلبية من هم في مراكز صناعة القرار. فلأول مرة منذ تأسيسها، تفشل إسرائيل في التحكم في القصة، وفي صياغة رؤية العالم للحقيقة، وفي منع الفلسطينيين من حقهم في السرد، لذلك ربما يتوقف الأمر على مدى قدرة مناصري القضية على الاستمرار في الدفع بها إلى مركز الحوار بشكل مستمر، وعدم التوقف عن المحاججة بعدالتها بكل الوسائل الممكنة. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/11/29/%d9%87%d9%84-%d8%a8%d8%af%d8%af-%d9%86%d8%aa%d9%86%d9%8a%d8%a7%d9%87%d9%88-%d9%85%d8%a7-%d8%a8%d9%86%d8%aa%d9%87-%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b1%d8%a8 | 2024-11-29T19:43:41 | 2024-11-30T02:35:06 | أبعاد |
|
136 | جناة وضحايا.. هل يعاني جيل زد من رفاهية شعورية أم يحتاج من يفهمه؟ | لو أردنا تتبع الهشاشة النفسية التي يشهد الواقع بحضورها بشكل كبير كما يوضح التقرير، فسنجد أننا ربما نكون أمام جيل من الضحايا الذين تحولوا مع الوقت إلى جناة. |
عندما ننظر إلى الأميركيين الذين وُلِدوا بعد عام 1995، فإننا نلاحظ امتلاكهم معدلات استثنائية من القلق والاكتئاب وإيذاء النفس والانتحار والهشاشة، وأنه لم يأت جيل من قبل بهذا القدر الوافر من تلك الأزمات النفسية
بهذه الكلمات القاسية أراد عالم النفس الاجتماعي جوناثان هايدت التعبير عن الحالة النفسية لما يسمى بالجيل زد Z، الذي وُلدَ أفراده -بحسب هايدت والكثير من التصنيفات- بين عامي 1997 و2012، إلا أن هايدت لم يكتفِ بهذا التصريح وحده، وإنّما أصدر رفقة الكاتب الأميركي جريج لوكانيف كتابًا كاملا لتشريح تلك الظاهرة التي رأياها أزمة وطنية محتدمة.
تدليل العقل الأميركي.. كيف تُنشئ النيات الحسنة والأفكار السيئة جيلًا من الفشلة؟، كان هذا هو عنوان الكتاب الصادم الذي اعتبر أن الجيل المذكور يعاني من طفرة شعورية تجعلهم يضخمون آلامهم ويصنعون من كل مشكلة كارثةً وجوديةً تستحق الانهيار أمامها، ولهذا أطلق عليهم الكاتبان جيل رقائق الثلج.
للوهلة الأولى، ستظن أن هذا التشبيه دليل على الهشاشة وسرعة التحطم تحت أبسط أشكال الضغط، وهو كذلك بالفعل، لكن ما أراد الكاتبان الإشارة إليه أيضًا هو أن شباب الجيل زد كرقائق الثلج في فردانيتها وعدم انتظام هياكلها، فكل رقاقة تسبح بشكلها المتفرد في عالمها الخاص، لتصنع جيلا فردانيًّا يعاني في معازله الخاصة، ويفتقد الحماية المجتمعية التي يمنحها التحام الأفراد.
فما سبب هذه الفردانية الخاصة وتلك الجُزر المنعزلة؟ وما مدى دقّة أوصاف هايدت ورفيقه لواقع هذا الجيل المتّهم بالهشاشة؟ وإن كان كذلك، فما الأسباب الداعية إلى هذا التميّز الهش لهذا الجيل مقارنةً بالأجيال السابقة؟ وهل يحمل الجيل زد العربي خصائص تميّزه عن أقرانه الآخرين؟ وكيف يمكننا -بوجه عام- النظر إلى هذا الخطاب الذي يوجِّه إلى هذا الجيل أصابع الاتهام؟
في أحد أيام عام 2012، دخلت الأستاذة الجامعية ليز ستيلوجان مدرّج الطلاب بجامعتها الجديدة لتلقي إحدى محاضراتها؛ لتكتشف بعد عدة دقائق أنها تُطلق صوتها في الهواء بلا أي مردود، وأنّها كانت تتنافس طوال ساعات المحاضرة مع أجهزة صغيرة يحملها الطلاب في أيديهم، ولا تمنح المعلِّمة الحاصلة على دكتوراه في الفلسفة شيئًا من انتباه طلّابها.
على الرغم من هذا، فإن ستيلوجان لم تيأس وقررت أن تمنح الطلاب فرصةً للتحرر من هواتفهم، فمنحتهم في أحد الأيام المشمسة المعتدلة استراحة لمدة 15 دقيقة حتى يخرجوا للاستمتاع بالأجواء الربيعية، إلا أن شيئًا لم يحدث، لتُفاجأ بأن الاستراحة مرّت من دون أن يترجّل طالب عن مقعده، ومن دون أن يتحدث أحدهم مع الآخر.. لقد انتصرت الهواتف والتهمت الوقت بأكمله.
تلك القصة التي كانت تبدو مدهشة قبل 12 عامًا تبدو الآن مألوفةً إلى حد كبير، لدرجة أنّه لو حدث العكس وخرج الطلاب في استراحتهم للتمتع بالطبيعة، لكان هذا هو الخبر المدهش بالفعل. لكن ما علاقة هذه القصة ودلالتها بالجيل زد؟ هنا نعود إلى التصنيف.
ففي دراستها عن الجيل زد، تخبرنا عالمة النفس الأميركية جان توينج أن التصنيف العمري لهذا الجيل قائم بالأساس على ارتباطه بالتقنية وشبكة الإنترنت، باعتباره الجيل الذي لم يعرف الحياة دونهما، ونتيجةً لهذا فإن لهذا الجيل سمات وخصائص متفردة ساهمت في تشكيلها حياة الواقع الافتراضي والاتصال الدائم بمواقع التواصل الاجتماعي.
وبالاعتماد على أربع قواعد بيانات أميركية حول هذا الجيل، استنتجت توينج أن شباب الجيل ينفقون سنوات من أعمارهم ملتصقين بالشاشات، وأن هذا الالتصاق أدّى إلى هروبهم من ممارسات الحياة الواقعية، كما تسبب في تقلص الأوقات التي ينفقونها مع الأصدقاء والأقارب بمعدل النصف، حتى إن عدد الساعات التي أصبح يقضيها الشباب في التفاعل الاجتماعي الحقيقي انخفض خلال الخمسة عشر عامًا الأخيرة بمعدل 7 ساعات أسبوعيًّا.
ووفقًا لتوينج فإن هذا أدّى إلى إطالة أمد الطفولة والمراهقة نظرًا إلى افتقاد العديد من المهارات الاجتماعية اللازمة للنضج النفسي والعقلي، ونتيجةً لهذا أصبح شباب الجيل زد أقل جاهزيةً لمواقف الحياة الحقيقية وأقصر نفسًا في التعامل مع معوقاتها.
تلك الظاهرة التي رصدها عالم الاجتماع البولندي زيجومنت باومان في كتابه الثقافة السائلة، واعتبرها نوعًا من تعارض الرغبات الذي يعصف بنفسية إنسان الواقع الافتراضي، أو جيل التقنية بتعبير توينج، إذ إنه يحيا برغبتين متناقضتين رغبة في الإحساس بالانتماء داخل جماعة أو داخل تجمع، ورغبة في التميز عن عامة الناس والإحساس بالفردية والأصالة؛ إنه صراع بين حلم الانتماء وحلم الاستقلال، وكذا بين أمنية التماثل والبحث عن التفرّد.
هل يذكرك هذا بشيء؟ إنها رقائق الثلج التي أصبحت تعزز فردانية أصحابها وتقلِّص من مساحات الامتزاج المشترك، وهو ما أنشأ بدوره أشخاصًا أقل قدرة على تكوين العلاقات الواقعية والصبر عليها، الأمر الذي يؤكِّد عليه الكاتب اللبناني طوني صغبيني حين يرى أن العلاقات العاطفية بين البشر صارت تتناسب عكسيًّا مع الاعتماد على شبكات التواصل الاجتماعي، وهو ما تصفه توينج بتشوه الصورة الذهنية عن الحياة الاجتماعية.
كل هذا يضع الجيل زد وشبابه أمام تحديات كبيرة وبالغة، فرغم المميزات الهائلة التي منحتها التقنية لهذا الجيل، المتمثلة في اتساع الوعي العام بمشكلات العالم والقدرة على التأثير فيه بصورة أكبر وأسرع، فإن هذه الحياة القائمة على نقرة إصبع قد تقف عاجزة في كثير من الأحيان أمام تحديات الحياة التي تحتاج إلى الجسد بأكمله عقله وروحه وجوارحه.
في سياق متصل، نعود مرة أخرى إلى باومان ولكن في موضع آخر، لنقف أمام سؤال محيِّر لهذا الجيل من يحكم على من الواقع الحقيقي يحكم على الواقع الافتراضي، أم العكس؟، لنجد أن الإجابة قد تأتينا من المفكر والفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن، الذي رأى أن كثرة التعرض إلى الصورة تبلّد الحس وتؤثر في خيال المتلقي بالسلب، حتى إنه لا يعود -مع الوقت- قادرًا على التفرقة بين الصورة الافتراضية والصورة الواقعية.
وهو ما يعني أن تعريف توينج للجيل زد بـiGen أو جيل الإنترنت هو تعريف ذو وجاهة، لكونه يربط بين آثار الإنترنت وبين التكوين النفسي والإدراكي لهذا الجيل. ولو أردنا مزيدًا من التوضيح فيمكننا الانتقال إلى الكاتبة الصحفية فرانسيس بوث وكتابها مصيدة التشتت؛ حيث ترى أن الإغراق في عالم التواصل الافتراضي -أو عالم الصورة بتعبير عبد الرحمن- يصنع منّا فريسةً طيّعة للتشتت ويفقدنا التركيز العميق في أي شيء، وهو ما يؤدّي إلى ضمور مساحات التأمل الخاصة في ذواتنا وفي حياتنا بوجه عام.
الأمر الذي تؤكده بالفعل عالمة الأعصاب البريطانية سوزان غرينفيلد في كتابها تغير العقل، حين تقول إنه على الرغم من سيطرة مواقع التواصل الاجتماعي على مختلف الطبقات والأجيال، فإن ثمّة فرقًا محوريًّا بين من طرأ على حياتهم هذا الواقع الافتراضي فصاروا يزورونه بين الحين والآخر، وبين المواطن الرقمي الذي استحوذ عليه هذا العالم فصار ملتصقًا به، وأصبح يجهل أي سبيل للحياة خارجه.
هذا الفرق هو ما ذكرته بوث، ولفتنا إليه عبد الرحمن فقدان الصورة الواقعية عن الذات والجهل بحقيقتها، نظرًا إلى الجهل بحقيقة الحياة، وهذا تحديدًا هو ما يُنشئ الهشاشة النفسية التي يتم التلويح بها عند الحديث عن الجيل زد، والتي لو أردنا الحكم على مدى وجاهتها لوجدنا أن ثمة جوانب تؤيد تلك الوجاهة وتدعمها بالفعل.
فبالعودة إلى فكرة تضخيم الألم ورقائق الثلج، سنجد أن افتقاد الصورة الحقيقية عن الذات يشوش حقيقة الألم ويميّع الحكم عليه؛ لينتج لنا في النهاية ما يمكن تسميتها بظاهرة الاستمراض النفسي -إن جاز التعبير- التي تصنّف الآلام المعنوية كلها بالتصنيف نفسه مرض نفسي. وهو ما يدفع في النهاية نحو هشاشة النفسية وإفقاد صاحبها الثقة في ذاته وقدرته على التعامل مع صعوبات الحياة.
وبنظرة بسيطة نحو الواقع الافتراضي الذي نحن بصدده، سنجد أننا أمام موضة واسعة من الانتماء لأحد الاضطرابات النفسية، وأن تلك الموضة أصبحت تغري العديد من الشباب بأن مشاكل الحياة المتعددة هي نتاج مرض نفسي أصابنا ولا حل له إلا عند الطبيب النفسي، أو الساحر المُخلِّص من العذاب كما ينظر إليه الكثير من الشباب.
وفي كتابه الهشاشة النفسية حاول الكاتب المصري إسماعيل عرفة أن يرصد إحصائية غريبة وفريدة من نوعها حول موقع الاستشارات Ask.fm؛ حيث وجد أن الإجابات الداعية إلى زيارة طبيب نفسي بلغت قرابة 20 ألف إجابة من 120 حساب فقط. لكن المفارقة الدالة هنا هي أن من بين المدعوين إلى زيارة الطبيب النفسي طالبة تشتكي من صعوبة امتحاناتها، وأخرى تشتكي انفصالها عن خطيبها، وأخرى تشعر بالحزن والرغبة في البكاء.. إلى آخر المشكلات الحياتية التي تحتاج آليات أخرى للتعامل معها خارج مظلة الطب النفسي.
وعلى نطاق عالمي، رصد الطبيب النفسي الأميركي آلن فرانسيس تلك الظاهرة في كتابه حفاظًا على السواء النفسي.. ثورة داخلية على إفراط التشخيص في الطب النفسي، ليخبرنا أن الحزن ليس مرادفًا للمرض، وأنه لا يوجد تشخيص خاص لكل إحباط، ولا عقار لكل مشكلة.
وهو ما يوافقه أستاذ علم الاجتماع فرانك فوريدي مصرحًا بأن الحزن ليس مؤشرًا على المرض النفسي، وإنّما هو جزء متكامل من الموجود الإنساني، وأنه عندما يتم تحويل الحزن الطبيعي إلى مرض نفسي، فإنَّ المراهقين والشباب الصغار لن يتمكنوا من تطوير وسائلهم الخاصة للتغلب على التجارب المؤلمة. وهنا تحديدًا تظهر الهشاشة التي يُتهمون بها. لذا، وبناءً على هذا التسلسل، هل يمكننا إلقاء اللوم على الجيل زد بالفعل؟
فارغون عاطفيًّا، معظِّمون لمشاعرهم، يشعرون بالخواء، ويمتلكون حساسية زائدة اتجاه كل شيء، وهم -فضلًا عن ذلك- لا يقدرون على تحمل الأزمات، بل يبررون كل سلوك همجي وسيئ بسبب حالاتهم النفسية السيئة.
ما قرأته الآن ليس وصفًا لمجموعة من المجرمين أو الوحوش الآدمية، ولكنّه -بحسب صاحب كتاب الهشاشة النفسية- وصف متكرر، وسمات درج الاستشهاد بها عند الحديث عن الجيل زد، فهل هم حقًّا بهذه الصورة المزعجة؟ أم إنهم يرون أنفسهم بصورة مغايرة؟
لأجل هذا، وفي محاولة لسد الفراغ الإحصائي في هذا السياق، حاولنا إجراء استطلاع خاص لآراء هؤلاء الشباب عن أنفسهم، وعن خطابات الهشاشة التي أصبحت تلتصق بهم عند الحديث عن أزماتهم الخاصة. وعند سؤالهم هل تشعرون بأن الخطابات عن الهشاشة النفسية للجيل زد وتضخم مشاعر أفراده صحيحة أم لا؟ أجاب 67 منهم -من أصل 565- بـنعم مباشرة ومقتضبة ودون أيّ تفاصيل، في حين رأى 16 منهم أن لا هي الإجابة المناسبة، وأعرب 4 عن حيرتهم وعدم حسمهم إجابة، ورأى 478 شخصًا آخرين أن إجاباتهم تحتاج إلى تفصيل.
وبعيدًا عن تفاصيل الإجابات، التي يطول بسطها ولا يتسع المقام هنا لها، فإن النتيجة المستخلصة من هذا الإحصاء السريع هي افتقاد هؤلاء الشباب لخطاب وسيط يستمع إليهم ويقدِّم لهم إجابات عن حيرتهم ومشاعرهم المتلاحقة دون أن يقتصر هذا الخطاب على وصفهم بالهشاشة وحسب.
ولو أردنا تتبع تلك الهشاشة -التي يشهد الواقع بحضورها بشكل كبير كما أسلفنا- فسنجد أننا ربما نكون أمام جيل من الضحايا الذين تحولوا مع الوقت إلى جناة. ففي كتابها بؤس المدرسة.. فرط الأبوة، رقائق الثلج المميزة، وهراء آخر، تعزو المعلمة الأميركية جين موريس تلك الهشاشة إلى فرط الأبوة المتمثلة في التدليل الزائد على الحد، ملقيةً باللوم الأكبر على العديد من نظريات التربية الإيجابية التي تؤلِّه الصغار وتحيّد أي سبيل للتقويم الحازم لهم، مما يفضي في النهاية إلى النتيجة التي نحن بصددها.
لكن إذا انطبق هذا الأمر على الثقافة الأميركية أو الغربية بوجه عام، فهل هو متحقق في واقعنا العربي بالدرجة ذاتها؟ ربما لا نمتلك الإحصاءات التي ترصد هذه الفروق وتؤطِّرها، ولكن بنظرة خاطفة على الواقع سنجد أن ازدهار هذه الفلسفات التربوية في واقعنا العربي هو أمر طارئ وحديث بعض الشيء، ولا يمكن أن نمدّه بضمير مطمئن إلى نهاية تسعينيات القرن العشرين.
وبالحديث عن وطننا العربي، فإننا قادرون على ملاحظة أمور أخرى قد تؤدي دور البطولة في تفسير الهشاشة النفسية لهذا الجيل، وقد أشار إليها بالفعل عدد من الشباب في الاستبيان المذكور، منها على سبيل المثال ثورات الربيع العربي وما حملته من طموحات بالغة التفاؤل، قبل أن ترتد بطموحاتها إلى ما يعتبره الكثير من الشباب فشلًا ذريعًا أدى إلى هزّات نفسية متتابعة.
وفي هذا السياق، يمكننا الالتفات إلى ما يقوله عالم السياسة الفرنسي ألكسيس دي توكفيل عن الثورات وما يتبعها، إذ يرى أنه بعد أن تكتمل الثورات يظل ما خلفته من عادات ثورية قائمًا في الأمة زمنًا طويلًا، ونتيجة لهذا تعقب الثورة اضطرابات اجتماعية عميقة، وهو ما أصبح يُعرَف باكتئاب ما بعد الثورات.
وبحسب الكاتب زياد عقل، فإن اكتئاب ما بعد الثورات ليس غضبًا عاديًّا، ولا مرحلة سريعة حدثت بسبب شروط معينة، وإنما هو اضطراب ملحوظ بأعراض يمكننا ملاحظتها بسهولة، وهذا الاكتئاب يعتبر مأزقًا مشتركًا ونوبات من الحزن المتواصل لدى الجيل بأكمله، فهو فقدان للأهداف الأصيلة لجيل الشباب، وفشل في البحث عن بدائل في الوقت ذاته.
وكذلك بالعودة إلى ما سبق ذكره عن الانفتاح الواسع الذي صنعته الثورة الرقمية لهذا الجيل، فسنجد أننا أمام أكثر الأجيال درايةً بكوارث العالم وطغيانه المعاصر، مما يلقي بظلاله أيضًا على نفسيات هذا الجيل المقهور، فضلًا عن الأزمات الاقتصادية التي أصبحت تعصف بالشباب وتمنعهم من حقوق صارت في مصاف الأحلام.
فهذه الأسباب وغيرها، تصنع شيئًا من التمايز لدى جيل زد العربي، وتشرح شيئًا عن المعاناة النفسية التي يحياها، والتي تحتاج جهدًا بحثيًّا وتحليليا لإدراكها وبسطها، وتقدم خطابًا أكثر تماسكا وشموليةً لهذا الجيل الذي يحتاج إلى من يبصِّره بمنشأ مشكلاته وكيفية تجاوزها أكثر من حاجته إلى من يخبره بأنّه صار مشكلةً في حد ذاته.
________
الهوامش
قواعد البيانات الأربع هي
1- قاعدة مراقبة المستقبل MtF، وتُجرى بواسطة جامعة ميشيغان، وتجمع إجابات طلاب السنة النهائية في المدرسة الثانوية عن أكثر من ألف سؤال سنويًّا منذ عام 1976، وطلاب الصفين الثامن والعاشر منذ عام 1991.
2- نظام مراقبة سلوكيات المخاطر لدى الشباب YRBSS، وتديره مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها CDC منذ عام 1991 لطلاب المدارس الثانوية.
3- استطلاع الطلاب المستجدين الأميركيين A.F.، ويُجرى بواسطة معهد أبحاث التعليم العالي منذ عام 1966.
4- المسح الاجتماعي العام GSS، ويفحص البالغين الذين تبلغ أعمارهم 18 عامًا فأكثر منذ عام 1972، ويديره مركز أبحاث الرأي الوطني NORC في جامعة شيكاغو. | https://www.aljazeera.net/sukoon/2024/8/28/%d8%ac%d9%86%d8%a7%d8%a9-%d9%88%d8%b6%d8%ad%d8%a7%d9%8a%d8%a7-%d9%87%d9%84-%d9%8a%d8%b9%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d8%ac%d9%8a%d9%84-%d8%b2%d8%af-%d9%85%d9%86-%d8%b1%d9%81%d8%a7%d9%87%d9%8a%d8%a9 | 2024-08-28T04:23:12 | 2024-10-15T02:14:14 | أبعاد |
|
137 | لماذا أشعر بالحزن بدون سبب؟ وماذا أفعل؟ | حزن بادٍ على صفحات وجهك، لا يخفى على المقربين منك، يسألونك: ما بك؟ يُلحّون عليك في السؤال، فلا تلقى لذلك سببا أو جوابا هذه المرة.. فماذا يحدث معك؟ | حزن بادٍ على صفحات وجهك، لا يخفى على المقربين منك، يسألونك ما بك؟ يُلحّون عليك في السؤال، فلا تلقى لذلك سببا أو جوابا هذه المرة. يفد إلينا الأسى بوصفه شعورا طبيعيا وصحيا كلما قاسينا الفقد أو الإحباط أو الخذلان وخيبات الأمل، يأتي كاستجابة تكيفية للخسارة في المواقف غير السارة، كالموت، أو الانفصال العاطفي والوقوع في حب الشخص الخطأ، أو المرض، أو العجز عن الوصول إلى هدف ما رغم اجتهادك والجهود المبذولة؛ عادة ما يلبث الحزن قليلا قبل أن ينصرف فور تغير ذلك الظرف المؤلم أو اعتيادنا وتأقلمنا أخيرا معه أو تجاوزنا إياه، أما حين يَقدُم هكذا دون أن ندري له مدعاة فيبدو الأمر وكأنه جاء من العدم.
يرى الدكتور أنتونيس كوسوليس أننا مهيؤون تطوريا للإحساس بمجموعة من المشاعر المختلفة، والأسى جزء منها فحسب. قد تشعر أنه لا يوجد سبب واضح له، لكنه قد يكون دليلا على أننا نفتقد شيئا ما، بل وقد يعكس تاريخا أكثر تعقيدا من المشاعر1.
وقد حددت الأبحاث مرارا قيمة الحزن. في دراسة أنجزت عام 2011، جاء في نتيجتها أن الأشخاص الأكثر انخراطا في العمل هم أولئك الذين تمتعوا بمزاج سلبي تحول مع الوقت إلى إيجابي، ومن حظوا بعلاقات أشد قربا وصلابة مع محيطهم.
لا يعني الأسى أنك لا تتعامل مع مشكلاتك، بل أنك بحاجة إلى بعض الوقت لمعالجة الموقف والتكيف معه. على الرغم من أن الحزن قد لا يكون من أكثر المشاعر المستساغة، فإنه يخدم عدة أغراض، قد يُمكّننا الحزن من إعادة تقييم علاقاتنا بالآخرين وإعادة النظر في الأولويات لنفهم من خلاله كيف نريد أن نُعامل وكيف نتعامل مع الآخرين، وقد يجعلنا أكثر تعاطفا ومقدرة على التواصل، ويمكن أن يذكّرنا بما يهمنا وما يعطي لحياتنا معنى لارتباطه بكيفية رؤيتنا لأنفسنا.
يقدر الكاتب وعالم النفس روبرت فايرستون أن الحزن يجعلنا متمركزين حول أنفسنا، لأن الحزين يرى نفسه أولا، فتُحجب عنه هموم سواه. ويستجيب كل شخص للحزن الذي يهبط فجأة دون سبب بشكل مختلف. وأحيانا تكون تلك المشاعر بالقوة التي لا تجعلك تدرك أنك حزين إلا أنها تعلن عن ذاتها جسديا على هيئة صداع أو أرق.
وقد يؤثر ذلك الحزن على سلوكك؛ فيجعلك تتجنب التفاعلات الاجتماعية أو تتصرف بشكل دفاعي مع الآخرين وتفقد الدافع؛ ما يؤثر على أدائك المهني أو الدراسي، وربما يصرف انتباهك بسهولة عن النشاط الذي تقوم به، بجعلك كسولا أو تفكر بلا انقطاع أو منهارا تذرف الدموع.
وحتى الآن، ما من كلمة مقبولة على نطاق واسع لوصف الشعور بـالحزن بلا سبب، سبق أن حاول هذا المصطلح أن يلخص هذا الشعور في كلمة واحدة Hypophrenia، التي يتم تعريفها على أنها شعور غامض بالحزن بدون سبب، لكن المشكلة تكمن في أن التعريف العلمي الطبي هنا يعني تقريبا المتخلفالمتأخر عقليا، والذي له دلالة ثقافية سلبية لا ترتبط ارتباطا مباشرا بالأعراض الموضحة2، لذا، فكما أنه لا توجد مسببات محددة لهذا الحزن، لا يوجد مصطلح محدد له أيضا حتى الآن.
يُستخدم الحزن والاكتئاب بالتناوب وبالتبادل، إلا أنهما ليسا مترادفين، فالحزن من أعراض الاكتئاب وإن لم يكن العرض الوحيد له، بينما الاكتئاب حالة صحية عقلية3. للحزن خصوصيته، التي تنجم إثر تجربة مؤلمة، أو -في حالتنا هنا- بلا سبب جلي، إلا أنه على كل حال شعور عابر يستمر من بضع ساعات إلى أيام ويختفي من تلقاء نفسه4. في المقابل، قد يستمر الاكتئاب أسبوعين أو أكثر، ويحتاج إلى تشخيص من مختص، إذ يؤثر على تفكيرنا وعواطفنا وتصوراتنا وسلوكياتنا والطريقة التي نرى بها أنفسنا والعالم من حولنا جاعلا منها أكثر قتامة.
لا يتطلب الاكتئاب بالضرورة حدثا أو موقفا صعبا أو خسارة أو تغييرا في الظروف أو محفزا، إذ يطغى على جميع جوانب حياتنا مخدِّرا طاقتنا وقدرتنا على الشعور بالرضا والاتصال والمعنى. يصف الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية DSM-5 عدة أنواع من الاكتئاب، تختلف في أعراضها ومسبباتها ومن شخص لآخر، ففي أغلب الأحيان يعاني الأشخاص من نوبات اكتئاب قد تستمر لبضعة أسابيع أو أكثر5. بمجرد انتهاء النوبة، قد لا يشعر الشخص بالحزن أو تظهر عليه أي أعراض أخرى، بينما قد يكافح شخص ما للنهوض من الفراش في الصباح، وقد يجد شخص آخر ببساطة أنه يفتقر إلى المتعة التي اعتاد أن يجدها في الحياة اليومية.
فيما يلي الأعراض الشائعة للاكتئاب67
أمور لا تُحصى قد تجلب لأرواحنا المنهكة الشقاء دونما سبب، كاجترار الأفكار والندم ونقد الذات وانعدام الاستقرار والأمان وتدني الثقة بالنفس أو بالآخرين والعلاقات المسيئة، لنتحمل عبء تجاربنا السابقة التي ترسخت على هيئة ذكريات وفي عقولنا الباطنة، والتي يمكن أن تُثار من محفزات سمعية أو بصرية تنقله الخلايا العصبية، فيثار فينا الحنين ونستشعر بثقل الحزن فينا.
ويحصل أن يربط الإنسان سعادته بآخرين، يتكل على فرد بعينه لحصادها متناسيا حياته الشخصية، وهو اعتماد كفيل بأن يحبط صاحبه دون أن يعي أيما إحباط، تماما كما يحدث حين نحيط أنفسنا بأشخاص ذوي نظرة متشائمة فإنهم سينشرون سلبيتهم.
وتدفع الحساسية العالية بصاحبها إلى التفكير مليا في كل شاردة وواردة منه أو من الآخرين والوقوف على التفاصيل. وإذا ما كان شخصا متعاطفا يحمل تعبه مع هموم الآخرين، متستّرا على مشاعره، ممتنعا عن التفكير في صحته العقلية؛ فقد لا يقر بحزنه الذي لا يدري مصدره، لأن عقله المفرط في التفكير سيخبره أنه بهذا سوف يزعج من حوله بمشكلاته. كما قد يأتي ذلك الحزن باعتباره أحد الآثار الجانبية للأدوية، فقد سبق أن أبلغت العديد من النساء اللواتي يستخدمن حبوب منع الحمل عن ظهور أعراض اكتئابية لديهم.
ويشيع ذلك الحزن نسبة للتغيرات الهرمونية الناتجة عن البلوغ أو انقطاع الطمث أو متلازمة ما قبل الحيض عند النساء، إذ يعاني 48٪ منهن في سن الإنجاب من أعراض له قد تختلف في شدتها. تؤثر الدورة الشهرية على أمزجة النساء فتنقلب، إذ يجتاحهن حزن مبهم نتيجة اختلال التوازن الهرموني.
تنوه الدراسات إلى العلاقة بين ذلك الحزن والعمر بقولها إن الكآبة عادة ما تكون أكثر وضوحا في مرحلتَي المراهقة والشيخوخة، وغير خاضعة للتنبؤ. يغلب على تلك الفترتين الحاجة الماسة للدعم والرفقة، وقد يجد الحزن له متسعا في حال حل الجفاء محل الوصال وغاب الدفء.
قد يشتد ذلك الأسى في توقيت ثابت من كل عام في الخريف والشتاء، تغدو الليالي طويلة وباردة وتحتجب الشمس لأيام، فيشعر البعض بحزن كاسح بحلول الخريف ودنو الشتاء. وإذا ما تكثف ذلك الحزن واستمر، فهو في حقيقته أحد أنواع الاضطرابات النفسية المعروفة بالاضطراب العاطفي الموسمي SAD، وهو نوع من الاكتئاب يحدث جنبا إلى جنب مع التغيرات الموسمية، إلى جانب أعراض الاكتئاب الشائعة الأخرى، كالأفكار القاتمة المتشائمة أو المحبطة بشأن الطقس والانسحاب أو زيادة تجنب الأماكن الاجتماعية وشره الطعام والنوم. لا يسمح ذلك الاكتئاب بأخذ استراحة بين الحلقات، فقد تتواصل أعراضه بشراسة لسنوات.
ضع في اعتبارك فحسب أنه من الطبيعي تماما أن تشعر بالحزن دون معرفة السبب، سواء عندما تمطر السماء بالخارج، أو حين تجتاحك ذكريات حاولت مرارا تناسيها.
لا تنكر حزنك، اسمح لنفسك أن تشعر به، شريطة ألا تمنح الأسى رخصة التمكن منك والتوغل فيك باجترار الأفكار، أي التفكير السلبي بشأن أمور باتت من الماضي، وفي الطرق التي كانت ممكنة لمعالجتها، وطرح أسئلة داخلية تبدأ جميعها بـماذا لو؟.
التغلب على الاجترار هو خطوة أولى مهمة لتجاوز الأحزان كافة. وجّه تركيزك إلى ما يمكنك القيام به للتحسن، وصدّ تلك المشاعر التي لا تعرف لها سببا، كأن تتعاطف مع ذاتك وتقدر نقاط قوتك وتضع خطة لتحصيل السعادة، يمكنك فيها تنفيذ إستراتيجية واحدة جديدة لكسر الحزن كل يوم، من الممكن مثلا إشراك جسدك في بعض الأنشطة لصرف تفكيرك ولو لبضع دقائق والتركيز على اللحظة الحالية بأن تأخذ حماما باردا أو بركوب الدراجات أو بالعدو السريع.
اذهب في نزهة ولو سريعة مع صديق أو أحد أفراد عائلتك، أو مارس الرياضة. تبعث التمشية في الهواء الطلق على تصفية الذهن والاسترخاء من أي ضغوط، خاصة إذا قمت به بعناية، بإبطاء سرعتك والتركيز على تنفسك وخطواتك التي تخطوها، وستلمس بعدها تحسنا فوريا في حالتك المزاجية أو زيادة في طاقتك.
أثبتت الأشياء الصغيرة فعاليتها في محاربة الحزن، من ضوء الشمس إلى اللعب مع حيوانك الأليف أو استنشاق هواء نقي أو التحديق بالنجوم أو الإنصات إلى تغريد الطيور. فالتعرض المنتظم لأشعة الشمس وحده يمكن أن يحدث فرقا يذكر في الصحة الجسدية والعقلية، إذ يعتقد الخبراء أن ضوء الشمس يحفز عقلك على إنتاج مادة السيروتونين، والتي كلما كان مستويات هذا الهرمون أقل فمن المرجح أن نشعر بالاكتئاب، خاصة مع حلول فصلَي الخريف والشتاء، ومن ثم فإن قضاء المزيد من الوقت في الشمس يمكن أن يزيد من السيروتونين وربما يخفف من الحزن، لذا حاول قدر الإمكان التوفيق بين كلا النشاطين كالسير في الساعات المشمسة مثلا8.
إذا ما استعصى عليك الذهاب إلى الخارج وكان بمقدورك تجربة العلاج بالضوء، فيمكنك استخدام مصابيح الفلوريسنت أو تلك المخصصة للحصول على بعض الضوء الذي قد يكون بديلا صناعيا لأشعة الشمس، والتي تقدم فوائد حقيقية لا لبس فيها.
من خلال تناول جرعات عالية من زيوت الأوميغا وفيتامين ب المركّب، يمكن للمرء أن يعزز نظامه العصبي بشكل طبيعي لتقوية مناعته حال شعر بالضعف. ولأن انخفاض السيروتونين مرتبط بالكآبة، يمكننا العمل على زيادته من خلال تناول الكربوهيدرات. هناك طريقة أخرى لتعزيز السيروتونين، وهي تناول مكملات 5-HTP بعناية، والتي تساعد على زيادة السيروتونين في الجسم، وبالطبع ممارسة التمارين الرياضية التي قد تسهم في ارتفاع مستوياته. وحاول ألا تستهلك الكثير من السكر إذا كنت تعاني من مشاعر الحزن، لارتباطه -كما ثبت- بارتفاع معدلات الاكتئاب لدى الشخص9.
اقضِ وقتا في الحديث مع أحد أفراد أسرتك أو صديقك، وإن لم تبتغِ من ذلك إلا نصيحة، معترفا بحاجتك إلى المؤازرة. فالاستسلام للحزن الذي يأتي بلا سبب قد يدفعنا إلى التراجع عن الحديث مع الآخرين وطلب الدعم العاطفي والشعور بالانزعاج سريعا وبالذنب بسبب المشاعر السلبية تجاه الآخرين وإلغاء المخططات أو عدم الاهتمام بالأنشطة المعتادة، بل والشك فيما إذا كان أحباؤك يهتمون بأمرك حقا ويرغبون في قضاء الوقت معك. فعزل نفسك بشكل عام لن يؤدي إلا إلى تفاقم الحزن، لذا فإن مشاركة مشاعرك مع شخص موثوق والانفتاح على شخص مقرب قد يحد من حدة المشاعر ويخفف الحمل.
كبت المشاعر يمكن أن يفاقمها، بأن نسيء استخدام عواطفنا السلبية والسماح لأنفسنا بالتركيز عليها أو من خلال الشعور بأننا ضحية لظروفنا. يميل الناس إما إلى التقليل من مشاعرهم، أو إضفاء الطابع الدرامي عليها، بدلا من مجرد الشعور بها فحسب. المبالغة في اجترار أحزاننا والانخراط في الشفقة على الذات لن تعاوننا على التعافي، فالحقيقة أن بإمكاننا منع أذهاننا من الشعور بالحزن من خلال قمعه بعدم التعامل معه ودفنه، ليخرج على هيئة قلق واكتئاب وخدر أو شعور مزعج بالانفصال عن الذات.
عادة ما يتسلح المرء بالفكاهة باعتبارها وسيلة للتعامل مع المآسي التي تستنزف طاقته دونما داع، وإن لم تداخله رغبة في الضحك أو إلقاء النكات أو مشاهدة مقاطع فيديو مضحكة أو برنامجه الكوميدي المفضل، تلك الأمور قد تزيل الحزن وتعلي من المعنويات، تماما كما يفعل كتاب أو فيلم.
تقدم الموسيقى عددا من الفوائد، كالراحة المؤقتة من الحزن الذي لا نعرف له سبب. قد تجعلك أكثر نشاطا وتحث عقلك على إنتاج هرمونات السعادة، كالدوبامين، فتتحسن حالتك المزاجية، ويقل شعورك بالتوتر. حاول تجنب الموسيقى التي تتناسب مع حالتك المزاجية، لأن الألحان الحزينة قد تؤدي في النهاية إلى تصاعد الألم، لذا استهدف الموسيقى التي تبهجك10.
لا ترهق نفسك، اسمح لها بأخذ قسط من الراحة، استَرخِ واحصل على هدنة من الالتزامات والمسؤوليات والضغوطات. اقضِ الوقت مع أحبائك، واستمتع بالحياة. كما أن بإمكانك التطوع ومد يد العون إلى شخص آخر، فمجرد تحسين حياة شخص ما وشعورك بأنك جزء من المجتمع، يمكن أن يحدث فيك أثرا.
ابحث عن طريقة إبداعية للتعبير عن حزنك. قد يساعدك تدوين أفكارك في إيجاد منظور جديد. اكتب مشاعرك، قد تصبح أسباب حزنك أكثر وضوحا حينها، وعليه تحدد كيف تشعر حيالها. واجه الأشياء وجها لوجه، حاول ألا تبقى في الفراش طوال اليوم وتتجنب الأحداث، وتذكر أنك إذا ما تمكنت من معرفة ما يزعجك، فقد تتمكن من تغيير شيء ما.
وأخيرا، لن تساعدك إستراتيجيات التكيف دائما في تخفيف الحزن. يوصى دائما بالحصول على الدعم المهني عندما تبدأ الأعراض في التأثير على حياتك اليومية وعلاقاتك وتمنعك من تحمل المسؤوليات، من المهم الحصول على المساعدة فورا إذا راودتك أفكار حول الموت أو الانتحار، يوفر العلاج مساحة آمنة للتعامل مع هذه الأفكار وإدارتها على المدى الطويل، ولكن الدعم اللحظي قد يكون أكثر فائدة إذا كنت تعاني من أفكار مزعجة أثناء أزمة الصحة العقلية.
يتعمق الكاتب وعالم النفس الاجتماعي بروك باستيان في سؤال كيف تفضي المصاعب في بعض الأحيان إلى حياة أكثر ثراء ومعنى وروابط اجتماعية عميقة، لِمَ يوصم كل شعور مبهم بالحزن على أنه ضعف يجب قهره، بينما ينظر إلى السعادة بصفتها دلالة على النجاح؟ في هذا الكتاب خلاصة بحث باستيان الذي يخبرنا من خلاله أن المعاناة والحزن بأطيافه غير معارضين متناقضين مع السعادة، بل هما عنصران لا بد منهما، وأنه ليس هناك بد من الحزن دونما سبب.
______________________________________________
المصادر | https://www.aljazeera.net/sukoon/2022/10/11/%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d8%a3%d8%b4%d8%b9%d8%b1-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b2%d9%86-%d8%a8%d8%af%d9%88%d9%86-%d8%b3%d8%a8%d8%a8%d8%9f-%d9%88%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7 | 2022-10-11T09:59:57 | 2024-06-06T11:54:55 | أبعاد |
|
138 | كيف تكتشف أبرز الخدع السياسية التي تُستخدم يوميا للنصب عليك؟ | بإمكانكَ أن ترى انحياز النّاس لآراء مَن يُحبّون، فإذا أحبّوا فُلانا صدّقوا كلامه دون تمحيص، وإذا كرهوا فُلانا كذّبوه ولو كان صوابا، فكيف تحمي نفسك من الوقوع في فخّ الانحيازات النفسية والمعرفية؟ | إذا أردتَ أن تُنمّي تفكيرك النقدي وأن تتدرّب على كشف المغالطات المنطقية فعليكَ متابعة النقاشات السياسية، خاصة تلكَ التي تجري بين أتباع الأحزاب المختلفة؛ لأنّك ستتعلّم عن طريق مراقبتك لهذه النقاشات كيف يستخدمُ النّاس استدلالات غير ذات صلة بالموضوع، لإثبات صحّة آرائهم وقناعاتهم، خاصّة إذا لم يكونوا يمتلكون الأدلّة والمعلومات الكافية.
ولا شك أن الأمثلة التاريخية للاستدلالات المنطقية الخاطئة، كثيرة. أحد الأمثلة مذكور في القرآن، حين استدلّ قوم النبيّ نوح على بُطلان دعوته وعدم صحّتها من خلال الإشارة إلى الوضع الاجتماعي والاقتصادي لأتباع النبيّ، فقالوا في سورة هود وما نراك اتَّبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي، أي أنّ كبار القوم وشرفاءهم لم يتّبعوك، ولو كان ما تدعوا إليه صوابا لاتّبعكَ ذوو السُّلطة والجاه، وهذا -كما ستتعلّم من قراءتكَ لهذا المقال- يعكس الانحياز إلى السُّلطة، وهو اعتقاد النّاس أنّ الرأي الأصوب والأصحّ هو الرأي الذي يصدر عن ذوي المكانة والسُّلطة. وقد تستخدم السُّلطة نفسها هذا الانحياز، فتخبر النّاس بأنّها أعلمُ منهم وأكثر فهما منهم، ولهذا فهي ستختار بالنيابة عنهم، ولهذه الفكرة جذور تاريخية أيضا، فقد أخبر فرعون قومه كما ورد في سورة غافر ما أُرِيكم إلا ما أرى وما أهديكم إلّا سبيل الرشاد.
تؤدي الدعاية الإعلامية ذات الأهداف السياسية، دورا أساسيا في تأليب الرأي العام وتوجيه النّاس وآرائهم وشحنهم بالعواطف والانفعالات من خلال ما تعرضه عليهم من حقائق، ويجدر بالذكر هنا أنّ خيانة الحقيقة لا تكون فقط من خلال الكذب، ولكن من خلال تجزئتها، فعَرْض أجزاء مُختارة بعناية من الحقيقة كفيلٌ بتشويه الحقيقة كاملة، فالانتقاء والاجتزاء شكل من أشكال التضليل، وكذلك التغطية الإعلامية الأُحادية عامل أساسي في تشكيل قناعات الناس واستقطابها باتّجاه واحد فقط.
في موضع آخر، بإمكانكَ أن ترى انحياز النّاس لآراء مَن يُحبّون، فهُم إذا أحبّوا فُلانا صدّقوا كلامه دون تمحيص، وإذا كرهوا آخر، كذّبوا كلامه ولو كان صوابا ومَبنيا على دراساتٍ علمية. فما الانحيازات المعرفية؟ وكيف يستخدم السياسيون هذه الانحيازات للتلاعب بآراء النّاس وكسب تأييدهم؟ وكيف تستغلّ وسائل الإعلام فهمها لنقاط الضعف البشرية كي تقوم بتعبئتهم برأي مُعيّن أو موقف ما؟ وكيف أحمي نفسي من الوقوع في فخّ الانحيازات النفسية والمعرفية؟ هذا ما ستتعرّف إليه عند قراءتكَ هذا المقال.
يجد الإنسان نفسه أعزل أمام كمّ هائل من المعلومات والحقائق التي يتلقاها يوميا، يتحتم عليه اتخاذ أحكام وقرارات سواء كانت واعية أو غير واعية. ولأن الإدراك البشري يتمتع بقدرات محدودة للتعامل بشكل صحيح مع جميع المعلومات المتاحة ومعالجتها، اكتشف الباحثون أن البشر يتخذون قرارات بالاعتماد على بعض الإستراتيجيات المبسطة، أو اختصارات ذهنية تسمى الاستدلال1.
تاريخيا، طوّر العقل البشري الانحيازات النفسية بوصفها آلية سريعة لاتّخاذ القرار للتعامل مع البيئة المعقدة المحيطة بقراراتنا. تتشكّل انحيازاتنا بشكل طبيعيّ لغايات بقائية، وعادة ما تتشكّل انحيازاتنا عبر الخبرة السابقة والحالة الفسيولوجية والشخصية، والمشاعر والانفعالات والعواطف. قد تفيد الانحيازات في الظروف اليومية التي تحكمها قيود زمنية، أو عند مواجهة نقص أو زيادة في المعلومات المتاحة أمامنا، أو عندما لا يكون هناك حل مثالي واضح وتبدو الأمور معقّدة أكثر من اللازم. لهذا، تؤدي الانحيازات دورا إيجابيا في أساسها وفي نطاق ضيّق من الحالات اليومية والمتكرّرة2.
لكنّ الانحيازات قد تؤدي أيضا إلى أخطاء في الاستنتاج3، وقد تكون عَطَبا تفكيريا إذا سمحنا لأنفسنا بالاستناد عليها في حياتنا اليومية وفي قراراتنا المهمة والمصيرية، وإذا ما رفضنا في كلّ مرّة أن نبذل جُهدا لتقصّي الحقائق ومحاربة أهوائنا ومقاومة اللذّة الداخلية التي تلحّ علينا بقبول وسماع ما نُريد سماعه بالأساس.
التحيّز أو الانحياز هو الميل التلقائي، وكما جاء في الوسيط فقد استُخدمت كلمة تحيز بمعنى الانضمام في الرأي وتبني رؤية ما، ما يعني رفض الآراء الأخرى4. يَرِد ذلك في الجزء الأول من كتاب إشكالية التحيز.. رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد الذي حرره د. عبد الوهاب المسيري. وفي التعريف الدارج، التحيّز المعرفي هو خطأ منهجي في التفكير يحدث عندما يقوم الشخص بمعالجة وتفسير المعلومات في العالم من حوله، ويؤثر على القرارات والأحكام التي يتخذها4.
يقدم لنا باستر بنسون، مؤلف كتاب لماذا نصرخ؟، تفسيرا لعلة الانحياز، بأنها رغبتنا في فهم العالم، حاجتنا إلى أن نكون واثقين من قدرتنا على إحداث تأثير وأن نشعر بأن ما نقوم به مهم. يمكن تصنيف هذه الثقة على أنها ثقة مفرطة، لكننا بدونها قد لا نتصرف على الإطلاق، بالإضافة لضرورة التعامل مع كم المعلومات، وتصنيف أدمغتنا للمعلومات بحسب أهميتها، وعليه يكون ما سنحاول تذكره وما سننساه5.
العقل من الداخل يبدو كبرلمان داخل الإنسان، تتصارع فيه الأفكار والمشاعر في السيطرة، كلّ طرف منهما يحاول الهيمنة عليك وعلى قراراتك على الدوام
ستيفن بنكر، كيف يعمل العقل؟
اهتم بيتر هاليغان، وهو أستاذ علم النفس العصبي في جامعة كارديف، وديفيد أوكلي، الأستاذ الفخري في علم النفس؛ بدراسات علم الأعصاب الإدراكي الحديثة، باستخدام التنويم المغناطيسي3، لتظهر الدراسات التي استخدمت التنويم أن مِزاج الشخص وأفكاره وتصوراته يمكن أن تتغير بعمق عن طريق الإيحاء، ليخلصا إلى احتمالية مفادها أننا لا نختار أفكارنا أو مشاعرنا بوعي، وإنما ندركها. قناعاتنا إذن ليست راسخة كما نتصور، وتتحكم فيها انحيازات قد تأخذ أشكالا عديدة
يميل الأشخاص إلى البحث عن المعلومات التي تؤكد قناعاتهم، وإغفال أو رفض المعلومات المتناقضة. يتفاعلون مع الأحداث والقصص الإخبارية بطريقة تؤكد معتقداتهم وتدعم أفكارهم الحالية، ما يجعلهم صارمين في آرائهم السياسية11. وهو ما يتفق مع تجارب عالم النفس المعرفي بيتر كاثكارت واسون الذي أجرى عدة تجارب في الستينيات وانتهى بقوله إن هذا التحيّز قد يقف عائقا بيننا وبين النظر إلى الأحداث بموضوعية. يساعد الانحياز التأكيدي أيضا على تكوين وإعادة تأكيد الصور النمطية المكونة عن الأشخاص، فنذكر ونكرر المعلومات المتوافقة مع الصورة النمطية، ونسهو عن المعلومات غير المتسقة مع قوالبنا النمطية. وينسحب هذا الانحياز العاطفي حتّى على عيوب النّاس وميزاتهم، وينطبق على هؤلاء قول الإمام الشافعي في أبيات قصيدته
وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ
وَلَكِنَّ عَينَ السُّخطِ تُبدي المَساوِيا
مثال أثير جدل حول قانون تشريعي يسمح للمواطنين باقتناء السلاح، لنفترض أن دانا معارضة لتلك القضية، لذلك فإنّ ما ستفعله دانا هو البحث عن قصص إخبارية ومقالات رأي تؤكّد الحاجة إلى فرض قيود على ملكية السلاح، وعند سماعها قصصا عن إطلاق النار في وسائل الإعلام، ستفسرها بطريقة تدعم معتقداتها الحالية بأنّ كلّ هذا يحدث لغياب تشريعات تجرّم اقتناء السلاح. بينما يعارض خالد بشدّة تدخّل الدولة للسيطرة على السلاح ومنع اقتنائه، فيبحث عن مصادر إخبارية تتوافق مع نظرته، وعندما يصادف قصصا إخبارية عن إطلاق النار، فإنّه سينكر ادّعاءات النّاس بأنّ سبب هذه المشكلات هو السماح للمواطنين باقتناء السلاح، بطريقة تدعم وجهة نظره الحالية11.
يتسلل الانحياز التأكيدي ليشمل نواحي أخرى خلاف معتقداتنا الشخصية، مؤثّرا أيضا على أدائنا الوظيفي والمهني. يورد بيتر جراي في كتابه علم النفس مثالا على أثر الانحياز النفسي على مهنة الطبيب 9 يشخّص طبيب مريضا، يسأله عن تاريخه الطبي للتأكّد من فرضيته، عوضا عن البحث عن أدلّة تدحضها، ومن ثَم يتوصل إلى استنتاج مُبكّر إلى أنّ المريض مصاب بالمرض الذي توقّعه هو منذ البداية.
يشمل هذا الانحياز قرارات سياسية وعسكرية كُبرى، فمن أجل اجتياح العراق، سعى السياسيون البريطانيون إلى فرض العديد من الأدلّة المتوهّمة وغير الكافية لتبرير إرسال الجنود البريطانيين إلى العراق وللحصول على شرعية سياسية، فمنذ سنوات، أعلن جون تشيلكوت، رئيس اللجنة البريطانية المكلّفة بالتحقيق في ظروف وملابسات التدخّل البريطاني في حرب العراق عام 2003، أنّ المبرّرات البريطانية لفترة ما بعد اجتياح العراق كانت غير مناسبة على الإطلاق، وأنّ الاجتياح حدث بشكل سابق لأوانه وقبل استنفاد كل الفرص السلمية التي كانت متاحة في ذلك الوقت1011.
جاء احتلال العراق بذريعة امتلاكه أسلحة دمار شامل، لكن ما توصّل إليه شيلكوت أنّ رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير وضع محاولة الحفاظ على العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدّة فوق كلّ شيء، وأنّ نظرته لخطوة الحرب آنذاك لم تَخْلُ من الانحياز العاطفي وغير العقلاني، إذ أسقط بلير الدلائل التي تخالف اعتقاده ورفض مراجعتها أو التحقّق منها، ليحسم موقفه في النهاية حين كتب للرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش سأكون معك، مهما يكن10. قادت تلك الدوافع الواهية إلى مكابدة العراق خسائر بشرية قُدرت بمليون قتيل ومصاب وملايين المشردين، وأحكَمَ العنف الطائفي قبضته على البلاد، وتدمّرت معظم البُنية التحتية للبلاد بفعل ذلك.
هو شكل من أشكال التحيّز الإعلامي يغطى فيه بعض السياسيين أو الموضوعات بشكل غير متناسب من حيث كمّية العرض المُوجّه وحجمه وكثافته. على سبيل المثال، كشفت إحدى الدراسات أن البرامج الإخبارية المحلية كان تركيزها مُنصبّا على إظهار صور المجرمين الأميركيين من أصل أفريقي، والتقليل المتعمّد من إظهار المُجرمين الأميركيين البيض. ما يحدث بسبب هذه التغطية الإعلامية الانتقائية هو حصول وعي ضمني لدى المُشاهدين بأنّ السود هُم دائما الجُناة، والبيض هُم في الغالب مجرّد ضحايا. مثال آخر على هذا النوع من الانحيازات، ما حدث في عام 2008 حين ترشّحت سارة بالين لمنصب نائب المرشح الجمهوري جون ماكين، إذ ركّزت بعض المقالات على مؤهّلاتها بوصفها رئيسة مستقبلية محتمَلة، أو سجلّها في القضايا12، لكن كتابات أخرى لم تلبث أن تساءلت عن أحقيتها في الترشح لمنصب؛ نظرا لأن لديها أطفالا، ومن ثم تطرقت لتفاصيل حياتها الشخصية والخاصّة.
في سياق آخر، حلّل بحث من جامعة جنوب فلوريدا التغطية الإعلامية لحظر السفر الذي فرضه الرئيس ترامب عام 2017، ليتضح أن وقت الذروة غطت وسائل الإعلام الأحداث من خلال وجهات نظر مختلفة تماما، اختلفت لهجة كل مذيع وطريقة صياغة الحقائق وزاوية التناول، لتُقدَّم القضية بشكل متوافق مع أجندة حزبية معينة18.
وفيما يلي نتائجُ مسحٍ يُظهِر كيفية توزّع المُتابعين على المواقع والمنصّات الصحافية ومصادرهم الإخبارية بحسب توجّهاتهم السياسية، ما يعكس أنّ البشر ينزعون إلى تلقي المعلومات من المصادر التي تؤكّد توجّهاتهم الحزبية والأيديولوجية المُسبقة.
العرض الانتقائي للمعلومات بطريقة مقصودة تؤدّي إلى تأجيج مشاعر مُعيّنة وإلى تشكيل مواقف قاصرة بناء عليها. فمثلا، نَشْر الإعلام لجزء مقتطع من المقاطع الصوتية الخاصّة بأحد المسؤولين السياسيين من شأنه تحريف السياق بأكمله.
بدون السياق المناسب، يمكن أن تصبح القضايا متعدّدة الأوجه شديدة الاستقطاب، وقد تصبح سببا للانقسام أو ترسيخ واستحضار صور ذهنية أساسها معلومات تفتقر إلى الاكتمال. يستعرض الدكتور عبد الوهاب المسيري مثالا في الجزء الثاني من كتاب إشكالية التحيز.. رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد5، فواقعة الإبادة النازية ليهود أوروبا التي يُطلَق عليها الهولوكوست، أي المحرقة، تستدعي معنى ذهنيا يعكس أن اليهود وحدهم ضحايا العدوان الألماني النازي. تلك الإبادة لم تكن استثنائية بالنظر إلى إبادات تعرضت لها الأمريكتان وأفريقيا، ولم يكن اليهود وحدهم ضحايا الهولوكوست، فهناك السلاف والغجر وذوو الاحتياجات الخاصة الذين صُنِّفوا آنذاك مادة بشرية غير نافعة.
الثقة غير العقلانية في كلّ ما يأتي مِن أشخاص ذوي نفوذ أو مناصب رفيعة، والامتثال إلى حديث أصحاب السلطة، وتقدير آرائهم، والتأثّر بها، والاعتقاد بأنّها صواب فقط لأنّها تصدر من أشخاص ذوي مناصب وسُلطة عالية.
لقد كُنتُ أُطيع الأوامِر I was only following orders
أدولف آيخمان
مثال كان أدولف إيخمان ضابطا في القوات الألمانية الخاصة، وأحد كبار المسؤولين عن إبادة اليهود وحرقهم، عندما اقتيد لمحاكمته حَرَصت حنة أرندت أن تكون هناك، ووثّقت تفاصيل المحاكمة في كتابها الذي نشر عام 1963 بعنوان أيخمان في القدس تقرير عن تفاهة الشر13. يتضمن الكتاب سلسلة من المقالات كتبتها بتكليف من مجلة النيويوركر The New Yorker، انتقدت فيها الطريقة التي حاكمت بها إسرائيل إيخمان، والطريقة التي صورت بها المتهم. رفضت حصره في صورة الوحش والقاتل المعادي للسامية التي حاول الادعاء رسمها له، لأن أرندت رأت شيئا مختلفا، رأت نوعا جديدا من مرتكبي المذابح الجماعية، لا تحركه دوافع خبيثة أو قاتلة، ولا يدرك خطورة أفعاله13، شخص أراق الدماء، سحق إنسانيته وتملص من جرائمه مرجعا الشرور إلى ذوي السلطة العليا. لا تبرئ أرندت إيخمان من جريرته، لكنها تشير إلى أنه أشبه بالموظف الذي يؤدي عملا أمره به رؤساؤه، شرّه ينطوي على تفاهة.
يلعب انحياز السُلطة أيضا نهيا وأمرا بالخوض في القضايا أو التفكير فيها أو مجرّد نقاشها، وفي هذا أمثلة كثيرة من السياق العربي.
في عام 1920، صاغ عالم النفس الأميركي إدوارد لي ثورندايك المصطلح ليشير إلى نوع من التفاوت في الحكم الفوري على الآخرين. يؤثر انطباعك العام عن الشخص على شعورك وتفكيرك في شخصيته، ينطبق هذا تحديدا على جاذبيته التي تؤثر على كيفية تقييم صفاته الأخرى. استندت ملاحظات ثورندايك على ضباط الجيش في تجارب شملت رتب المرؤوسين هناك14، حيث كان يُنظر إلى المرؤوس الطويل والجذاب على أنّه الأكثر ذكاء، كما صُنّف على أنّه أفضل بشكل عام من الآخرين. هكذا وجد ثورندايك أن المظاهر الجسدية هي الأكثر تأثيرا في تحديد انطباعاتنا العامة عن شخصية شخص آخر.
حجر الأساس لنظرية ثورندايك هو أنّ الأشخاص يميلون إلى تكوين انطباع عام عن شخصية أو خصائص شخص ما بناء على سمة واحدة، وهذا يمكن أن يؤدي إلى تعميم تصورات إيجابية أو سلبية تجاه الشخص نفسه. تطوّرت نظرية ثورندايك من قبل عالم نفس آخر يدعى سولومون آش الذي افترض أنّ الطريقة التي يشكل بها الناس آراء أو صفات عن الآخرين تعتمد بشكل كبير على الانطباع الأول.
الطريقة التي تُعرض بها المعلومات تُحدِّد الموقف الذي ستتّخذه منها
يحدث انحياز التأطير عندما يتخذ الناس قرارا بناء على طريقة تقديم المعلومات، عوضا عن الاستناد إلى الحقائق نفسها. ويمكن أن تؤدي الحقائق نفسها المقدمة بطريقتين مختلفتين إلى إصدار أحكام أو قرارات مختلفة، وإلى الشعور بمشاعر مختلفة.
إليكَ المثال الآتي، استخدام العبارة تبلغ نسبة البقاء على قيد الحياة بعد شهر واحد من الجراحة 90 أكثر طمأنة من نظيرتها التي تقول تبلغ نسبة احتمال الوفاة خلال شهر واحد من الجراحة 101516، بالرغم من أنّ كلا المعلومتين متماثلتان من جهة علمية ومنطقية، فإنّ الإنسان لا يرى سوى الصياغة التي تُعرَض له.
من الصعب علينا إصلاح الأخطاء التي نعجز عن رؤيتها
دانيال كانيمان
أن تكون إنسانا يعني أن تكون متحيزا، وإن تعاطفك مع قضية -مهما بلغت حدّتها- مرهون بمدى ما يتشاركه أطرافها المعنيون معك من السمات المجتمعية أو القومية أو الدينية، والآراء السياسية. وقد لا نصل إلى مرحلة من التحرّر المُطلَق من انحيازاتنا، لكنّنا على الأقلّ مطالبون بتقليل سطوتها علينا ومقاومتها قدر الإمكان. تنعكس الانحيازات النفسية والمعرفية على حياتنا اليومية بعدّة طرائق اتّخاذ قرارات خاطئة، إطلاق أحكام مُجحفة بحقّ الآخرين، التورّط بجدالات مستنزفة وسقيمة، بالإضافة إلى حرمان أنفسنا من التطوّر والنماء.
منذ 60 عاما، نفذت واشنطن عملية عسكرية عرفت بـغزو خليج الخنازير لقلب نظام الحكم في كوبا والإطاحة بزعيم الثوار الشيوعيين فيديل كاسترو الذي تمكن قبل عامين من الواقعة هو والثوار من الاستيلاء على السلطة، كُلّلت مساعي واشنطن بالإخفاق، وعُزِي الفشل إلى التفكير الجماعي؛ لإغفال مسؤولين إجراء تحليل بسيط للقوة العسكرية لـكاسترو11. تداعيات الغزو كانت كارثية، ونطق الرئيس كينيدي كلماته بكل استغراب كيف يمكن أن أكون بهذا الغباء؟.
يتوافق الأفراد مع معايير المجموعة إلى حد مذهل، فأعضاء حزب سياسي ترتبط هويتهم بأدائهم في الانتخابات، يمكن أن يتعزز لديهم إحساس قوي بالانتماء إلى المجموعة. ليس ذلك إلا جزء متأصل من السلوك البشري، فمن منظور تطوري، كان من الضروري أن تكون جزءا من جماعة من أجل البقاء على قيد الحياة. ويخبرنا علم الأعصاب الحديث أننا نمتلك آليات قوية لتشجيع فكرة الجماعة، ولدينا حذر وخوف من الإقصاء الاجتماعي. فعندما يخالف شخص الرأي المتفق عليه، يُقيّمه الدماغ بأنه خطأ، ويخلق حافزا قويا لاتباع النهج المتفق عليه.
منذ المرة الأولى التي علمت فيها عن التحيز التأكيدي، كنت أراه في كل مكان
جون رونسون
عند اصطدام شخص بمعلومات أو مواقف جديدة لا تتوافق مع ما يؤمن به، يحدث لدى المرء تنافر معرفي مصحوب بتوتر وانزعاج داخلي، تستلزم تلك التوتّرات إمّا تغييرات في السلوك أو تغيير أحد المعتقدات الحالية أو إضافة اعتقاد جديد، أو تجاهل التناقض، لكن الأخبار الجيّدة هُنا7 هي أنّ مُجرّد الوعي بالانحيازات والتفكّر فيها قد يُحدِث فارقا في مدى خضوعنا لها ومدى انزلاقنا إليها، فحين تتعرّف على الانحيازات فسرعان ما ستبدأ بملاحظتها. وفيما يلي بعض الخطوات التي ستُعينك على التحرّر من سطوة الانحيازات المعرفية، والتي ستقلّل من فُرَص الوقوع بفخاخها
تفهّم فكرة الاختلاف، أحيانا الآخر ليس أفضل أو أسوأ منك، أحيانا هو فقط مختلفٌ عنك، أحيانا أنتَ لستَ أفضل أو أسوأ من أحدهم، لكنّك مختلف، والناس تختلف، لذلك لا تعتبر كلّ اختلاف مصدرا للتهديد أو مصدرا للشرّ.
سافر إن كنتَ تملك خيار السفر، لا شيء أدعى لاتّساع الآفاق التفكيرية للإنسان مثل السفر، عاشر أقواما بثقافات وعادات طعام وأنماط معيشية مختلفة عنك، دون أن تتنازل عن هويتك.
تابِع الأشخاص من ذوي التوجّهات المختلفة، لا تجعل حسابك على منصّات التواصل عبارة عن غرفة صدى لأفكارك فحسب، اقرأ حتّى وأنتَ تشعر بالانزعاج، لا تغلق الفيديو منذ بدايته لأنّه لَم يعجبك، واستمرّ بقراءة ما يزعجك.
نَوِّع مصادر وسائل الإعلام التي تتابعها، وتابع الصحافة العالمية المشهورة من الأطياف والتيّارات المختلفة، وتأكّد من مصادر المعلومات ومدى موضوعيتها وانحيازها.
حين ترى ظاهرة وتقول بصوت مرتفع بالطبع، هذا مؤكّد، لقد علمت، يجب أن تراجع نفسك، عليك أن تتساءَل ليس عمّا حدث، ولكن عمّا كان من الممكن أن يحدث ولم يحدث، بهذه الطريقة تُقاوم انحيازاتك المعرفية.
أعطِ نفسك فرصة قبل أن تبدأ بإطلاق الأحكام، تأنَّ وانتظر اكتمال المعلومات وصدور المزيد من الأخبار، وقبل أن تتداول الخبر كما هو، تساءل إن كان هناك مستفيد يستثمر في جهلك وفي سرعة تداولك للأخبار.
لا تتعامل مع الماضي على أنه مصدر معرفي خامل، راجع نفسك، تذكّر تلك المرّات التّي اتّهمتَ فيها أحدا وكُنتَ مُخطئا، تساءل عن الدوافع التي دفعتك للاتّهام في بادئ الأمر.
____________________________________________
المصادر | https://www.aljazeera.net/sukoon/2021/11/10/%d8%aa%d8%ac%d8%a7%d9%87%d9%8f%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%82%d9%8a%d9%82%d8%a9-%d8%ae%d8%af%d8%b9-%d9%86%d9%81%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d9%86%d9%85%d8%a7%d8%b1%d8%b3%d9%87%d8%a7 | 2021-11-10T13:40:29 | 2024-05-29T10:32:31 | أبعاد |
|
139 | حتى تحمي نفسك من الأمراض النفسية.. كيف ننجو من سموم مواقع التواصل الاجتماعي؟ | ثمة أشكال عدة للممارسات الإدمانية لمنصات التواصل منها كثرة التحقق من الهاتف كل بضع دقائق، والتعلق بمنشوراتك والشعور بالإحباط حين لا تتلقى ردود أو تفاعلات كافية. فكيف تحمي نفسك من مخاطر السوشيال ميديا؟ | تمامًا كما تذهب إلى الطبيب حين تُعاني من آلام المَعدة، فيكتب لكَ حِمية غذائية، بات من الشائع اليوم أن يوصف لكَ المعالج أو الطبيب النفسي حِمية رقمية أو وصفة علاجية تتضمّن تحديد ساعات استخدامك لمنصّات التواصل الاجتماعي، لأنّ من شأن استخدامها بشكلٍ مفرط أن يؤدّي إلى تدهور صحّتك النفسية، زيادة الاكتئاب، ارتفاع حدّة القلق، وتفاقم درجة اضطرابات الأكل بحسب حالة كلّ شخص.
ثمّة أشكال عدّة للممارسات المَرَضية والإدمانية لمنصّات التواصل الاجتماعي كثرة التحقق من الهاتف كل بضع دقائق، وترقّب أحدث الإشعارات، وانشغال الذهن وتشتت الفكر بمواقع التواصل، التعلّق بمنشوراتك والشعور بالإحباط حين لا تتلقّى أيّة ردود أو تفاعلات كافية. بالإضافة إلى حالة التأهّب النفسية التي تصيبك حين تنشر منشورًا جديدًا أو تغريدة جديدة، وتبدأ بترقّب ماذا سيردّ النّاس؟ وماذا سيقول النّاس؟ وهل سيُهاجمني أحدهم؟ هل سيُعيد أحدهم نشر هذه التغريدة وانتقادي أو الاستهزاء منّي؟
كلّ هذه الأحوال هي شكل من أشكال السموم النفسية التي تورثها منصّات التواصل الاجتماعي في مُستخدميها، والتي تزيد من فرص تعرّض الإنسان للاكتئاب والقلق والأرق واضطرابات الأكل واضطرابات النوم، فكيف نتخلّص من سموم مواقع التواصل الاجتماعي؟ وكيف أتجنّب الآثار النفسية السلبية لاستخدام الفيسبوك والانستغرام وتويتر وغيرها من التطبيقات؟ وكيف أحمي نفسي من مخاطر السوشال ميديا؟ نحاول في هذا المقال أن نُجيبك على تساؤلاتك وتقديم حلول عملية بحسب خبراء علم النفس والطب النفسي.
يُستخدَم مفهوم التخلّص من السموم Detox في السياق الرقمي بمعناه 1 المتمثل في التخلص من تلك السموم الرقمية والتوقف ولو مؤقتًا عن استخدام الأجهزة التقنية، كالهواتف الذكية وأجهزة التلفزيون والأجهزة اللوحية والكمبيوتر ومواقع التواصل الاجتماعي؛ لتوفير فوائد جسدية وعاطفية، والتركيز على التفاعلات الاجتماعية الواقعية دون تشتت وضغط ناجم عن الاتصال المستمر. قد يستغرق أسبوعًا أو شهرًا أو عامًا بأكمله 2.
يشترط التخلّص المثالي من سموم مواقع التواصل الاجتماعي، أولًا الامتناع عن استخدام الأجهزة التقنية، لكن الكثيرين قد يجدون صعوبة في الابتعاد التام عن تلك المنصات لداعٍ ما، كالعمل. لهذا كان لا بد من وجود تقنيات لـالتخلّص من السموم بقواعد خاصة، يخرج منه الفرد وهو أكثر وعيًا بما تُشعِره به وسائل التواصل الاجتماعي. واستخدامها بطريقة تشعره بالإيجابية. وله قبل الخوض فيه أن يتفكر -مثلًا- في3
هل تمدني عدد الإعجابات على مواقع التواصل بثقة أكبرأقل بنفسي؟ وهل تؤثر على مزاجي لبقية اليوم؟هل أقوم بالتقاط الصور لنشرها على الإنترنت فقط، أم لكي أستمتع حقًا بالمشهد؟
في دراسة4 ألمّت بما يطرأ على الأشخاص أثناء عملية التخلّص من السموم الديتوكس والتي أجرتها منظمة كوفيرت Kovert البحثية، وُجد أنه بعد 3 أيام فقط من الانقطاع عن الأجهزة، أجرى المشاركون محادثات أطول وأكثر حيوية، وحسّنوا ذاكرتهم، وغطوا في نوم عميق. بينما اتخذت أقلية منهم قرارًا مصيريًّا، كاتباع مسار وظيفي جديد أو إعادة الالتزام بأهداف صحية. ليعضد ذلك من أدلة تشير إلى أن التخلص من السموم الرقمية يمكن أن يجعلنا أكثر صحة وأقل توترًا وأكثر ارتباطًا بالعالم من حولنا، حتى ولو لمدة زمنية قصيرة.
تكشف الدراسات أن تبديد الكثير من الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يشكل خطرًا محتملًا على صحتك العقلية5، لذا يُنصَح بشدة بفترات الراحة بين الحين والآخر. أحد أكبر الأسباب هو أن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تعرض وجهات نظر مشوهة للواقع، إذ يعتري البعض إحساسًا بالدونية، وأن حياتهم لا يمكن أن ترقى إلى مستوى المشاهير أو المؤثرين.
من شأن ذلك أن يُعرّض تصورنا للواقع للخطر إلى حد كبير، ليعبر إلى ما يسمى في علم النفس الاجتماعي بـنظرية المقارنة الاجتماعية67. يعتقد مؤسس نظرية المقارنة الاجتماعية، وهو باحث في ذلك المجال، ليون فيستنجر أن هناك محفزًا داخل الأشخاص بالحصول على تقييمات ذاتية، يقيمون فيها قدراتهم وآراءهم بالآخرين. وتُظهر الأبحاث أن الأشخاص الذين يعانون من تدني احترام الذات والمعرضين للاكتئاب يميلون إلى أن يكونوا أكثر عرضة لهذا النوع من المقارنة، وذلك تحديدًا ما تغذية وسائل التواصل على عدة مستويات.
الميل الأكبر نحو المقارنة الاجتماعية قد يزيد من استخدام الفيس بوك مثلًا بدافع التلصص على حسابات الآخرين. لكن تطبيقات الوسائط الاجتماعية لا تقلل في الواقع من تقديرنا لذاتنا فحسب، بل العكس هو الصحيح أيضًا، عندما يكون تقديرنا لذاتنا منخفضًا، فإننا نقضي المزيد من الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي.
يعلن الخوف من الضياع FOMO عن نفسه بوصفه أحد بواعث البقاء على تلك المنصات، وهو قلق اجتماعي يرغب فيه الشخص بالبقاء على اتصال دائم بما يفعله الآخرون؛ مخافة أن يفوته شيء أو حدث ما8، فيحتاج دومًا للحضور على المواقع لتتبع الأخبار والبقاء على اطلاع
ويعد العرض الذاتي إحدى النقاط المحورية لمواقع الشبكات الاجتماعية التي غالبًا ما تجعل مرتاديها عرضة لاكتساب سلوك نرجسي9، أو إفقار المهارات الاجتماعية، لتسلب مقدرتنا على المشاركة في محادثات هادفة، وتتدهور لدينا المقدرة على الاحتفاظ بالمعلومات واستدعائها وتذكرها.
يقودنا ذلك إلى حقيقة أن وسائل التواصل الاجتماعي تقلل من كفاءتنا الإنتاجية، فالالتصاق بتلك المنصات له أن يؤثر سلبًا على التزامنا بحياتنا الإبداعية والمهنية بطرق معقدة، ليتركنا نعاني من صعوبات في التركيز وسهولة التيه والتشتت.
تشير ورقة بحثية نشرتها مجلة علم النفس الاجتماعي التطبيقي10 إلى أننا نقضي وقتًا على الشبكات الاجتماعية أكثر بكثير مما نعتقد، ومن ثم فإننا نهدر أحد أكثر مواردنا قيمة الوقت. فحتى عند وجودنا في العمل أو تخصيص وقت لأداء مهمة، ربما نستسلم لضرورة التحقق من أحدث الإعجابات والتعليقات على منشور ما. وجدت إحدى مجموعات البيانات أن الموظفين يقضون 2.35 ساعة يوميًّا -في المتوسط- للوصول إلى حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي في مكان العمل. وهو ما يفسر أحيانًا صعوبة الالتزام بمواعيد التسليم النهائية.
في استطلاع الإجهاد السنوي الذي أجرته جمعيات علم النفس الأمريكية، أشار 5 من البالغين في الولايات المتحدة حوالي 18٪ إلى التكنولوجيا بوصفها مصدرًا مهمًّا للتوتر في حياتهم. بالنسبة إلى الكثيرين، فإن الاتصال الرقمي الدائم والحاجة المستمرة لمواصلة فحص رسائل البريد الإلكتروني والنصوص ووسائل التواصل الاجتماعي هي التي شكلت غالبية هذا الضغط التكنولوجي.
كما يمكن أن تتعارض أنشطتنا عبر الإنترنت مع أنماط نومنا، فاستخدام الوسائط الاجتماعية الإلكترونية ليلًا مباشرة قبل الخلود إلى النوم له آثار سلبية علينا وعلى أمزجتنا1112، إذ يمكن أن يتداخل الضوء الاصطناعي الصادر من هاتفك مع إنتاج جسمك للميلاتونين الهرمون المسؤول عن مساعدتك على النوم؛ ما يفاقم من احتمالية القلق والأرق وقصر مدة النوم، بل وقد يسبب صداعًا ومشكلات في الرؤية.
توضح عالمة النفس الإعلامي الدكتورة باميلا روتليدج أن التأثير السلبي الذي يقلق الجميع بشأنه يعتمد على كيفية استخدامك للوسائط، وليس مقدارها، وأنه من أجل معرفة ما هو مناسب عليك أن تُقيّم بصدق ما تستخدمه ولماذا. وهو ما ينطبق على العلاقة غير المباشرة بين التوتر واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، فالاستخدامات الاجتماعية للتقنيات الرقمية والطريقة التي تزيد بها الوعي بالأحداث المؤلمة في حياة الآخرين، هي التي توضح كيف يمكن أن يؤدي استخدام تلك المنصات إلى إصابة مستخدميها بمزيد من التوتر13.
قلص عدد الساعات التي تقضيها على مواقع التواصل الاجتماعي14، افعل ذلك شيئًا فشيئًا، فإذا كان متوسط الوقت الذي تقضيه على تلك المنصات ساعتين ونصفًا، خفّضه إلى ساعتين في الأسبوع الأول ثم إلى ساعة ونصف في الأسبوع التالي، وهكذا. راقب بعدئذ إن أحدث ذلك فارقًا يُذكر.
احذف التطبيقات التي لا تحقق الاستفادة المرجوة منها، أو التي تستنفد وقتك بلا طائل، كالإنستجرام والفيس بوك. لذا، وكما جرت العادة عند احتياجك إلى أخذ راحة قصيرة من العمل أو الدراسة، والتقاط هاتفك مرارًا وتصفُّح إحدى تلك المنصات، ستلاحظ أن اختفاءها أسهم في كسر هذه الحلقة المفرغة التي تظل توزع انتباهك بين اتجاهين.
في كتابه التخفّف الرقمي Digital Minimalism، يوصي الكاتب كال نيوبورت بالسماح للتطبيق المعزول بالعودة إلى صفوف التطبيقات الحالية إذا أحسست أنه يخدم شيئًا تُقدِّره بعمق، وأن أفضل طريقة هي استخدام التكنولوجيا لخدمة تلك القيمة، إما هذا أو أن تستبدله بشيء أفضل. اجعل التكنولوجيا تلعب دورًا محددًا في حياتك، ويمكنك تطوير إجراء تشغيلي قياسي يناسب هذا الدور بقواعد محددة حول وقت وكيفية استخدام التطبيق، على سبيل المثال استخدم فيس بوك بوصفه جزءًا من فترات الراحة في عملك، ولكن لا تتحقق منه في المنزل1516.
جرب عدم إقحام التكنولوجيا في روتينك الصباحي، استعض بمنبه حقيقي بدلًا من ذلك الموجود على هاتفك، قد يساعدك ذلك على قهر رغبتك في تصفح المنصات فور استيقاظك. اتبع طقوسًا صباحية لا تشمل وسائل التواصل الاجتماعي والعمل، مثل مراقبة شروق الشمس خارج نافذتك، أو المشي مبكرًا لساعة أو 30 دقيقة، أو التمدد، أو الاستمتاع بفنجان من الشاي أو قدح من القهوة وتصفية أفكارك بشكل رائق.
سيتيح لك التخلّص من السموم الديتوكس الرقمي وقت فراغ يكفي للقيام بأنشطة عديدة، كإحياء اهتماماتك القديمة أو التطوع أو القراءة، أو أي نشاط يشرك عقلك وحواسك، مثل تعلم العزف على الجيتار أو البستنة في الهواء الطلق. خاصة إذا كنت تقضي ساعات جالسًا على مكتب أمام الكمبيوتر، فإن الاهتمام بالمساحة الداخلية لمنزلك وتكريس قرابة الساعتين قد تثري حياتك.
أوقف تشغيل الإخطارات المتعلقة بجميع التطبيقات الخاصة بك أو لبعضها بشكل انتقائي، أو فعّل وضع عدم الإزعاج، اجعل هاتفك على وضع صامت17. يسمح لك ذلك بالالتزام بفترات زمنية معينة دون إغراء النظر إلى هاتفك بشكل فوري عند الاستماع إلى أي صوت. وتعد الطريقة الأكثر فاعلية لتحقيق أقصى استفادة من التجربة هي إغلاق هاتفك والكمبيوتر المحمول والأجهزة اللوحية ووضعها بعيدًا أو إخفاءها لبعض الوقت فحسب.
إذا وجدت نفسك تحاول الوصول إلى هاتفك بشكل ثابت، فهذا سلوك قهري ينبع غالبًا من القلق من أنك ستفقد شيئًا جديدًا.
قد يكون التخلص من أي عادة سيئة أمرًا صعبًا. ضع هاتفك في غرفة أخرى أثناء عملك، أو ضعه جانبًا عند تناول وجبة أو التسكع مع الأصدقاء.
يمكنك بعد ذلك الامتناع عن استخدام الأجهزة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي خلال أوقات بعينها يوميًّا، أو حتى أيام بعينها من الأسبوع، كأن تقرر عدم استخدامها بعد الساعة 9 مساءً، أو في أيام الجمعة. من الممكن أن تكون هذه الإستراتيجية مفيدة للنوم والراحة، ويمكن تكييفها وفقًا للخصوصيات الفردية. في البداية قد يكون الأمر مربكًا بعض الشيء، ولكن بعد فترة من الوقت ستبدأ في الشعور بالفوائد، ثم بمزيد من التحرر أو الحرية أو كأن حملًا ثقيلًا قد انزاح عن كاهلك. وقد تجد أنك تريد البقاء منفصلًا عن مواقع التواصل لفترة أطول.
يحث هذا التطبيق مستخدميه على التركيز على اللحظة الراهنة، يتعهد بتقديم جائزة لهم لقاء البقاء بعيدين عن هواتفهم، تتمثل المكافأة المستحقة في لعبة، فيها تزرع بذرة، وكلما تجنبت التحقق من هاتفك المحمول لفترة أطول يزداد حجمها وتورق، أما إذا استمررت في تصفحه فستهلك الشجرة وتبور.
طور منتجو تطبيق الإنتاجية الشهير Flipd تطبيق Focus Lock، التطبيق مصمم لإخفاء التطبيقات والألعاب المشتتة، والتركيز على مهمة محددة لفترة زمنية واضحة، وفي الثانية التي تنهي فيها واجبك تعود التطبيقات إلى هاتفك، ويمكنك وضع علامة على كل جلسة لتتبع ما قمت به في الوقت الذي قضيته خارج وسائل التواصل الاجتماعي.
حصل هذا التطبيق المجاني على الكثير من التقييمات الإيجابية بفضل واجهته سهلة الاستخدام ووظائفه البديهية. ابدأ باختيار فئة اجتماعية، استرخاء، عمل، ستُطالَب بعد ذلك بتعيين فترة زمنية محددة لا تريد فيها استخدام هاتفك. كما يسجل التطبيق إنجازاتك اليومية والأسبوعية والشهرية والسنوية، حتى تتمكن من تسجيل إحصائيات حول مدى نجاحك في التخلص من السموم19.
- | https://www.aljazeera.net/sukoon/2022/8/16/%d8%ad%d8%aa%d9%89-%d8%aa%d8%ad%d9%85%d9%8a-%d9%86%d9%81%d8%b3%d9%83-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%b1%d8%a7%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d9%83%d9%8a%d9%81 | 2022-08-16T07:48:36 | 2024-06-06T11:51:58 | أبعاد |
|
140 | تقبلني بكامل عيوبي.. هل يوافق علماء النفس على الحبّ غير المشروط؟ | هو الحبّ الذي لا يُملي عليكَ أي شروط، هو الذي يقبلُكَ كما أنت، بكل عيوبك ومشكلاتك. وقد يحمل الحبّ غير المشروط دلالات ضمنية تتعلّق بانتهاك السائد. لكن ماذا يقول لنا العلماء والباحثون عن هذا المفهوم؟ | الحب غير المشروط، أو التقبّل غير المحدود، عبارات كثيرة يتداولها النّاس على منصّات التواصل الاجتماعي، يُقصَد بها أنّ الحبّ الحقيقي، هو الحبّ الذي لا يُملي عليكَ أي شروط، هو الحبّ الذي يقبلُكَ كما أنت، بكل عيوبك وبكل مشكلاتك. وقد يحمل الحبّ غير المشروط دلالات ضمنية أخرى تتعلّق بانتهاك السائد، وأحيانًا يُستخدم كصيغة لتبرير علاقة غير أخلاقية، تقع خارج إطار الزوجية، مثل حبّ الرجل لامرأة متزوّجة، أو حبّ المرأة لرجل متزوّج، تحت دعوى إذا كُنتِ تُحبّينني حقًّا، فعليكِ أن تتقبّلي أنّي متزوّج وأنّه لَن يجمعنا علاقة أخرى سوا الحب غير المشروط.
لكن ماذا يقول لنا علم النفس عن هذا المفهوم؟ ماذا يقول العلماء والباحثون؟ ومن أين أتى هذا المصطلح؟ وهل حقًّا يُؤيّد علماء النفس فكرة الحبّ غير المشروط؟ وهل هُو مستخدم في العلاج النفسي؟ وأين نُخطئ حين نتداول مُصطحًا كهذا بغير ضابط أو فهمٍ علميّ؟
تكمن المشكلة الرئيسية في فكرة الحبّ غير المشروط، بأنّه غالبًا ما يُرَاد به طرف واحد، فنحنُ نقولها حين يعجز الآخر عن تقبّل عيوبنا فحسب، فنحنُ نتوقّع من الآخرين أن يتقبّلوا عيوبنا، لكنّنا حين نتعرّض لعيوبهم قد نصفهم بأنّه أشخاص سامّين أو مُتلاعبين أو مُؤذيين. ورُبّما نودُّ كذلك أن يكون في مقدورنا أن نحبُّ الآخرين حبًّا متجردًا من الأنانية. لكن لسوء الحظ، محبّة كهذه قد تؤدي بنا إلى خيبة أملٍ جسيمة حين لا يتماشى منظورنا المثالي مع صعوبة -أو ربما استحالة- أن نحبّ دون قيدٍ أو شرط.
في كتابه فنُّ الحب 1956، يشرح العالم النفسي والفيلسوف، إيريك فروم، أشكال الحبِّ وأنماطه، ويقلِّبه من مختلف الأوجه. صاغَ في كتابه مصطلح الحبّ غير المشروط، مقتصرًا به على الأم فحسب، إذ تحب الأم ابنها محبةً مطلقة من رابطة الرحم، تمنحه عاطفتها من جسدها بدايةً ثمَّ من قلبها، لا يفعل الوليد أي شيءٍ ليستحق محبةً كهذه، بل هو يحتاج إليه حاجته للغذاء كي يتعلَّم الأمان والقبول المطلق في العالم، كي يتعلَّم محبة العيش ويتمكَّن -في سيناريو مثالي- أن يمنحه لمن حوله في المقابل، عكس حبِّ الأب الذي -بناءً لنظرية فروم- هو حبٌّ مكتسب يُبنى تدريجيًّا.
ورغم ما توجَّه به من نقدٍ علمي لهذه النظرية إذ كثيرًا ما نسمع عن أمهاتٍ لا يحببن أطفالهن، فإنها ظل لها وزنها. انتشرتْ خطأً وشملَتِ الحبَّ كله، لكنَّ فروم تحدَّث بتفصيلٍ عن الحبِّ الرومانسي قائلًا إن هناك شرطًا واحدًا أساسيًّا للوصول إلى الحبُّ التغلُّب على النرجسية. يختبرُ المرء العالم بنظرةٍ يُسقط من خلالها تجاربه ومعاركه وآراءه على كل ما حوله، بينما الواقع أن لكلِ شيءٍ وشخصٍ طبيعته الخاصة المنفصلة عن ذواتنا، ويُضيف أن الموضوعية هي المعاكس للنرجسية، إنها المقدرة على رؤية الأشخاص كما هم، بموضوعيةٍ وحيادية، والمقدرة على فصل صورته الموضوعية عن الصورة التي تتكون من خلال رغبات المرء ومخاوفه.
يرى فروم أن الحبَّ قرار، إنه حكمٌ واعٍ وفاصل يحكم به المرء لنفسه، إنه وعد. إن كان الحبُّ مجرد شعور، فلا أساس للوعد بأن نُحبَّ بعضنا للأبد، تأتي المشاعر وتذهب، أحوالها متقلَّبة وتتأثر بكل شيءٍ حولنا، كيف أثقُ بأن محبتي راسخةٌ ووطيدة؟ يُجيب فروم أن الأفعال تنطوي على قراراتٍ تصبُّ في مصلحة محبتي، وهو ما يخالف نزعة الحب غير المشروط. الحب ليس شيئًا ينمو بشكلٍ طبيعي ومنفصل، بل يتطلب الانضباط والتركيز والصبر والإيمان والتغلُّب على نرجسيتنا. إنه ليس شعورًا، بل تدريبٌ ومهارة2.
تنحاز الرومانسية، كما المتوقع، إلى المشاعر البحتة، وتؤكد على أن اختيار شريك الحياة يعتمدُ على مشاعرنا المتوقِّدة فحسب تجاه شخصٍ ما، دون الأخذ بعين الاعتبار أي أسبابٍ عملية أخرى، لذا فإن الزواج العملي المتعقل هو ضربٌ من ضروب الجنون عند الرومانسيين، بل يجب أن تكون هناك قصةٌ ملحميةٌ وراء تضافر حياتين معًا. من وجهة نظرٍ رومانسية، ليس الزواج العملي العقلاني منطقيًّا على الإطلاق، واستُبدل بزواج العاطفة. كل ما يهم في هذا الارتباط هو أن شخصين يرغبان بشدةٍ في إتمامه، ينجذبان إلى بعضهما بقوةٍ ساحقة، ويعرفان من أعماق قلبيهما أنهما سينجحان.
يُشير الفيلسوف آلان دي بوتون إلى أن النزعة الرومانسية تُملي علينا بأن الحب الحقيقي يتضمن شخصًا جميلًا في كل جوانبه، نراه تمثالًا منحوتًا من الكمال، إنها محبةٌ ترادفُ تقبَّل كل تفصيلٍ في شريك حياتنا بصدرٍ رحب. ومن هذا المنطلق تأتي فكرة أننا -أو شريكنا- إن كنا بحاجةٍ إلى تقويم أو تغيير عيبٍ ما فينا يضايق شريكنا أو العكس، فإنه يعدُّ بمثابة خللٍ جم في العلاقة نفسها، وقد تقع جملة إنكَ بحاجة إلى تغيير علةٍ ما موقع تهديدٍ للآخر3.
أمّا الخطأ الضمني الآخر لمقولة الحبّ غير المشروط، فهي أنّها تتطلّب أن يقدر طرف واحد على تلبية كلّ احتياجاتنا مجتمعة، فإنّنا حين نصبّ كامل حماسنا ومتطلباتنا على شخصٍ واحد، وننتظر منه، بل ونتوقع منه، تلبية كل احتياجاتنا، شخص نجدُ فيه كل شيء، القبول والانتماء والأمومة ومعنى الحياة والتفاني، فإننا نتوقع أمرًا قد يعجزُ عن تقديمه شخصٌ واحد. إذا عمَّقنا النظر فيما نرغب، فإننا قد نرى أنفسنا نصرخَ باستماتة ويأس صرخات الطفل النرجسي بداخلنا، ذاك الذي يتمددُ في مكانٍ عام مطالبًا بتحقيق رغباته وإلا فقد يحدثُ ما لا تُحمد عُقباه، إننا نقول ضمنيًّا أحبني كما أنا، لبِّ رغباتي، كن معي، بغض النظر عن سلوكي معك وعن أنني لا أعاملك بالمثل.
عبر التشبث بشعور الاستحقاق، فإننا ندخل منطقة اللوم أو الغضب حين تتعارض احتياجات شريكنا مع احتياجاتنا، لا يزدهر الحب الناضج العاقل إلا في ظل ظروف معينة، مثل نبتةٍ لا يُمكن أن تنجو إلا بتوافر شمسٍ ومياه وسماد، فإنها لَسذاجةٌ أن نظن أن تزدهر محبتنا وعلاقة حُبّنا في ظل ظروف مفسدةٍ لها1.
يحتاج الطفل من لحظة ولادته إلى حبٍّ غير مثقلٍ بأي واجباتٍ أو عقبات، يحتاجُ بينما يساير طريقه في الحياة إلى صبرٍ لا ينضب وتوجيهٍ مكثف وقبولٍ عميق ومحبةٍ حاضرة كي ينشأ في مناخٍ يتعلقُ فيه تعلقًا صحيًّا وآمنًا بوالديه ومن حوله، فتكون هذه خطوته الأولى لينضج عاطفيًّا. لكننا لا نظلُّ في عُش آبائنا للأبد، بل نحتاج كذلك إلى علاقاتٍ آمنة معًا، فيها نفتحُ قلوبنا دون توجسٍ من أي خِذلان أو انكسارات، نريدُ ثقةً وإخلاصًا نجدهُ في شريك حياتنا أو أصدقائنا المقربين، أعناقًا نرتمي إليها وقت الحاجة1.
ترتبط فكرة الحب غير المشروط بتلاشي الحدود بين الشريكين، شخصٌ يمنح وشخصٌ يتلقى، لكننا على مدار حياتنا خضنا تجارب كثيرة في العمل أو الحياة الاجتماعية في توضيح حدودنا الشخصية، لذا فإن الحب غير المشروط يُشير ضمنيًّا إلى أن أحد الشريكين سيكون أنانيًّا إلى حدّ أنه الوحيد مَن ستُلبى احتياجاته ويكون له تجاوز كل الحدود الممكنة ليحظى بما يُريد منا، ونحنُ -في حالة الحبِّ غير المشروط- سيكون علينا منحه بجزالةٍ.
المحبة لا تعني دومًا تلبية رغبات الشخص الآخر، وتقبله بلا لحظةِ كللٍ أو ملل مع تجاهل رغباتنا واحتياجاتنا الخاصة، إنها نظرةٌ غير ناضجةٍ للحب، تأخذ شكل العبودية وتُثقل كاهلنا بضرورة تلبية كل احتياج، وتخفيف كل حزن، والامتثال لكل طلب؛ فيُفضي بنا هذا النمطُ المتكرر غالبًا إلى إلغاء وجودنا وتكوين علاقةٍ غير متكافئة، وحين ينهار كل شيء، قد نلوم أنفسنا لعجزنا عن الالتزام بالإطار والمكانة التي وضعنا فيها الشريك أو الصديق رغمًا عنا. الاتزان في العلاقة الصحية -والتحدي كذلك- هو الاستجابة لشريكنا مع أخذ احتياجاتنا وقتها في الحسبان، هذا يعني احترام ذواتنا بما يكفي لوضع حدودٍ خاصةٍ بنا مهما بلغتْ حميمية العلاقة، أن نجد المِساحة للرفض أو القبول أو التفكير فيما يُطلب منا، سواءٌ أكان مطلبًا معنويًّا أم ماديًّا.
تعني المحبّة الآمنة أن نولي اهتمامًا بالمسافة التي تفصل بيننا وبين مَن نحب، أن نحترم مشاعر ورغبات بعضنا وننتبه إليها ونتناغم معها، إنها تعني التروي والوسطية في العطاء والتلقي. يتطلَّبُ الحب منا أن نأخذ احتياجات أحبائنا على محمل الجد، وأن نسعدهم قدر استطاعتنا دون أن نُلحق الأذى بأنفسنا، هذا لا يعني إلزامية الموافقة على كل شيء بدافع الحب، بل يعني أنه حتى رفض أمرٍ ما يأتي بمراعاةٍ ورقةٍ واحترام، وليس بقسوةٍ تهزُّ ثقة مَن نحبّ بنا، أو حتى الوصول لمعادلةٍ متوزانة تُلبي كلتا احتياجاتنا في آنٍ واحد1.
يُملي علينا الحب غير المشروط أنه إذا تجاهَلَنا شريكُ حياتنا أو أهاننا أو طلبَ أمرًا غير معقول، فإن حُبّنا تجاهه لن يتأثر بمثل تلك التصرفات، لكنَّ الطبيعي هو أن نأخذ خطوةً للوراء عَقِب تصرفات كهذه، لنحمي أنفسنا من أذًى أجلَّ وأعظم. تتأثر محبتنا بمرور الزمن بتصرفات الشريك، قد تزداد محبتنا عمقًا وتأصلًا فينا مع شعورٍ بالأمان في حضوره، لكن توقُّع ثبوت المحبة دون الأخذ في الاعتبار أي عوامل أخرى هو توقعٌ غير واقعي يُثقل كاهلنا على طول العلاقة، يحوِّلها إلى ساحة حربٍ نفسية.
تنبع جاذبية الحب غير المشروط من أنه فعلًا ما نرغبُ فيه رغم عدم واقعيته، لأننا سنعجزُ عن منحه، النزعة التي مفادها غضّ الطرف عمَّا يفعله شريك حياتنا أو عمَّا لا يفعله ومحبته على أي حال هي مناخٌ مناسبٌ لتدمير المحبة من أساسها.
قد ينتابك شعورٌ بأن الحبَّ المشروط هو أنانيةٌ محضة، لعجزكَ عن تقديم عكسه، أو قد تشعر أنك لا تمتلك رحابة الصدر التي قد تقويك على تحمُّل كل شيء، لكن على العكس، إن الثقة التي تُشكِّلها على مدار حياتك في قدرتك على منح محبةٍ عميقةٍ وصادقة ومستمرة لشخصٍ آخر، لكن مع بعض الشروط التي ستُبنى عليها العلاقة مع الوقت من خلال مناقشاتٍ مشتركة ومفتوحة، هي الأساس السليم للعلاقات الناضجة، لأن انعدام وجودها يعني أن أساس محبتكَ للشخص قد يستمر فترةً من الزمن لكنه سيتآكل ويتقلص خلالها4.
____________________________________________
المراجع | https://www.aljazeera.net/sukoon/2022/2/22/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a8%d9%91-%d8%ba%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b7-%d9%87%d9%84-%d9%87%d9%88-%d9%85%d9%85%d9%83%d9%86-%d8%a8%d8%ad%d8%b3%d8%a8-%d8%b9%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%a1 | 2022-02-22T11:18:59 | 2024-06-06T11:49:24 | أبعاد |
|
141 | مسكين على نياته.. إليك هذه الخطوات العلمية لقول لا والتغلب على الطيبة الزائدة | أن تكون طيّبا، ليس أمرًا إيجابيا على الدوام، خاصةً إذا ما حرمك ذلك القدرة على الدفاع عن رغباتك ونفسك والمطالبة بحقوقك. في هذا التقرير، نوضح لك خطوة بخطوة، كيفية علاج “الطيبة الزائدة” وتعلم الرفض. | أحيانا.. الّلطف مع النّاس جريمة ضدّ النفس
حسين البرغوثيّ، الضوء الأزرق
إليكَ هذا التقييم السريع لشخصيتك، حاول أن تُجيب عن الأسئلة السبعة التالية بدقّة
إذا كُنتَ قد أجبتَ على معظم الأسئلة السابقة بالإيجاب نعم، فأنتَ تعاني غالبا مما يُسمى بـتوافقية مُفرِطة1، ولطف زائد، وهي الصفة التي قد تكون السبب وراء الكثير من معاناتك اليومية. يحدث ذلك حين تقرّر الالتزام بمواعيد فوق طاقتك، أو حين تضطر للذهاب إلى متجر أو مكان لا تحبّه، فإن هذه السلوكيات هي ذاتها التي قد تتسبّب لكَ أيضا بالفشل في عملكَ ووظيفتك، لأنّك تخشى أن تقول لا للمهام التي ليست من مسؤولياتك، ولأنّك تخشى أن تنسب الإنجاز إلى نفسك.
إنّ المصطلح العلميّ الذي يُقابل صفة اللطف الزائد والتأدّب المُفرِط مع الآخرين يُسمّى التوافقية، وهي إحدى السّمات الخمس لتحليل الشخصية. هنا لا بد من الإشارة إلى أن التوافقية تعدّ صفة إيجابية في حال لَم تكن مُفرطة، إذ تعكسُ لطفا وعطفا واهتماما بمشاعر الآخرين. وبشكلٍ عام، فإنّ التوافقية تُشير إلى شخصٍ مؤدّب، لا يُحبّ أن يصدر منه ما يقلّل من شأن الآخرين، كما تعبّر عن شخص شديد التعاطف، لا يحبّ إيذاء مشاعر الآخرين ولا يحبّ أن يرفض طلباتهم أو أن يعارض رغباتهم.
لكن المشكلة تكمن في أن تكون شخصا توافقيا بشكل مفرط، لأنّ هذا سيحرمك، بلا شك، القدرة على الدفاع عن رغباتك وعن نفسك وأن تطالب بحقوقك.
بحسب علم نفس الشخصية، فإنّ إحدى أهمّ السمات التي تُشكّل شخصية الإنسان هي سمة التوافقية Agreeableness، إذ تعبّر هذه السمة عن مدى سهولة الشخص في قَبول طلبات الآخرين ومدى تجنّبه للخلافات والصراعات والمشكلات. وتُعبِّر التوافقية أيضا عن مدى تقديم الشخص التوافقيّ لأولويات الآخرين على حساب أولوياته الشخصية، ومدى تعاطفه واهتمامه بما يشعر به الآخرون حياله.2
والنقيض المقابل لسمة التوافقية مَن يُسجّل نسبة متدنّية في سمة التوافقية على مقياس السمات الخمس للشخصية هي العدائية Disagreeable، فالشخص العدائي يتورّط في الكثير من الخلافات، وينهج سلوكا عدائيّا ومؤذيا، وتشير الدراسات إلى أنّ جزءا كبيرا من الموجودين في السجون لأسباب جنائية هم في الغالب أشخاص عدائيون وغير توافقيين.2
بحسب دراسات علم نفس الشخصية ونجاح العلاقات الزوجية والعاطفية، تُعدّ التوافقية إحدى أهمّ السمّات الجيّدة جدّا للعلاقات العاطفية، والتي تُعتبر من عوامل السعادة والرضى، حيث إنّ الأفراد الذين يعيشون مع أزواجٍ ذوي سمات توافقية، يُعبّرون عن سعادة ورضى أكبر حيال حياتهم الزوجية والعاطفية. والعكس تماما، إذ تُعدّ سمة العدائية لدى أحد الأزواج مُؤشّرا خَطِرا على اقتراب نهاية أو فشل العلاقة وعدم استمراريتها، لأنّ الشخص العدائي لا يأخذ بعين الاعتبار رغبات شريكه، كما أنّه يميل للإهانة والإيذاء والجرح والتعنيف.
ترتبط التوافقية من جهةٍ أخرى وبشكلٍ عكسيّ مع العائد المادي الذي يجنيه الفرد في العمل أو الوظيفة، وكذلك من حيث الترقية والمناصب، لأنّ الشخص التوافقي يرفض أن يُمدَح على منجزاته ويرفض أن ينسب الفضل إلى نفسه، ما يجعل نظام التقييم يُغفل دوره وأهمّيته، كما أنّ الشخص التوافقي يتجنّب أن يُفاوض من أجل زيادة مادية أو مكافأة مالية أو ترقية ما.3
يحدث الاستغلال للشخص التوافقي حين يتعرّض لطلب من أحدهم دون أن يجد خطوط دفاع لمقاومة طلباتهم، فحين نعزف عن التفاهم للوصول إلى حلّ وسط، فنحنُ أمام خيارَين إمّا الخضوع لطلبات الآخرين ومن ثم كتمان ما نرغب به، وإمّا أن نكون عدائيين بالدفاع عن رغباتنا ومن ثم إقصاء ما يرغب به الآخرون، كما يُبيّنه الشكل الآتي
ولكي نتجاوز آفات التوافقية المُفرِطة وأعباءها السلبية، فهذا لا يعني أن نكون عدائيين مع الآخرين. فإذا كُنتَ شخصا توافقيا وتبحث عن الحلّ لتوافقيتك الزائدة، فإنّ الكلمة التي تبحث عنها هنا هي الحزم assertiveness، والحزم هو القدرة والمهارة على التفاوض وإبداء رأيكَ الحقيقيّ بطريقة لا تؤذي الآخرين ولا تجعلك تخضع لفعل ما لا تودّ فعله. يتمثّل الحزم بالقدرة على التعبير عمّا يجول في ذهنك بطريقة عقلانية ودبلوماسية وغير محرجة ولا مؤذية للشخص الآخر.
لاحظ أنّ التواصل الحازم يقع في منطقة بين التواصل العدائي والتواصل الخاضع للآخرين، فهو حل يُرضي جميع الأطراف في معظم الأحيان، ولا يجرحهم ولا يؤذيهم، لكنّه يُبيّن ما له من صواب وما عليه من خطأ، ويُبيّن المسؤوليات والواجبات، وحدود كلّ طرف من أطراف النقاش.
بشكلٍ عام، تكمن الخطوات العلاجية لتقويم السلوك التوافقي المُفرِط عن طريق تمارين سلوكية ولُغوية وتواصلية، ويُمكِن إجمال هذه الخطوات في خمس نقاط رئيسية
أولا افهم سماتك التوافقية
كأيّ مشكلة أخرى، يبدأ الحلّ دائما من تحديد أسباب المشكلة والتعمق في فَهمها، فتحديد المشكلة هو نصف الحلّ. لكنّ هذه المهمة ستكون حرجة بعض الشيء، فالمُتّهم هُنا هو أنت، شخصيتك. يحتاج الحلّ بعض الجُرأة بالاعتراف بأنّ كثيرا ممّا يحدث لنا من مشكلات قد نكونُ نحن أنفسنا سببا رئيسيا في إحداثها، فصفات الطيبة واللطف تُعتبرُ بالنسبة إلى أصحابها فضائل حَسَنة، لكنّ المشكلة تكمن حين نستخدم هذه الفضائل وسيلةَ تبريرٍ ذاتي لأنفسنا حين نعجز عن أَخْذ حقوقنا أو المُطالبة بها، فنستعيض عن استردادها بإقناع أنفسنا بأنّنا تنازلنا عنها بمحض إرادتنا لأنّنا أناسٌ طيّبون.
تبدأ الخطوة العلاجية في تنبّهكَ ابتداء لخطواتك أنت، لطريقة إجابتك وطريقة تعاطيك مع الآخرين، حين تستطيع أن ترصد هذا الجانب من شخصيتك، وحين تلحظ كيف تورّط نفسك بنفسك عن طريق عدم الإفصاح عن رغباتك الحقيقية. فهذا الجانب الجيّد من شخصيتك اللطف جيّد في نطاقات معيشية محدّدة، لكنّه يعود هو بنفسه عليك بالأعباء والأضرار حين تطبّقه في نطاقاتٍ أخرى، مثل الوظيفة أو أمام الغرباء أو الأصدقاء غير المُقرّبين، فتعجز عن رفض طلباتهم أو عن مواجهتهم حين يُقدمون على تصرّفاتٍ تؤذيك أنتَ شخصيا.
ثانيا تمرّن على التفاوض في منزلك
المشكلة الرئيسية لديكَ، بوصفك شخصا توافقيا، هو أنّك تخشى التورّط في الخلافات والنقاشات التي قد تتحوّل إلى نزاعات، لأنّك تعتقد أنّ تحوّل النقاش إلى مشكلة سيُظهرُكَ بمظهر مُحرِج أو قبيح. لذلك يجب أن تتعلّم مهارات التفاوض، وتحديدا أن تتعلّم الاستمرار بالنقاش لإيصال ما تُريد دون أن تنفعل أو تسارع إلى إنهاء النقاش والتخلّي عمّا تريد قوله. ولكي يحدث هذا، هناك ثلاث مهارات مفتاحية يمكنكَ أن تُدرِّب نفسكَ عليها في منزلك من أجل تطوير قدراتك النقاشية
حدّد طلبك بدقة
يجب أن تعرف تماما ما تريد. حينما تكون واثقا من قناعتك أو رغبتك أو حاجتك ستقف مدافعا عنها، ولن تجد مهربا أو مخرجا تُبرّر به لنفسك التخلّي عن النقاش حولها. من هنا تعلّم أن تقول ما تريد النقاش حوله بثلاث أو خمس كلمات واضحة ومُحدّدة أريد تبديل هذه القطعة من فضلك دون أن تقول كلاما فضفاضا وعاما وعشوائيا وزائدا عن الحاجة، فإنّ من شأن التردّد وعدم الوضوح أن يُقلّل من فُرَص استجابة الآخرين لطلباتك أو رغباتك، كما أنّه يجعلكَ عرضة للاتّهام والاستغلال بحجّة أنّك لا تعرف ما تريد أساسا.
اخلق موقفا افتراضيا وتمرّن مع شقيقك
تتمّ هذه الخطوة عن طريق طلبك من صديقك المُقرّب أو شقيقك بأن يناقشك نقاشا افتراضيّا حول مسألة ما تخصّ العمل. في هذه الحالة عليك أن تتحدّى نفسك، اطلب من صديقك أو شقيقك الذي تتدرّب معه أن يضع لكَ حججا مضادة، لكي تتعلّم سرعة البديهة في استحضار الردود الفورية حين تُقابَل نقاطك بالنقد والرفض. إذ لا يكفي أن تتدرّب على التفاوض في ذهنك، وإنّما يجب أن تتعلّمه بمواجهة شخصٍ آخر غير ذاتك مثل أن تقول لشقيقك أريد أن أطلب منك إعادةَ قَلَمٍ أخذته منّي لتوّك، وأن تقاوم الحجج التي أضعها لك بطريقةٍ فظّة، حتّى أتعلّم النقاش لفترة طويلة.
تجهّز بحجج مُتعدّدة واحتمالاتٍ مختلفة ماذا أفعل حين تفشل حجّتي الأولى؟
تعتمد هذه الخطوة على أن تتعلّم تجاوز التفكير ذي الخطوة الواحدة، إذ غالبا ما تفشل الحجّة الأولى للشخص التوافقيّ، إنّه يُفكِّر بخطوة واحدة فقط، مثل يجب أن أطلب منه إغلاق النافذة لأنّني أشعر بالبرد. وحين يفعل ذلك ويفشل في تحقيق طلبه، فإنّه لا يجد أمامه خيارات أخرى للمواجهة لأنّه شخص توافقي ويخشى كثرة الإلحاح ويخشى التورّط في خلاف. لذلك يجب أن يكون لدى المرء أكثر من مُبرِّر وطريقة لإنفاذ طلبه مثل سأطلب منه إغلاق النافذة، أو سأطلب من مسؤول المكتب أن يُغلق النافذة بدلا من أن أطلب من الشخص الذي يجلس بجانبها.
ثالثا تعلّم أن تقول لا حين تشعر بأنّه يتوجّب عليكَ ذلك يتحمّل التوافقيون فوق طاقاتهم لأنّهم يخشون أن يُجيبوا بـلا كي لا يجرحوا مشاعر الآخرين ولا يتورّطوا معهم في خلاف أو جدال أمام باقي النّاس من حولهم.4 يجب أن يفهم التوافقيون أنّهم لا يستطيعون إرضاء جميع النّاس طوال الوقت، وأنّهم ليكونوا محبوبين فهذا لا يعني أن يدمّروا صحّتهم الذاتية ومصالحهم الشخصية للحصول على إعجاب الآخرين. فالمهم هُنا هو الموازنة بين الطلبات المرجوّة منهم وبين إمكاناتهم الحالية من وقت ومهارة وأموال وجاهزية نفسية وجسدية ونحو ذلك.
رابعا تعلّم أساليب التواصل الحازم Assertive Communication
قد تبدو فكرة بسيطة، لكنّها فعّالة، صدّق أو لا تصدّق أن جزءا كبيرا من مشكلات التوافقيين قد تكون لغوية أو تواصلية. وبشكلٍ أدقّ، قد يتجاوز التوافقيون مشكلات طيبتهم من خلال استبدال إجاباتهم اليومية بإجاباتٍ أخرى.5 فهي عبارة عن تدريبات تواصلية ولغوية تُعلِّمك كيفية استبدال الإجابات التي تعرّضك للإخضاع بإجابات حازمة، على طريقة قُل ولا تَقُل. وستجد في نهاية هذا المقال في فقرة أدوات ستساعدك جدوَلين اثنين يوضّحان لكَ بعض هذه التمارين.
خامسا ارسم حدودا صحّية
في كتابه المياه كلّها بلون الغرق، يقول إميل سيوران لا أحد يستطيع أن يحمي عزلته إذا لم يعرف كيف يكون بغيضا مع النّاس6. قد تكون هذه عبارة قاسية بعض الشيء، لكنّها بداية لقاعدة مهمة حول وضع الحدود الصحّية. والحدود الصحّية هي تلك التي تحافظ فيها على مسافة بينك وبين الآخرين بطريقة تضمن لكَ الأمان في أن تقول ما ترغب به حقّا دون التعرض لعواقب وخيمة. وتكمن المشكلة حين تُخلَط علاقات المهنة أو الوظيفة بعلاقات العائلة، وعلاقات العائلة بعلاقات الوظيفة، وكذلك حين نجعل من الرئيس في العمل أبا. نعم، قد يكون هذا مفيدا بعض الوقت، لكنّه سيعود باختراق خصوصيتك واستباحة أوقاتك ورغباتك في أوقاتٍ كثيرة، لذلك فإنّ رسم الحدود دائما ما يحافظ على العلاقات أكثر ممّا يُفسدها على عكس ممّا هو متوقّع.
جدول 1 تمرّن على أساليب الردود الحازمة
جدول يُبيِّن لكَ كيفية الردّ على الأسئلة التي تحاول أن تستغلّ تأدّبك وطيبتك
تمرّن على الجدول جيدا، وأوكل إلى نفسكَ في كلّ أسبوع إحدى النقاط مثل التطفّل، وحاول أن تلحظ كلّ سؤال يحاول استغلالك، وأن تستخدم الإجابة المُثلى كما هو مقترح بحسب الأخصّائي النفسيّ6، ومن ثمّ راقب مدى تحسّنك في التواصل، ومدى تخلّصك من أعباء الأسئلة التي تحاول إحراجك أو استغلالك.
جدول 2 تمرّن على أساليب التواصل الحازم
كما سبق الذكر، يعتمد استغلال الآخرين لطيبتك على طريقة التواصل التي تقوم بها بالأساس، إذ يحدث عن طريق إجاباتنا الفضفاضة أن نخلق نوافذ مفتوحة للآخرين كي يقتحمونا، لأنّ الآخرين في نهاية المطاف يتفاعلون مع الإجابات التي تُقدّمها لهم. فيما يلي جدول يُوضِّح لكَ أهمّ الأخطاء التواصلية اللطيفة، والتي عبر تغييرها إلى الأساليب التواصلية الحازمة، سترسم حدودا صحّية مع الآخرين بطريقة تحقّق لكَ ما تُريد وتُحقّق للآخرين ما يُريدون بشكل مُرضٍ للطرفين. احفظ الجدول أدناه7، وحاول أن تتمرّن في كل أسبوع على استبدال خانة من خانات أساليب التواصل الخطأ بأساليب التواصل الحازمة، وهكذا حتّى تُنجِز بقيّة الجدول.
كتاب قوّة الرفض الإيجابيّ وليام أورى
يحدث كثيرا أن تكون إجابتنا لا على كثيرٍ من المهام التي تُطلَب منّا، لكننا نخشى أن نُجيب بـ لا خوفا على مشاعر الآخرين، أو خوفا من سُلطتهم وبطشهم، أو خوفا من خسارة رضاهم عنّا أو فقدان المكاسب التي تمنحها إيّانا علاقتنا الطيّبة معهم. لكن كيف بإمكانك أن تقول لا بطريقة حيوية وإيجابية، دون أن يشعر الآخر بالهجوم أو الرفض، ودون أن يتحوّل الموقف أو الطلب إلى نقطة للصراع والخلاف؟ يُقدِّم عالم الإنسانيات والباحث في حقل التفاوض والتفاهم كتابه قوّة الرفض الإيجابي، حيث يشرح بالتفصيل كيف تؤدي الإجابة بالرفض لا إلى أن تكون طريقة لتطوير علاقاتنا بالآخرين، وطريقة للحفاظ على صحّتنا الذاتية وإرادتنا الشخصية.
1 Psychology Applied to Modern Life Adjustment in the 21st Century. Wayne Weiten, Dana S. Dunn, Elizabeth Yost Hammer.
2 Personality psychology domains of knowledge about human nature. Randy J. Larsen.
3 Do Nice Guysand GalsReally Finish Last The Joint Effects of Sex and Agreeableness on Income. Judge, T. A., Livingston, B. A., Hurst, C.
4 قوّة الرفض الإيجابي. وليام أوري. مكتبة جرير 2009
5 Develop Your Assertiveness. Sue Bishop.
6 المياه كلها بلون الغرق، إميل سيوران. منشورات الجمل 2013
7 Asserting yourself A practical guide for positive change. Bower, S. A., Bower, G. H | https://www.aljazeera.net/sukoon/2021/7/18/%d8%aa%d8%aa%d8%ad%d9%85%d9%84-%d9%81%d9%88%d9%82-%d8%b7%d8%a7%d9%82%d8%aa%d9%83-%d9%88%d8%aa%d8%b4%d8%b9%d8%b1-%d8%a3%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a2%d8%ae%d8%b1%d9%8a%d9%86 | 2021-07-18T09:00:54 | 2024-06-06T11:43:21 | أبعاد |
|
142 | ما الذي يُخبرنا به علم النفس عن الانتحار الجماعي؟ | أن تتفق مجموعة من الأفراد على إنهاء حياتهم في آن واحد! يبدو أمرا عصيا على التصديق، لكن تلك الحوادث قد سجلها التاريخ بالفعل، نتعرف على أشهرها في هذا التقرير. | نحن سعداء وجاهزون لمغادرة كوكب الأرض، إذا لم نَحْيَ بسلام، فلنمت بسلام. عبارات قد تبدو سينمائية ودرامية بعض الشيء، غير أنها بالفعل رسائل حقيقية لمجموعات مختلفة أقدمت على إنهاء حياتها بشكل جماعي، نعم، جماعي بالرغم من مأساوية الأمر، فإن اختيار الفرد إنهاء حياته هو أمر عرفته البشرية منذ الأزل، لكن أن تتفق مجموعة من الأفراد على إنهاء حياتهم معا في آن واحد قد يبدو أمر كهذا عصيا على التصديق. في هذا التقرير، نتعرف إلى أشهر حوادث الانتحار الجماعي التي سجلها التاريخ، وإلى الأسباب التي قد تدفع جماعة بعينها إلى ارتكاب فعل كهذا من منظور نفسي.
المكان جونز تاون، جمهورية غيانا. الزمان صباح الـ18 من نوفمبر عام 1978. أما الحدث فكان استيقاظ العالم على ما يُعرف اليوم بأكبر حادثة انتحار جماعي في التاريخ الحديث، والتي أقدم عليها 912 شخصا، من ضمنهم 276 طفلا. ولِنَعرف لماذا، لا بد لنا من أن نعود بالزمن إلى الوراء قليلا.
في عام ١٩٣٠، وسط الكساد الاقتصادي الكبير الذي شهدته الولايات المتحدة الأميركية، وتحديدا في إنديانا، وُلد جيمس وارن جونز لأب أثخنته جراح الحرب العالمية ولم يعد قادرا على رعاية العائلة، وأم اضطرت لمغادرة المنزل والعمل ساعات طويلة. وبالرغم من الغياب الجسدي والمعنوي لوالديه خلال طفولته، تذكر مصادر عديدة أن العلاقة بين الأم وابنها تمحورت بشكل أساسي حول الحديث مع طفلها حول مواضيع كبيرة -أكبر من سنّه الصغيرة- كالمغزى من الحياة، وإعادة الخلق، والموت. وهذا الأخير تحديدا لم يكن موضوعا غير اعتيادي أو مثير للقلق لدى جونز الطفل، إذ مسقط رأسه هي ولاية تشتهر بصناعتها وتصديرها للتوابيت. ويذكر من يعرفه أنه كان يُبدي اهتماما شديدا بالموت وكل ما يتعلق به، كما قام خلال طفولته بقتل بضعة حيوانات أليفة وأدّى طقوسا جنائزية لدفنها.
بالعودة إلى علاقته مع والدته، يتضح أنها بالإضافة لحديثها الجاد معه، فإنها ألبسته منذ طفولته عباءة البطل والمنقذ لأسرته ولمجتمعه، إذ إنه من سيُعيل الأسرة بعد والده الذي لم يعد يستطيع الإعالة أو الاعتناء بأسرته، كما أنمت بداخله قيم السعي لتحقيق العدالة والمساواة بمستوى لا يتلاءم وعمره الصغير حينذاك. يُمكن القول إذن إن والدته لعبت دورا محوريا في بناء الشخص الذي أصبح عليه لاحقا، إذ نجده في سنواته اللاحقة طالبا استثنائيا يتجول مرتديا ملابس على الطراز الشرقي مثل غاندي، ويُلقي الخطابات والمواعظ التبشيرية على من حوله بمهارة عالية. لقد كانت جاذبيته إحدى السمات التي ميزته طوال حياته، ومكنته من الوصول إلى أهدافه اللاحقة.
بعد الاهتمام المتزايد الذي تلقاه معبد الناس في المنطقة، اتخذ جونز قرارا بمغادرة الولايات المتحدة الأميركية إلى جمهورية غيانا في أميركا الجنوبية، معللا ذلك برغبته في حماية أتباعه من الخطر المُحيط بهم، إلا أنه لاحقا، وبعد تداول أخبار حول انتهاكات لحقوق الإنسان في تلك المدينة، توجه عضو الكونغرس الأميركي ليو رايان في زيارة إلى هناك لتفقد الوضع، غير أن حرّاس جيم جونز قاموا بقتله وصحافيين مرافقين له. هذه الأحداث كانت بمثابة فتيل أشعل الحادثة، إذ أمر جونز أتباعه بالانتحار بعد أن أوهمهم أنه لا مفر من مواجهة الخطر القادم إذا لم نَحْيَ بسلام، فلنمت بسلام، ليقوموا جميعا بتناول سم السيانيد، بدءا بالأطفال، ثم البالغين، وانتهاء بانتحار جيم جونز بعيار ناري وجّهه إلى رأسه.
ربما لم يخطر ببال أحد ممن قرأ ما كتبته طائفة بوابة السماء على موقعها الإلكتروني أنه يقرأ رسالة انتحار جماعي، ولكن هذا هو تحديدا ما تجده في الصفحة الرئيسية لموقعها الذي ما زال قائما حتى اللحظة، والتي تقول نحن سعداء وجاهزون لمغادرة كوكب الأرض.
تأسست طائفة بوابة السماء في أوائل السبعينيات على يد مارشال هيرف أبل وايت وزوجته بوني نيتلز باعتقاد منهما أنهما مختاران ومذكوران في الكتاب المقدس، وأنهما في مهمة لإنقاذ البشر من كوكب الأرض، وعلى من يريد النجاة بنفسه أن ينضم لبوابة السماء كي يتم إنقاذه وإرساله إلى مرحلة أعلى من الوجود خارج الأرض، بل كانوا يعرضون مقاعد للبيع على متن السفينة الفضائية المزعومة التي ستأخذهم إلى خارج الأرض.
لكن خلال تلك الفترة، أُصيبت بوني بالسرطان وتوفيت على إثره، لكن ذلك لم يثبط من عزيمة زوجها على إتمام ما بدأه، حيث أخبر أعضاء الطائفة أن مهمتها على كوكب الأرض انتهت، وأنها سبقتهم إلى الفضاء تمهيدا لاستقبالهم، وبذلك عليهم أيضا أن يُغادروا بأجسادهم لحاقا بها. في مارس من عام ١٩٩٧، تزامنا مع اقتراب مذنب هال-بوب مُذنب فضائي نُسب اكتشافه إلى عالمَي فضاء أميركيين، ويتميز بوضوحه وقدرة العين المجردة على تمييزه وملاحظته من الأرض، تلقت الشرطة اتصالا من عضو سابق في الطائفة، وهرعت على إثره إلى المنزل الذي تسكن فيه الطائفة، لتجد ٣٩ شخصا رحلوا بهدوء تام بعد أن ارتدوا ملابس وأحذية متطابقة، غطّوا رؤوسهم، ثم تناولوا السم واستلقوا في أسرتهم.
بالرغم من أن غالبية وقائع الانتحار الجماعي تتضمن طائفة أو مجموعة ما، فإنها لا تقتصر عليهم فقط، إذ قبل ما يقارب 5 أعوام أقدم 11 فردا من عائلة واحدة في الهند على إنهاء حياتهم بشكل بدا مفاجئا. تصاعدت شكوك في اللحظات الأولى حول شبهة جنائية للحادث، غير أن سجلات كاميرات المراقبة أظهرت قيام أفراد الأسرة أنفسهم بشراء الحبال والأسلاك التي استخدموها لشنق أنفسهم، كما أفادت مفكرات يومية إلى طقوس دينية سبقت انتحارهم؛ ما لم يدع مجالا للشك 11 فردا من أسرة واحدة، و3 أجيال مختلفة، مارسوا طقسا دينيا، وأقدموا على شنق أنفسهم في غرفة واحدة في مسكنهم.
حتى الآن، قد يبدو كل ما ذكرناه ضربا من الجنون، لا مبرر آخر لذلك، لكن هل الجنون حقا هو التفسير لكل هذه الحوادث، أم أن هناك أبعادا نفسية واجتماعية أخرى قد تدفع شخصا لتأسيس طائفة، وآخرين للانضمام إليها واتباعها بشكل أعمى إلى الحدّ الذي يُفضي بهم إلى إنهاء حياتهم؟
لا يعيش السمك على اليابسة
ولا الأزهار تعيش في الرمال
وهكذا نساء السولي
لا يعشن دون حرية
إذن، وداعا أيها الربيع
ووداعا يا وديان ويا جبال ويا تلال
وداعا أيها الربيع
ووداعا يا نساء السولي
رقصة زالونجو أغنية شعبية من اليونان
يرتبط الإقدام على الانتحار بشكل وثيق بالاضطرابات النفسية والعقلية المختلفة، فالاكتئاب والفصام واضطراب كرب ما بعد الصدمة وغيرها، من أكثر المؤشرات على ارتفاع احتمال أن يختار الفرد إنهاء حياته، وهذا يطرح سؤالا مهما هنا هل تنتحر الجماعات للأسباب نفسها؟ إذا ألقينا نظرة سريعة على التاريخ القديم، تخبرنا المصادر أن الانتحار الجماعي ليس أمرا استحدثه إنسان العصر الحديث، حيث كان من الشائع أن تُفضل الشعوب والقبائل التي تُهزم في الحروب إنهاء حياتها على الاستسلام. أحد الأمثلة على ذلك هو انتحار نساء السولييت السولي هي إحدى القرى الجبلية في اليونان بعد خسارة رجالهن المعارك ضد الأتراك، إذ أدت النساء طقوسا جنائزية على أحد الجبال، قبل أن يقفزن عنه واحدة تلو الأخرى حتى آخر امرأة. كما نجد أمثلة مشابهة حول العالم، مثل انتحار مقاتلي نومانشيا في إسبانيا بعد حصار أعدائهم لهم الذي استمر حتى 16 شهرا، وتفضيل النساء التيوتونيات في روما إنهاء حياتهن على تسليمهن لأعدائهن، وطقوس الانتحار الجماعي التي تُعرف بالجوهر وتعني الموت الاختياري، والتي كانت شائعة في الهند لدى طوائف الراجبوت تحديدا عند اقتراب سقوط المدن، وغيرها العديد من حوادث الانتحار الجماعي1.
خلال 25 عاما من البحوث والمقابلات التي أُجريت مع أعضاء سابقين في طائفة معبد الناس، وجدت الأبحاث تشابها في تقنيات وأساليب اتبعها جيم جونز مع أحداث وأساليب من رواية 1984 للكاتب جورج أورويل2، نستعرض بعضا منها هنا
من أجل التعرف إلى مخاوفهم واستغلالها ضدهم، أمر جونز أتباعه بتدوين جميع أخطائهم، ما يخافون منه وما لا يريدون من أحد معرفته، ثم أخذ يستخدمها ضدّهم في حالات العصيان وعدم اتباع الأوامر. لم تكن جميع تلك الاعترافات حقيقية، إذ إن بعضها كُتب من قِبَله وأجبرهم على التوقيع عليها لإظهار الولاء له.
كما تقول الشخصية الرئيسية في رواية أورويل الأفضل لك أن تقتل نفسك قبل أن يقبضوا عليك، يُذكر أن طقوسا تسمى بالليلة البيضاء كانت تُمارس في المعبد، حيث يوقظ الأفراد في منتصف الليل بالأبواق، وتعقد اجتماعات ليلية مفاجئة يتم إعلامهم خلالها بأن الخطر يحدق بهم من كل حدب وصوب، وأن عليهم توقع الموت خلال اللحظات القادمة. في ليالٍ أخرى، يتم إيقاظهم وإخبارهم أنه لا حل آخر سوى الانتحار، وتُقدم لهم كؤوس الشراب التي تحتوي على السم المزعوم، يشرب الجميع، لكن لا شيء يحدث. ربما لم يكن يتوقع أفراد الطائفة أنهم سوف يموتون في تلك الليلة تحديدا.
رغم تجويعهم وإهلاكهم بالعمل طوال اليوم، كان جونز يُرغم أتباعه على تقديم الشكر له يوميا مقابل الطعام والمسكن الذي يوفره لهم، كما أنه كان يحيك خيوط المؤامرة ويلبسها لأتباعه كلّ بحسب مقاسه، فإذا كان تابعه من أصحاب البشرة السوداء أخبره أن هناك من يلاحقه ليقبض عليه ويرسله إلى معسكرات الاعتقال، أما إذا كان من أصحاب البشرة البيضاء فإن وكالة الاستخبارات الأميركية كانت تلاحقه.
أجبر أتباعه على مراقبة بعضهم بعضا وموافاته بأي أمر يحدث في المعبد، كما قام بدسّ الجواسيس الذين يختبرون الأعضاء عن طريق ادعائهم بأنهم يريدون الهرب من الطائفة، وفي حال وافقهم الأعضاء أو حتى التزموا الصمت ولم يُبدوا أي ردة فعل فإن مصيرهم كان العقاب الشديد. كما أبقى مكبرات الصوت تعمل خلال الليل والنهار، تبث رسائله ومواعظه، ليُشعرهم أنه موجود طوال الوقت.
جدير بالذكر أن إحدى الناجيات من طائفة بوابة السماء تحدّثت أيضا عن أساليب مشابهة، إذ لم يكن مسموحا لهم بالخروج من مسكنهم، ولم يسمح لهم بفتح النوافذ على الإطلاق، وكانت أساليب السيطرة والتحكم تمتد حتى إلى متى وكيف يمكنهم النوم. يكمن السؤال هنا كيف يمكن تفسير هذه الأساليب في السياق النفسي؟
ساعدت هذه الأساليب جيم جونز على السيطرة على عقول أتباعه، فبعد انتقاله وأتباعه إلى بيئة جديدة بعيدا عن موطنهم وما يألفون، وهو ما ينطوي على حالة من اللايقين والتوتر المصاحب لعدم معرفة المستقبل والاحتمالات العديدة لما يمكن أن يحدث في مكان جديد، يُخبرنا علم النفس أن هذا نوع من أنواع اضطرابات التكيف Adjustment disorders، والتي يواجهها الفرد بالسعي المستمر نحو إيجاد ما يألفه ويعرفه. وهنالك أصبح المعبد بالضرورة ملجأهم الأول والأخير، الأمر الذي وضعهم في موقع أكثر ضعفا، ومكّنه من إحكام سيطرته عليهم بشكل أكبر. كما أنه لم يكتفِ بعزلهم عن العالم الخارجي، حيث إن أساليب التجسس التي استخدمها جعلتهم غير قادرين على الشعور بالثقة ببعضهم بعضا؛ ما أضعف أي احتمالات أو فرص لهم للانقلاب عليه أو مواجهته.
عند الحديث عن معبد الناس أو بوابة السماء أو غيرهما من الطوائف والجماعات التي يصاحب ذكرها شعورٌ بالغرابة تجاه معتقداتها ومبادئها، لا بد أن نتطرق إلى مفهوم الطائفة Cult، والذي يُجيب إلى حدّ ما عن أسئلتنا تجاهها كيف تنشأ؟ وما الذي يدفع الآخرين للانضمام إليها؟ وما الذي تقدمه لهم في المقام الأول؟ إجابة عن ذلك، يستخدم د. تود جراندي في تعريفه 7 سمات أساسية تتشكل بناء عليها الطائفة3
هيكل قائم على السلطة والتلاعب. استخدام واضح وصريح لتقنيات التحكم بالعقول.غالبا ما تستهدف الطبقة الوسطى من الأفراد. تتمحور أهدافها حول السياقات الجماعية المساواة المجتمعية وحقوق الأقليات في حالة جونز تاون. تستخدم أساليب عنيفة لإقناع الآخرين بالانضمام.تتبنى نظاما دكتاتوريا مع أعضائها. تقدم نظاما جديدا إلى حدّ ما من المبادئ والقيم لأفرادها.
تُخبرنا الدراسات أن انضمام الأفراد إلى الطوائف يُقدم لهم ما قد يكون مفقودا في حياتهم الشخصية، مثل الحاجة إلى الشعور بالانتماء التي قد تُحفزها الوحدة أو غياب المعنى من حياة الفرد، وهنا مثلا يُخبرنا عضو بوابة السماء السابق -والذي اتصل لإرشاد الشرطة إلى موقع الحادثة- أنه احتاج إلى بحثه عن إجابات وهدف لحياته، وهو ما وعدته عضوية الطائفة بتقديمه إليه3.
لاحظنا عند استعراض حوادث الانتحار الجماعي أن الجماعات تتشكل وتعمل بأمر من شخص ما، جيم جونز، مارشال أبلويات، وغيرهما من مؤسسي الطوائف وقادتها. ما الذي ميّز شخصياتهم عن غيرهم ودفع المئات إلى اتباعهم حتى الموت؟
كان سيغموند فرويد من أوائل من وصفوا الأهمية النفسية لوجود قائد مُبجل من قبل أتباعه، وذلك من خلال أبحاثه حول سيكولوجية الجماعات، إذ أشار إلى وجود رابط بين الكاريزما والحركات الجماعية Mass movements، وبناء عليه يقترح أن وجود رمز لقائد ما يعرفه ويتبعه مَن حوله يُعطي الجماعات إحساسا بوجود هدف مشترك يوحدهم. ويشير فرويد أيضا إلى أن تلك الرابطة بين القائد والجماعة تُمثل في جانبها النفسي التنويم المغناطيسي، بمعنى أن الجماعات تتعرض للتخدير أو التنويم الجماعي من قبل القائد، وبذلك يُصبح التحكم بها مُمكنا، إذ تتبع الجماعات الأوامر بشكل أعمى54. توضح الأبحاث اللاحقة أيضا أن أهم سلاح يتمتع به قائد الطائفة هو السحر أو الجاذبية التي يؤثر بها على أتباعه إلى حدّ اللامنطق. في حادثة معبد الناس مثلا، تخبرنا سيرة جيم جونز أنه كان يستخدم مواد مخدرة على أعضاء الطائفة دون أن يجرؤ أحدهم على رفضها6. كما تتحدث إحدى الناجيات عن ديناميكية تعامله مع أعضاء الطائفة التي اتسمت بالاستبدادية التامة، إذ يعدّ أي تساؤل حول أوامره خيانة، ومن يجرؤ على الاعتراض على أي أمر فهو خائن بطبيعة الحال. لكن هل يعني هذا أن كل مجموعة يقودها فرد ذو شخصية متميزة هي طائفة؟ بالطبع لا، نُخبرك تاليا كيف تُميّز بين الأمرين7
لا يمكن القول إن هناك إجماعا علميا على تشخيص واضح ومحدد لشخصية جيم جونز، بل نجد دراسات متفرقة حللت جوانب عديدة من حياته، ابتداء بطفولته ومرحلة شبابه، حتى مرحلة جونز تاون التي انتهت بانتحاره مع الطائفة بأكملها. في هذا السياق، يتحدث د. جراندي عن أن نقطة الانطلاق المثلى عند الحديث عن قادة الطوائف هي النرجسية، إذ يمكن بسهولة مطابقة تصرفاته مع معظم سمات وأعراض اضطراب الشخصية النرجسية. على سبيل المثال، يتمظهر شعوره بالعظمة من خلال تسميته للمعبد والطائفة تيمنا باسمه، كما تظهر حاجته إلى الشعور بالتقدير ممن حوله بشكل واضح من خلال إجبار أتباعه على تقديم الشكر له بشكل يومي كما ذكرنا سابقا، بالإضافة للتلاعب بالآخرين عن طريق إيهامهم بأنهم مستهدَفون وأنه الملاذ والسبيل الوحيد لنجاتهم، والشعور بالاستحقاقية في تصرفاته مع من حوله. في حين أن هناك سمات أخرى تتلاءم مع اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، كالسلوك الإجرامي المتكرر الذي بدأ في الطفولة من خلال اعتدائه على الحيوانات وقتلها، والخداع المستمر لمن حوله، وعدم الشعور أو إظهار الندم تجاه أخطائه أو تحمُّله المسؤولية3. من جانب آخر، درس أحد الأبحاث الجانب النفسي لبناء الطوائف، واقترح أن هناك نوعا من التوافق النفسي-الاجتماعي بين احتياجات الشخصية النرجسية وما تقدمه الطوائف لأعضائها5، وقدمته كما يلي
________________________________________
المصادر | https://www.aljazeera.net/sukoon/2023/1/24/%d9%85%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%8a-%d9%8a%d9%8f%d8%ae%d8%a8%d8%b1%d9%86%d8%a7-%d8%a8%d9%87-%d8%b9%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d8%b3-%d8%b9%d9%86 | 2023-01-24T11:03:22 | 2024-06-06T11:53:58 | أبعاد |
|
143 | كافح الفرنسيين فتحالفوا مع الوثنيين.. ماذا تعرف عن أمير المؤمنين ساموري؟ | بحلول القرن التاسع عشر، وقعت حركة بعث إسلامي كبيرة بهدف إعادة توحيد المسلمين والحفاظ على هويتهم الدينية والثقافية، إضافة لزيادة نفوذهم السياسي وحضورهم الجغرافي، وكان ساموري توري أحد زعماء ذلك الحراك. | عرفت القارة الأفريقية أشكالا مختلفة من الاستعمار والاستغلال الغربي منذ قرون طويلة، بدأت مع عصور الاحتلال البرتغالي في القرن الخامس عشر وما بعده، حين شرع البرتغاليون في السيطرة على مناطق غرب أفريقيا واتخذوها مراكز لتجارة العبيد، واستغلّوها في أنشطتهم الاستعمارية سواء في أفريقيا أم في أميركا اللاتينية والوسطى.
وقد راجت هذه التجارة حتى توسع فيها الإسبان والهولنديون والأميركيون والفرنسيون والبريطانيون، وكل منهم كان يأخذ حاجته من العبيد الأفارقة لتنمية مناطقهم التي احتلوها في الأميركتين وغيرهما، واستمر ذلك حتى اكتفوا من هذه التجارة ومنعوها في القرن التاسع عشر.
تطورت العلاقات الأوروبية مع منطقة غرب أفريقيا على وجه التحديد تجاريًّا بصورة كبيرة خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، فكانت حركة البضائع بين الدول الأوروبية وشعوب هذه المنطقة في كل السلع تقريبا لا تكاد تتوقف، ولما لم يكن الأفارقة يتعاملون بالعُملات، كانت المقايضة هي سبيلهم في ذلك، وعلى رأسها المقايضة بالعبيد الذين احتاج إليهم الأوروبيون في مستعمراتهم المختلفة حول العالم.
يرصد المؤرخ البريطاني جون دونيلي فيج، أو جي دي فيج كما يُعرف، في كتابه تاريخ غرب أفريقيا طبيعة التطورات السياسية في هذه المنطقة وقتئذ، فمع ازدياد نفوذ الأوروبيين وحضورهم في المنطقة، أصبحت الأنظمة السياسية الأفريقية ضعيفة ومنقسمة وتعددت الإقطاعيات المتنافسة، وهو ما استغله الأوروبيون لحوز المزيد من النفوذ.
وفي غضون وقت قصير، بدأ التنافس الاستعماري بالظهور، وكما حدث في الهند بدأت الأمور بالتجارة وانتهت بالاستعمار، فتكررت تلك الدورة البغيضة بحذافيرها في غرب أفريقيا.
كانت تلك المنطقة البعيدة الممتدة جنوب الصحراء من نهر السنغال وجنوب مالي والنيجر شمالا مرورا بساحل العاج ونيجيريا وسيراليون وحتى غينيا وحدود أنغولا في الجنوب الغربي قد عرفت الإسلامَ في مراحل تاريخية متفرقة.
بدأت مع الفتوحات الأولى زمن عقبة بن نافع والأدارسة في المغرب الأقصى ثم الحركة الدعوية الكبرى التي قام بها المرابطون خلال القرن الخامس الهجري التي أثمرت وأينعت في هذه المناطق، فنشأت ممالك ودول إسلامية كبرى مثل مملكة مالي وبورنو وصُنغاي، كما قامت الحركات الصوفية المهمة مثل التجانية وغيرها بنشر الإسلام بين القبائل الوثنية الأفريقية بكل جدّ.
وبحلول القرن التاسع عشر، وقعت حركة بعث إسلامي كبيرة في هذه المناطق بهدف إعادة أمجاد الممالك الإسلامية الكبيرة في مالي والسنغال ونيجيريا، وإعادة توحيد المسلمين والحفاظ على هويتهم الدينية والثقافية، إضافة إلى زيادة نفوذهم السياسي وحضورهم الجغرافي.
وكان ساموري توري أحد الزعماء الأفارقة المسلمين الذين أدّوا دورًا مهما ومحوريا على مساحة قُدّرت بمليون كيلومتر في مناطق غرب أفريقيا، بين النيجر وجنوب مالي شمالا مرورا بساحل العاج وحتى جمهورية غينيا غربًا، ولا سيما قبل زمان الاستعمار الفرنسي لهذه المناطق وبعده.
وُلد ساموري توري عام 1835 في منطقة سانانكورو في وسط ما يُعرف اليوم بجمهورية غينيا، لأسرة مسلمة فقيرة من قبائل المالنك، وقد عمل ساموري منذ صغره في الزراعة والتجارة متنقلا بين أهله وأقربائه؛ تارة تجده في مالي صغيرا وهو في سن السابعة يزرع ويشقى، وأخرى في سن البلوغ في الثمانية عشرة في ساحل العاج يحترف تجارة البارود والسلاح ويتخصص فيها.
وقد علّمته هذه التجارب الاعتماد على النفس، وعرّفته مصادر الحصول على الأموال والسلاح، وطبائع شعوب المنطقة، وكانت الحادثة التي غيّرت تفكيره هي وقوع أمّه في الأسر عام 1852؛ فعند سماعه هذه الخبر الأليم أخذ يفكر في أفضل الطرق لتخليص أمه، ولأنه كان لا يزال ضعيفًا قَبِل أن يعمل لدى خاطفي أمّه مدة سبع سنوات مقابل فكاكها.
كانت هذه السنوات السبع درسًا عظيمًا في حياته، فقد أدرك أن حماية المسلمين في هذه المناطق تتطلبُ أن يكونوا أقوياء ذوي نفوذ، وأن يكون لديهم دولة يحمون بها دينهم وأعراضهم من الغارات وممارسات النهب والتعدي.
وبداية من عام 1861 شرع في تعبئة المقاتلين من أبناء قومه، والدعوة إلى بناء دولة إسلامية، وقد نجح في هذه التعبئة، واستطاع الحصول على الأموال والسلاح الحديث من التجار الإنجليز في سيراليون، وفي فترة قصيرة أخذ نفوذه يتمدد في المناطق التي تشكّل اليوم وسط غينيا كوناكري.
بين عامي 1865 و1879 دخل ساموري في صدام مع قبائل المنطقة الوثنية بسبب تعديهم على المسلمين، وقطعهم طرق التجارة، فبدأ التجار الكبار يتعاطفون معه حتى غير المسلمين منهم، ورأوا أن الحاجة ضرورية لوجود دولة تحقق لهم الأمن وحرية التجارة في هذه المنطقة.
وبسبب النجاحات التي حققها، دخل في تحالف مع المسلمين في مدينة كانكان واستطاع أن يتقدم بقواته نحو أعالي النيجر، وبحلول عام 1880 صار قائد أكبر إمبراطورية إسلامية عرفها شعب المالنك على مساحة قدرها حوالي مليون كيلومتر تمتد من حدود النيجر ومالي إلى ساحل العاج، وغينيا وتخوم سيراليون وليبريا.
ومن أجل السيطرة المحكمة على هذه المساحات الشاسعة التي تضم اليوم أجزاء كبيرة من خمس دول في غرب أفريقيا، عمل على تقسيم دولته إلى 162 مقاطعة ضمن عشر إدارات مركزية يترأس كل واحد منها رجل من رجاله الثقات يعاونه في الحكم والإدارة، على أن يكون رجلا فقيها من رجالات الدين للفصل في المنازعات، وتحقيق العدل بين الناس، وتطبيق أحكام الشريعة.
لم تتجلَّ شخصية ساموري القيادية فقط في نجاحاته الميدانية، بل في قدرته على تذويب هذه العرقيات والقوميات والشعوب المتناحرة في دولته الناشئة بصورة لافتة، حتى إن الجنرال الإيطالي أورست باراتير أقرّ في أثناء دراسته لسيرة ساموري وتحركاته في غرب أفريقيا وهو معاصر له بأنه أظهر تفوقًا على معظم زعماء القارة الأفريقية في القيادتين السياسية والعسكرية، بل أقر أعداؤه الفرنسيون كذلك بهذه المهارات كما ترصد المؤرخة إلهام محمد علي في كتابها جهاد الممالك الإسلامية في غرب أفريقيا ضد الاستعمار الفرنسي.
وقد دفعه طموحه والنجاحات التي حققها إلى مزيد من التوسع في نشر الإسلام نحو المناطق الاستوائية والصحراوية المتفرقة لا سيما بين القبائل القريبة في ساحل العاج وغينيا والنيجر.
ولكن ذلك الطموح تزامن مع توسع الاستعمار الفرنسي في غرب القارة الأفريقية بداية من عام 1842، حيث نجح الفرنسيون في توقيع اتفاقيات حماية مع كثير من الزعماء المحليين، وكانت هذه حجتهم للانطلاق لاحتلال مجرى نهر النيجر الأعلى بما في ذلك مالي، وأصبح الصدام بين ساموري توري وبين الفرنسيين حتميًّا وقريبا.
ففي عام 1881 رفض ساموري الانسحاب من منطقة كان يسيطر عليها في غرب أفريقيا لصالح فرنسا، وهو ما أدى إلى اندلاع العديد من المعارك بين الجانبين استطاع ساموري أن ينتصر في كثير منها، ولكن الفرنسيين شرعوا في تكوين تحالفات مع القبائل الوثنية في المنطقة، وأدت هذه التحالفات الجديدة إلى توسع دائرة القتال بين الجانبين طوال السنوات التالية.
وفي العام التالي 1882، أراد الفرنسيون تلقين ساموري درسًا قاسيًا ومنعه من الإغارة على البلاد المجاورة وتأكيد السيطرة الفرنسية على المنطقة الممتدة من السنغال إلى النيجر التي وُجدوا فيها بقوة، وكان ساموري يقطع هذا الطريق في بعض مناطقه، والتقى الفريقان في معركة قادها فابو أخو ساموري، الذي نجح في إلحاق الهزيمة بالفرنسيين في 2 مارسآذار 1882؛ مما اضطر قائد الحملة الفرنسي ديبورد إلى الانسحاب.
وكان الاتصال التالي بين الفريقين بعد عام واحد بعد أن تمكن القائد الفرنسي ديبورد من توطيد مركزه في النيجر وقد فوجئ بقدوم فابو وقوات ساموري للانقضاض على القوات الفرنسية المستعمرة للمنطقة، وقد نجحت من جديد قوات ساموري في طرد الفرنسيين.
توالت المعارك بين الجانبين، وفي كل مرة كان ساموري يدرك مدى قوة الفرنسيين وتقدمهم التقني والعسكري مقارنة ببنادقه القديمة؛ ولهذا السبب آثر بقدر الإمكان عقد اتفاقيات معهم بُغية تجنب الحرب، وترك لهم بعض المناطق التي كان يسيطر عليها ريثما يقوِّي نفوذه وجيشه وتحالفاته الداخلية، فكان يستغل التناقضات بين الفرنسيين والإنجليز في استعمار المنطقة، ويشتري من التجار البريطانيين في سيراليون البنادق السريعة الطلقات، التي أثرت بشكل كبير في المعارك، إلى درجة جعلت فرنسا ترسل العديد من مذكرات الاحتجاج إلى وزارة الخارجية البريطانية عامي 1890 و1891.
في المقابل لم يترك الفرنسيون لساموري منفذا لدعم قوته، وتوسيع رقعته؛ حيث بدؤوا التدخل في شؤون دولته وتحريض أتباعه عليه، بل والهجوم على أهم المدن التي كان يسيطر عليها واحتلالها ولا سيما في غينيا، ولكل هذه الأسباب اضطر ساموري إلى قيادة قواته العسكرية لمواجهة الفرنسيين، وجرت بين الجانبين معارك بين عامي 1888 و1890، وتمكن من إعادة سلطته على جميع أنحاء مملكته، غير أنه أدرك أن الفرنسيين لن يسمحوا له بالإصلاحات الداخلية التي كان يريدها، ولا سيما تحديث قواته ومعداته.
خلال الحقبة التالية، الممتدة بين عامي 1891 و1898، لم تهدأ المعارك الحربية بين الجانبين سواء في مناطق النيجر أم في مناطق غينيا الغربية، وأدرك الفرنسيون أن قيام دولة على أُسس من الشريعة والإسلام يناقض طموحاتهم الاستعمارية والتبشيرية في المنطقة، وكان ساموري في أثناء هذه المرحلة الأخيرة والصعبة من النضال يضطر كل حين إلى استيراد الأسلحة الحديثة من سيراليون وليبيريا، وكما يقول محمد فاضل وسعيد إبراهيم في كتابِهما المسلمون في غرب أفريقيا فإن أمير المؤمنين ساموري توري قرر تقسيم قواته إلى ثلاث فرق؛ لمواجهة قوة المدافع الفرنسية التي كانت تخترق تحصينات جيشه.
فأما الفرقة الأولى فقد أمرها بالتوسع شرقًا وضمّ أراضٍ جديدة تعويضًا عن الأراضي التي فقدها أمام الفرنسيين في الغرب، وأما الفرقة الثانية من القوات فكانت تتمركز في مناطق ساحل العاج وغانا، وأما الفرقة الثالثة فتخصصت حصرًا في مقاتلة الفرنسيين وتكبيدهم أعلى قدر ممكن من الخسائر في الرجال والمعدات، وكان ساموري يتبع في مواجهته مع الفرنسية سياسة الكر والفر، وسياسة الأرض المحروقة إذا شعر بأنهم سيستولون على المدن أو القرى التي يسيطر عليها.
وفي نهاية المطاف وبعد حروب طاحنة نجح الفرنسيون في احتلال العاصمة كانكان التي تقع اليوم في غينيا؛ فاضطر ساموري إلى نقل عاصمته إلى مدينة دايكالا التي تقع في ساحل العاج، وذلك عام 1895، كما حاول اتخاذ إستراتيجية جديدة بجوار المقاومة العسكرية التي أشعلها ضد الفرنسيين منذ عام 1881، وهي سياسة المراوغة الدبلوماسية والسياسية.
إذ أدرك ساموري وجود الاستعمار البريطاني ومصالحه في غرب القارة الأفريقية لا سيما في ليبيريا ونيجيريا وسيراليون وساحل العاج، وقد حاول اللعب على التناقض السياسي والاستعماري بين الدولتين، ولكنه أدرك متأخرا أن الفرنسيين والإنجليز اتفقوا على احترام كل منهم لنفوذ الآخر، وذلك في مؤتمر برلين للدول الاستعمارية بعد احتلال إنجلترا لمصر سنة 1882؛ مما يعني فعليا تقسيم مناطق النفوذ الأفريقية بين القوتين الاستعماريتين.
بل إن البريطانيين أنفسهم أصبحوا يضيقون ذرعًا بساموري وقواته لأنه بدأ الانتقال إلى الأراضي الداخلية لساحل العاج وهي جزء من المستعمرات البريطانية المزعومة، وأصبحت الجرائد البريطانية في لندن وسيراليون تكتب وتتابع تقدم قوات ساموري وخطورتها في مناطق النفوذ البريطاني في غرب أفريقيا؛ ولهذا السبب قررت لندن أن تمنع تزويده بالسلاح، وأن تتعاون مع الفرنسيين عليه.
وحين فشل في اللعب على التناقض بين القوتين الاستعماريتين آثرَ ساموري أن يعقد هدنة جديدة مع الفرنسيين ليعيد تنشيط قوته، وتوسيع مساحته في منطقة الغابات الاستوائية. وقد تظاهرَ الفرنسيون بعقد هدنة سلام معه، ولكنهم كانوا يضمرون له التآمر والخديعة، ويعملون على تدمير دولته وقواته.
إذ استغل الفرنسيون انطلاق ساموري وكثير من قواته لفتح المناطق الاستوائية في مَواسم الأمطار، فعملوا على محاصرته بصحبة القبائل المتحالفة معهم في غابات ساحل العاج بعد أن منعته بريطانيا من التقدم شرقا ناحية غانا. وأمام هذا الحصار المطبق اضطر ساموري وقواته إلى البقاء في الغابات دون خُطة مسبقة وسرعان ما ضربهم الجوع، فاضطر أغلب جيشه إلى الانفضاض عنه، ولما علم الفرنسيون بهذه المستجدات شدّدوا محاصرته.
وهكذا وبعد اتحاد البريطانيين والفرنسيين، تمكن الفرنسيون من القبض على ساموري في غابات بوركينا فاسو، وذلك في 29 سبتمبرأيلول 1898، وتم ترحيله إلى الغابون ووضعه في سجونها حتى لقي ربّه هناك عام 1900.
وقد رفع راية المقاومة من بعده حفيده أحمد سيكو توري 1922 1984 الذي تمكّن هو ورفاقه من المقاومين من الشعب الغيني أن ينالوا استقلال بلادهم من الفرنسيين عام 1958 قبل كل المستعمرات الفرنسية الأخرى في غرب أفريقيا، وانتُخب أول رئيس لجمهورية غينيا كوناكري بعد الاستقلال. | https://www.aljazeera.net/culture/2024/9/14/%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a4%d9%85%d9%86%d9%8a%d9%86-%d8%b3%d8%a7%d9%85%d9%88%d8%b1%d9%8a-%d8%aa%d9%88%d8%b1%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%8a-%d9%82%d8%a7%d9%88%d9%85 | 2024-09-14T13:23:58 | 2024-10-15T00:18:45 | أبعاد |
|
144 | هكذا فعلها الفيتناميون.. كيف نفهم النصر والهزيمة في حرب غزة؟ | وصف السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز غزة بأنها “فيتنام جو بايدن”، ورفع متظاهرون في معهد العلوم السياسية المرموق بباريس لوحة كتبوا فيها: “غزة = فيتنام”، فما أوجه التشابه بين الحربين سياسيا وعسكريا؟ | لم تكن درجات الحرارة مرتفعة كثيرا في مثل ذلك الوقت من العام، لكن سخونة الأحداث ورطوبة الهواء وقيظ الأسفلت في مدرج مطار غيا لام، على الضفة الشرقية للنهر الأحمر الذي يقطع مدينة هانوي، عاصمة فيتنام الشمالية، جعلت الربيع الفيتنامي العظيم نهاية أبريلنيسان عام ١٩٧٥ صيفا حارا.
كان هناك مكانان قريبان يضجان بالعواصف قلب بحر جنوب الصين والهند على بعد ساعتين، وعقل العقيد الأميركي هاري سمرز على بعد خطوتين، الموجود في المطار ضمن زيارته الثانية لفيتنام بوصفه رئيسًا للوفد التفاوضي الأميركي في الفريق العسكري المشترك الرباعي المشكل من أطراف حرب فيتنام الطويلة الأربعة فيتنام الشمالية، وفيتنام الجنوبية، والفيت كونغ، والولايات المتحدة.
لم يكن سمرز قلقا إثر مقتل مساعدته الشخصية قبل ثلاثة أسابيع بإحدى عمليات انتشال الأطفال الفيتناميين، إذ كان العسكري المخضرم، الذي يقاتل على الجبهات منذ أن كان عمره خمسة عشر عاما قبل ما يقارب ثلاثة عقود، مضطربا لأسباب أكبر وأقدم.
في الخامس والعشرين من أبريلنيسان، وقف سمرز في المدرج العسكري عاجزا عن تصديق كيف انتهت العملية العسكرية الأميركية الهائلة التي بدأت قبل عقد تقريبا، بمشاركة أكثر من مليونين ونصف من الجنود الأميركيين المسلحين بكل ما يمكن استخدامه من أسلحة، بتكلفة تقدر اليوم بترليون دولار تقريبا، أدت خلالها واشنطن لوجستيا وتكتيكيا بأفضل ما يمكن، وانتصرت في كل معركة ميدانية؛ كيف انتهت بهزيمة الأميركيين في الحرب؟
خرجت أفكار العقيد الأميركي عن سيطرته، فتوجه إلى نظيره الفيتنامي الشمالي الذي يسميه العقيد تو، والذي كان على الأرجح هوانغ آن توان ذا العين الواحدة إثر فقدانه عينه بقنبلة بإحدى المعارك قبل ثلاثين عاما من ذلك اليوم، قائلا له أنت تعلم أنكم لم تهزمونا أبدا في الميدان. رمق العقيد الفيتنامي خصمه بعينه الباقية، وأخذ دقيقة قبل أن يجيبه بإنجليزيته المتواضعة ربما، لكن هذا خارج الموضوع.
بعد هذه الحادثة العرضية بأسبوع واحد فقط غادر سمرز وجنود بلاده فيتنام إلى الأبد، لكنها بقيت في ذهنه وذاكرته طويلا، فقد كان يحب أن يروي أحداثها لطلابه بعد أن أخذ -وربما كان ذلك بسببها- مسارا أكاديميا ونظريا تحول به إلى مؤرخ وكاتب ومنظر عسكري أميركي شهير ومؤثر، كما افتتح بها أهم كتبه، عن الإستراتيجية، في مقدمة عنوانها نصر تكتيكي وهزيمة إستراتيجية، والذي سيصبح أحد المراجع النقدية عن حرب فيتنام، كما ستصير هذه الطرفة إحدى الحوادث المتداولة الشهيرة بين طلاب وباحثي الإستراتيجية العسكرية.
بعد تلك الحرب الفاصلة بنصف قرن تقريبا، سيستخدم وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن، مطلع ديسمبركانون الثاني الماضي، عنوان مقدمة سمرز حرفيا، محذرا من نصر تكتيكي وهزيمة إستراتيجية، ولكن هذه المرة لوصف حرب تحرر أخرى لا تقل ضراوة وأهمية عن حرب فيتنام، ولا تختلف عنها في تدخل الولايات المتحدة الفاعل فيها رغم وجودها في النصف الآخر من العالم، وهي القضية الفلسطينية بآخر فصولها طوفان الأقصى الذي اندلع قبل تصريح أوستن بثلاثة أشهر تقريبا، بعملية عسكرية مفاجئة أدت إلى مقتل أكثر من ١٢٠٠ إسرائيلي وأسر مئات آخرين، رد عليها الاحتلال الإسرائيلي بعدوان استشهد به عشرات آلاف الفلسطينيين، وجُرح نحو مئة ألف، وتسبب في نزوح ما يقارب مليوني فلسطيني من منازلهم، بعد تدمير البنية التحتية وأحياء بأكملها من القطاع، بزعم تحقيق أهداف معلنة، على رأسها هزيمة حركة المقاومة الإسلامية حماس، واستعادة الأسرى.
لم يكن أوستن هو الوحيد الذي استحضر حرب فيتنام لمقارنة طوفان الأقصى، فعلى سبيل المثال وصف السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز غزة بأنها فيتنام جو بايدن، ورفع متظاهرون في معهد العلوم السياسية المرموق بباريس لوحة كتبوا فيها غزة فيتنام. علاوة على ذلك، لم يكن هذا جانب التشابه الوحيد بين الحربين، فبجانب سؤال الانتصار والهزيمة، وبالتالي، جدوى المقاومة أو عدمها.
تحضر كذلك طبيعة الحرب القائمة بكونها خليطا من حرب العصابات والمدن والأنفاق والحرب النظامية، وتشابه المسارات وبعض المحطات الفارقة، وعلى رأسها عبور التيت الشبيه بـعبور السابع من أكتوبر، وما رافقه من فشل استخباري، وأخيرا الآثار الدولية للحربين وأثرها في تحول الرأي العام وحشدها مظاهرات كبيرة -طلابية بشكل رئيسي- رافضة لهما؛ مما يجعلنا بالمقارنة والمقاربة قادرين على استشراف المآلات كذلك، بما تحاوله هذه المقالة الفاحصة لحدثين متشابهين قبل أي شيء في كونهما من أوضح أمثلة الفشل الاستخباري الذريع في التاريخ.
ربيعنا اليوم أحلى من كل ربيع ... ليقلّد الشمال والجنوب بعضهم بقتال الغزاة الأميركيين تقدموا سننتصر
هو تشي منّه، رئيس فيتنام الشمالية في قصيدة بثتها الإذاعة الرسمية ليلة هجوم التيت، ٣٠ ينايركانون الثاني ١٩٦٨.
مجاهدونا الأبرار هذا يومكم لتُفْهِموا هذا العدو المجرم أنه قد انتهى زمنه ... هذا يوم الثورة الكبرى من أجل إنهاء الاحتلال الأخير، ونظام الفصل العنصري الأخير في العالم.
محمد الضيف، القائد العام لـكتائب عز الدين القسام في خطاب نُشر فجر طوفان الأقصى، ٧ أكتوبرتشرين الأول ٢٠٢٣.
بينما كان ملايين الفيتناميين على جانبي الحدود الشمالية والجنوبية يحتفلون برأس السنة القمرية، الموافق منتصف ليلة ٣١ ينايركانون الثاني من عام ١٩٦٨، في عيدهم تيت نوين دان المعروف اختصارا بـالتيت؛ اختبأ تسعة عشر رجلا في مكان مظلم ما بعاصمة فيتنام الجنوبية سايغون، مستخرجين، بدلا من الألعاب النارية والحلويات، الأسلحة والمتفجرات. لم يكن هؤلاء الرجال غير العاديين يستوحشون الظلمة، فقد تدربوا طويلا وبشكل قاسٍ، بكونهم مهندسين قتاليين، على الزحف والتحرك الصامت عبر الطين والماء تمهيدًا لهذه الليلة المنتظرة. كدّس هؤلاء الرجال أنفسهم في شاحنة وسيارة أجرة، وقبل الساعة الثالثة فجرا بقليل وصلوا إلى وجهتهم المرتقبة مبنى السفارة الأميركية.
لم ينتظر هؤلاء الرجال، عناصر الجبهة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام أو الفيت كونغ المقاوِمة، طويلا قبل أن يبينوا سبب وصولهم في هذا الوقت تحديدا، فاتحين النار على الحراس الموجودين على البوابة، ثم ترجّل أحد خبراء المتفجرات لديهم وفجّر إحدى قواعد الجدار بقنبلة فتحت به فجوة بعرض متر كامل دخل خلالها قائدا المجموعة الميدانيين الذي قتلا، ، بينما اخترق البقية السفارة التي ضمت حينها ثلاثة عناصر شرطة عسكرية وستة أميركيين آخرين. وبينما كانت وكالة الأسوشيتد برس الأميركية تعلن خبر اقتحام السفارة خلال نصف ساعة من الحدث، وصلت التعزيزات البرية والجوية الأميركية لتحاصر عناصر الفيت كونغ الذين باتوا لا يعرفون ما الذي عليهم فعله بعد مقتل قادتهم سوى مواصلة المعركة التي استمرت ساعات، وانتهت بمقتلهم جميعا.
بعد التاسعة صباحا بقليل، وصل الجنرال ويليام ويستمورلاند، قائد القوات الأميركية في فيتنام الجنوبية التي تحوي مليون عسكري، بهندامه العسكري، ليبرر الهجوم للصحفيين بأن قوات الفيت كونغ انتهكت هدنة العيد، موضحا في الوقت نفسه أن هذا الاقتحام كان جزءا من هجوم أكبر وأوسع على امتداد فيتنام الجنوبية، ومؤكدا، بالطبع، فشل مخططات العدو وحصول بعض الأضرار السطحية لمبنى السفارة.
كان من بين هذه الأضرار السطحية للهجوم نُصُب غرانيتي كبير لـختم الولايات المتحدة وُجد محطما على الأرض إثر إصابته بصاروخ للفيت كونغ، في مشهد رمزي يكثف تحطم الجهد العسكري الأميركي في فيتنام كما ستظهره الأيام والأسابيع التالية من هجوم التيت.
قبل اقتحام السفارة بيوم واحد، وقبل إعلان هدنة عطلة التيت منتصف الليل، بثت محطة الراديو الرسمية في هانوي، عاصمة فيتنام الشمالية، قصيدة كتبها هو تشي منه، قائد ومؤسس حركة المقاومة الفيتنامية ورئيس فيتنام الشمالية، قال فيها ربيعنا اليوم أحلى من كل ربيع ... ليقلّد الشمال والجنوب بعضهم بقتال الغزاة الأميركيين تقدموا سننتصر، في رسالة مشفرة لعناصر الفيت كونغ ببداية الهجوم الذي بدأ مباشرة بالتوازي فيما يقارب عشر مدن معًا، ثم بلغ ذروته في الليلة التالية بالهجوم على سايغون والسفارة الأميركية.
كانت هذه الأيام الأولى لـهجوم التيت الذي استمر شهرا كاملا، وبلغ عدد المدن والبلدات التي استهدفت به أكثر من ١٠٠، شملت كل عواصم ولايات فيتنام الجنوبية تقريبا بما في ذلك سايغون عاصمة البلاد، على يد أكثر من ٧٠ إلى ٨٠ ألف مهاجم من الفيت كونغ وجيش فيتنام الشمالية، الذين اخترقوا فيتنام الجنوبية عبر درب هو تشي منه المحفور بشق الأنفس عبر غابات لاوس وكمبوديا المطيرة، وقتل أكثر من نصفهم خلال الهجوم، مقابل مقتل الآلاف من الجنود الأميركيين وقوات فيتنام الجنوبية، وعشرات الآلاف من المدنيين ودمار مدن بأكملها.
أخيرا، انتهى الهجوم باستعادة الولايات المتحدة وحكومة فيتنام الجنوبية سيطرتهما الهشة على البلاد، لكن الهجوم أصبح يوصف في الأدبيات الأميركية، على غرار الختم المحطّم، بأنه نقطة التحول وبداية نهاية حرب فيتنام، التي قادها هو تشي منه ضد الاستعمار الفرنسي خلال الأربعينيات والخمسينيات ثم ضد الغزو الأميركي على امتداد الستينيات، ليموت عام ١٩٦٩، قبل أن يشهد الانتصار واستقلال البلاد وتوحد فيتنام الشمالية والجنوبية بعد هجوم التيت بسبعة أعوام كاملة.
بعد قصيدة هو تشي منّه التي اخترقت عيد التيت بخمسة وخمسين عاما؛ وتحديدا فجر السابع من أكتوبرتشرين الأول عام ٢٠٢٣، بثّ القائد العام لكتائب عز الدين القسام محمد الضيف كلمة مسجلّة نادرة، اخترق بها كذلك عطلة السبت وعيد سمحات توراه بهجة التوراة اليهودي، معلنا إطلاق عملية طوفان الأقصى، أكبر هجمات المقاومة على إسرائيل برا وبحرا وجوّا، وأكثرها تعقيدا بمشاركة متزامنة لعدة وحدات عسكرية، على رأسها ٣٠٠٠ مقاتل من قوات نخبة القسام، مدعومين بـ ١٥٠٠ آخرين، بعد أن قامت وحدة الهندسة بتفجير ما يقارب ٨٠ ثغرة في الأسلاك الشائكة والجدار الحديدي الممتد على ما يقارب ٤٥٠ كم بارتفاع ستة أمتار وبتكلفة بناء قدرت بأكثر من مليار دولار، تحت غطاء جوي من خمسة آلاف صاروخ وقذيفة بجانب مسيّرات الرصد والاستطلاع وعناصر وحدة صقر الذين هبطوا من السماء للمرة الأولى على المستوطنات والوحدات العسكرية التي استطاعت وحدات المقاومة الاستخبارية رصدها ودراستها بشكل دقيق، بجانب ممارستها لما وصفه أبو عبيدة، الناطق الرسمي لكتائب القسام، بـالخداع الإستراتيجي الذي أدى إلى فشل استخباري إسرائيلي هائل، كما سيظهر تاليا.
وفي مشهد استثنائي، توزعت عمليات اليوم الأول من طوفان الأقصى على المستوطنات والقواعد العسكرية المحيطة بقطاع غزة، واستطاعت السيطرة على بعضها بشكل كامل، أبرزها قاعدة رعيم العسكرية مقر قيادة فرقة غزة في الجيش الإسرائيلي، وقتلت وأسرت بها المئات من الجنود والمستوطنين، بينما كانت الصواريخ تستهدف مناطق أبعد على امتداد فلسطين، من بئر السبع جنوبا إلى تل أبيب شمالا؛ مما أدى إلى إغلاق المطارات المحلية كاملة وإلغاء عشرات الرحلات الجوية إلى مطار بن غوريون، ليعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يوآف غالانت حالة الحرب، في حين كانت إسرائيل بأكملها، حكومة وجيشا وشعبا، بحالة صدمة كبيرة.
نهاية الستينيات، كان هجوم التيت مقامرة، بل ومقامرة يائسة، من منّه الذي كان يسعى بالهجوم لتجاوز فارق القوة الهائل بينه وبين الولايات المتحدة، آملًا أن الهجمات ستشعل انتفاضة بين الفيتناميين الجنوبيين الذين سينضم عشرات الآلاف منهم للهجوم، وهي مقاربة تذكر بشكل ما بمقاربة القسام كما تظهر في خطاب الضيف، ويتردد صداها في خطابات أبي عبيدة وقادة حماس، بدعوة الجماهير إلى المشاركة في الطوفان بحسب موقعها وقدرتها.
حين فشل التيت، لم يكن الفيتناميون الشماليون والفيت كونغ يملكون الموارد ليحافظوا على السيطرة على المدن التي سيطروا عليها، ففشلوا في المخطط عسكريا، لكنهم في النهاية حققوا الغاية السياسية المرجوة بعد ذلك بأعوام، بالدرجة الرئيسية بفضل الصدمة التي أدت إلى تغيير السياسة الأميركية؛ إذ انتصرت الولايات المتحدة بالهجوم، لكنها هُزمت سياسيا حين أدرك الأميركيون أن عدوهم ما زال قادرا على شن هجمات كبيرة بهذا الحجم، وأن بلادهم أبعد ما تكون عن الانتصار؛ مما دفعهم إلى بدء مفاوضات الانسحاب في باريس بعد الهجوم بأشهر قليلة فقط، وهي صدمة يرجع السبب فيها، في كلا العبورين، إلى الفشل الاستخباري الذي عجز عن توقعهما أو التعامل معهما.
هجوم التيت هو أحد أوضح نماذج الفشل الاستخباري في التاريخ الأميركي.
جيمس ويرتز، أستاذ شؤون الأمن القومي ومؤلف كتاب هجوم التيت الفشل الاستخباري في الحرب
درست الكثير حول تاريخ الفشل الاستخباري، ونشرت كتبا عن ذلك، لكنني لا أعرف فشلا أشد من هجوم السابع من أكتوبر، على الأقل في تاريخ الاستخبارات الحديث منذ عام ١٩٣٩.
أوري بار-جوزيف، أستاذ العلاقات الدولية الفخري في جامعة حيفا ومؤلف كتاب النجاح والفشل الاستخباري العامل البشري
اليوم هو الجمعة، السادس من أكتوبرتشرين الأول من عام ٢٠٢٣، وعقارب الساعة تشير إلى ما بعد الحادية عشرة مساء بقليل. كل شيء كعادته في غرفة عمليات فرقة غزة المتاخمة للقطاع. فجأة، كسرت صرخة إحدى عناصر المخابرات العسكرية الهدوء الذي يسبق العاصفة -أو الطوفان بالأحرى- حاملة اسما مألوفا لكل الموجودين في الغرفة علي القاضي يتصرف بشكل غريب، بعد أن رصدت جنديات بجيش الاحتلال الإسرائيلي قوات نخبة القسام وهو يستعد لشن غارته.
صعدت المعلومة بحسب التسلسل القيادي إلى أن وصلت إلى قائد الاستخبارات في الفرقة، ليوجه أوامره كل شيء على حاله. هذا مجرد تدريب اعتيادي. لم يستغرق الأمر كثيرا ليكتشف مسؤول الاستخبارات تكلفة قراره الخاطئ بعد ذلك بثمان ساعات، ظهر القاضي ورفاقه على كاميرا المراقبة الوحيدة التي ظلت تعمل بعد أن أبطلوا بقية الكاميرات أثناء حصارهم للفرقة، وأخذوا العديد من عناصرها وقياداتها بين قتيل وأسير.
عمليّا وكما سيتضح خلال الساعات التالية، كان هجوم القاضي هو الجولة الأولى من هجوم منسق بشكل مدهش؛ مما يعني كونه مخططا له ومدرّبا عليه لأكثر من سنة على الأقل، زعمت صحيفة النيويورك تايمز الأميركية أنها استطاعت الحصول على تفاصيله في وثيقة من أربعين صفحة، تحدد المواقع المستهدفة وحجمها والخطوات المتبعة لاستهدافها دون تحديد لوقت أو تاريخ الهجوم، مفجرة مفاجأة قالت بها إن المسؤولين الإسرائيليين كانوا يملكون أيضا هذه الوثيقة قبل الطوفان بأكثر من عام، تحت الاسم الرمزي جدار أريحا، لكنهم اعتبروها مبالغا فيها وغير قابلة للتنفيذ عمليا ولذا فقد تجاهلوها، في مسار أدى بالمحصلة إلى فشل كل من نظامي إسرائيل العسكري كما اعترف به تحقيق داخلي صدر حديثا عن جيش الاحتلال، والاستخباري متمثلا باستقالة رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية أهارون حاليفا اعترافا بفشله في منع وقوع الطوفان.
للمفارقة، لا يختلف موقف الإسرائيليين كثيرا عن موقف الأميركيين والفيتناميين الجنوبيين الذين كانوا، بدءًا من سبتمبرأيلول ١٩٦٧، أي قبل الهجوم بفترة كذلك، يقرؤون ويسمعون عن ملامح خطة وزير دفاع فيتنام الشمالية الجنرال الشهير فون نجوين غياب بشن هجوم كبير على فيتنام الجنوبية بعد أن أقرّها المكتب السياسي لفيتنام الشمالية في يوليوتموز الأسبق، التي نُشرت بعد ذلك في كتاب نصر كبير، مهمة عظيمة تقييم وزير الدفاع لمسار الحرب.
ببساطة، قرر الأميركيون تجاهل هذه المعلومات -رغم امتلاكهم إياها- لأنها تختلف عن تصوراتهم ورؤاهم لطبيعة وواقع الحرب في فيتنام، إذ كانوا يعتبرون أنها تسير نحو الانتصار الأميركي الحاسم، كما أكد ويستمورلاند للرئيس الأميركي حينها ليندون جونسون بعد أن استدعاه إلى واشنطن بحثا عن مزيد من الدعم الشعبي، رغم أن تلك الفترة شهدت عدة مؤشرات عسكرية -كحصول مزيد من التحركات على درب هو تشي منه- بل وحصول القوات الأميركية على عدة مذكرات ومخططات تتحدث عن حملة الشتاء -الربيع أو المهمة الجديدة التي يستعد لها مقاتلو جيش فيتنام الشمالي والفيت كونغ، كما يرصدها جيمس ويلبانكس، المؤرخ العسكري والضابط السابق المشارك في حرب فيتنام، في كتابه هجوم التيت تاريخ موجز.
رغم أن كلتا الحالتين تشتركان في غياب توقيت محدد للهجوم، وبممارسة خداع تضليل إستراتيجي، تمثل في الطوفان بإيصال تصور بأن حماس لم تعد تريد القتال في حين كانت تدرب مقاتليها وعناصرها، وفي التيت بشن هجمات على المواقع الحدودية لسحب التركيز والاهتمام عن الأهداف في قلب المدن؛ يظل السؤال الملّح ما دامت المعلومات موجودة بأن هناك هجوما كبيرا قادما، لماذا وكيف تقع المفاجأة؟
عقب الطوفان ببضعة أيام فقط، نشرت آمي زيغارت، أستاذة العلوم السياسية في جامعة ستانفورد والباحثة المختصة بالاستخبارات الأميركية، مقالا في مجلة فورين أفيرز الأميركية حاول إجابة هذا السؤال وتناول كارثة إسرائيل الاستخبارية، قالت فيه إن الهجمات المفاجئة جميعا -من هجوم اليابان على بيرل هاربر مرورا بـالتيت ونكسة عام ١٩٦٧ إلى هجمات الحادي عشر من سبتمبر والحرب الروسية الأوكرانية- تشترك في أمرين اثنين هما أنها أحداث كبيرة لها ما بعدها على المدى الطويل، وهي في الحقيقة ليست مفاجآت، فدائما -بعد فوات الأوان- يظهر أن هناك تحذيرات على طول الطريق، لتعيد صياغة السؤال بشكل أدق فيصبح لماذا يتم تجاهل هذه المعلومات؟
طُرح الكثير من الإجابات، ورد أكثرها إيجازا في مقابلة أجريت في المجلة نفسها مع مارتين إنديك، السفير الأميركي السابق في إسرائيل والمسؤول السابق لشؤون الشرق الأدنى في مجلس الأمن القومي الأميركي، قال فيه إن هذا الفشل مردّه الغطرسة، وهو يتفق مع الإجابات الأكثر عمقا واستفاضة، التي كان منها تحقيق مطوّل لصحيفة هآرتس ردّ جذور هذا الفشل إلى الازدراء والإنكار والتجاهل، انطلاقا من فكرة رئيسية مفادها أن حماس لا تملك فرصة لشن هجوم بري على إسرائيل ويقتصر هجومها على الصواريخ البعيدة المدى، وهو تصور دخل حيز التنفيذ تماما في ٢١ مايوأيار ٢٠٢١، مع وقف إطلاق النار عقب معركة سيف القدس، وتبلور بمقالة عنوانها نفي الصواريخ.
إذ أكد ضباط استخبارات إسرائيليون أن جيش الاحتلال توقف بعد تلك الحرب عن جمع الاستخبارات عن قياديي حماس، انطلاقا من ثلاث فرضيات عجز حماس عن دخول إسرائيل من تحت الأرض، وعدم قدرتها على اختراق الجدار الحديدي الذي تلقى ٤٤ ثغرة في طوفان الأقصى، وقدرة إسرائيل على ضرب شبكة الأنفاق التي ما زالت تعمل جيدا باعتراف جيش الاحتلال نفسه بعد أكثر من تسعة أشهر من الحرب.
أوجدت هذه الافتراضات ما أسمته هآرتس جدارا حصينا من الإنكار، جعل المخابرات العسكرية أو جيش الاحتلال يتجاهل التحذيرات التي كان يتلقاها من داخله، كما كشفت رسائل إلكترونية مسربة من الوحدة ٨٢٠٠ المختصة بالاستخبارات السيبرانية، أو من جهات أخرى كتحذيرات المخابرات المصرية أو الأميركية للاحتلال بأن شيئا كبيرا يجري، في خلل استخباري يوصف باسم انحياز التأكيد الذي يدفع المحللين إلى التقليل أو تجاهل الأدلة التي تعارض حكما سابقا، من أجل تأكيد تصورات وأحكام محددة سلفا، وهو فشل يمتد من ممارسي الاستخبارات إلى متخذي السياسات، وعلى رأسهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أو -بكلمات العميد الإسرائيلي المتقاعد والرئيس السابق للموساد أمنون سوفرين- على كل المستويات، من المستوى الإستراتيجي إلى المستوى التكتيكي، ليشمل تقييمات خاطئة على عدة مستويات تقييم قدرات حماس، وتقييم نياتها، والمبالغة في تقييم القدرات الإسرائيلية، والاعتماد المبالغ فيه على التقنية، والعجز عن التعامل مع التحذيرات أو رفض ذلك.
لا يختلف هذا كثيرا عن حالة التيت، إذ يرى الأستاذ جيمس ويرتز، في كتابه المخصص لدراسة الفشل الاستخباري في الهجوم، أن المفاجأة وما أعقبها من صدمة نجمت عن فشل استخباري فيما يعرف باسم حلقة الاستخبارات جمع المعلومات، وتحليلها، والاستجابة لها، ونشر التحذيرات، لتعكس وتتعامل كل مرحلة منها مع ست قضايا واقعية ملحة هوية الخصم، واحتمالية الهجوم، ونوع العمل، ومكان الهجوم، وزمانه، ودوافعه.
كانت الحلقة بأكملها تواجه مشكلات، انطلاقا من الانحيازات المسبقة للإدارة والعسكريين الأميركيين بفيتنام، وعلى رأسها انحياز التأكيد المذكور سابقا كما يؤكد ويرتز. فعلى مستوى الجمع مثلا وجه محلل المخابرات المركزية الأميركية سام آدمز اتهاما إلى قيادة الدعم العسكري في فيتنام تحت قيادة ويستمورلاند بتزويرها الأرقام لإظهار التقدم العسكري في فيتنام، وهو ما انعكس بالطريقة نفسها بالتقليل من قدرات الفيت كونغ ونياتها على السواء؛ وبالتالي تحليل هذه المعلومات والاستجابة لها ونشر التحذيرات حولها، لتنتهي الأمور بالمفاجأة والصدمة كذلك.
في نهاية كتابه ذي الثلاثمئة صفحة تقريبا، أشار ويرتز إلى حكمة الفيلسوف الصيني صان تزو في كتابه فن الحرب، قبل عدة قرون التي تقول اعرف عدوك، واعرف نفسك، ولن تهزم بمئة مواجهة، مؤكدا أن هجوم التيت، وهو ما ينطبق كذلك على طوفان الأقصى، أظهر صعوبة تحقيق هذه الأهداف البسيطة.
ورغم حجم الفشل الاستخباري في هجوم التيت، الذي كان جزءا من حرب قائمة بين دولتين فيتنام الشمالية والجنوبية تدعم إحداهما فصيلا مسلحا يخوض حرب العصابات على جغرافيا واسعة ممتدة؛ يعد طوفان الأقصى فشلا أكثر جسامة للاحتلال الإسرائيلي الذي يفرض على غزة حصارا خانقا منذ عقدين كاملين، ويسيطر بشكل كامل على معابرها وما يدخل إليها، كما تسيطر طائراته المسيّرة، المعروفة بالزنانات، على سمائها رصدا ومراقبة واستهدافا؛ مما يجعل الفشل في التنبؤ بالهجوم أمرا مدهشا وأشبه بـالكارثة.
لقد خضنا في فيتنام حربا عسكرية، بينما خاض خصومنا حربا سياسية. سعينا للاستنزاف الجسدي، بينما حرص خصومنا على الإنهاك النفسي. أثناء ذلك، فاتتنا إحدى أهم حكم حروب العصابات يفوز الغِوار حين لا يخسر، ويخسر الجيش النظامي حين لا يفوز.
هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأميركي والمفاوض الأميركي في مفاوضات فيتنام، ١ ينايركانون الثاني ١٩٦٩.
قد يكون أحد التحديثات التي علينا تقديمها لمقولة كيسنجر بعد الحرب الباردة هو أن الدولة هي التي تفوز حين لا تخسر، وأن الغوار هو الذي يخسر حين لا يفوز.
ديفيد أوكو، رئيس التقييم الشامل في الناتو وأستاذ دراسات الأمن الدولي في جامعة الدفاع الوطني الأميركية، معضلة المتمرد، ٢٠٢٢.
عقب هجوم التيت بأقل من عام، نشر وزير الخارجية الأميركي حينها هنري كيسنجر مقالة شهيرة في مجلة فورين أفيرز قيّم بها مفاوضات باريس التي أطلقها خطاب الرئيس الأميركي حينها ليندون جونسون بعد الهجوم بشهرين تماما ٣١ مارسآذار، والتي أدت بالمحصلة إلى انسحاب القوات الأميركية بعد ذلك ببضعة أعوام. كيسنجر، المفاوض الأميركي الرئيسي، قال في مقدمة مقالته إن هجوم التيت أدى إلى هدر كل الإستراتيجية الأميركية؛ لأنها كانت تعاني من إشكالية مفاهيمية رئيسية بتطبيقها قواعد الإستراتيجية الكلاسيكية على حالة لا تنطبق عليها، بمحاولة السيطرة على الأراضي واستنزاف العدو، في حين كان الوضع في فيتنام يتسم بميزتين مختلفتين طبيعة حرب العصابات، واللاتناظر بتعريف الخسائر المقبولة لدى الجانبين.
فمن ناحية، لا تهدف حرب العصابات إلى السيطرة على الأراضي، وإنما على السكان، مستغلة نقطة ضعف القوات الأميركية التي كانت ثمانون بالمئة منها موجودة في مناطق تضم أقل من أربعة بالمئة من الفيتناميين الجنوبيين، فلم يكن الأميركيون قادرين على السيطرة على الأراضي وحماية السكان معا؛ مما جعل حكومة سايغون هي المسيطرة نهارا، في حين كان الفيت كونغ هم الموجودين ليلا، خصوصا في القرى التي وعدت الولايات المتحدة بتوسيع حمايتها لتشملها مع الوقت.
وهنا تظهر النقطة الثانية، اللاتناظر، فبينما تحتاج القوات الحكومية إلى الكثير من استعراض القوة لتظهر انتصارها، كان الفيت كونغ يحتاجون إلى عملية بسيطة ليلًا لهزّ هذه الصورة عدة أشهر قادمة. وفي المحصلة، أدى هذا إلى أبرز ملامح الإستراتيجية الأميركية في فيتنام انتصارات عسكرية لا يمكن تحويلها إلى مكاسب سياسية مستدامة، وجه إليها هجوم التيت في النهاية رصاصة الرحمة، مُظهِرًا فشلها بتأكيده عدم وجود أي مناطق آمنة للسكان الفيتناميين، سواء في القرى أو في المدن.
صمدت تصورات كيسنجر لعقود وتحولت إلى حكمة سياسية وعسكرية شهيرة تحضر كلما نوقشت فيتنام أو حروب العصابات عموما، لأسباب من أهمّها صياغتها المغرية، وأنها صادرة عن الثعلب العجوز صاحب النظام العالمي، رغم أنها تُناسب بشكل مباشر وقت نشرها فقط؛ مما يجعلنا عرضة للوقوع في نفس الإشكال الذي حاول كيسنجر نفسه التعامل معه تطبيق قواعد إستراتيجية على حالة لا تنطبق عليها، سواء في السنوات القليلة الباقية من حرب فيتنام، أو في الحروب غير النظامية بأسمائها المختلفة مثل التمردات، حروب العصابات، الحروب غير التناظرية، الحروب الثورية، حرب الناس عموما.
ففي فيتنام، أشار سمرز في تقديم كتابه عن الإستراتيجية، الصادر بعد عقدين من مغادرته فيتنام، إلى أن أبرز إشكالات دراسة فيتنام هو اعتبار أنها انتهت مع هجوم التيت؛ وبالتالي انتشار تصور عام مفاده أن الولايات المتحدة هُزمت في حرب عصابات سببها عدم تقدير دقائق حروب التمرد ومكافحة التمرد. بيد أن ما جرى مختلف تماما، فقد استمرت الحرب كما هو معروف سبعة أعوام تالية، والأهم أن هذه الحرب المستمرة لم يكن لها علاقة بالتمردات أو بحروب العصابات، بل كان تهديدها ناجما عن القوات النظامية الفيتنامية الشمالية بقوة لديها ١٦٠ ألف عنصر، موزعون على ١٨ فرقة، مدعومون بالدبابات والمدفعية، كما يقول مسؤول محطة سايغون في المخابرات المركزية الأميركية ومديرها السابق ويليام كولبي.
وعلى العكس، كان تأثير هجوم التيت سلبيا على قوات الفيت كونغ، إذ تقلصت أعدادهم بشكل كبير إثر الاستنزاف بالهجوم، وأصبحوا عاجزين عن شن عمليات قتالية كبيرة، لدرجة أن القيادي الكبير الفيتنامي الشمالي تران فان دَنغ لم يذكر دورهم في شهادته عن انتصار الربيع العظيم عام ١٩٧٥؛ مما يعني أن حرب فيتنام استعادت الشكل الكلاسيكي للحروب خلال ما بقي من أعوام، بعد أن حقق هجوم التيت غرضه بإطلاق مفاوضات الانسحاب.
ومن هنا تختلف حرب فيتنام عن طوفان الأقصى، التي لا تزال تحافظ على شكل التمردات وحروب العصابات، مع وجود فارق رئيسي إضافي يبعدها عن الشكل الكلاسيكي لحروب التمرد كما وضعها وطبقها لينين وجيفارا، وماو تسي تونغ، هو كونها حرب مدن، لا حرب أرياف. بجانب ذلك، شهدت حروب التمرد ذاتها، عقب انتهاء الحرب الباردة، تحولا جوهريا أدخل المتمردين في معضلة كما يقول الأستاذ المختص بالتمرد ومكافحة التمرد ديفيد أوكو. فبينما كان من المعتاد -أثناء الحرب الباردة- إسقاط المتمردين للنظم، محلية أم مستعمِرة، في كل أنحاء العالم؛ لم يستطع المتمردون منذ مطلع الألفية الانتصار إلا في حالات نادرة كما في ليبيريا وساحل العاج وليبيا والسودان، بجانب انتصار طالبان في أفغانستان.
ليس الأمر أن الدول أصبحت أكثر قوة أو أن المتمردين أشد ضعفا، بل بتغير السياق نفسه، كما يوضح أوكو في كتابه، وذلك بأربعة جوانب مختلفة ١ زيادة قوة الدولة وشرعية احتكارها للعنف، وبالتالي ٢ زيادة حصولها على الدعم الدولي عند مواجهتها المتمردين كما في مثال الحرب على الإرهاب، مقابل ٣ تراجع وجود قوى عظمى داعمة للمتمردين كما كان الحال أثناء الحرب الباردة، وأخيرا ٤ زيادة التمدن بشكل مطرد، وبالتالي تقليص المساحات التي يمكن بها للمتمردين تنظيم أنفسهم كما في المخطط التقليدي الماوي نسبة لماو تسي تونغ للتمردات، الذي اتبعه المتمردون من كل أنحاء العالم، من الجنرال غياب إلى أبي مصعب السوري وتنظيم الدولة الإسلامية.
تظهر هذه العوامل الفوارق الجوهرية بين حرب فيتنام، وسبب نجاحها، وبين طوفان الأقصى، وإن بدرجات مختلفة. ففي النقطتين الأولى والثانية، يمكن النظر إلى الدعم الكبير الذي يتمتع به الاحتلال الإسرائيلي في حربه، رغم تزايد الانتقادات، وهو ما بدا في استقباله في الكونغرس الأميركي بـحفلة تصفيق. أما في النقطة الثانية، فقد كان من أهم عوامل نجاح حرب فيتنام الدعم الجوهري الذي تمتعت به فيتنام الشمالية من الصين والاتحاد السوفيتي، اللذين أمنا لها خط إمداد لوجستي مستمر بالأسلحة والعتاد.
وبجانب هذه العوامل، تحضر النقطة الأخيرة التمدن بشكل بارز في حالة طوفان الأقصى الذي يجري خوضه بشكل كامل ضمن إطار حروب عصابات المدن، التي يعدها أستاذ العلوم السياسية أنطوني جيمس جوس الجانب الآخر المعاكس تماما لحروب التمرد بصيغتها الكلاسيكية، حيث يسعى المتمردون للسيطرة على مساحات واسعة يتخذونها قاعدة انطلاق، سواء في الأرياف الشاسعة لبلدانهم أو خارج حدودها، لخوضهم حربهم المستدامة كما يسميها ماو تسي تونغ ولينظموا فيها أنفسهم ويرتبوا صفوفهم تمهيدا لإسقاط الدولة.
لتصبح عبارة حروب عصابات المدن متناقضة ذاتيا بجمعها حرب العصابات، مع المدن، التي يصبح بها تأسيس القاعدة أكثر صعوبة مع تقنيات المراقبة والاختراق، وتصبح حروب المدن كما تصفها مؤسسة راند أسهل الحروب لهزيمة المتمردين، وهو ما يدعمه النظر التاريخي في حالات حروب المدن، التي انتهت جميعها تقريبا، من وارسو وسايغون مرورا بغروزني والفلوجة، والموصل والرقة وحلب، بهزيمة المتمردين وتدمير المدينة؛ مما يؤدي، في كثير من الأحيان كذلك إلى أن تؤدي الانتصارات في معارك المدن في النهاية إلى الهزيمة في الحروب الأوسع، كما تظهر لنا معركة هوي، إحدى أكبر معارك هجوم التيت التي استطاعت القوات الأميركية وقوات فيتنام الجنوبية بها استعادة ثالث أكبر مدن فيتنام الجنوبية بعد ٢٦ يوما من القتال الشديد، بعد تدمير ٨٠ بالمئة منها وتهجير كل سكانها تقريبا؛ مما تسبب في تراجع التأييد للفيتناميين الجنوبيين وداعميهم الأميركيين في النهاية.
بيد أن حالة حرب المدن في غزة أكثر استثنائية، ليس فقط لمساحتها الصغيرة التي تتركز بها كثافة سكانية كبيرة، استخدم ضدها الاحتلال الحصار تكتيكًا عسكريا ووسيلة عقابية، بل لكون الساحة المدينية الحضرية نفسها أكثر تعقيدا، خصوصا من حيث البعد الثالث أي ما فوق الأرض وتحتها، سواء بوجود الطوابق العديدة المرتفعة -التي حرص جيش الاحتلال على التخلص منها منذ أول أيام المعارك- أو بشبكة الأنفاق المعقدة والممتدة، والتي كانت عاملا أساسيا في تحقيق المفاجأة والصدمة كما ذكرنا أعلاه، وما زالت تؤدي اليوم، بجانب الأفخاخ والكمائن، دورا كبيرا في الإستراتيجية العسكرية غير التناظرية المتكافئة التي ساهمت في صمود واستمرار المقاومة التي أصبحت أقرب إلى قتال الأشباح، بطريقة تختلف عن كل ما سبقها من حروب، لدرجة تأكيد الأستاذة والباحثة في معهد الحرب الحديث دفنة رايتشموند باراك أن حماس أعادت اختراع حرب الأنفاق، التي كانت أحد أهم العوامل في حسم الحرب اللاتناظرية لصالح المقاومة الفلسطينية؛ وبالتالي هزيمة جيش الاحتلال، كما يتضح أدناه.
إذا نجحت إٍسرائيل في نزع سلاح حماس عسكريا دون أفق سياسي فقد هزمتنا حماس.
الكاتب الإسرائيلي يوفال هراري، اربح كل المعارك، واخسر الحرب، يديعوت أحرونوت، ١٥ مارسآذار ٢٠٢٤
الاعتقاد أن بالإمكان تدمير حركة حماس وإخفاءها هو ذر للرماد في عيون الإسرائيليين. حماس فكرة لا يمكن القضاء عليها.
المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي دانيال هاغاري، ١٩ يوليوتموز ٢٠٢٤
غُلبت إسرائيل. هذه ليست عبارة مبالغا فيها من أحد منتسبي المقاومة أو محبيها أو مؤيديها، بل اعترافا من بعض مسؤولي الاحتلال الإسرائيلي ومؤيديه أنفسهم كما في الاقتباسات أعلاه، وكذلك من بعض المراقبين المطلعين على الحرب المستمرة لأكثر من تسعة أشهر، انطلاقا من فكرة مفادها أن إسرائيل فشلت في تحقيق أي من أهدافها التكتيكية، وعلى رأسها استعادة الأسرى، والإستراتيجية، متمثلة بتفكيك قدرات حماس العسكرية وإسقاطها، كما خسرت في غضون ذلك سمعتها شعبيا ودعمها رسميا، وشهدت فشلا في الاتصال الإستراتيجي فيما وُصف بأنه تحطم لـالسردية الإسرائيلية التي عملت الهاسبارا على بنائها على مدى عقود، كل هذا لصالح المقاومة التي ساهمت إستراتيجية إسرائيل الفاشلة في زيادة قدرتها على تجنيد وتعبئة المقاتلين، وتوسع تأييدها شعبيا، داخل فلسطين وخارجها في ظل تزايد وتيرة التطبيع خلال الأعوام القليلة الماضية، التي وضع الطوفان لها حدا قبل وصولها إلى عواصم عربية أخرى.
لكن مقولة هزيمة إسرائيل وفشلها لا تستلزم بالضرورة وبشكل تلقائي وجهها المقابل، أي انتصار المقاومة بالمعنى الكلي للنصر، وهو ما يدفعنا إلى النظر في معنى النصر، خصوصا في الحروب غير النظامية أو غير التناظرية. في دراسة مطولة بعنوان كيف يفوز الضعيف بالحرب نظرية للحروب غير التناظرية، يرى الأستاذ في جامعة هارفارد إيفان أريغوين- توفت أن الحرب غير التناظرية تكون عادة بين طرفين قوي وضعيف يستخدم كل منهما إستراتيجيات هجوم ودفاع مباشرة بهدف السيطرة أو الاستنزاف أو غير مباشرة كما في حالة حروب العصابات. إذا كان التفاعل الإستراتيجي بين الجانبين متوافقا أي مباشرا أو غير مباشر في الحالتين يكون النصر حليف الطرف القوي، أما إذا كان غير متناظر، كما في حالة الطوفان حيث يحاول الاحتلال السيطرة والحفاظ على مواقعه مقابل استخدام المقاومة لحروب العصابات، فعلى الأرجح أن يكون النصر حليف الطرف الأضعف.
بعد الطوفان بشهرين، تطرق الأستاذ أوكو، المذكور أعلاه، لمعنى النصر في الحروب غير النظامية بإسقاطه على طوفان الأقصى، مقارنا إياه كذلك بـهجوم التيت، مظهرا أن حماس استطاعت تحقيق شيء من النجاح، لكنه استدرك كذلك بأن خسائر حماس الملموسة على يد إسرائيل، وإن كانت بعيدة عن الهدف المعلن بـالقضاء على حماس، ووقوعها في معضلة المتمرد؛ تجعل موقفها صعبا.
فمن الناحية العسكرية، وانطلاقا من الارتباط المباشر بين المقاومة الفلسطينية في غزة وكل من البيئة الاجتماعية المستنزفة بين شهداء وجرحى ونازحين في إبادة جماعية جينوسايد، من ناحية، والبيئة العمرانية التي تعمل إسرائيل على تدميرها واستهدافها بشكل ممنهج في إبادة عمرانية أوربِسايد، من الناحية الأخرى، فقد يكون ثمن انتصار المقاومة السياسي المتحقق، وبالتالي جدواه، متمثلا بقدرة المقاومة على إعادة بناء نفسها، محل تساؤل، فهل ستستطيع الحرب أن تساهم في استمرار السياسة بوسائل أخرى، كما تقول لنا حكمة كارل فان كلاوفيتز، الجنرال البروسي الشهير واضع أسس علم الحرب الحديثة؟
وبإظهار التشابهات الأساسية والفروقات الجوهرية، يمكننا الاستشراف بالنظر إلى ما بعد هجوم التيت في حرب فيتنام، حيث استندت فيتنام الشمالية إلى حماية مكاسبها السياسية من الهجوم على جيش فيتنام الشمالية النظامي، أكثر من الفيت كونغ الأقرب إلى الجيش غير النظامي أو الغِوار، وهو أمر -رغم الخسائر العمرانية والبشرية الكبيرة- يبدو ممكنا لدى حماس التي لم تتأثر بحسب المؤشرات الحالية بنيتها العسكرية الجوهرية، وما زالت قادرة على التحول والتطور، أو فاعل غير دولتي قادر على تطوير قدرات عسكرية نظامية، الجيش الذي يسعى لتحقيق هدف طوفان الأقصى كما أعلنه محمد الضيف الثورة الكبرى من أجل إنهاء الاحتلال الأخير، ونظام الفصل العنصري الأخير في العالم؛ أو أنها كما أشار الباحث محمود هدهود، بوصفها الشكل الوحيد من الحرب الذي يتم الانتصار فيه عبر سلسلة من المعارك الخاسرة. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/8/9/%d8%af%d8%b1%d9%88%d8%b3-%d9%81%d9%8a%d8%aa%d9%86%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b3%d9%83%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%83%d9%8a%d9%81-%d9%86%d9%81%d9%87%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b5%d8%b1 | 2024-08-09T02:58:02 | 2024-10-16T00:25:22 | أبعاد |
|
145 | الرصاصة تقرب ترامب من الرئاسة.. كيف سيكون شكل العالم خلال ولايته الثانية؟ | ستوفر حادثة إطلاق النار على ترامب في بنسلفانيا دفعة “مؤقتة” من التعاطف مع ترامب، لكن تأثيراتها طويلة المدى على مستقبله السياسي وعلى نتائج الانتخابات تظل “غير مؤكدة”. | خلال تجمع حاشد في ولاية بنسلفانيا، السبت 13 يوليوتموز، تعرض الرئيس الأميركي السابق والمرشح الرئاسي الحالي دونالد ترامب، لحادثة إطلاق نار وصفها بأنها محاولة اغتيال، وقام مكتب التحقيقات الفيدرالي على الفور بتسمية توماس ماثيو كروكس باعتباره المهاجم المشتبه به، وهو جمهوري مسجل في قواعد بيانات الحزب يبلغ من العمر 20 عاما. أُصيب ترامب برصاصة في أعلى أذنه اليمنى، لكنه خرج من المستشفى وعاد إلى منزله في نيوجيرسي، فيما قُتل المهاجم وشخص آخر خلال الحادثة.
لا تزال التحقيقات جارية لمعرفة دوافع المهاجم، لكن المؤكد أن تلك الواقعة ستعطي دفعة قوية لترامب، وستولِّد تعاطفا متزايدا معه لدى قاعدته الانتخابية. إن التناقض بين رفع ترامب قبضته بتحدٍّ والضعف الملحوظ لخصمه الرئيس بايدن يمكن أن يؤثر على الرأي العام لصالح المرشح الجمهوري، كما يمكن اعتبار رد فعل ترامب على الهجوم وقدرته على مواصلة الحملة الانتخابية رغم التهديد بمنزلة علامة على القوة من قِبَل أنصاره. على جانب آخر، من المحتمل أيضا أن يؤدي الهجوم إلى زيادة تأجيج الخطاب السياسي والانقسامات الساخنة بالفعل في الولايات المتحدة، ما قد يرفع من مساحات العنف السياسي من متطرفي المعسكريْن، الديمقراطي والجمهوري.
ستوفر الحادثة دفعة مؤقتة من التعاطف مع ترامب، لكن تأثيراتها طويلة المدى على مستقبله السياسي وعلى نتائج الانتخابات تظل غير مؤكدة. كانت حظوظ ترامب لحسم المقعد الرئاسي تتزايد بالفعل كما تشير استطلاعات الرأي، وآخرها استطلاع لمركز بيو صدر في 11 يوليوتموز وأكد تقدم ترامب على بايدن بأربع نقاط كاملة. ربما يتعزز هذا التفوق نسبيا في الاستطلاعات القادمة، لكن الأهم أن فرص استبعاد ترامب من السباق الانتخابي عبر القضاء أصبحت ضئيلة.
ستنعكس حادثة إطلاق النار إيجابيا إذن على خطاب ترامب الانتخابي وحملته، حيث سيجد الفرصة سانحة لتبني خطاب أكثر عدائية ضد بايدن وإظهاره بمظهر الضعيف أكثر فأكثر، من أجل إثارة حماس أنصاره، في المقابل سيواجه بايدن ارتباكا في خطابه الانتخابي حيث سيكون مضطرا لتبني خطاب نبذ العنف والوحدة، وهو ما سيربك إستراتيجيته الخطابية وقدرته على توجيه الضربات لخصمه، وبالتالي سيؤثر على حظوظه في نهاية المطاف.
قبل الحادثة، كان ترامب ماضيا بالفعل في طريقه للعودة إلى البيت الأبيض بثبات كبير. تشير نتائج جولة الثلاثاء الكبير في 5 مارسآذار الماضي إلى أن الساحة تتهيأ لمباراة العودة بين جو بايدن ودونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية المقبلة التي ستقام في 5 نوفمبرتشرين الثاني القادم.
أظهر ترامب موهبة في تنشيط مؤيديه والتغلب على تعقيدات سياسات الحزب الجمهوري، محققا ما يكفي من الانتصارات ليضمن مقعده مرشحا عن الحزب بعد أن تجاوز عتبة الـ1215 مندوبا المطلوبة. كان وصول ترامب إلى هذه المرحلة أسرع مما كان عليه في الانتخابات التمهيدية عام 2016، مما يُعد مؤشرا على أنه المرشح الأكثر تفضيلا داخل الحزب الجمهوري، ويمتلك قاعدة جماهيرية صلبة.
من المتوقع إقرار ترشيح ترامب رسميا في المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري المقرر عقده بين 15-18 يوليوتموز الحالي. أما على الجانب الديمقراطي، فقد ضمن الرئيس جو بايدن ترشيح حزبه بعد فوزه في جميع الولايات التي أُجريت فيها الانتخابات التمهيدية يوم الثلاثاء الكبير، وذلك رغم تزايد المطالبات باستبعاده من قواعد الحزب خصوصا بعد أدائه الهزيل في المناظرة مع ترامب في 27 يونيوحزيران الماضي. ومن المقرر عقد مناظرة أخرى بين المرشحين في شهر سبتمبرأيلول المقبل، قبل الانتخابات بنحو شهر.
نظريا، لا يزال ترامب يواجه عدة تحديات في طريق ترشحه، أهمها قضية التمرد، حيث تنص القوانين على حرمان الأشخاص المشاركين في عصيان أو تمرد ضد أميركا من الترشح. وقد قضت المحكمة العليا في كولورادو بالفعل بأن تصرفات ترامب بشأن هجوم 6 ينايركانون الثاني 2021 على مبنى الكابيتول شكلت تمردا، مما أدى إلى استبعاده من الاقتراع في تلك الولاية. يمكن أن يؤثر هذا الحكم على ولايات أخرى، لكن القرار النهائي قد يقع على عاتق المحكمة العليا الأميركية، بجانب عدد من القضايا الأخرى كالتهرب الضريبي وتقديم رشوة مقابل الصمت لممثلة أفلام إباحية.
أكثر من ذلك، أصبح ترامب أول رئيس أميركي سابق يُدان بارتكاب جرائم جنائية، حيث أدانت هيئة المحلفين في نيويورك ترامب بجميع التهم الـ34 الموجهة له، وقد حدد قاضي المحكمة موعد النطق بالحكم في 11 يوليوتموز، قبل تأجيله إلى 6 سبتمبرأيلول، وبحلول ذلك الوقت، على الأرجح سوف يكون ترامب قد حصل على ترشيح الحزب الجمهوري بالفعل.
وفي ضوء الزخم الذي ستولِّده حادثة إطلاق النار، من المرجح أن إدانة ترامب في المحكمة ستكون لها تداعيات خطيرة على الشارع الأميركي المنقسم بالفعل، خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية. وحتى إذا حُكم على ترامب في مدينة نيويورك فإنه سوف يستأنف على الحكم ما سيسمح له باستكمال السباق الرئاسي.
بالمثل، ليس مرجحا أن تخرج التحقيقات مع ترامب حول التخطيط لقلب نتائج الانتخابات والتعاون مع روسيا للتأثير على نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2016 التي فاز بها ترامب بنتائج تُذكر قبل الانتخابات المقبلة، وهو ما يعني أن العراقيل القانونية من غير المرجح أن تعوق مسيرة ترامب، على الأقل في الوقت الراهن.
سوف يكون إذن الاختيار مرهونا بإرادة الناخب الأميركي، الذي تتحكم العديد من العوامل في قراره التصويتي بخلاف الانتماء الأيديولوجي. ويُعد التضخم القضية الأولى المؤثرة في قرار الناخبين، حيث أدت معدلات التضخم المرتفعة إلى التأثير سلبيا على شعبية جو بايدن. وقد أعطى هذا فرصة لترامب في الاستفادة من هذه القضية وبناء ميزة استطلاعية في ملف الاقتصاد، عبر التسويق لأجندة اقتصادية تشمل تعريفات جمركية عالمية، وأسعار فائدة منخفضة، وخفض الضرائب.
بالمثل، يستفيد ترامب من قدرته على المزايدة على سياسات بايدن في عدد من الملفات الداخلية، مثل زيادة عدد المهاجرين غير النظاميين والقضايا الجندرية. وحتى على مستوى السياسة الخارجية، يتمتع ترامب بدعم من قاعدة جماهيرية يمينية تتبنى سياسات أكثر تشددا، يقع في جوهرها الدعم غير المحدود لدولة الاحتلال الإسرائيلي.
على الجانب المقابل، يتسبب هذا الملف، وتحديدا السياسات التي تبنَّاها بايدن والإدارة الديمقراطية في التعامل مع حرب غزة، في تصدعات واضحة في جدار الحزب بسبب معارضة الناخبين الشباب والأميركيين من أصول أفريقية ولاتينية وهؤلاء يشكلون نسبة معتبرة من ناخبي الحزب الديمقراطي لسياسات بايدن الداعمة للإبادة الجماعية في غزة.
يتأكد هذا الأمر خلال استطلاعات الرأي، ومن ذلك استطلاع أجرته شبكة إن بي سي نيوز، الذي أظهر انخفاضا ملحوظا في نسب تأييد بايدن إلى نحو 40، مع عدم موافقة 57 على دعمه، وهو أدنى مستوى لشعبيته خلال فترة رئاسته. وفي استطلاع آخر صادر عن جامعة كوينيبياك ظهر أن 66 من الناخبين الذين تقل أعمارهم عن 35 عاما غير موافقين على رد فعل إسرائيل ما بعد السابع من أكتوبر، وبالتالي ربما على سياسات الإدارة الداعمة للاحتلال بشكل مطلق. وسوف يكون لأبناء الجيل زد Z أقل من 27 عاما الذين تقدر أعدادهم بنحو 40.8 مليون شخص، بينهم 8.3 ملايين شاب أعمارهم بين 18-19 عاما، دور كبير في حسم الانتخابات.
لكن أكثر ما يهدد بايدن ويرفع من فرص فوز ترامب بالانتخابات هو تأرجح شعبية بايدن في الولايات المتأرجحة كولاية ميشيغان التي شهدت تغيرا كبيرا في أصوات الناخبين بالانتخابات التمهيدية، حيث ارتفع عدد غير الملتزمين بالتصويت لبايدن من 2612 صوتا في الانتخابات التمهيدية السابقة إلى 46 ألف صوت. في غضون ذلك، يحمل العديد من الناخبين آراء سلبية تجاه بايدن وترامب كليهما، مما قد يساهم في انخفاض نسبة الإقبال على التصويت. وقد أظهر استطلاع للرأي أجرته شبكة إن بي سي نيوز أن نسبة الناخبين الذين يقولون إن لديهم اهتماما كبيرا بانتخابات عام 2024 قد وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ 20 عاما تقريبا. وقد تؤدي هذه اللامبالاة إلى انخفاض نسبة الإقبال على التصويت، مما يعكس عزوفا سياسيا.
عمليا، يقترب دونالد ترامب مجددا من البيت الأبيض، وهو ما يدفعنا لاستكشاف سياسته المحتملة خاصة في الملفات الخارجية، وفي مقدمتها حرب روسيا وأوكرانيا وعلاقة واشنطن مع الدول الأعضاء في حلف الناتو. وقياسا على ما حدث خلال فترة رئاسته السابقة، من المتوقع أن تكون سياسة ترامب تجاه الناتو تصادمية، حيث هدد بالتخلي عن حلفاء الناتو الذين لا يرفعون إنفاقهم الدفاعي إلى 2 من الناتج المحلي الإجمالي، وقال إنه لن يقوم بحماية الحلفاء الذين لا يدفعون حصتهم العادلة.
وتوضح الإحصاءات حجم التغيرات التي طرأت على ميزانيات دول حلف الناتو منذ 2014، حيث شهدت ارتفاعا ملحوظا عند أغلب الدول، ومع ذلك فإن 19 دولة من أصل 30 لا يزال حجم إنفاقها تحت 2، وتشمل دولا كبرى في صناعة السياسة الأوروبية مثل فرنسا 1.9، وألمانيا 1.5، وإيطاليا 1.4، وإسبانيا 1.2، وبلجيكا 1.1، والنرويج 1.6، وهولندا 1.7، وكذلك كندا 1.3.
ويرجح أن يتبع ترامب في هذا الملف ما يُعرف بسياسة سكون الناتو، أي أن يتعامل مع أعضاء الناتو والتهديدات التي تواجههم وفقا لحجم إنفاقهم. وسبق أن أشار جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق لترامب، إلى أن ترامب كان يعتزم سحب أميركا من الناتو بشكل كامل إذا أُعيد انتخابه، ووصف بولتون ذلك القرار بأنه سيكون قرارا كارثيا وتهديدا وجوديا للحلف، ويعمل العديد من أعضاء الناتو بالفعل على رفع إنفاقهم الدفاعي ووضع خطط لحماية أنفسهم وتحالفهم استعدادا لاحتمال فوز ترامب بولاية ثانية.
يتقاطع ملف الناتو مع الحرب الروسية الأوكرانية بشكل كبير، فالسياسات الأميركية تجاه حلف الناتو لها انعكاسات مباشرة على الحرب. يزعم ترامب أنه قادر على تسوية الحرب الروسية الأوكرانية قبل تنصيبه، لكن غير معلوم كيف ستكون تلك التسوية، وفي مصلحة أي طرف ستصب. تخلق تصريحات ترامب مشهدا مضطربا وسط حلفاء أميركا، حيث صرح أيضا بأنه سيوقف التدفق اللامتناهي للأموال الأميركية إلى أوكرانيا، وسيطلب من الدول الأوروبية تعويض أميركا في ذلك. وتتضمن خطته غير المعلنة رسميا التفاوض على اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا، الذي قد يشمل قبول السيطرة الروسية على أجزاء من أوكرانيا.
لا تقف مخاطر رؤية ترامب -من وجهة نظر حلفائه الغربيين- عند أوكرانيا وحدها، إذ صرح بأنه على استعداد بأن يسمح لروسيا بأن تفعل ما تريده بحق أي دولة من دول الناتو لا تفي بالتزاماتها المتعلقة بالإنفاق الدفاعي. ومن المرجح أن تنامي التهديدات الروسية وعدم الثقة بواشنطن سيدفعان الحلفاء الأوروبيين إلى تطوير صناعاتهم العسكرية تحسبا لاحتمال توقف جزء كبير من المساعدة الأميركية لأوكرانيا. وقد يؤدي هذا إلى قدرة دفاعية أوروبية أكثر استقلالية، ولكنه قد يخلق أيضا تحديات أمام الالتزام الدفاعي الجماعي لحلف شمال الأطلسي.
وبعكس نهجه المتساهل تجاه روسيا، من المتوقع أن تكون سياسة ترامب تجاه الصين أكثر عدوانية ومواجهة مما كانت عليه خلال فترة ولايته الأولى. فعلى المستوى الاقتصادي، دعا ترامب إلى فرض تعريفات جمركية بنسبة 10 على جميع الواردات، وبنسبة 100 على السيارات المصنوعة خارج أميركا، وهو بذلك يوجِّه ضربة للمصانع الصينية المصدرة للسيارات الكهربائية. وقد أفصح ترامب أيضا عن نيته وضع تعريفات جمركية بنسبة 60 على الأقل على البضائع الصينية، وهي قرارات ستسبب توترات عالمية ويمكن وصفها بسهولة أيضا بأنها حرب اقتصادية.
قد يضغط ترامب أيضا على الشركات متعددة الجنسيات لتحويل سلاسل التوريد الخاصة بها بعيدا عن الصين إلى أميركا أو دول أخرى، بهدف عزل الصين اقتصاديا وقطعها عن منظومة التجارة العالمية، وقد تسهم سياسات الانفصال تلك في انخفاض كبير في التجارة العالمية، مما قد يؤدي إلى خسارة تتراوح بين 0.2 إلى 7 من الناتج العالمي، وهو ما قد يرفع معدلات التضخم والبطالة، وعلى المدى الأبعد، ربما يؤدي ذلك إلى تحوُّل كبير في ديناميكيات القوة الاقتصادية العالمية.
عسكريا، من المرجح أن سياسات ترامب بتقليل التدخل العسكري الأميركي في أوروبا سوف تساهم في توجيه الموارد نحو منطقة المحيطين الهندي والهادي، حيث كان أحد القرارات التي أعلن عنها ترامب ولم يُنفَّذ خلال ولايته الأولى هو سحب 12,000 جندي من ألمانيا ونقلهم إلى أماكن أخرى في المحيطين الهندي والهادي. بالتزامن، من المتوقع أن يواصل ترامب الضغط على الدول الحليفة لأميركا في آسيا، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، لزيادة مساهماتها المالية لدعم الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.
نتيجة لذلك، سوف تخلق سياسات ترامب بيئة جيوسياسية مليئة بالتحديات في آسيا، حيث يشعر الحلفاء بالضغط للتنقل بين علاقاتهم مع أميركا والصين مع تزايد شكوكهم في الالتزامات الأمنية والعسكرية الأميركية. ويعتقد الصينيون أنه لولا ترامب، ما كان رئيس الوزراء الياباني آبي لينضم إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية، كما اتبعت كوريا الجنوبية أيضا سياسة أكثر حيادية في الموازنة بين أميركا والصين. في المقابل تشهد العلاقات بين أميركا والهند تطورا كبيرا وملحوظا بالمقارنة مع باقي الدول الآسيوية.
هذا التناقض بين الحزم في التعامل مع الصين، والمرونة في التعامل مع روسيا، ربما يكون نابعا من قناعة لدى ترامب بأهمية فصل روسيا عن الصين وإيران وتقليص مساحات التقارب مع روسيا، من خلال تقديم حوافز لروسيا تشتمل على تخفيف العقوبات المفروضة على روسيا ودعم التسوية في أوكرانيا مقابل التفرد بالصين، التي تراها ترامب خصم الولايات المتحدة الأهم، ثم إيران، العائق الأول الذي يواجه أميركا في الشرق الأوسط من وجهة نظره.
من المتوقع أن يحافظ ترامب على نهج متشدد تجاه إيران كما فعل في ولايته الأولى، من خلال تصعيد الضغوط الاقتصادية وفرض عقوبات اقتصادية واستكمال سياسة الضغط الأقصى، مما سيقوض التجارة والاقتصاد الإيراني إقليميا ودوليا.
ومن المرجح أن تعود مبيعات النفط الإيراني للانخفاض مجددا، ففي فترة ولايته الأولى انخفضت المبيعات إلى 100-350 ألف برميل يوميا من 1.29 مليون برميل يوميا في 2017، وهو ما انعكس سلبيا على احتياطيات النقد الأجنبي الإيراني وتسبب في انكماش اقتصادي حاد. كما حذر رئيس مركز أبحاث البرلمان الإيراني من التبعات الاقتصادية في حال عاد ترامب للسلطة، ووصفها بـالصدمة الاقتصادية، خاصة في ضوء العجز الحالي في الميزانية الذي بلغ نحو 3.7 مليارات دولار.
من المرجح أيضا أن تتقلص المساحات التي اكتسبتها إيران إقليميا بعد مهاجمتها إسرائيل، وذلك في أعقاب استهداف تل أبيب للقنصلية الإيرانية في دمشق، حيث يُنتظر أن يتعامل ترامب بشكل أكثر صرامة وصداما مع الجمهورية الإسلامية، ما سيجعل طهران تتخذ خطوات للخلف للحفاظ على تموضعها الإستراتيجي إقليميا. وبشكل عام، لا يُستبعد أن يقوم ترامب بعمل عسكري مباشر ضد إيران، خاصة إذا صعّدت من وتيرة ردودها على إسرائيل، وحال استمر حلفاؤها الإقليميون في تهديد المصالح الأميركية.
وفي لبنان، يمكن أن يمهد ترامب الطريق لصراع مع حزب الله حليف إيران، الذي وصفته مجلة فورين بوليسي بأنه حتمي، ويرجح أن يزيد من الوجود العسكري الأميركي في المنطقة لمواجهة الحزب. أما فيما يخص وكلاء إيران في العراق وسوريا واليمن، فمن المتوقع أن يكون ترامب أكثر حزما تجاههم، خاصة مع الحشد الشعبي بالعراق.
في غضون ذلك، من المتوقع أن يقدم ترامب الدعم الكامل وغير المشروط لإسرائيل أسوة بما فعله خلال ولايته الأولى، وأن يواصل تعزيز شرعية إسرائيل في المنطقة والضغط على الدول العربية للتطبيع مع إسرائيل، وذلك في إطار ما عُرف إعلاميا بمشروع صفقة القرن الذي سبق أن أعلن عنه، وستسمح خطة ترامب بإعلان السيادة الإسرائيلية على مناطق معينة من الضفة الغربية المحتلة، بما في ذلك المستوطنات الإسرائيلية وغور الأردن، وقد يشجع ذلك إسرائيل على ضم الضفة الغربية.
وسيتبنَّى ترامب نهجا أكثر عدوانية تجاه المقاومة الفلسطينية وحركة حماس، حيث سبق أن طالب بـسحق حماس، كما انتقد القيادة الإسرائيلية في الماضي لعدم تعاملها بـالصرامة الكافية مع الحركة، ما يجعلنا نتوقع أن يطلق يد إسرائيل في ممارسة الإبادة ضد الفلسطينيين في غزة أكثر مما فعلته إدارة بايدن الراهنة. في سياق متصل، تعهد ترامب بقمع الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين في حرم الجامعات، قائلا إنه سيطرد الطلاب المتظاهرين الذين وصفهم بأنهم جزء من ثورة راديكالية. كما صرح أيضا بأنه سيعمل على ترحيل جميع الأجانب المقيمين المتعاطفين مع حماس، مستخدما المصطلح القانوني الأجانب المقيمين للإشارة إلى المقيمين الدائمين في أميركا. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/7/15/%d8%b1%d8%b5%d8%a7%d8%b5%d8%a9-%d9%82%d8%af-%d8%aa%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%b1%d9%8a%d9%82-%d9%88%d8%a8%d8%b1%d9%86%d8%a7%d9%85%d8%ac-%d8%b1%d8%a6%d8%a7%d8%b3%d9%8a | 2024-07-15T09:49:13 | 2024-07-15T10:51:08 | أبعاد |
|
146 | عادات الأكل في رمضان لماذا نشتري ونعد طعامًا يفوق ما نستطيع تناوله؟ | يروّض الصوم رغباتنا وشهواتنا، ورغم كون الصيام فريضة أساسها الإمساك عن الطعام وإعطاؤه حد قدره، نقع في فخ إهداره ونحوّل الشهر إلى مشروع مطبخي. | نصوم رمضان لبناء علاقة روحية عميقة بالعالم، لاستشعار تجلي الله في كل شيء حولنا، حتى موائدنا. ننسى في حياتنا أننا في زحام من النعم، فيأتي الشهر الفضيل يُذكّرنا بأن علينا أن نتمهل، نمارس الامتنان والشكر مع كل غروب للشمس، بعد أن قضينا نهارا طويلا نعاني الجوع والعطش. يروّض الصوم رغباتنا وشهواتنا، نتدرّب على مخالفة أهوائنا 30 يوما، نمارس خلالها قوة الإرادة والتحمل ونتعلم ضبط النفس، المهارة التي نحتاج إليها في كل مكان وزمان. مع ذلك، ورغم كون الصيام فريضة أساسها الإمساك عن الطعام وإعطاؤه حد قدره، نقع في فخ إهداره ونحوّل الشهر إلى مشروع مطبخي.
أظهرت دراسة أجرتها منظمة الأمم المتحدة بالمملكة العربية السعودية أنه خلال شهر رمضان تُحضَّر كميات مهولة من الطعام في وقت قصير، ويُهدَر قرابة 25 إلى 50 منه، بينما يعاني 10 من سكان العالم جوعا مُميتا. قديما، كتب الفيلسوف اليوناني إبيقور رسالته الشهيرة إلى صديقه مينيسي، وقد ورد فيها لا يختار الحكيم من الناس تناول أكبر كم من الطعام، بل أكثره متعة. خلال رمضان، نجد أنفسنا أبعد ما نكون عن حكمة إبيقور، نخالفها بجدارة لأننا نفعل الأمرين، كميات مهولة من أمتع الأطعمة التي يرتبط معظمها ارتباطا وثيقا بهذا الشهر، ينتج عن هذا الارتباط، ارتباط السمبوسة مثلا السمبوسك في بلادٍ أخرى، بموائد الإفطار الرمضانية أننا نستهلكها بكميات كبيرة، شاعرين بأننا سنعجز عن تناولها في الأيام العادية، ما يؤدي إلى تضاعف استهلاكنا لأطعمة متوفرة طوال السنة، لكن لها مكانتها ورمزيتها الخاصة في رمضان12.
رغم كوننا لا نعاني حرمانا من الطعام طوال السنة، ندور في الحلقة نفسها كل رمضان، ونجد أنفسنا نخزّن ونكدّس الأطعمة في الثلاجات. أُجريت دراسة بحثية في سياق آخر، أعياد رأس السنة، حيث تابع الباحثون وزن قرابة 3 آلاف شخص على مدار العام، فلاحظوا زيادة تتراوح من نصف كيلوجرام إلى كيلوجرام واحد في أوزان المشاركين بأعياد رأس السنة الميلادية. بعد 6 أشهر، لم يُنقِص المشاركون هذا الوزن الزائد،ليس بسبب عدم مبالاتهم بوزنهم وصحتهم، بل على العكس، يبدأ العام بخطط الحميات الغذائية واشتراكات الصالة الرياضية، لكن مع هدوء حماس البدايات، تفشل معظم الخطط، فيتكرر الأمر ذاته في حلقة مفرغة من الأمل والنسيان2.
يحدث الأمر ذاته في رمضان، ثبتَ في وعينا الجمعي مفهوم بعد العيد، سواء تحدثنا عن العمل أو الحميات الغذائية، أننا سنأكل الآن كل ما لذ وطاب من الأكلات التي لا تظهر سوى في رمضان، وبعد العيد سنلتزم بحمية قاسية وننتبه لأوزاننا ونقلل السكريات وكل شيء. في الواقع، لا ننتبه لما نأكله، لا نشعر به أو نتلذذ بطعمه، ينصبّ التركيز كله على أن لدينا وقتا محدودا للغاية، من المغرب إلى الفجر، لتناول كل هذا الطعام، نأكل بأعيننا وقلوبنا ومعداتنا التي ستصبح خاوية نهار اليوم الثاني، نأكل لأنه ترسّخ في أذهاننا أنه موسم للحرمان من الطعام والإفراط في تناوله في آن واحد.
درس خبير التسويق بيير شاندون الطريقة التي يتبعها الناس لتحديد مقدار الطعام الشهي الذين يرغبون في تناوله، بمعنى آخر، حين يرى الشخص وجبته المفضلة أمامه، متى يقرر أنه سيتناول مقدارا كبيرا أو صغيرا أو يقرر أنه لن يتناول شيئا؟ فلاحظ أن عاملَين يتحكمان في هذه المعادلة الأول هو الخوف من الجوع، والثاني القيمة المالية المدفوعة. أُجريت سلسلة من الدراسات في الولايات المتحدة وفرنسا تحت إشراف بيير شاندون ويان كورنيل، الأستاذ بجامعة بريتش كولومبيا، فوجدوا فيها أن الناس لا يفكّرون في مبدأ اللذة أو الاستمتاع بالطعام حين يختارون ما بين الكمية الصغيرة والكبيرة من وجبة ما، وإن كانت وجبة مفضلة لديهم، لأننا نربط على نحو خاطئ بين اللذة والوفرة، مع أن أول قضمة من أي وجبة هي الألذ، ما يليها ممتع لكن تنقص لذتها عما قبلها2.
تُعرف هذه الظاهرة باسم التكيُّف مع المتعة hedonic adaptation، وهي قدرتنا على التكيف مع أي متغيرات نمر بها سواء سعيدة أو تعيسة، إذ خلالها نضبط مشاعرنا لنصل إلى حالة طبيعية ومتزنة من السعادة، بمعنى آخر، أيا كانت التجربة التي ستمر بها، فستميل إلى الاستقرار عند مستوى معين من السعادة، ولهذا السبب يُطلق عليها اسم حلقة السعادة hedonic treadmill، لأننا ننتهي من حيث بدأنا، ولهذا السبب بالضبط يتحدد رضاك عن الطعام من آخر لقمة تتناولها، حين نتناول كمية كبيرة من الطعام، تكون اللقمة الأخيرة باهتة الطعم لأننا شبعنا، ما يُفسِد علينا متعتنا بالوجبة كلها. يُهمَل هذا العامل تماما، وينصب التركيز بأكمله على شعورنا بالجوع ووعينا الشديد والمستمر طيلة الثلاثين يوما بأننا ملزمون بالتوقف عن الأكل خلال بضع ساعات2.
لكن لا تقع المسؤولية على كاهلنا بأكملها، بل لأسلافنا يد في عاداتنا. تتحكم بعض الآليات الفسيولوجية التي تكوّنت عبر سنوات طويلة من التكيّف التطوري في سلوكيات الطعام وأفكارنا عنه، وبعضها يصطدم بالحضارة التي نعيش فيها. ترتبط معظم متاعبنا الصحية في رمضان وغير رمضان بشعورنا بأن معدتنا ثقيلة، والبعض يزداد وزنه بشكل غير مفهوم. السؤال هنا لماذا نستمر في الأكل حتى بعد تناوُل وجبة مُشبِعة على الإفطار؟ لماذا نأكل ونحن لا نشعر بالجوع، ونحن مدركون أن ما نتناوله فائض عن حاجتنا وسيؤثر سلبا على الساعات القليلة التي لن نمسك فيها عن الطعام؟
تُجيب الأنثروبولوجيا إجابة بسيطة عن هذه الأسئلة، طوّر البشر آلية متطورة لتناول الطعام كلما كان متاحا بغض النظر عن حالة الجوع أو الشبع. قضى أسلافنا أياما وأسابيع بحثا عن فريسة تُسكت جوعهم، وحين تمكّنوا من اصطيادها لم تكن لديهم معرفة بكيفية تخزينها أو الحفاظ عليها، لذا كان منطقيا بالنسبة إليهم تناول أكبر قدر ممكن من الطعام إلى حدّ التخمة، لأنه لا وسيلة لمعرفة موعد الوجبة التالية، قد تكون بعد يومين أو أسبوع أو شهر. لكن الآن اختلف الوضع تماما، نعرفُ موعد وجبتنا التالية، والطعام شبه متوفر على مدار الساعة، لكن في شهر رمضان تستيقظ هذه الرغبة فينا بجموح، لأننا نعرف أن الوجبة القادمة بعيدة3.
ما زاد الطين بلة أننا لا نتوقف عند الوجبات العادية، بل نترك هامشا لـالحلو، أو نجد له متسعا إن صح القول. كما ستلاحظ في عاداتك الغذائية، لن تجد نفسك متلهفا لتناول لفافة كاملة من الخس أو كيلو من الخيار مثلا، يرجّح أن السبب هو وفرة هذه الأطعمة فيما مضى، لذا لا ضرورة من الإكثار منها. لكن لأن الأطعمة الدسمة والحلوة، الفاكهة على وجه التحديد، كانت شديدة الندرة في الماضي وعملية العثور عليها شاقة، اتبع أسلافنا المبدأ نفسه، تناوُل الطعام لأنه متوفر. لذا، ما لم نسيطر على أنفسنا، فالكثير منا لا يكتفي بوجبة الإفطار، بل يلجأ بعدها للإفراط في التحلية المتوفرة بشتى أصنافها وأشكالها في رمضان على وجه الخصوص3.
لمفهوم النُّدرة شقّان، شقّ أن الصائم يتحكّم فيه جوعه الشديد وحاجته الملحّة لتناول الطعام، ما ينتج عنه تحضير كميات هائلة منه أو حتى تناوله إلى حدّ الشراهة، والشق الآخر هو الأوضاع الاقتصادية الشاقة التي يعيشها العالم الآن. أشار خبيران في التسويق من جامعة ميامي، أنتوني ساليرنو وجوليانو لاران، إلى أن المجتمع الأميركي على وجه التحديد يختار أسوأ اختيارات غذائية بسبب ما يتعرّض له بشكل يومي من أخبار سيئة عن الأزمات الاقتصادية والصراع في عالم قاسٍ، كلها تؤدي إلى تكوين عقلية محدودة في اتخاذ القرارات الغذائية والمادية. لأسباب ترتبط بأسلافنا أيضا، العيش في وضع النجاة يجعلنا نركز على النجاح الممكن الفوري. نتنافس على المواد النادرة بغرض الحصول عليها فحسب، تتجاهل هذه العقلية المستقبل من حساباتها تماما بما في ذلك النظام الغذائي، حتى إن كان مستقبلا قريبا مثل سؤال أين سيذهب هذا الطعام كله بعد الإفطار؟4.
ندرة الوقت لها دور أيضا، تُبرمج أدمغتنا أن الوقت ضيق جدا على الطعام المتاح تناوله خلال فترة الإفطار. أجرى لاران وساليرنو تجربة تختبر تأثير شعور الناس بالوقت على اختياراتهم الغذائية، قَسّمَا المشاركين إلى مجموعتين مجموعة ركّزت على ندرة الاختيارات الغذائية المطروحة في التجربة بجانب سرعة مرور الوقت دون القدرة على مواكبته أو الإحساس به، أما المجموعة الأخرى فركّزت على وتيرة الأيام الهادئة أحيانا والطبيعة الرتيبة للروتين. اتضح، وهو ما ليس مفاجئا، أن المجموعة الأولى قررت تناول الأطعمة ذات السعرات الحرارية العالية مثل البرجر والبيتزا، أما المجموعة الأخرى فقررت تناول السلطة والمأكولات الخفيفة. صحيح أننا نعيش في عالم يشبه السباق، لذا بشكل عامّ ودون وعي تام نختار اختيارات غير صحية، تتضاعف تلك الحالة الملحّة في رمضان، الوقت قصير والطعام كثير، وبين هذا وذاك نسقط في فخ التخمة4.
ليس هذا فحسب، بل تخلق حالة الجوع رغبة في الحصول على الأشياء بشكل عام، حتى ما ليس له علاقة بالطعام. يشير عالم النفس والخبير التسويقي نوربرت شوارتز إلى نتائج بحث ميداني أجراه أنك في حال تسوقت في محل ملابس وأنت تتضور جوعا، فعلى الأرجح ستشتري أشياء في الأغلب لا تحتاج إليها، وستنفق نسبة تزيد عن 60 مقارنة بشخص كانت يشعر بالشبع خلال التسوق، بعبارة أخرى، يؤكد شوارتز أن الدافع البيولوجي -الجوع- يؤثر على سلوكيات لا ترتبط بإسكات هذا الجوع بشكل مباشر، تتحول الرسالة من أريد تناول الطعام إلى أريد أي شيء5.
عادة حين نعتاد طعاما معينا نتلذذ به بنسبة أقل، ومن ثم نعزف عن تناوله، يُسمى هذا الشبع الحسي المحدد، يعني أننا نشبع من هذا المذاق بالتحديد، لكن حين تتنوع الأطعمة التي أمامنا يصعب أن نشبع، ويجدد التبديل بينها شهيتنا. حين اختبر الباحثون هذه النظرية، لاحظوا أن الكمية التي يتناولها الناس تتضاعف أربع مرات حين تختلف الأصناف على المائدة، التنوع يعني متعة أكبر وشبعا أقل. ورغم أن خبراء التغذية ينصحون بهذا التنوع لإثراء النظام الغذائي، عليك توخي الحذر في أيام رمضان من الأصناف التي تعدّ بكثافةٍ هذا الشهر بالتحديد لذا قد لا تشعر بشبعٍ حسي أبدا6.
أيضا، ربما سمعت النصيحة التي تقول إن حجم الطبق يلعب دورا في شبعك، يعني حين تضع الكمية نفسها في طبقين، أحدهما طبق صغير فتظهر الكمية فيها كبيرة، وطبق كبير تظهر الكمية فيه صغيرة، يلعب منظر كلا الطبقين دورا في تحديد اللحظة التي ستتوقف فيها عن الأكل. في دراسة عن الشبع، جلس المشاركون على مائدة وطُلب منهم تناول أطباق الحساء التي أمامهم، مجموعة منهم أطباقها موصّلة بأنابيب تملأ أطباقهم دون معرفتهم، والمجموعة الأخرى تنهض وتملأ أطباقها بنفسها. اتضح أن المجموعة التي امتلأت أطباقها دون إدراك منها استهلكت حساء أكثر من المجموعة الأخرى بنسبة 73، لم تصدق المجموعة هذه النتيجة، وأيضا لم يشبعوا أكثر من المجموعة الأخرى. ليس من المحتمل أن يمتلئ طبقك من تلقاء نفسه، لكن من المهم، في حال أردتَ التقليل من الكميات التي تتناولها أو حتى تتحكّم بها، أن تعرف أنك على الأرجح ستأكل الكمية التي تضعها في طبقك أيا كانت6.
قد تبدو عادة غير ضارة من الوهلة الأولى، لأن التلفاز أصبح عنصرا أساسيا في رمضان تحديدا عند الإفطار، قد تتركه يعمل في الخلفية، أو تتابع مسلسلا أو برنامجا معينا خلال الموسم المكتظ بالأعمال الجديدة، لكن الدراسات تُثبت أن تناول الطعام في حالة من التشتت، سواء بالهاتف أو التلفاز، يؤدي إلى زيادة استهلاك السعرات الحرارية في الوجبة الواحدة دون تحقيق الشبع المطلوب، فيترتب عليه زيادة في الكميات التي ستتناولها طوال فترة الإفطار. لذا، حاول مقاومة أي شيء يخطف انتباهك، والتركيز على تناول الطعام نفسه، والتمهل في مضغ كل لقمة، سيحسّن هذا هضم الطعام ومن ثم لن تشعر بالتخمة بعد الإفطار.
ستتفاجأ من أن الكمية التي اعتدت تناولها ستقل من تلقاء نفسها حين تنظم مواعيد وجباتك، ابدأ بتناول شيء خفيف وغني بالألياف، مثل السلطة والشوربة وكوب عصير، ثم توقف، إن منحت الجوع فرصته لينحسر بهدوء ستتجدد طاقتك وستحافظ على خفتك لاستكمال مسائك بشكل طبيعي، ثم بعد ساعتين تناول وجبتك الثقيلة، ما يعادل الغداء في الأيام العادية، بعدها بساعتين تناول ما تريده من الحلوى، على هذا النحو ستنال كل العناصر الغذائية المطلوبة وستستمتع بمذاقها جميعا بعد الفصل بينها، وأيضا لن تشعر لا بالجوع ولا بالتخمة، وهذا هو الهدف المرجو.
اسبق جوعك. تعرف أنك تحب التحلية بعد كل وجبة، إذن كن مستعدا بشراء الفاكهة حتى لا تستسهل الطلب من أقرب محل حلويات لك. لم تُضف ما يكفي من البروتين في إفطار البارحة فشعرت بالجوع طوال فترة صيامك، إذن عليك إضافته اليوم. قد يُفيدك عمل مخطط أو جدول للوجبات الصحية التي تود تناولها لتعرف ما الذي تهمله وما الذي تُكثر منه.
يملأ الناس 70 من أطباقهم بغض النظر عن سعتها، ويُؤكل كل ما في الطبق، هذا لا يعني سوى كميات كبيرة من الطعام إن كان الطبق كبير الحجم، لهذا السبب تُعدّ خدعة تصغير الطبق خدعة فعّالة خلال محاولة إنقاص الوزن أو التحكّم به. أيضا الملاعق، ذُكر في إحدى الدراسات أن الملاعق الصغيرة تُقلل الكمية المُستهلَكة لأنك ستستخدمها مرات أكثر من الملاعق الكبيرة. لذا عليك بالأواني الصغيرة، سيمكّنك هذا الوهم من تناول كمية تبدو أكبر، لكنها في الواقع أقل حجما.
| https://www.aljazeera.net/sukoon/2023/4/6/%d8%b9%d8%a7%d8%af%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%83%d9%84-%d9%81%d9%8a-%d8%b1%d9%85%d8%b6%d8%a7%d9%86-%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d9%86%d8%b4%d8%aa%d8%b1%d9%8a-%d9%88%d9%86%d8%b9%d8%af | 2023-04-06T13:02:02 | 2024-06-06T11:56:12 | أبعاد |
|
147 | هذه خطة إسرائيل لاجتياح جنوب لبنان فهل تنجح؟ | يومي الأحد والاثنين 22 و23 سبتمبر/أيلول، أصبحت الغارات على لبنان أكثر غزارة وعنفا، وأعلن جيش الاحتلال أن المقاتلات هاجمت نحو 1300 هدف لحزب الله، فما هي سيناريوهات التصعيد، وكيف سيكون شكل الحرب؟ | بينما كانت أجهزة البيجر تنفجر في أجساد اللبنانيين يوم الأربعاء 18 سبتمبرأيلول، زار وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت قاعدة رامات ديفيد الجوية، أكبر القواعد في المنطقة الشمالية وواحدة من ثلاث قواعد جوية رئيسية في دولة الاحتلال، وأعلن من هناك أن مركز الثقل يتحرك شمالا، مُدشِّنا ما أطلق عليها مرحلة جديدة من الحرب.
في اليوم التالي الموافق 19 سبتمبرأيلول، شنَّت إسرائيل الغارات الأكثر كثافة على لبنان منذ بدء الحرب على غزة قبل نحو عام، وربما تكون هي الغارات الأشد وطأة منذ سنوات طويلة وفق تأكيدات مصادر لبنانية لوكالة رويترز.
استهدفت الضربات قرى الجنوب اللبناني، عدشيت القصير وقبريخا وبني حيان ومركبا ورب ثلاثين ومجادل ومحرونة، حيث يعيش مئات الآلاف من الناس، كما حلَّقت طائرات حربية إسرائيلية فوق العاصمة بيروت مُتعمِّدة اختراق حاجز الصوت في غارة وهمية تهدف إلى إرهاب سكان العاصمة.
استمر القصف يوميا بلا توقف منذ ذلك الحين، وفي يومي الأحد والاثنين 22 و23 سبتمبرأيلول، أصبحت الغارات أكثر غزارة وعنفا، وأعلن جيش الاحتلال أن المقاتلات هاجمت نحو 1300 هدف لحزب الله في الجنوب والشرق اللبناني. وجاءت هذه الخطوات التصعيدية متسقة مع تصريحات القادة الإسرائيليين والتحركات المتزامنة لجيش الاحتلال باتجاه الجبهة اللبنانية التي تسارعت خلال الأسبوعين الأخيرين.
فحتى قبل إطلاق تفجيرات البيجر واللاسلكي، أرسل جيش الاحتلال الإسرائيلي الفرقة 98 التي تضم ما يقرب من 10,000 إلى 20,000 جندي من الكوماندوز والمظليين إلى الشمال، لتنضم إلى الفرقة المدرعة 36، التي أعاد جيش الاحتلال نشرها من غزة شمالا في وقت سابق من هذا العام.
إلى جانب هذه الوحدات، يضم جيش الاحتلال الفرقة 91، وهي الفرقة الرئيسية المسؤولة عن تأمين الحدود الإسرائيلية مع لبنان، فضلا عن القوات الاحتياطية لهذه الوحدات.
وفي غضون ذلك، زار قائد الجبهة الشمالية أوري غوردين تدريبا أجراه جنود احتياطيون من اللواء 179 الأسبوع الماضي، سبقه تدريب آخر للواء 769 حيرام، وقد ركَّز كلا التدريبين على محاكاة القتال في لبنان.
تطرح هذه التحركات تساؤلات حول مستقبل الصراع على الجبهة اللبنانية خلال الأيام والأسابيع التالية، ويخشى مراقبون أن تفجيرات البيجر كانت مقدمة إسرائيلية تهدف إلى إرباك حزب الله قبل تنفيذ سيناريو اجتياح شامل للجنوب اللبناني، وربما للبنان بأكمله بما يشمل العاصمة بيروت كما يطالب الجناح الأكثر تعصبا في حكومة وجيش الاحتلال، وهو ما يُنذر باندلاع حرب إقليمية تتجاوز حدود لبنان نفسه كما يرجّح خبراء.
في المقابل، تُسابق الجهات الإقليمية والدولية التي تخشى تبعات الحرب الزمن لاحتواء التصعيد قبل أن تصبح المواجهة الشاملة بين إسرائيل وحزب الله أمرا واقعا، وهي مواجهة سوف يكون لها تداعيات أوسع بكثير من حرب الإبادة الإسرائيلية ضد قطاع غزة التي تُشارف على إكمال عامها الأول.
في دراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS صدرت في مارسآذار 2024، بعد أكثر من 5 أشهر على عملية طوفان الأقصى والحرب الإسرائيلية على غزة، خلص الباحثون إلى أنه في ضوء المشهد الإستراتيجي المتغير وقدرات حزب الله المتطورة، فإن هناك خيارين أمام إسرائيل للتعامل مع الجبهة اللبنانية عسكريا، وهما الانخراط في حرب محدودة مع حزب الله للضغط عليه وشغله على مدى زمني طويل، أو خوض حرب شاملة ضد الحزب في محاولة من الاحتلال لتدمير قدراته بضربة حاسمة.
تعني الحرب المحدودة استمرار الصراع دون مستوى الحرب الشاملة، ولكن مع وجود ضربات إسرائيلية دقيقة تستهدف باستمرار قدرات حزب الله البشرية والمادية وبنيته التحتية، ومع توالي ردود أفعال الحزب على الضربات، تتطلب هذه الخطة استمرار وتيرة الضربات الإسرائيلية بمعدل زمني وقوة متناسبين، ويضمنان أن يكون فارق الخسائر في صالح إسرائيل وليس في صالح حزب الله.
يتضمن سيناريو الحرب المحدودة قيام الاحتلال بغارات جوية إسرائيلية منتظمة بالقرب من الحدود، مع استمرار استهداف قادة حزب الله.
في المقابل سيستمر الحزب في المقاومة وإطلاق صواريخه على البنية التحتية العسكرية الإسرائيلية عبر الحدود بشكل يتناسب مع حجم الضربات الإسرائيلية، سواء بالضرب في العمق بالصواريخ ذات المدى المناسب، أو عبر شن هجمات بالصواريخ وقذائف الهاون على المواقع الإسرائيلية القريبة من الحدود، أو استهداف الدبابات الإسرائيلية القريبة، على أن تُعاير الهجمات بدقة بحيث لا تتخطى السقف الذي يدفع إسرائيل إلى تخطي الحاجز الفاصل بين الضربات الموجَّهة والمواجهة الشاملة.
وبحسب خبراء في هذا النطاق، فإن الهجمات الإسرائيلية في هذه الإستراتيجية سوف تركز على المناطق التي يهيمن عليها حزب الله في جنوب لبنان، وضاحية بيروت، ووادي البقاع، بُغية تحقيق عدة أهداف على رأسها تعطيل الاقتصاد اللبناني الذي يعاني من انخفاض قيمة العملة، ما سيسبب بالتبعية ضغطا سياسيا على حزب الله، إلى جانب دفع أنصار الحزب نحو مناطق أخرى من البلاد يمكن أن تشهد زيادة في التوترات الاجتماعية بوجودهم.
لكن بعض المحللين يعتبرون أن ذلك قد يكون رهانا خاسرا، لأن من الصعب التنبؤ بالطريقة التي يتصرف بها اللبنانيون حين يعتقدون أن بلادهم تتعرض لحرب من قِبَل إسرائيل.
هدف آخر محتمل للضربات الإسرائيلية هو إجبار حزب الله على فك الارتباط بين جبهة لبنان وجبهة غزة، حيث يربط الحزب بين إيقاف هجماته وبين وقف إطلاق النار في القطاع.
ويُعد تحقيق هذا الهدف أيضا بعيد المنال، في ظل التشابك بين الجبهتين منذ بدأت الحرب، والثمن السياسي والعسكري الباهظ للتراجع في الوقت الراهن. وقد خرج الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله بنفسه مؤخرا لوأد هذا السيناريو في مهده، مشددا أن جبهة لبنان سوف تظل مرتبطة بجبهة غزة مهما كانت الخسائر والتضحيات.
يتمثَّل الخيار العسكري الثاني في شن حرب إسرائيلية شاملة على لبنان. وإذا بدأت حرب واسعة فمن المرجح أن يركز جيش الاحتلال على ملاحقة مواقع حزب الله الصاروخية ومواقع انطلاق المسيرات.
ورغم أن إسرائيل ستستهدف قيادة حزب الله والمواقع العسكرية في بيروت وفي وادي البقاع، فمن المرجح أن تركز معظم جهودها على وجود حزب الله بالقرب من الحدود، ومحاولة دفع مقاتليه بعيدا عنها، ربما إلى الجانب الآخر من نهر الليطاني، الذي يبتعد عن حدود الاحتلال مسافة نحو 30 كيلومترا.
من المرجح أن تكون الخطوة الأولى لجيش الاحتلال في هذا السيناريو هي حملة جوية ضخمة تهدف إلى تدمير قدرات حزب الله الصاروخية ومراكز القيادة. في الواقع، هناك تصورات بأن الغارات الجوية الحالية تُعد مقدمة لتلك الحرب الشاملة.
وفي حال صحَّت هذه التوقعات، فمن المتوقع أن ينفذ سلاح الجو الإسرائيلي ضربات على مواقع إطلاق وتخزين الصواريخ ومراكز القيادة وشبكات النقل مستخدما الذخائر الموجَّهة بدقة، وربما تكون تلك الضربات الجوية مصحوبة بهجمات صاروخية من البحر اعتمادا على البيانات الاستخباراتية القادمة من المسيرات والأقمار الصناعية والمصادر الأرضية، لتحديد مستودعات الصواريخ وقاذفاتها ومراكز القيادة التابعة لحزب الله.
وتهدف هذه الضربات الأولية إلى تحقيق أكبر دفعة ممكنة قبل أن يتمكن الحزب من الرد. لكن مراقبين يشككون في اقتصار جيش الاحتلال على هذه الأهداف العسكرية، والتي عادة ما يصاحبها استهداف لمدنيين تحت ذريعة استهداف مواقع عسكرية تماما كما جرى في استهداف مستشفى المعمداني ومستشفى الشفاء في غزة، وذلك لتشكيل ضغط مستمر على الحاضنة الشعبية.
لكن هل ستنجح هذه الضربات في هدفها؟ يكمن جزء كبير من قدرة حزب الله على محاربة خصم أقوى في العدة والعتاد في قدرته على استخدام تكتيكات مرنة، فمثلا مع حملة قصف جوي على منطقة ما تتمكن القوات المدافعة من خفض استخدام نقاط التفتيش وتقليص حركة القوات على الأرض، ويمكن للقوات أن تتخذ تشكيلات مختلفة في وقت قصير بناء على المعلومات المتاحة.
بدورها، تتمتع منصات إطلاق الصواريخ الخاصة بالحزب بمرونة مماثلة بفضل أربع سمات تُشكِّل نقاط قوتها، الأولى أنها متنقلة، يمكن تحريكها وإعادة وضعها بسرعة؛ مما يجعل من الصعب على قوات الخصم تعقبها واستهدافها، والثانية أنها يمكن استخدامها في مختلف التضاريس، والثالثة أنه يسهل إخفاؤها وإخفاء مواقع تخزينها، والمزية الرابعة أن تدريب القوات وطبيعة المنصات يسمحان بالانتشار السريع لإطلاق الصواريخ والقذائف.
في الحقيقة، تدرك إسرائيل مزايا المرونة الفائقة التي يتمتع بها حزب الله حتى تحت أشرس الضغوط.
في تقرير بعنوان النار والدم الواقع المخيف الذي تواجهه إسرائيل في حرب مع حزب الله، أصدرته جامعة رايخمان الإسرائيلية في وقت مبكر من العام الحالي، توقع المحللون أن تستمر الضربات الصاروخية من حزب الله وحلفائه بمعدلات تتراوح بين 2500-3000 صاروخ وقذيفة يوميا لأسابيع متتالية، بما في ذلك الصواريخ الأقل دقة والصواريخ الدقيقة بعيدة المدى، مستهدفة المواقع العسكرية الإسرائيلية، فضلا عن المدن ذات الكثافة السكانية العالية في وسط البلاد.
اعتمد التقرير على التقديرات التي أشارت إلى أن حزب الله أطلق خلال حرب 2006 التي استمرت 34 يوما نحو 4000 صاروخ، أي بمعدل يومي بلغ 117 صاروخا، ثم قيست معدلات تلك الضربات وقورنت بما يمتلكه حزب الله في ترسانته الصاروخية حاليا.
وتشير التقديرات إلى أن الحزب بات يملك ما بين 120-200 ألف صاروخ، تتنوع في مداها وقدراتها، وهي تشمل مئات الصواريخ الدقيقة ذات القدرة التدميرية العالية، فضلا عن الدعم الذي سيتلقاه الحزب من حلفائه في ظل وجود خط إمداد مفتوح عبر سوريا والعراق وصولا إلى إيران نفسها.
في عام 2006، كانت حيفا، ثالث أكبر مدينة في الأراضي المحتلة، في مرمى صواريخ حزب الله، وهذه المرة من المتوقع أن تصل هذه الصواريخ إلى عمق أكبر داخل إسرائيل.
ويمكن لإطلاق القذائف بهذا المعدل أن يتحدى التكنولوجيا الإسرائيلية بشكل لم يسبق له مثيل، وربما يستنفد مخزون صواريخ القبة الحديدية الاعتراضية وصواريخ مقلاع داود في غضون أيام قليلة من القتال، مما يترك إسرائيل عرضة لآلاف الصواريخ والقذائف دون دفاع نشط فعال.
وفي هذا السياق سيحاول حزب الله تخفيف وتيرة الضربات الجوية عليه عبر توجيه الصواريخ الثقيلة والدقيقة نحو مسارات إقلاع الطائرات الحربية الإسرائيلية.
وبحسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، من المرجح أن تجبر الدفاعات الجوية لحزب الله الطائرات الإسرائيلية على التحليق على ارتفاعات أعلى، مما يقلل من قدرتها على ضرب الأهداف على الأرض بدقة، وسيُعد إسقاط حزب الله مقاتلة إسرائيلية مأهولة بنجاح حدثا إستراتيجيا مُهما لا يمكن استبعاد وقوعه.
وفي النهاية، ورغم تمتع إسرائيل بتفوق جوي كبير حتى في وجود منظومات حزب الله الدفاعية، فإن هذه الدفاعات النشطة سوف تؤخر انتشار قوات جيش الاحتلال بريا بشكل كبير.
يشرح تقرير جامعة رايخمان أن صواريخ حزب الله من المرجح أن تستهدف البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك محطات الطاقة والبنية التحتية للكهرباء ومرافق تحلية المياه ونقلها، كما ستصاب الموانئ البحرية في حيفا وأسدود بالشلل.
ويبدو أن الاحتلال يخطط لاتباع نمط تخريب شبيه، وهو أمر غير مألوف في الحروب النظامية، ويخبرنا به تصريح عضو مجلس الوزراء الإسرائيلي السابق بيني غانتس خلال الأسبوع الثالث من شهر سبتمبرأيلول الحالي حينما قال يمكننا أن نُغرق لبنان بالكامل في الظلام ونفكك قوة حزب الله في غضون أيام.
في الواقع، فإن هجمات البيجر تعطينا لمحة عن تكتيك مختلف للحروب غير المتكافئة من المرجح أن تستخدمه قوات الاحتلال في هذه الحرب.
وبحسب موقع المونيتور الأميركي، فإن خطة الاحتلال الأصلية كانت تقضي بتفجير الأجهزة في حال اندلاع حرب شاملة مع حزب الله من أجل تحقيق تفوق إستراتيجي عن طريق بث درجات عالية من القلق في جوانب لبنان حينما تنفجر الأجهزة، ولكن معلومات استخباراتية أفادت بأن اثنين من أعضاء حزب الله اكتشفا اختراق الأجهزة، فعجَّلت إسرائيل بتفجيرها.
وفيما يبدو، فإن فكرة تعطيل نمط الحياة اليومي في لبنان ربما تكون هدفا أساسيا لجيش الاحتلال في هذه الحرب، وربما تدخل الهجمات السيبرانية بوصفها سلاحا رئيسيا.
كذلك استخدمت إسرائيل تاريخيا تكتيكات الحرب النفسية، مثل إسقاط المنشورات أو بث الرسائل إلى السكان اللبنانيين، في محاولة لتأليبهم ضد حزب الله، أو التحذير الدائم من ضربات وشيكة.
لكن ما سبق وحده لا يكفل النصر الذي يبحث عنه نتنياهو ولا يضمن لجيشه الخروج من مستنقع غزة، وبالتبعية فإن إسرائيل ستكون مجبرة على المُضي قُدما واختراق الحدود اللبنانية بعِدّة فِرَق سعيا إلى إجبار مقاتلي حزب الله على الانتقال إلى الجانب الآخر من نهر الليطاني، وكذلك الكشف عن الأنفاق المخفية وتدميرها، التي كانت، مثل أنفاق غزة، أحد أهداف الاحتلال طيلة سنوات مضت.
لكن الحديث عن الحرب البرية أسهل بكثير من تجربتها، وأول مَن يعرف ذلك هي إسرائيل نفسها بعد تجاربها المتكررة في غزة.
لقد اخترق جيش الاحتلال عمقا أقل من ثلاثة كيلومترات في حروبه في قطاع غزة في أعوام 2008 و2009 و2014، وحتى في حربه الأخيرة لم يتمكن الاحتلال من السيطرة على مساحات واسعة من الأرض وتأمينها لفترة طويلة، وسرعان ما كان يفقد سيطرته على الأراضي، أو تكون سيطرته على منطقة ذات تكلفة استنزاف عالية كما يجري اليوم في محور نتساريم بقطاع غزة.
وفي سيناريو حرب شاملة مع حزب الله، سوف يتعين على جيش الاحتلال الإسرائيلي التوغل لمسافة أبعد بكثير في عمق الأراضي المعادية تمتد إلى عشرات الكيلومترات والسيطرة عليها لفترة كافية لضرب البنية التحتية العسكرية لحزب الله، وخاصة الصواريخ والقذائف، قبل الانسحاب، مع الاحتفاظ بخط سيطرة قوي نسبيا بعمق كيلومترين إلى ثلاثة كيلومترات.
وبالطبع فإن الدبابات مطلوبة لدعم المشاة في تحركات كهذه. لذلك، فإن رأس الحربة للهجوم الإسرائيلي المفترض سوف يشمل وحدات مدرعة نخبوية مثل اللواء 401 لواء مدرع يتبع الفرقة 162 في الجيش الإسرائيلي ويعمل مع دبابات ميركافا 4 والنسخة الأحدث ميركافا باراك.
وبحسب دراسة لجامعة إير الباكستانية فإن من المتوقع أن تتحرك قوات المشاة الإسرائيلية مثل اللواء الأول غولاني واللواء 35 المظليين مع ناقلات الأفراد الثقيلة المدرعة مثل نمر وأخزاريت إلى جانب الدبابات، وقد تُفضِّل بعض القوات الإسرائيلية السير بالقرب من الدبابات، حيث يُنظَر إليها على أنها أكثر أمانا من البقاء داخلها.
مع هذه التحركات ستسهم فرق المظلات في هذه العمليات، كما يُحتمل أيضا إنزال بعض الجنود عن طريق البحر كما حدث في الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، ولكن على نطاق أضيق على الأرجح.
في غضون ذلك، سيُشكِّل سلاح المهندسين أهمية كبيرة جدا لجيش الاحتلال، وتتمثَّل مهمتهم في تطهير الطرق من الألغام والكمائن وبناء الجسور التي قام جنود حزب الله بتدميرها لتعطيل تقدُّم الإسرائيليين.
على الجهة المقابلة، يمتلك حزب الله دبابات في المقابل لكنها أقل تقدُّما وعددا، مثل تي-54 وتي-55 وتي-62 وتي-72، وجميعها من الحقبة السوفياتية، وهذه من شأنها أن تلحق أذى كبيرًا بالقوات الإسرائيلية حتى لو لم تكن قادرة على حسم المعركة.
كما يمتلك حزب الله عددا من العربات المدرعة الأحدث والأكثر أهمية بالنسبة لمقاتليه، والواقع أن السلاح الرئيسي لحزب الله لمواجهة الدبابات الإسرائيلية لن يكون الدبابات، بل القذائف المضادة للدبابات، التي أعطت ثقلا للمقاومة الفلسطينية في غزة ضد الدبابات الإسرائيلية، ويمتلك حزب الله العديد من أنواع هذه القذائف، وينطلق الكثير منها من آر بي جي 7، وهو السلاح نفسه المستخدم لإطلاق قذائف الياسين التي تُنتجها وتطوِّرها كتائب القسام.
يستخدم حزب الله حاليا أيضا نظام صواريخ موجَّهة مضادة للدبابات، يُسمى ثار الله، الذي صُمِّم للتغلب على نظام الحماية النشط الذي تستخدمه دبابات ميركافا خصوصا، كما أفادت العديد من منافذ الأخبار في أواخر ينايركانون الثاني 2024 أن حزب الله استخدم صاروخ كورنيت-إي إم الأكثر تقدُّما لمهاجمة قاعدة مراقبة جوية إسرائيلية، وهو ما يُعد زيادة كبيرة في مدى الصواريخ المضادة للدبابات وقوتها التدميرية.
كانت حرب لبنان في عام 2006 نموذجا للقتال بهذا النوع من الصواريخ، حيث أُصيبت العديد من الدبابات الإسرائيلية ودُمِّر بعضها تماما، وفي تحليل للخبير الأمني الإسرائيلي بواز غانور، أوضح أنه في غضون 34 يوما فقط من الحرب غير المتكافئة ضد إسرائيل، أظهر حزب الله مرونة تنظيمية، وقدرة على البقاء، واستخدام أشكال متعددة ومبتكرة من القوة النارية.
أبعد من ذلك، رأى بعض الخبراء في هذا النطاق، مثل باحث الدفاع الأميركي فرانك هوفمان، أن حزب الله أثبت أن الجهات غير النظامية قادرة على دراسة وتفكيك نقاط الضعف في الجيوش ذات النمط الغربي، واستنباط التدابير المضادة المناسبة.
السبب في ذلك لم يكن القوة العسكرية تحديدا، ولكن ما يصفه المتخصصون باعتباره نوعا مختلفا من الحروب يُعد حزب الله أحد أفضل نماذج تطبيقه، وقد سُمِّيت هذه الحروب الحروب الهجينة.
لا تمتلك الحرب الهجينة تعريفا عسكريا محددا حتى الآن، ولا يزال ثمة جدل حول طبيعتها، لكن يمكن القول إنها إستراتيجية تمزج بين الحرب التقليدية والحرب غير النظامية، فتكون هناك قوات نظامية مسلحة تقليدية الطابع ذات تكتيكات ومعدات عسكرية قياسية، مع أسلحة مثل الدبابات والمدفعية والطائرات، إلى جانب تكتيكات الحرب غير النظامية، مثل استخدام وحدات أو خلايا صغيرة متنقلة وتكتيكات الكرّ والفرّ والكمائن وعمليات تخريب بنى العدو التحتية.
بالطبع لن يقف حزب الله في موقف دفاعي فقط، بل ستشن قواته هجمات حرب عصابات، على الأرجح باستخدام شبكة أنفاق واسعة ومواقع دفاعية مُعدَّة جيدا بالقرب من الحدود الإسرائيلية، مستفيدة من التضاريس الوعرة هناك، وستحاول تلك القوات توجيه ضربات دقيقة منهجية على مجموعة من مواقع المراقبة الإسرائيلية على طول الحدود، وإسقاط المسيرات عالية الجودة، وضرب بطاريات القبة الحديدية الإسرائيلية.
وفي هذا السياق سيحاول حزب الله، فوق الأرض وتحتها، التسلل بعملائه إلى داخل الأراضي المحتلة، ويمكن لكوادره الاستيلاء على قطع من الأرض بالقرب من الحدود.
بالإضافة إلى أسلحته التي تُعد أكثر تطورا إذا ما قورنت بسلاح المقاومة الفلسطينية وأكثر قربا لترسانة الحرب التقليدية، يمكن لحزب الله نشر ما بين 40-50 ألف مقاتل يتمتع جانب كبير منهم بتدريب عالٍ ومنضبط، وبالتالي فنحن هنا لا نتحدث عن قتال خاطف يمكن أن ينتهي في أيام أو حتى أسابيع، خاصة في ضوء فشل إسرائيل في غزة بعد عام كامل من الحرب.
أضف إلى ذلك أنه على خلاف غزة، فإن لبنان ليس محاصرا من كل الجوانب، ويتمتع بخطوط إمداد مفتوحة، ما يعني أن حربا برية سوف تكون مستنقعا حقيقيا تغرق فيه إسرائيل حتى أُذنيها دون أي مخرج قريب. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/9/24/%d9%87%d9%84-%d8%a8%d8%af%d8%a3%d8%aa-%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a9-%d9%88%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%b3%d9%8a%d9%83%d9%88%d9%86 | 2024-09-24T00:26:17 | 2024-10-15T00:13:31 | أبعاد |
|
148 | ماذا تقول عنك صورتك الشخصية على مواقع التواصل؟ علماء النفس يجيبون | في هذا المقال نأخذك في تجربة مختلفة نُناقش فيها كيف يُحلل الباحثون صورنا الشخصية على مواقع التواصل، وكيف تستطيع أن تفهم شخصيتك وشخصيات من حولك بناءً على الصور التي نستخدمها | تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، فيُعجبك ما نشره شخصٌ لا تعرفه، وقد تقوم بزيارة خاطفة إلى صفحته الشخصية كأنك تدخل إلى بيته. لقد أُعجبت بالعنوان، وأنت الآن تتفقد باقي التفاصيل، الصورة الشخصية والمنشورات والإعجابات والتعليقات وغيرها. حسنًا، لقد أصبح لديك الآن فكرة عن صاحب هذا البيت، فمن خلال تغريداته عرفت أنه لا يُحب القهوة إلّا سوداء، ويمتلك مكتبة منزلية، هذا حسابُ شخصٍ مثقف إذن. تنتقل إلى حساب آخر، فتجد أن أغلب تفضيلاته صورٌ للحيوانات الأليفة، يبدو أنه يمتلك قطة أو كلبًا، وحساب ثالث لشخصٍ يتفاعل في التعليقات والردود مع الحسابات التي تُناقش السياسة، فتقول في نفسك لا بدّ أنه لا يمتلك حياة مثيرةً على أرض الواقع. لكن، ماذا عن صورهم الشخصية؟ هل جربت النظر إلى ما وراء الكلمات والأفكار التي اختار أصحابها مشاركتها في الفضاء الرقمي؟ في هذا المقال، نُناقش كيف يُحلل الباحثون صورنا الشخصية على مواقع التواصل، وكيف يمكن أن تَقول صورتك عنك ما لم تقله عن نفسك.
لطالما كان الرابط بين مظهر الفرد وجوهره موضع اهتمام كبير في مجال علم النفس، ومع تعاظم دور وسائل التواصل الاجتماعي وأثرها في أغلب مناحي حياتنا، ازداد اهتمام علماء النفس وعلم الاجتماع بجميع المظاهر المتعلقة بها، لا تُستثنى منها صورنا الشخصية وما نختار أن نضعه في واجهة صفحاتنا على مواقع التواصل، كما تزداد الأدلة العلمية حول قدرتنا على استنباط وتوقع شخصيات الأفراد من صورهم، بل وبشكل أدق أحيانًا مما يُفصحون عنه عن أنفسهم بشكل مباشر وصريح من منشورات أو تعليقات أو غيرها1، وقد تُدهشك أحيانًا قدرة حتى غير المُختصين من البشر على تخمين شخصيات غيرهم وتحليلها من أبسط التفاصيل وأصغرها. يمكن القول إذن إن صورنا في العالم الرقمي تُعد امتدادًا لهُوياتنا في العالم الحقيقي، يظهر ذلك بشكل واضح وجلي عند الجيل الأصغر -تحديدًا- من مستخدمي وسائل التواصل، فعملية ملء ملفك الشخصي بمعلوماتك -والتي من ضمنها صورتك الشخصية- تعكس إلى حد ما جزءًا من صورة أكبر من عملية استكشاف الهُوية الشخصية وتطويرها.
ولعّل أحد المظاهر التي تدعم الصلة بين الهُوية والصور الشخصية هو أن يستخدمها الأفراد بوصفها أداة للتعبير عن مواقفهم السياسية2 كما شهدنا في الحرب الأخيرة على غزة وانتهاكات حي الشيخ جرّاح في مدينة القدس العام الماضي، حيث تلونت مواقع التواصل باللون الأحمر في تعبير عن التضامن مع فلسطين من كل أنحاء العالم، بالإضافة للّون الأزرق تضامنًا مع محمد مطر، أحد ضحايا مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في السودان عام 2019، والذي كان اللون الأزرق لونه المفضل بحسب عائلته، أو اللون الأسود الذي اكتست به صفحات الملايين حول العالم تضامنًا مع حركة Black Lives Matter في الولايات المتحدة الأمريكية بعد مقتل الأمريكي جورج فلويد أثناء اعتقاله من قبل الشرطة عام 2020.
حتى نناقش ما تقوله الأبحاث حول الموضوع، سنتطرق بدايةً إلى الأساس الذي يُستند إليه عند دراسة الشخصيات وجوانبها المتعددة. بشكل عام، طُرحت العديد من النظريات في علم نفس الشخصية، والتي حاولت تقسيم السمات المتعددة للفرد ووضعها في قالب أو نموذج علمي يمكن استخدامه بشكل يسير، لكن نظرًا لوجود عدد كبير من السمات الشخصية، كان من الصعب أخذها جميعًا بعين الاعتبار في سياق القياس العلمي والوصول لنموذج موحد ومبسط في آن واحد، وهنا نجد أن نموذج السمات الخمس الكبرى للشخصية بسّط هذا التعقيد بشكل جيد، حيث قام بجمع وتقسيم أهم السمات التي يمكن أن تستخدم في وصف الفرد، ووضعها في خمسة أبعاد يمكن النظر إليها على أنها سمات رئيسية تندرج تحتها العديد من الصفات المرتبطة والمُشابهة لكل سمة رئيسية، وهي كالآتي
يتميز الانبساطيون باندفاعهم ونشاطهم العالي، إنهم أولئك الذين تذهب لحفل أو مناسبة اجتماعية ما، فيكونون أول من تُلاحظ وجودهم وطاقتهم العالية. بالمقابل، أولئك الذين ينحازون للجانب الآخر من طيف تلك السمة، هم الأقل نشاطًا ومُشاركة في المناسبات الاجتماعية، والأقل رغبة أيضًا في التواصل مع الآخرين. يقول المُعالج النفسي جوردن بيترسون إن الانبساطيين غالبًا ما ينظرون للعالم على أنه مكان مليء بالفرص الاجتماعية، بينما يراه الانطوائيون مكانًا عليهم الهرب منه دائمًا وقضاء الوقت وحدهم.
ترتبط هذه السمة بالأشخاص واسعي الخيال، المندفعين للتجارب الجديدة والمغامرات التي تكسر الروتين الممل، كما ترتبط بشكل كبير بالإبداع والاهتمام بالفن والمفاهيم المجردة، إذ لا يُمانع المنفتحون على التجارب -بل يجدون متعة- في قضاء ساعات طويلة في نقاش الأسئلة الفلسفية على سبيل المثال، بينما من تنخفض لديهم تلك السمة تجدهم على العكس من كل ذلك، لا يُحبون التغيير وكسر الروتين العملي، لا يستمتعون كثيرًا بالتجارب الجديدة، ولا تثير اهتمامهم الأفكار المجردة التي لا يجدون لها مكانًا على أرض الواقع.
وتُسمّى أيضًا بسمة القلق العاطفي، وهي النقيض المباشر لسمة الثبات العاطفي. تضم هذه السمة المشاعر السلبية بمختلف أنواعها، فنجد أن العُصابيين أو من ترتفع لديهم هذه السمة تحديدًا، يستجيبون بشكل أكثر سلبية للمشكلات والضغوطات الحياتية، يكونون أقل استقرارًا من الناحية العاطفية، ويختبرون مشاعر القلق والغضب وتقلبات المزاج بشكل أكبر من غيرهم بطبيعة الحال، ومن الجدير بالذكر أنهم أيضًا الفئة الأكثر قابلية لتطوير اضطرابات الاكتئاب والقلق المزمن وثنائي القطب وغيرها من اضطرابات المزاج.
مُتعاطفون، دائمًا ما يُضحون، يسعون دائمًا لتجنب التصادمات والخلافات، ويهتمون بآراء الآخرين حولهم، هو أهم ما يمتاز به الأشخاص ذوو التوافقية العالية. يقابلها على الجانب الآخر من هذا الطيف سمة العدوانية، يضحي العَدائيون أيضًا، لكنهم يُضحون بسلام وتناغم البيئة حولهم مقابل أن يُثبتوا وجهة نظرهم أو يحصلوا على مساعيهم، كما أنهم يكونون عادة أقل حساسية تجاه مشاعر الآخرين، وأكثر إقبالًا على المنافسة في أماكن العمل، وعدم الاكتفاء بما يُقدَّم لهم.
ترتبط هذه السمة بالنظام والاجتهاد، والسلوك المُخطط، والانضباط الذاتي. من المُرجح أن تكون هذه السمة حاضرة بقوة لدى أصدقائك الذين حققوا نجاحًا أكاديميًّا أو أثبتوا جدارتهم في مناصب قيادية، وقد لا تندهش إذا عرفت أن عددًا معتبرًا من الدراسات لاحظ وأكدّ على العلاقة العكسية بينها وبين تسويف المهام Procrastination، إذ يميل ذوو الانضباطية المتدنية إلى ممارسة التسويف بوصفه أسلوب حياة، وغالبًا ما يواجهون صعوبة في إتمام المهام المطلوبة منهم.
درست العديد من الأبحاث العلاقات المحتملة بين الصور الشخصية والسمات الخمس الكبرى لمستخدمي مواقع التواصل المختلفة، وذلك -في الغالب- عن طريق استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في تحليل الصور الشخصية لأعداد كبيرة من المستخدمين ورسم استنتاجات حول شخصياتهم. في دراسة شهيرة أُجريت عام 2016، قام عدد من الباحثين بجمع بيانات وصور شخصية لأكثر من 66 ألف حساب شخصي على منصة تويتر Twitter، وبتحليل مكونات عديدة في صورهم الشخصية، بدءًا بمحتويات الصورة الرئيسية وإذا ما كانت تضم الشخص وحده أم وجوهًا أخرى معه، بالإضافة إلى تباين الألوان وحِدّتها في الصورة، والملامح الشخصية وتعبيرات الوجوه، حتى أصغر التفاصيل، كالنسبة بين المساحة التي يحتلّها وجه الشخص إلى حجم الصورة كاملة، ثم بمقارنة نتائج التحليل مع السمات الخمس المُتوقعة لأصحابها، خلصت إلى عدة استنتاجات نستعرضها تاليًا
وُجد أن الأشخاص المنفتحين على التجارب كانوا أكثر ميلًا إلى ألا تضم صورهم الشخصية وجوههم، بل أشياء أُخرى. وهذا -بحسب الدراسة- يتسق مع أنهم لا يميلون للتماشي مع ما هو متوقعٌ ومعتاد بأن يُظهروا وجوههم في المساحة المُخصصة لذلك كما هو مُتعارف عليه، كما كانت خصائص مثل التباين والحدة في جودة الصورة أكثر وضوحًا لديهم، وهو ما يتوافق مع حسّهم الفني وميولهم الإبداعية، يمكنك أن تُرجح إذن أن صديقك الذي يضع لوحة إيفان الرهيب يقتل ابنه صورة شخصية له؛ سيكون متحمسًا لمُرافقتك في تجربة القفز المظلي
من جهة أخرى، إذا كنت تنتمي إلى فئة الانبساطيين، فمن المُرجح أنك من ضمن الأشخاص الأكثر تميزًا ووضوحًا في تنوع الألوان في صورهم Colorfulness، كما أنك من أصحاب السمة الوحيدة من بين السمات الخمس الذين توحي صورهم بأنهم أصغر من أعمارهم الحقيقية، وفي هذا السياق أيضًا، تقل احتمالية أن تظهر مُرتديًا النظارة الطبية في صورتك الشخصية، والتي ترتبط غالبًا في مخيلاتنا بالأفراد الانطوائيين عكس الانبساطيين، مثل زميلك على مقاعد الدراسة الذي نادرًا ما يختلط بالآخرين ويُفضل الجلوس على آخر مقعد. بالإضافة إلى ذلك، كلما ارتفعت سمة الانبساطية لديك زاد احتمال أن صورتك الشخصية لا تضمك أنت فقط، فأنت أكثر ميلًا من الآخرين لوضع صورة تُظهرك وسط مجموعة من زملائك وأصدقائك، وهو ما أكدت عليه أيضًا دراسة حللت الصور الشخصية لمستخدمي الفيسبوك Facebook3، على العكس من التوافقيين وذوي الانضباطية العالية، الذين يميلون للالتزام بما هو مُتوقع أن يراه الآخرون في صورهم الشخصية، أي وجوههم هم فقط.
أما إذا كنت قلقًا على الدوام، تتكيف مع الضغوط بشكل سلبي، وغالبًا ما تختبر تقلبات في المزاج، فقد يعني ذلك أن سمة العصابية مُرتفعة لديك، ويعني أيضًا أن صورتك الشخصية على الأرجح لا تتضمن ألوان قوس قُزح فيها، بل غالبًا ما تكون صورة بسيطة لا تلتزم بمعايير الجمال المُتوقعة، كما أنك قد لا تميل لإظهار وجهك في الصورة، وحتى في حال أظهرتها، فإنك -من بين جميع السمات- الأكثر قابلية لأن تكون أقل إظهارًا لجاذبيتك وللمشاعر الإيجابية، بل ورُبما قد تعطي انطباعًا أو شعورًا عامًّا سلبيًّا للآخرين، على العكس من أولئك الذين ترتفع لديهم سمات التوافقية والضمير، والذين وجدت الدراسة أنهم أكثر ميلًا لإظهار المشاعر الإيجابية في صورهم. وهنا يجدر بنا أن نُخبر المنفتحين على التجارب أن الدراسة وجدت أن تعابيرهم هم أيضًا قد تُوحي في صورهم بمشاعر سلبية كالحزن أو الغضب، لكن بدرجة أقل ممن أظهروا سمة العُصابية في حساباتهم، وربما يُمكن تفسير ذلك باهتمامهم بمقاييس الجمال والإبداع في صورهم الشخصية؛ ما قد يستدعي أن يُظهروا بعض الجدّية في ملامح صورهم.
كما كانت أحد أهم الفروق بين سمة العُصابية من جهة والضمير والتوافقية من جهة أخرى، طبيعة الألوان التي تحتويها الصورة، إذ كما يمكن أن تتوقع، يميل أصحاب المشاعر السلبية لأن تكون الألوان أقل حدة وتنوعًا، وربما قد يستخدمون الصور ذات ثنائية الأبيض والأسود فقط، بينما على الجانب الآخر تكون الألوان في صور التوافقيين وذوي الانضباطية العالية أكثر بهجة واحتواءً على الألوان4.
لكن، حتى بعيدًا عن الدراسات التي بحثت في السمات الخمس للشخصية، نجد أبعادًا أُخرى كانت محط الاهتمام في الدراسات، فعلى سبيل المثال، بحثت دراسات عديدة في سمة النرجسية لدى مستخدمي وسائل التواصل، ووجدت أن أولئك الذين تنطبق عليهم تلك السمة أكثر من غيرهم كانوا هم أنفسهم من يضعون صورًا أكثر جاذبية من الناحية الجسدية مقارنة بالآخرين، كما أنهم حين طلب الباحثون منهم تقييم صورهم الشخصية وصور غيرهم، كان تقييمهم لصورهم أعلى من تقييمهم لصور الآخرين، أي أنهم يعتقدون فعلًا أنهم أجمل مظهرًا منهم56، ووُجد أيضًا أنهم يقومون بتحديث صورهم الشخصية بشكل متكرر أكثر من غيرهم6.
ومن الجدير بالذكر هنا أن النرجسية كان لها نصيب واضح من الاهتمام لدى الباحثين في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يُدرَس وجود علاقة ارتباطية بينها وبين عدة أبعاد، مثل معدل النشاط والظهور على المواقع، وتحديثات الحالة، ومشاركة الصور، والصور الشخصية، وغيرها. وهنا نجد أن هناك ربطًا مثيرًا للاهتمام بين النرجسية وصور السيلفي Selfie بشكل خاص، كما اقترحت دراسة أن التعليقات الإيجابية والاهتمام الذي يتلقاه المستخدمون على تلك الصور يعزز وجهة نظرهم الإيجابية حول أنفسهم، ويرفع من النرجسية، ويزيد من معدل مشاركتهم لها7، في حلقة لا تنتهي من توريط صنّاع وسائل التواصل لهم بمرآتهم.
كما بحثت العديد من الدراسات في الفروق بين الجنسين وأثر ذلك على اختيار الصور الشخصية، وخلصت إلى أن الإناث يُحاولن إظهار العاطفة بشكل أكبر في صورهن، كأن يضعن صورهن مع أفراد العائلة أو مع الشريك العاطفي، أكثر من الذكور الذين كان هدفهم الأساسي التأكيد على شعورهم بالمتعة والمغامرة في صورهم الشخصية8. قد يبدو لك الأمر منطقيًّا الآن وأنت تسترجع في مخيلتك الصور الشخصية لحسابك الشخصي أو حسابات معارفك وأصدقائك وتقوم بتصنيفها بناء على ما تذكره الدراسات. أيضًا بحثت دراسة حديثة في العلاقة بين شكل الصورة الشخصية للمستخدم ومستوى الرضا، ووجدت أن من يستخدمون صورهم الذاتية صورة وجههم صورةً شخصية، أبلغوا عن مستوى أعلى من الرضا عن الحياة مقارنة بأولئك الذين يستخدمون أشكالًا أخرى من الصور الشخصية9.
أمّا على مستوى صور الحيوانات الأليفة وحول التنافس الأزلي بين مُحبّي القطط والكلاب، نجد أن الأبحاث درست الفروق بين شخصياتهم وأنماطها بناء على تفضيلاتهم للحيوانات الأليفة، ولكن تلك الأبحاث لم تضمن تحديدًا تحليل الصور الشخصية على مواقع التواصل وربطها بسمات الأفراد وشخصياتهم، إنما كان هدفها الأساسي قياس السمات الشخصية بناء على ميل الفرد لامتلاك كلب أو قطة كحيوان أليف، وبناء على ذلك ظهرت لاحقًا الدراسات التي تربط بين الصور الشخصية وتحليل الشخصية، حيث إن احتواء صورة المستخدم الشخصية على قطة أو كلب يُعد مؤشرًا على تفضيلاته1011. في هذا السياق، حللت مجموعة من الباحثين ما يُقارب 62 ألف ملف شخصي لمستخدمي تويتر، ووجدوا أن ما مجموعه 17,978 من تلك الحسابات استخدم أصحابها قطة أو كلبًا صورةً شخصية، وعند تحليلها ومقارنتها مع السمات الشخصية لأصحابها مع تثبيت عاملَي العمر والجنسالجندر، وجدوا فروقًا واضحة بينهم وبين بقية مستخدمي تويتر، فقد كانوا أكثر انطوائية، وأقل انفتاحًا، وأقل في سمة الانضباطية والتوافقية، بينما كانوا أكثر عُصابية، كما كانت تلك الفروقات في السمات جميعها -عدا الانفتاحية- أكثر وُضوحًا عند أصحاب صور القطط منها عند أصحاب صور الكلاب12.
-
1 The Effects of Verbal Versus Photographic Self-Presentation on Impression Formation in Facebook. Journal of Communication 2012
2 Changing Facebook Profile Pictures as Part of a Campaign Who Does It and Why 2015
3 What Your Facebook Profile Picture Reveals about Your Personality. Proceedings of the 25th ACM international conference on Multimedia.
4 Analyzing Personality through Social Media Profile Picture Choice Proceedings of the International AAAI Conference on Web and Social Media
5 Do Facebook Profile Pictures Reflect Users Personality Computers in Human Behavior 2015
6 The Role of Narcissism in Self-Promotion on Instagram. Personality and Individual Differences 2016
7 Selfie-Ists or Narci-Selfiers A Cross-Lagged Panel Analysis of Selfie Taking and Narcissism. Personality and Individual Differences 2016.
8 Gender Differences in Facebook Self-Presentation An International Randomized Study. Computers in Human Behavior 2014
9 Profile Pictures in the Digital World Self-Photographs Predict Better Life Satisfaction. Int J Environ Res Public Health 2021,
10 Personalities of Self-Identified Dog People and Cat People. 2015
11 Personality Characteristics of Dog and Cat Persons. 2015
12 Personality Profiles of Cat and Dog People in Social Media Small Studies Big Data httpwwbp.orgblogpersonality-profiles-of-cat-and-dog-people-in-social-media | https://www.aljazeera.net/sukoon/2022/5/17/%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d8%aa%d9%82%d9%88%d9%84-%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%aa%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%ae%d8%b5%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%86%d9%83%d8%9f-%d8%b9%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%a1 | 2022-05-17T12:20:16 | 2024-05-30T09:53:15 | أبعاد |
|
149 | ما بعد استشهاد السنوار.. هل تنتهي الحرب على غزة قريبا؟ | حاز مخيم جباليا على أهمية إستراتيجية لدى الاحتلال باعتباره أحد أبرز معاقل المقاومة وحصونها، وأصبح النجاح في تدميره وترويع سكانه وقتلهم ودفع الباقين منهم إلى النزوح هدفا لذاته. | التحق لواء غفعاتي بالفرقة 162 في إطار توسيع العملية العسكرية في جباليا
لم يصدر ذلك الإعلان العسكري لجيش الاحتلال الإسرائيلي في بداية الحرب على غزة إنما صدر بعد أكثر من سنة من بداية الحرب، وتحديدا صبيحة اليوم التالي لإعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو مقتل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس يحيى السنوار في اشتباك بمنطقة تل السلطان في رفح.
وبدد السنوار بمماته الأقاويل الإسرائيلية عن أنه أحاط نفسه بعشرات الأسرى في أعماق أنفاق تحت الأرض للحفاظ على سلامته الشخصية، وسط دهشة الجميع من حمل الرجل سلاحه وقتاله وجها لوجه في منطقة أعلنها جيش الاحتلال منطقة عسكرية مغلقة.
وفي غضون ذلك، يدحض الإعلان عن توسيع العملية العسكرية في جباليا التصورات بأن استشهاد السنوار يعني نهاية العدوان على غزة، كما يشير إلى خصوصية وأهمية توسيع الهجوم على جباليا، والذي تصدر أولويات جيش الاحتلال بعد رحيل المطلوب الأول لدى إسرائيل.
فور اندلاع طوفان الأقصى في 7 أكتوبرتشرين الأول 2023 شكّل نتنياهو حكومة حرب، وحشدت إسرائيل 360 ألف جندي من قوات الاحتياط لينضموا إلى 169 ألف جندي نظامي من أجل شن حرب لا هوادة فيها إثر تهاوي مقاربات كي الوعي وجز العشب التي تبناها جيش الاحتلال للتعامل مع غزة منذ سيطرة حماس عليها عام 2007.
وكانت تلك المقاربات قد قامت على إضعاف حركة حماس دون تحطيمها بهدف إطالة الفترات الفاصلة بين المواجهات، وتعزيز الانقسام بين الحركة والسلطة الفلسطينية للتهرب من تنفيذ اتفاقيات أوسلو.
وأطلقت إسرائيل عملية عسكرية باسم السيوف الحديدية رفعت 3 أهداف رئيسية، وهي القضاء على حكم حماس في غزة، وتفكيك القدرات العسكرية لحماس وبقية فصائل المقاومة في غزة، والإفراج عن الأسرى الإسرائيليين.
اعتمدت الحملة العسكرية في مرحلتها الأولى على قصف جوي غير مسبوق لتدمير كل ما له صلة بالمقاومة من مقرات حكومية ومؤسسات اجتماعية وحتى منازل أعضائها،
يضاف إلى ذلك الانتقام الجماعي من السكان عبر إحداث مقتلة ودمار هائل بين صفوفهم بالتزامن مع حصار مشدد يشمل منع المياه والطعام والوقود والكهرباء عن سكان القطاع، وتهديم البنية التحتية تمهيدا لشن عملية برية واسعة لم تتوقف إلا مؤقتا في نوفمبرتشرين الثاني 2023 لعقد صفقة تبادل أسرى شملت إدخال مساعدات إنسانية ووقود إلى شمال غزة للمرة الأولى منذ بداية الحرب.
ثم عاودت إسرائيل هجومها على قطاع غزة في خان يونس ثم رفح دون أن تعلن عن جدول زمني للعملية العسكرية ولا عن رؤية لشكل غزة ما بعد الحرب.
وفي مواجهة الهجوم الإسرائيلي الواسع وفارق التسليح الكاسح عملت كتائب القسام وفصائل المقاومة ضمن مجموعات قتالية صغيرة تتكون عادة من فردين إلى 3 أفراد مزودين بكمية محدودة من الذخائر لشن هجمات استنزاف ضد قوات الاحتلال، وإيصال رسالة بعدم نجاحه في تطهير الأماكن التي سبق أن دخلها، مما دفع جيش الاحتلال إلى تنفيذ عمليات عسكرية مجددا في مناطق سبق أن سيطر عليها، ثم انسحب منها بعد تقييمه بأنه فكك مجموعات المقاومة وبنيتها التحتية بها.
عمل الاحتلال على القضاء على أي مظاهر حكم لحماس في غزة، واعتبر أن توزيع المساعدات الإنسانية يمثل المظهر الأبرز لقدرتها على حكم القطاع في زمن الحرب، لذا سمح في فبرايرشباط 2024 لدول عربية وغربية ببدء عمليات إنزال جوي بشكل مباشر للمساعدات، لكنها توقفت لمحدودية حجمها وارتفاع تكلفتها ولتسببها في إصابات بسبب سقوطها فوق رؤوس النازحين.
وحاول الاحتلال استمالة بعض العشائر والعائلات للتنسيق معها في إدخال وتوزيع المساعدات، وهو ما فشل فيه إثر اشتراط كبار العائلات ووجهاء العشائر التنسيق أولا مع الأجهزة الأمنية بغزة، في حين شرع الجيش الأميركي في مارسآذار الماضي ببناء رصيف بحري عائم في شمال القطاع بزعم توفير مليوني وجبة يوميا حين اكتماله، لكن الرصيف فشل عمليا وفُكّك وتم التخلي عنه.
وفي ظل الدائرة المفرغة من شن عمليات عسكرية على مناطق في غزة ثم الانسحاب منها، وعودة ظهور مجموعات مقاومة فيها، والفشل في استعادة 101 أسير إسرائيلي، وصمود السكان في مواجهة القصف والتضييق ومخططات التهجير برزت للواجهة خطة طرحها الجنرال غيورا آيلاند مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق والذي خدم مديرا للتخطيط في الجيش.
وتبلورت أفكار آيلاند بعد أن صرح في يوم طوفان الأقصى في لقاء مع القناة الـ12 الإسرائيلية قائلا عندما تكون في حالة حرب مع خصم أنت لا تمده بالطعام ولا تزوده بالكهرباء أو الماء أو أي شيء آخر، إنما تحاصره بصورة تامة.
وبرر آيلاند استهداف النساء والأطفال والمدنيين في غزة قائلا على الشعوب تحمل قرارات زعمائها، ويكفي مشاهدة الفرحة على وجوههم صبيحة 7 أكتوبر.
ظلت أفكار آيلاند تتطور إلى أن طرح في أغسطسآب 2024 خطة في مقال نشره في صحيفة يديعوت أحرونوت بعنوان المرحلة المقبلة.. فرض حصار على شمال القطاع أقر خلالها بفشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب، وفشل الضغط العسكري في إجبار حماس على الإفراج عن الأسرى.
ولحل تلك المعضلة دعا إلى تجويع سكان شمال غزة حتى الموت -حسب تعبيره- بعد منحهم مهلة لمدة أسبوع لمغادرة مناطقهم إلى وسط وجنوب غزة، ثم منع إدخال المياه والغذاء والوقود إلى المناطق المحاصرة.
وقدر آيلاند عدد الموجودين في شمال القطاع بنحو 300 ألف نسمة، من بينهم نحو 5 آلاف مقاوم.
واعتبر أن من سيتبقون بعد تلك المهلة لن يكون أمامهم سوى أحد احتمالين، إما الموت أو الاستسلام، واشتهرت خطة آيلاند باسم خطة الجنرالات.
وبدأت تتناثر تسريبات نقلت بعضها إذاعة جيش الاحتلال في سبتمبرأيلول الماضي عن أن نتنياهو ووزير دفاعه غالانت صدّقا على العمليات التي يمكن تنفيذها في غزة على أساس خطة الجنرالات، بحيث تركز على حصار شمال قطاع غزة ووقف المساعدات الإنسانية وإجلاء السكان، وأنه في حال نجاح الخطة يمكن تكرارها في مناطق أخرى من القطاع.
شرع الاحتلال عشية 7 أكتوبرتشرين الأول 2024 -أي في الذكرى الأولى لطوفان الأقصى- في عملية عسكرية بمخيم جباليا على يد الفرقة 162 بعد نقلها من منطقة العمليات في رفح ومحور فيلادلفيا.
وبدأ في تنفيذ إجراءات تتسق مع خطة الجنرالات، وزعم إعلاميا أنه لا يطبق تلك الخطة ولا يفرض حصارا على شمال غزة بحسب تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي غالانت.
وذلك في ظل اعتراض إدارة بايدن على هذا النهج، وصولا إلى إعطائها مهلة شهر لحكومة نتنياهو عبر رسالة وجهها وزير الدفاع لويد أوستن ووزير الخارجية أنتوني بلينكن لتحسين وتيرة إدخال المساعدات لقطاع غزة، ورفض أي إجلاء قسري للمدنيين من شمال غزة إلى جنوبها، وهي مهلة طويلة تسمح عمليا بتنفيذ الخطة الإسرائيلية، وتهدف فقط لرفع الحرج عن الولايات المتحدة التي رغبت في النأي بنفسها عن مخطط يخالف بوضوح القوانين الدولية وأعراف الحروب.
ميدانيا، بدأ جيش الاحتلال في فرض حصار مشدد على شمال غزة، ومنع إدخال الطعام والماء والوقود للمستشفيات وآبار المياه، بالتزامن مع قصف مكثف على مخيم جباليا وجباليا البلد وبيت لاهيا وبيت حانون، مما أسفر عن استشهاد نحو 400 فلسطيني على الأقل خلال النصف الأول من أكتوبر تشرين الأول 2024.
لكن عمليا نجد أن جيش الاحتلال لم ينفذ الخطة بحذافيرها، بل بشكل أسوأ حيث لم يعط مهلة أسبوع للسكان للمغادرة، وشرع في استهداف أي شخص يتحرك في شوارع جباليا، مع تنفيذ عمليات تفجير للمنازل والمباني باستخدام روبوتات مفخخة لبث حالة من الهلع بين السكان.
قبل بدء الحرب الحالية كان مخيم جباليا أحد أكبر مخيمات قطاع غزة من حيث عدد السكان والاكتظاظ، فقد عاش فيه 116 ألف شخص بحسب إحصاءات الأونروا لعام 2023 في مساحة تبلغ 1.4 كيلومتر مربع.
وهو معقل المقاومة في قطاع غزة، فمنه انطلقت شرارة الانتفاضة الأولى عام 1987، كما برزت فيه أسماء عدد كبير من قادة المقاومة مثل عماد عقل ومحمود المبحوح، ونزار ريان الذي قاد في عام 2004 دفاعا عن المخيم أمام هجوم إسرائيلي استمر 17 يوما في معركة أيام الغضب مرددا هتاف لن يدخلوا معسكرنا.
وقد نفذ جيش الاحتلال عمليتين عسكريتين ضد مخيم جباليا خلال الحرب الحالية، الأولى بقوام فرقتين عسكريتين في نوفمبرتشرين الثاني 2023، والأخرى بقوام فرقة عسكرية في مايوأيار 2024، وأعلن نجاحه في تفكيك كتائب المقاومة بجباليا.
لكنه سرعان ما تلقى ضربات نوعية، من أبرزها كمين القصاصيب في نهاية حملته العسكرية الثانية التي شارك فيها نحو 10 آلاف جندي، إذ تدمرت في هذا الكمين وحده 7 آليات، ليبلغ عدد آلياته المستهدفة 120 آلية على الأقل، وتغلغل الاحتلال في 5 بلوكات فقط من 12 بلوكا في المخيم، وعجز عن دخول بقية البلوكات مع تصاعد خسائره.
لذا، حاز مخيم جباليا على أهمية إستراتيجية لدى الاحتلال باعتباره أحد أبرز معاقل المقاومة وحصونها، وأصبح النجاح في تدميره وترويع سكانه وقتلهم ودفع الباقين منهم للنزوح هدفا لذاته ونموذجا قابلا للتكرار بشكل أسهل في مناطق أخرى من قطاع غزة.
ورغم ضراوة الهجوم على جباليا ووحشيته فقد شابته العديد من الثغرات التي أثارت انتقادات من داخل إسرائيل نفسها، ومن أبرزها ما كتبه أودي ديكل وتامي كانر في معهد دراسات الأمن القومي، إذ أشارا إلى أن خطة التجويع تلك تتجاهل العديد من التحديات الرئيسية التي قد تؤدي إلى تعقيد تنفيذها وتحقيق أهدافها، كما أنها لا تعمل على تعزيز الأهداف الأوسع للحرب، وتؤدي إلى تسريع فرض حكم عسكري على قطاع غزة.
فمن حيث استعادة الأسرى يشكك ديكل وكانر في مساهمة خطة الجنرالات بإطلاق سراح الأسرى، بل قد تؤدي إلى مقتل عدد منهم مع معاناتهم من فقدان الطعام والشراب، كما يتوقعان بقاء عدد كبير من السكان في شمال غزة رفضا منهم لعيش معاناة النزوح في جنوب القطاع المكتظ بالنازحين.
كما أن حصار المدنيين إلى حد التجويع سيقوض ما بقي من شرعية إسرائيل الدولية ويجعل قادتها عرضة لحزمة جديدة من الاتهامات بتنفيذ إبادة جماعية أمام محكمة العدل الدولية، وسيزيد احتمالات إصدار المحكمة الجنائية الدولية أوامر اعتقال ضد نتنياهو وغالانت، كما سيعرّض واشنطن لمزيد من الضغوط في ظل تقديمها مساعدات عسكرية ومظلة حماية سياسية لإسرائيل.
وأخيرا -وهو الانتقاد الأبرز- فإن خطة الجنرالات لا تقدم حلولا سياسية من شأنها أن تساعد في تشكيل قيادة بديلة لحماس بغزة، إنما ستؤدي -في حال نجحت- إلى تأسيس حكم عسكري إسرائيلي سيضع المسؤولية عن أكثر من مليوني فلسطيني على عاتق إسرائيل، مما يفاقم التحديات الأمنية والاقتصادية التي يواجهها الاحتلال ويغرقه في دوامة من الأزمات.
يجادل عضو الكنيست الإسرائيلي عوفر شيلح بأن تاريخ الأمن الإسرائيلي حافل بالنجاحات العملياتية التي خلقت طمعا في المزيد من الإنجازات، مما أوجد صعوبة في التوقف بالوقت المناسب، ويضرب مثالا بالموقف الإسرائيلي عقب حرب 1967 الذي رفض الحلول الدبلوماسية والتوصل إلى تفاهمات، مما قاد إلى حرب 1973.
وعند تطبيق حجة شيلح على توسيع العملية العسكرية في جباليا عقب الإعلان عن استشهاد السنوار بيوم واحد نجد أن حكومة الاحتلال تسعى إلى استغلال زخم ما تعتبرها إنجازات من أجل خلق واقع جديد في غزة، وربما تعزز ذلك بتصعيد عملياتها العسكرية في لبنان وتوجيه ضربة إلى إيران، بهدف كسر العمود الفقري للمقاومة في غزة ومحور المقاومة في المنطقة ككل.
وإن اغتيال صالح العاروري وإسماعيل هنية ومقتل يحيى السنوار من قادة حماس واغتيال حسن نصر الله وكبار قادة حزب الله العسكريين يغري الاحتلال بالسعي لتحقيق إنجازات ميدانية تحسن موقفه، في حين تراه جهات غربية فرصة لإنهاء الحرب مع عقد صفقة لتبادل الأسرى.
لكن باستدعاء دروس التاريخ نجد أن إسرائيل كثيرا ما تخسر إثر نجاحاتها، بل وتعلق في إنجازاتها، فحصار بيروت عام 1982 وإجلاء ياسر عرفات وقوات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان إلى تونس لم يجلبا الأمن لإسرائيل، إنما أديا إلى تأسيس حزب الله في لبنان، والذي تحول إلى مصدر إزعاج دائم حتى اليوم.
كما أن حصار وتدمير مخيم جنين خلال الانتفاضة الثانية لم يحولا دون تحوله مجددا بعد سنوات عدة إلى معقل رئيسي للمقاومة في الضفة الغربية، فالحلول الأمنية لا تحل المشاكل السياسية إنما عادة ما تفاقمها.
والحقيقة الراسخة هي أن إسرائيل تعيش في محيط فلسطيني وعربي وإسلامي أكبر منها.
ورغم الدعم الغربي المفتوح فإنها لم تشهد عقدا آمنا منذ نشأتها، بل إنها عادت اليوم إلى القتال في العديد من الجبهات كأنها تستعيد مرحلة التأسيس عام 1948.
كما أن اغتيال قائد هنا أو قتل قائد هناك لن ينهي الصراع، فتاريخ القضية الفلسطينية هو تاريخ من استشهاد القادة، بداية من عز الدين القسام مرورا بأبو جهاد وأبو علي مصطفى وأحمد ياسين وفتحي الشقاقي وعبد العزيز الرنتيسي، وصولا إلى العاروري وهنية والسنوار.
وبالتالي، فإن حصار وقتل وتهجير مخيم جباليا أو شمال غزة لن يجلب لإسرائيل الأمن مثلما لن يجلبه لها مقتل السنوار. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/10/18/%d9%85%d8%a7-%d8%a8%d8%b9%d8%af-%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%b4%d9%87%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d8%aa%d8%b6%d8%b1%d8%a8 | 2024-10-18T13:29:29 | 2024-10-18T17:43:04 | أبعاد |
|
150 | هل ما تزال أميركا أعظم قوّة على وجه الأرض؟ | بالرغم من أن الولايات المتحدة، ما تزال تمتلك أقوى جيوش العالم، إلا أنها تواجه انحدارا تدريجيا في قوتها، عبر انخراطها في التزامات تتجاوز قدراتها. | إن منطقة الشرق الأوسط أصبحت أكثر هدوءا مما كانت عليه خلال عقدين من الزمن
هكذا تحدث جيك سوليفان مستشار الأمن القومي الأميركي في 29 سبتمبرأيلول 2023 في كلمة ألقاها ثم حولها إلى مقال نشره في مجلة فورين أفيرز، ثم سارع إلى تعديله بعد طوفان الأقصى في 7 أكتوبرتشرين الأول الماضي، الذي قلب المشهد رأسا على عقب.
لقد نصت إستراتيجيات الأمن القومي الأميركية الصادرة تباعا منذ عام 2017 على عودة سياسة التنافس مع القوى الكبرى، وحددت الصين على أنها تهديد رئيسي قادر على تحدّي النفوذ الأميركي وإعادة تشكيل النظام الدولي، واعتبرت منطقة المحيط الهندي-الهادئ بؤرة للصراع على قيادة العالم في القرن الحادي والعشرين، وأشارت إلى مساعي روسيا في استعادة مكانتها قوةً عظمى، في حين تراجعت منذ عهد أوباما أولوية الحضور الأميركي في الشرق الأوسط بهدف تحرير القدرات العسكرية لإعادة نشرها في آسيا والمحيط الهادئ في مواجهة الصين، وهو ما تطلب الانسحاب من العراق وأفغانستان.
لم يكن استشراف سوليفان للمشهد، وهو أحد أبرز الأشخاص في مؤسسة الأمن القومي الأميركية، الخطأ الوحيد، فقد كررت واشنطن الخطأ الذي أشار إليه وزير الخارجية ومدير المخابرات المركزية الأسبق مايك بومبيو في مذكراته قائلا كنت مصممًا على بناء المعرفة والقدرات التي يمكن للرئيس استخدامها لتحقيق الأهداف الأمنية الأميركية في الشرق الأوسط دون إرسال قوات إضافية إلى ذلك المسرح، لن نكرر إخفاقات الماضي.
لقد انخرطت واشنطن في إجراءات تخالف إستراتيجيتها المعلنة ودروس الماضي، فأرسلت مجموعتي حاملات طائرات للشرق الأوسط رفقة تعزيزات عسكرية، وتورطت في عملية عسكرية مطولة في البحر الأحمر، وشنت غارات في اليمن وسوريا والعراق ضد أهداف معادية، وتعرضت لخسائر في هجوم على قاعدة عسكرية بالأردن، وقادت جهود التصدي للقصف الإيراني لإسرائيل في إبريلنيسان 2024، وبدا أنها تعود إلى الانخراط بعمق في صراعات المنطقة التي أرادت تجنبها؛ مما أربك المخططين الإستراتيجيين الأميركيين، ووزارة الدفاع التي انشغلت بالتخطيط للعمل على المسرح الأوروبي في مواجهة روسيا، والمسرح الآسيوي في مواجهة الصين، ثم وجدت نفسها تعود إلى مسرح الشرق الأوسط لمواجهة التحديات المتصاعدة به.
تصاعدت التخوفات الأميركية من أن واشنطن ستتعرض للإنهاك عبر خوض صراعات أكبر من قدراتها، وأنها بدأت تواجه إفلاسا إستراتيجيا جراء الانخراط في ثلاثة مسارح للعمليات؛ مما يتطلب منها إعادة النظر في إستراتيجيتها الكبرى لتحديد الأولويات وتجنب إهدار الموارد.
برز مصطلح الإستراتيجية الكبرى في القرن العشرين، وحظي بتعريفات متعددة، فاعتبر المؤرخ بول كينيدي أنها الموارد التي يجب على القوة العظمى أن تنفقها للحفاظ على مكانتها في العالم، في حين صاغ الأكاديمي بيتر فيفر تعريفا أكثر شمولية قائلا إنها مجموعة الخطط والسياسات التي تشكل الجهود التي تبذلها الدولة لتسخير الأدوات السياسية والعسكرية والدبلوماسية والاقتصادية معًا لتعزيز مصلحتها الوطنية.
وبشكل عام ركز مؤيدو الإستراتيجية الكبرى على أنها تهدف للمواءمة بين الطموحات والموارد والالتزامات، وشددوا على أنها تقدم إطارا فكريا توجيهيا يرشد سياسات الدولة ويسهل التخطيط المدروس ويحدد الأولويات على مدى طويل قد يمتد إلى عقود بدلا من الرد على المدى القصير.
لكن في المقابل، يرى منظرون آخرون أن السياسة العالمية مليئة بالمجهول وبالمفاجآت، وأن التكهن بمسارها المستقبلي أمر محفوف دائما بالأخطار، وأن الحكومات لا تلتزم عادة مدة طويلة بالتوجهات الإستراتيجية، وإنما تميل إلى الارتجال وفق المستجدات وتطورات الأحداث، ووفق الفهم البديهي لاحتياجات اللحظة، وبالتالي يرون أن الإستراتيجية الكبرى مجرد وهم ومصطلح طنان.
وعند النظر في توجهات الولايات المتحدة، يمكن أن نحدد ملامح عامة لإستراتيجياتها الكبرى، رغم وجود ما يشوش على تنفيذها لتلك الإستراتيجيات بشكل متسق، وسنلاحظ أن المكون الرئيسي في تلك الإستراتيجيات الكبرى تتضمنه إستراتيجيات الأمن القومي. ففي عام 1986 ألزم قانون غولدووتر-نيكولز -في ضوء فضيحة إيران كونترا كل رئيس أمريكي بأن يسلم إلى الكونغرس إستراتيجية سرية للأمن القومي، لكن الرئيس رونالد ريغان قرر في عام 1987 نشر تلك الإستراتيجية علنًا، وأصبحت تمثل مظلة توجيهية لإستراتيجية الدفاع الوطني التي تنشرها وزارة الدفاع، ومراجعات الدفاع التي تتم كل أربع سنوات، فضلا عن توجيهها للإستراتيجيات الأميركية الخاصة بمناطق جغرافية أو مواضيع محددة، مثل البحر الأسود وجنوب الصحراء في أفريقيا، والإستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني.
بعد الحرب العالمية الثانية، ركزت الإستراتيجية الكبرى الأميركية على احتواء الاتحاد السوفيتي، وهزيمة الشيوعية، ومنع أي قوة من الهيمنة على أوراسيا باعتبارها الجزء الأكثر أهمية من العالم؛ إذ يعيش فيها أغلب سكان الأرض ويتمركز النشاط الاقتصادي، فمن يسيطر على تلك المنطقة ستكون لديه موارد كافية لخنق الولايات المتحدة اقتصاديا ومواجهتها عسكريا؛ ولذا خاضت واشنطن حروبا في كوريا وفيتنام، وأسست حلف الناتو، ودعمت شبكة من الشركاء في الشرق الأوسط وآسيا.
وبعد نهاية الحرب الباردة، صاغت واشنطن إستراتيجيتها الكبرى، بحسب زلماي خليل زاده، السفير الأميركي السابق في العراق وأفغانستان، الذي عمل ضمن فريق التخطيط الإستراتيجي في البنتاغون عام 1992، بحيث تهدف لمنع أي قوة معادية من السيطرة على أي منطقة حرجة تمنحها الموارد وحجم السكان والقدرات الصناعية اللازمة لفرض تحدٍّ عالمي في وجه الولايات المتحدة.
ويوضح المفكر الإستراتيجي هال براندز في كتابه الإستراتيجية الأميركية الكبرى في عصر ترامب أبرز المناطق الحرجة، قائلا إنها تشمل أوروبا وشرق آسيا والخليج العربي، حيث تتمتع تلك المناطق بأهمية اقتصادية وجيوسياسية؛ ولذا تنشر واشنطن قواتها بها ضمن حلف الناتو في أوروبا، ومن خلال اتفاقيات للدفاع العسكري والتعاون الأمني في اليابان وكوريا والفلبين، وعبر سلسلة من القواعد العسكرية في الخليج.
وبناء على ذلك بُني الجيش الأميركي بقدرات تتيح له عبور المحيطات لتنفيذ عمليات عسكرية في مسارح بعيدة، فضمت قواته حاملات طائرات، وغواصات هجومية تعمل بالطاقة النووية، وسفنًا برمائية ضخمة، وطائرات قاذفة وأخرى للنقل الجوي بعيدة المدى، وطائرات تزود بالوقود.
كفل هذا الانتشار العسكري الأميركي في الخارج، ردع الخصوم المحتملين، وطمأنة الحلفاء والشركاء، والاستجابة السريعة للأزمات، فضلا عن منحه واشنطن نفوذا يتيح لها تشكيل الأجندات السياسية والأمنية والاقتصادية في المناطق التي تنشر بها قواتها.
طائرتان من طراز ميغ 29 تشارك في تدريبات الناتو بالقرب من بولندا غيتي
وفي تسعينيات القرن العشرين بدا أن الولايات المتحدة أحكمت هيمنتها على العالم، وتوسع حلف الناتو ليضم دول شرق أوروبا، في حين تراجعت روسيا، وانخرطت الصين في النظام الاقتصادي الدولي، ولم تلح في الأفق أي تهديدات كبرى ضد الولايات المتحدة، فأسكرت اللحظة فوكوياما فنشر كتابه الشهير نهاية التاريخ معلنا فيه سيادة النهج الرأسمالي الليبرالي، وتحول القيم الغربية إلى قيم معيارية ينشد العالم الاقتداء بها، وصرح الرئيس كلينتون عام 1997 بأن أميركا هي الأمة أو الدولة التي لا يمكن أن يستغني عنها العالم. ولكن لم تلبث الترتيبات الأميركية أن انهارت على وقع أحداث 11 سبتمبر.
لقد تولد شعور أميركي بالأمن عقب الحربين العالميتين الأولى والثانية، فالولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي شاركت في الحرب ولم تحدث أي اشتباكات على أراضيها، كما أنها القوة العظمى الوحيدة التي خرجت من الحرب أكثر ثراء مما كانت عليه قبلها، وساد الاعتقاد بأن المحيطات تمثل حواجز دفاعية منيعة فضلا عن الردع المتمثل في الأسلحة النووية، ولكن وقعت هجمات 11 سبتمبر لتقوض الأمن الأميركي، ولتحدث تغييرات في الأولويات الأميركية، فأعلنت إستراتيجية الأمن القومي الصادرة في عهد الرئيس جورج بوش الابن عام 2002 انتهاء عصر المنافسة بين القوى العظمى زاعمة أن القوى العظمى في العالم، تجد نفسها في ذات الجانب متحدة في مواجهة الأخطار المشتركة المتمثلة في الإرهاب والفوضى، كما أعلنت مبدأ الحرب الاستباقية ضد التهديدات الوشيكة، وتزامن ذلك مع إعلان واشنطن حربا عالمية جديدة ضد الإرهاب دون تحديد نطاقها الزماني أو المكاني، وبدأت أولى جولاتها عام 2001 بغزو أفغانستان، ثم أعقبتها عام 2003 بغزو العراق.
تحولت حرب أفغانستان من نجاح أولي سريع في القضاء على حكومة طالبان بواسطة قصف جوي عنيف مدعوم ببضع مئات من عناصر القوات الخاصة والاستخبارات الأميركيين الذين رافقوا قوات تحالف الشمال المعارض لطالبان، إلى أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة، حيث دامت عشرين سنة، وتطلبت في بعض المراحل حشد قوات من الناتو رفقة 100 ألف جندي أميركي لمحاولة السيطرة على الأوضاع دون جدوى.
وأثبتت حرب أفغانستان صحة رأي المنظر الصيني صن تزو بأنه لا توجد دولة استفادت من خوض حرب طويلة الأمد. كذلك تحول العراق إلى بؤرة استنزاف بشري ومالي للمقدرات الأميركية؛ مما مهد الطريق لصعود الرئيس أوباما الذي تعهد بالانسحاب من العراق، والتوقف عن أي تصرفات غبية حسب تعبيره.
لقد أثير سؤال حول لماذا أخفق التفوق العسكري الأميركي في تحقيق الأهداف السياسية المرجوة، وأشارت العديد من الإجابات إلى أن من أبرز الأسباب المبالغة في الرد على أحداث سبتمبر، والإفراط في تقدير حدود القوة الأميركية
اعتقد بوش أن الولايات المتحدة هي أعظم قوة على وجه الأرض، وأنها سوف تكتسح كل شيء أمامها. وانطلاقًا من هذا الاعتقاد، خسر حربين في العراق وأفغانستان وقتل أو تسبب في موت مئات الآلاف من البشر.
كما خلص ويليام بيرنز مدير السي آي إيه في كتابه القناة الخلفية إلى أن اللحظة الأميركية التي دامت نصف قرن في الشرق الأوسط قد تلاشت إثر تبني إدارة بوش مزيجًا من التشدد والغطرسة ردًّا على أحداث سبتمبر؛ مما أدى إلى مضاعفة الاختلالات وتقويض النفوذ الأميركي.
كما صور وزير الدفاع مارك إسبر، التداعيات من زاوية عسكرية قائلا لقد وجدنا أنفسنا في وضع ضمور إستراتيجي بعد ما يقرب من عقدين من التركيز على صراع منخفض الحدة في العراق وأفغانستان.
لقد ركزنا على مكافحة الإرهاب وأمن القوافل والدوريات الراجلة وتسيير نقاط التفتيش دون إيلاء الاهتمام اللازم لمتطلبات قتال خصم مثل كوريا الشمالية فضلا عن الصين وروسيا، وتراجع الاهتمام بتطوير الدروع الثقيلة والمدفعية والدفاع الجوي فضلا عن تراجع العناية بطائرات العدو والصواريخ البعيدة المدى والحرب الإلكترونية.
وبالتزامن مع الإخفاق الأميركي في حربي العراق وأفغانستان، بدأت روسيا في استعادة نفوذها دون ردّ أميركي، فخاضت حربا ضد جورجيا عام 2008، ثم سيطرت على شبه جزيرة القرم عام 2014، ثم تدخلت عسكريا في سوريا عام 2015.
أما الصين فتجاوزت الأزمة المالية العالمية عام 2008، ثم أطلقت عام 2013 مبادرة الحزام والطريق، وتوسعت اقتصاديا في أنحاء العالم، وأسست أول قاعدة عسكرية لها بالخارج في جيبوتي عام 2017، كما بدأت استعراض نفوذها في بحري الصين الجنوبي والشرقي؛ مما زاد مخاوف واشنطن من أن بكين تنفذ نصائح صن تزو، الذي يرى أن من الأفضل إخضاع الأعداء دون الانخراط فعليًّا في قتال مسلح، وذلك من خلال الخداع وإحباط خطط العدو وتحالفاته.
أدرك أوباما أن بلاده انخرطت في حرب ضد الإرهاب المزعوم تحولت إلى إلهاء إستراتيجي أتاح للصين تطوير قدراتها الاقتصادية والعسكرية، كما أتاح لروسيا النهوض من كبوتها بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، في حين تفاقمت الضغوط الاقتصادية بسبب إرث العجز في الميزانية بعهد بوش، وتأثير الأزمة المالية في عام 2008، فقرر أوباما تحويل الموارد إلى الأولويات المحلية، كما تبنت إدارته مفهوم إعادة التوازن، الذي قُصد به إنهاء الحروب الأميركية في الشرق الأوسط، وتكريس أولوية أكبر لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بهدف كبح صعود الصين، ثم طرح إستراتيجية المحور الآسيوي.
حدث تحول جوهري في عهد ترامب، فأصبح التنافس بين القوى العظمى في صلب إستراتيجية الأمن القومي الصادرة عام 2017، التي اعتبرت الصين أبرز منافس جيوسياسي، تليها روسيا، وكانت هذه هي المرة الأولى في فترة ما بعد 11 سبتمبر التي تجاوزت فيها الإشارة إلى القوى الكبرى مثل روسيا والصين نظيرتها التي تشير إلى العراق وأفغانستان.
وعمليا ناقشت إدارة ترامب تخفيض الانتشار العسكري الأميركي جزئيا في أفريقيا وأميركا الجنوبية لتسهيل زيادة الانتشار في منطقة المحيطين الهندي والهادئ لمواجهة الصين، وهو ما أثار القلق من خلق فراغ يؤدي إلى زيادة النفوذ الصيني أو الروسي في تلك المناطق.
ورغم تعهد بايدن بتبني سياسة خارجية مختلفة فإن إستراتيجية الأمن القومي الصادرة تحت إشراف إدارته عام 2022 استخدمت مصطلح المنافسة نحو 90 مرة لتطغى على مصطلحات التوازن والاحتواء، كما سارت على درب نظيرتها في عهد ترامب عبر التشديد على أن الصين وروسيا تمثلان تحديات أكثر خطورة، مع التشديد على أن الصين هي المنافس الإستراتيجي الأكثر أهمية، بحجة أنها تعمل على تحديث جيشها وتستعد للقتال والفوز في حرب مع الولايات المتحدة.
وبعد أن اعتمد ترامب خطابا قوميا شعاره أميركا أولا، اعتمد بايدن خطابا أكثر ليبرالية. ولذا هدد ترامب بالانسحاب من الناتو، كما انسحب من اتفاقية باريس للمناخ، ومن الشراكة عبر المحيط الهادئ، وتخلى عن الاتفاق النووي مع إيران من جانب واحد، كما ربط الضمانات الأمنية بالمقايضات الاقتصادية، فطلب من العراق وكوريا الجنوبية وألمانيا دفع تكلفة وجود القوات الأميركية على أراضيها.
وفي المقابل، رأت إدارة بايدن أن إستراتيجية أميركا أولا التي انتهجها ترامب ستقود إلى أميركا وحدها؛ ولذا تبنت نهجا مغايرا يقوم على تعزيز الشراكات مع الحلفاء، فعادت إلى اتفاقية باريس للمناخ، كما عملت على تعزيز الحوارات الأمنية والتعاون الثنائي مع الهند وفيتنام والفليبين وكوريا الجنوبية، ونظمت الحوار الأمني الرباعي الذي يضم الولايات المتحدة وأستراليا والهند واليابان، كما أنشأت عام 2021 الشراكة الأمنية الثلاثية أوكوس بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، ودعمت التعاون بين حلفائها استعدادا لمواجهة الصين.
يعكس التباين بين نهجي إدارة ترامب وبايدن رغم اتفاقهما على كون الصين أبرز منافس جيوسياسي، اختلافا أعمق داخل الولايات المتحدة بشأن دورها في العالم.
لقد طرح المُنظّر الأمني باري بوزان مصطلح ضبط النفس وإستراتيجية التوازن التي ترى أن الميل المفرط إلى الاعتماد على الحلول العسكرية لمشاكل سياسية يؤدي إلى مزيد من الأزمات، وأن السياسات الأميركية تقوض المصالح الحيوية للقوى الأخرى؛ مما يصعد التوتر معها، كما في نموذج استفزاز روسيا عبر توسيع عضوية حلف الناتو والتعهد بضم جورجيا وأوكرانيا.
كذلك يرى بوزان أن القوة الأميركية لم تعد كافية لتحقيق أهداف أكثر طموحًا، وأن على واشنطن تعديل سياساتها لتتناسب مع موارد القوة المتاحة، وأنه بدلا من نشر قوات في الخارج بشكل دائم وتقديم التزامات للحلفاء تستنزف المقدرات الأميركية، فمن الأفضل الاحتفاظ بوجود محدود في الخارج بالأماكن الأكثر أهمية والاعتماد على الجهات الفاعلة المحلية لاحتواء التهديدات والحفاظ على توازن القوى في تلك المناطق، وتعزيزها بالدعم الاقتصادي أو الدبلوماسي أو العسكري غير المباشر مثل مبيعات الأسلحة، وفي حال اقتراب انهيار في التوازن الإقليمي تتدخل واشنطن آنذاك عسكريا لاستعادة التوازن، ثم تعود أدراجها، وهو ما يقود في النهاية إلى تمتع الولايات المتحدة بقدر أكبر من الأمن بتكلفة محدودة.
لم تتبنّ إدارة بايدن إستراتيجية التوازن بحذافيرها بحجة أن الانسحاب عالميا لتوفير الأموال وتهدئة مخاوف الجهات المنافسة، سيؤدي إلى تضرر نفوذ الولايات المتحدة، وسيشجع الخصوم على تحدي مصالح واشنطن ويثبط الحلفاء، وسيولد المزيد من المشاكل التي تتطلب تكاليف أكبر لمعالجتها على المدى الطويل، لكنها سعت مثل إدارة أوباما لتبني إستراتيجية أقل حدة تدعى المشاركة العميقة، تقوم على الحفاظ على مشاركة الولايات المتحدة في العالم، وإدامة التحالفات الأساسية مع أوروبا عبر الناتو ومع اليابان، وتعزيزها حيثما أمكن لتوزيع المسؤوليات، فضلا عن إعادة التوازن إلى مجموعة أدوات السياسة الخارجية من خلال رفع مستوى الدبلوماسية والتبادلات الثقافية وإزالة الحواجز أمام التجارة، والتقليل من التركيز على استخدام القوة والإكراه، مع التقليل من عدد القضايا التي تنخرط فيها إذا رأت أنها غير ملزمة بحلها، واستمرار دفع حصة غير متناسبة من تكاليف المؤسسات الدولية لتعزيز الاستقرار العالمي؛ مما ينعكس إيجابا على زيادة الأمن والرخاء الأميركي.
وفي المقابل يشعر فريق آخر -مثّلته إدارة ترامب- بالسخط إزاء التكاليف الباهظة للصراعات التي تبدو بلا نهاية، ويعتبر أن حلفاء الولايات المتحدة وشركاءها لم يتحملوا نصيبهم العادل، وأن الأموال المنفقة على الحروب الخارجية ستكون مفيدة بشكل أكبر في مواجهة جائحة كوفيد-19، أو تطوير البنية التحتية داخل البلاد؛ ولذا تبنت إدارة ترامب نهجا معاديا للتحالفات مع الآخرين باعتبارها صفقات سيئة تتحمل واشنطن تكاليفها ومخاطرها ويجني الحلفاء فوائدها، كما سخر ترامب من حلف الناتو متهما أعضاءه بالركوب المجاني على حساب الولايات المتحدة، وسحب القوات الأميركية من الصومال، وكاد يسحبها بشكل كامل من سوريا.
كذلك تبنى ترامب نهجا معاديا للتجارة الحرة باعتبارها تفيد الجهات الأجنبية على حساب الأميركيين، ففرض تعريفات جمركية كبيرة على الواردات بما فيها واردات الصلب والألومنيوم من الدول الصديقة، ووصف الشراكة عبر المحيط الهادئ بأنها اغتصاب للولايات المتحدة ثم انسحب منها، واعتبر أن الهجرة تهدد الهوية الوطنية فشدد سياساته اتجاه المهاجرين ومراقبة الحدود، ورفع شعار أميركا أولا الذي يمثل توجها انعزاليا في السياسة الأميركية.
عندما علم جيرار أرو السفير الفرنسي لدى واشنطن بانتخاب دونالد ترامب رئيسًا عام 2016 قال إن العالم ينهار أمام أعيننا، ولعل أرو يشعر اليوم بفزع أكبر من احتمال عودة ترامب مجددا إلى البيت الأبيض. فترامب تعهد بتخفيض الدعم المقدم لأوكرانيا في حربها مع روسيا، وبفرض تعريفات جمركية تتراوح بين 60 و100 على البضائع الصينية، كما وعد بتشديد سياسات الهجرة، وذلك ضمن كتلة وعود تشعر حلفاء الولايات المتحدة بتجاهلها لمصالحهم وبضرورة التخطيط للمستقبل بمعزل عنها، والتحوط من التقلبات في إستراتيجيتها الكبرى وسياستها الخارجية.
وإضافة إلى تفاقم الانقسامات السياسية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة، التي تجلت في اقتحام أنصار ترامب للكونغرس عام 2021، فإن الولايات المتحدة تواجه تحديات في المناطق الحيوية الثلاث بآسيا وأوروبا والشرق الأوسط؛ إذ تسببت سياساتها الهادفة لعزل روسيا والحد من النفوذ الصيني في تقارب بكين وموسكو، كما دفعت العديد من حلفاء واشنطن مثل دول الخليج العربي إلى رفض مسايرتها في العقوبات التي تفرضها على روسيا والصين.
وأدى انسحابها من الاتفاق النووي مع إيران إلى دفع طهران لتعزيز قدراتها على تخصيب اليورانيوم، وأدى تجاهلها للحق الفلسطيني ودعم اتفاقيات إبراهام للتطبيع ونقل السفارة الأميركية إلى القدس إلى انفجار المشهد في طوفان الأقصى، كما أدى الانسحاب الفوضوي من أفغانستان والتخلي عن حكومة أشرف غني إلى إثارة الشكوك حول مصداقية الضمانات الأميركية.
أما الاقتصاد الأميركي الذي يمثل رافعة القوة العسكرية، فيعاني؛ إذ بلغ متوسط النمو الاقتصادي خلال الأعوام الثلاثين التي تلت نهاية الحرب الباردة 3 سنويا، ويتوقع مكتب الميزانية التابع للكونغرس أن ينخفض الرقم إلى 1.8 خلال الفترة الممتدة من عام 2023 إلى 2033.
ورغم ما سبق، فلا تزال الولايات المتحدة تمتلك أقوى جيش في العالم، لكنها تواجه انحدارا تدريجيا في قوتها لانخراطها في التزامات تتجاوز قدراتها، فضلا عن تسببها في تصاعد الأزمات بدلا من حلها كما في نموذج أوكرانيا وحرب غزة بتداعياتها الإقليمية، ومن خلال تجاهلها لمصالح القوى الأخرى، بل واعتبار أي دولة لا تقبل القيادة المهيمنة لواشنطن هي منافس يجب تحجيمه، والسعي لفرض خياراتها على الآخرين عبر إجبارهم على الاختيار بين وقف التبادلات الاقتصادية مع الشركات والأفراد الخاضعين للعقوبات التي تفرضها من جانب واحد، وفقدان الوصول إلى السوق الأميركية وعزلهم عن النظام المالي القائم على الدولار.
إن التاريخ مليء بأمثلة لإمبراطوريات انهارت بسبب الانقسامات الداخلية، وفقدان الثقة من طرف الحلفاء، فضلا عن الغطرسة وتوسيع نطاق المنافسات؛ مما جعل خصومها يتكتلون ضدها لهزيمتها، وكما يقال فالكل أكبر من مجموع أجزائه. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/7/28/%d9%87%d9%84-%d9%85%d8%a7-%d8%aa%d8%b2%d8%a7%d9%84-%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1%d9%83%d8%a7-%d8%a3%d8%b9%d8%b8%d9%85-%d9%82%d9%88%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d9%88%d8%ac%d9%87 | 2024-07-28T19:50:22 | 2024-10-16T01:03:24 | أبعاد |
|
151 | مشاهد مؤلمة.. كيف نبقى على اطّلاع بما يجري دون أن نصاب بالانهيار وفقدان التركيز؟ | التعاطف ومراعاة مشاعر الغير من أسمى المشاعر الإنسانية، بل جزء من الإرث الجيني للبشرية، فهو ذلك الشعور الذي يجعلك تكسر أنانيتك وتؤمن بأنك مسؤول تجاه الآخر.. لكن هل يمكن أن يكون التعاطف عبئا على صاحبه؟ | منذ بداية الحرب في غزة في 7 أكتوبرتشرين الأول، يتابع الناس من كثب ما يجري من أحداث وقصف وعدوان. وسواء أقرَّرت أن تذهب بنفسك لصفحات الأخبار أم لا، فإنك ستجد الجميع يتداول أخبار الحرب وعدد الشهداء والمناظر المهولة للشهداء الذين ارتقوا من شدة القصف والدمار. ولأن التعاليم الدينية تجعل المسلمين كالجسد الواحد، يهمّ أحدهم ما يهمّ الآخر، ويبتئس القريب لما يُؤذي البعيد، فإن الانعزال عن متابعة الأخبار بالمطلق وعدم الاكتراث يتناقض أخلاقيا مع مسؤوليات المسلم تجاه أخيه، وإن لم تجمع بين المتابع وبين مَن يرزح تحت العدوان أي رابطة عضوية كالدم أو القبيلة، لكنّ علاقة الأُخوّة الإيمانية بين المؤمنين تُمثِّل رابطة استثنائية تجمع بين مجموعات بشرية مختلفة حتى وإن تباعدت جغرافيًّا ومكانيًّا.
لا شك أن التعاطف ومراعاة مشاعر الآخرين من أسمى المشاعر الإنسانية، بل جزء من الإرث الجيني للبشرية، فهو ذلك الشعور الذي يجعلك تكسر أنانيتك وتؤمن بأنك مسؤول تجاه الآخر، وأن للآخر حقوقا عليك ينبغي إيفاؤها وتلبيتها بحسب الاستطاعة، فالتعاطف مع الآخر يُعَدُّ جوهر الإنسان -كما يرى شيلر-، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يملك القدرة على استخلاص ماهيته من الوجود، وهذا ما جعله مخلوقا فريدا له استقلاله الذاتي من جهة، واتصاله بجانبه الاجتماعي واندماجه في المجتمع من جهة ثانية. ولكن التعاطف غير المنضبط الذي لا يتبعه تخطيط عقلاني وسلوك حكيم غالبا ما يقود صاحبه نحو الاستنزاف العاطفي والتبلّد أو الإرهاق الشعوري الذي يتسبّب بدوره في فقدان التركيز، والتعطّل عن وظائف الحياة اليومية. هل يمكن أن يكون التعاطف عبئا على صاحبه؟ بالطبع وهذا ما يُطلق عليه علماء النفس إرهاق التعاطف Compassion Fatigue.
في هذا التقرير نضع بين أيديكم توصيات علمية قائمة على نصائح خبراء الصحة النفسية، فيما يتعلّق بمتابعة أخبار الحروب، دون أن نغفل في الوقت نفسه سياقنا الثقافي وانتماءاتنا القيمية والدينية، بحيث نقدّم مقاربة متوازنة بين الاهتمام الأخلاقي والتعاطف المسؤول مع إخوتنا في غزة، وبين الأساليب والتصرفات السليمة التي يمكننا اتباعها كي نحافظ على تركيزنا وأدائنا بالقدر المعقول.
قديما، قبل استحداث وسائل التواصل الاجتماعي، وفيما يخصّ ثقافتنا العربية، وقبل التوسّع العمراني والانتقال إلى المدن الحديثة، كانت المجتمعات والقبائل العربية شديدة التواصل فيما بينها، وكان كل جار يعرف حق جاره، يفرح لفرحه، ويحزن لحزنه، بل ويسانده إذا لزم الأمر. لاحقا، ومع نشوء المدن الحديثة واتّساع العمران وتعزيز الثقافة الفردانية، أصبح كل فرد منغمسا في شؤونه الخاصة، إلى الحد الذي بلغ بالفرد أن يجهل حتى مَن يسكن إلى جواره. هذا التحوُّل الاجتماعي لم يهيمن على جميع الأفراد والمجتمعات بالطريقة نفسها، وذلك لأن طبيعتنا العربية مجبولة على المروءة والشهامة، والثقافة الإسلامية للمسلمين تُملي عليهم الاهتمام بالمستضعفين ومناصرتهم ودعمهم وإغاثة الملهوفين، لذا فإن أيّ حدث يمسّ جسم الأمّة سرعان ما يتحوّل إلى طاقة تعاطف وغضب بلا تردد.
بحسب علم النفس لا يأتي التعاطف شعورا منفردا، بل يترافق التعاطف مع الشعور بالأسى والحزن، وأحيانا الإرهاق والألم بفعل الأحداث المأساوية التي يتابعها المرء، خاصة إذا ما تبع الشعور بالشفقة والعطف حالة عجز بفعل موانع تَحُول دون تقديم المساعدة. فدائما ما تكون لديه الرغبة المُلِحّة في مساعدة الآخرين وتخليصهم من معاناتهم، لكن لا تتيح الحياة لنا دائما إمكانية تقديم المساعدة المباشرة لهم، الأمر الذي يجعل الشعور بالتعاطف عبئا لا يمكن تصريفه بمساراته الصحيحة والطبيعية.
عرفت البشرية الألم والإرهاق المترافق مع حالة التعاطف والشفقة منذ وقت مُبكِّر، إذ يخبرنا المُؤرخ صموئيل موين أن إرهاق التعاطف أو إعياء الرحمة قديم قِدم الرحمة نفسها بوصفها ممارسة بشرية، ولكنّ المصطلح الذي نعرفه اليوم صاغته المؤرخة كارلا جويونسون لأول مرة عام 1992، وعرَّفه عالِم النفس تشارلز فيجلي بأنه حالة من الإرهاق والخلل الناتجة عن التعرض لفترات طويلة من إجهاد التعاطف، كما يمكن فهم إرهاق التعاطف بوصفه أحد أعراض اضطراب الصدمة الثانوية STSD.
ويمكننا القول إن التعريف الأشمل لإعياء التعاطف هو أنه حالة من الإرهاق العاطفي والجسدي الناتج عن التعرّض المطول للصدمات أو مراقبة الأفراد المصابين بالصدمات لفترة طويلة. وتحدث هذه الظاهرة النفسية نتيجة لاستنزاف قدرة المرء على العطاء الشعوري، مما يؤدي إلى صعوبة قيام المرء بمهامه ووظائف حياته اليومية. لذلك من الشائع أن يحدث إعياء الرحمة أو إرهاق التعاطف مع مقدّمي الرعاية الصحية والعاملين بالوظائف التي تتطلّب التعامل مع أشخاص مصابين بصدمات نفسية أو حوادث جسمانية شديدة، وبالتالي فإنهم يتعرّضون بانتظام للصدمات أو بيئات عالية التوتر، كالعاملين في الطوارئ وخدمة المجتمع وتقديم الرعاية النفسية الطارئة وكذلك وظائف الدفاع المدني، كل هؤلاء أكثر عُرضة للإصابة بإعياء التعاطف.
لكي نفهم إرهاق التعاطف، ينبغي ابتداءً أن نفهم لماذا يحدث التعاطف نفسه في المقام الأول، وسنتناول ثلاثة تفسيرات أساسية لتشريح التعاطف، وهي التفسير النفسي، والتفسير الاجتماعي، والتفسير العصبي بحسب ما يخبرنا به علم الأعصاب.
يُعَدُّ التعاطف ركيزة أساسية في الذكاء العاطفي، ومَدخَلا إدراكيا كي يتعرّف الناس على طيف المشاعر المختلفة الذي يملكونه في ذواتهم، إذ ركّزت بعض الاكتشافات المبكّرة المتعلقة بموضوع التعاطف على فكرة مفادها أن الشعور بما يشعر به الآخرون يتيح للإنسان إمكانية اختبار مجموعة متنوعة من التجارب العاطفية. ويقول الفيلسوف آدم سميث إن التعاطف يسمح لنا بتجربة أشياء قد لا نكون قادرين على الشعور بها بشكل كامل بغياب التعاطف. لذلك، يتضمّن الشعور بالتعاطف أيضا التعاطف مع كل الأشخاص، سواء كانوا شخصيات حقيقية أو شخصيات خيالية. فالشعور بالتعاطف مع الشخصيات الخيالية على سبيل المثال يسمح للناس بخوض مجموعة متنوعة من التجارب العاطفية والأدبية والأحاسيس الجمالية التي يستحيل أن تحدث دون وجود تلك الشخصيات.
ثمّة تفسيرات اجتماعية للتعاطف بطبيعة الحال، إذ أشار الفيلسوف وعالِم الاجتماع هربرت سبنسر إلى أن التعاطف هو بمنزلة وظيفة تكيُّفية ويساعد في بقاء الأنواع، إذ يحفّز ظهور سلوكيات مساعدة الآخرين والإيثار وتقديم المَعونة، الأمر الذي ينعكس إيجابا على العلاقات الاجتماعية وتقويتها، فالبشر مخلوقات اجتماعية بطبيعتها، والأشياء التي تُحسِّن علاقاتنا مع الآخرين تفيدنا نحن أيضا بالضرورة.
كما يُعطينا علم الأعصاب أيضا نظرة على النشاط الدماغي والعمليات الإدراكية والمعرفية أثناء حدوث التعاطف، إذ أظهرت الدراسات أن مناطق معينة من الدماغ تلعب دورا أساسيا في طريقة الشعور بالتعاطف، بما في ذلك القشرة الحزامية الأمامية والفصّ الجُزيري. كما تشير الأبحاث العلمية إلى وجود استعدادات بيولوجية ومكوّنات عصبية أساسية مهمة للشعور بالتعاطف، وتحديدا ما يُسمّى بالخلايا العصبية المرآتية mirror neurons، التي يلعب تحفيزها في الدماغ دورا في القدرة على عكس وتقليد الاستجابات العاطفية التي قد يشعر بها الناس. وتشير أبحاث التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي أيضا وبشكلٍ أكثر دقّة إلى أن التلفيف الجبهي السفلي يلعب دورا مهما في الشعور بالتعاطف، حيث إنّ الأشخاص الذين أُصيبوا بأضرار في هذه المنطقة من الدماغ غالبا ما يواجهون صعوبة في التعرّف على المشاعر التي تعكسها تعابير وجوه الآخرين.
يخبرنا تشارلز فيجلي، الأخصّائي في علم النفس والمعالج النفسي المختصّ بالصدمات، عن أثر التعامل مع المراجعين والعملاء الذين تعرّضوا للصدمات النفسية، حين يقول لم نتعرّض بشكلٍ مباشر لواقعة الصدمة، لكنّنا نسمع القصة تُروى بالحدّة نفسها، أو نسمع قصصا مماثلة في كثير من الأحيان، إن التعاطف هدية ولعنة في الوقت نفسه، إذ يعرّضنا التعاطف للمعاناة. نحن نشعر بمشاعر عملائنا، نختبر مخاوفهم، نحلم بأحلامهم. في النهاية، نفقد بريقنا من التفاؤل والفُكاهة والأمل. نحن نتعب. نحن لسنا مرضى، لكننا لسنا أنفسنا.
يمكن لأي شخص لديه اتصال وجداني مع صدمة شخص آخر أن يتعرّض إلى تفاعل تلقائي مع التجربة المؤلمة للشخص الآخر من خلال عملية تُسمّى الصدمة غير المباشرة أو الإجهاد الثانوي، الأمر الذي يُحدِث أعراضا نفسية لدى الشخص المتعاطف كما لو أن معاناة الشخص الآخر قد حدثت للشخص المُتعاطف بشكلٍ مباشر، وهكذا كلّما تعرّض شخص ما لألم شخص آخر وتعاطف معه وجدانيا وشعوريا، زاد احتمال شعوره باليأس والعجز والإحباط.
أدّى وجود وسائل التواصل الاجتماعي وانتشارها وسرعة وصول الأخبار ومتابعة الأحداث في لحظة حدوثها نفسها إلى فقدان معظم المُشاهدين والقرّاء القدرة على إدارة المشاعر والانفعالات وضبطها، الأمر الذي يجعلهم يشعرون كما لو أنهم في حالة انهيار دائم لالتحامهم لا شعوريا مع صاحب الكارثة والضحايا بشكلٍ متزامن.
تلعب الضغوطات المتعدّدة في حياتنا دورا أساسيا في قدراتنا على التعاطف. يملك معظمنا نحن البشر كمية محدودة من الطاقة للقيام بالمهام والمسؤوليات الملقاة على عاتقنا على المستوى اليومي، بالتالي إذا كان هناك أحداث ساخنة تتابعها طوال الوقت، فإن هذا سيتسبّب بعد فترة في عدم القدرة على الإنتاجية بكفاءة، الأمر الذي سيعقبه حالة نفسية من عدم الرضا والشعور بالذنب والتقصير، ممّا سيؤدّي في المحصّلة إلى الوقوع في إرهاق التعاطف.
الشعور بالآخرين هو حالة وجدانية وحالة عاطفية، والناس تختلف تماما في تفاعلها مع الأحداث؛ فهناك المتبلّدون، وهناك مَن يتأثّر بشدّة لدرجة تؤثّر على حياته، ويحثّنا ديننا الحنيف على الوسطية في كل شيء، فلا إفراط ولا تفريط، فلا ينبغي أن نترك مشاعرنا تؤثّر علينا للدرجة التي تعوقنا عن فعل الصواب وتقديم المعونة الحقيقية. لذلك يحذر علماء النفس من الوقوع في براثن التعاطف التي تقودك إلى حالة من الاحتراق والشعور بالعجز والقهر.
لا شك أن التشريع الإسلامي جاء واضحا بَيِّنًا حول علاقة المسلمين ببعضهم بعضا، مع وجوب التوادّ والتراحم والتعاطف فيما بينهم، كما جاء في الحديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم مَثَلُ المؤمنين في تَوادِّهِم وتَراحُمِهِم وتَعاطُفِهِم مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكى منه عُضوٌ تَداعى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمّى، وقوله صلّى الله عليه وسلّم المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا. من هنا ينبغي التوازن بين التعاطف وبين عدم الوقوع في فخّ العجز وفقدان الفاعلية نتيجة الإفراط في التعاطف.
تكمن الخطوة الأولى لعلاج إرهاق التعاطف في تجنّب حدوثه بالأساس، وذلك عبر تعميق فهمك لنفسك، وإدراكك لقدراتك التعاطفية وما يمكنه تثبيطك واستنزافك في مقابل ما يمكنه تحفيزك وتنشيطك، وتحديدك للظروف التي تدفعك للعمل والإنجاز بأفضل كفاءة ممكنة. وإليك بعض الخطوات والنصائح الأساسية لتفادي الجانب السلبي من التعاطف وتعظيم الجانب الإيجابي فيه
رغم صعوبة الأحداث وثقلها على قلوبنا، فإن إيماننا بوجود حكمة الله فيما تسري عليه الأمور هو البوصلة التي تُعيدنا إلى اتجاهنا الصحيح للتوازن النفسي. بطبيعة الحال أنتَ إنسان، لستَ إلها، ولا يمكنك تغيير مجرى الأمور أو منع حدوثها أو العودة بالزمن لتغيير مسارات الأقدار. حين تدرك هذا، ينبغي أن تتخلّص من الشعور بالذنب على الصعيد الشخصي حيال ما يجري من أحداث في هذا الكون. يساعدنا التسليم بأقدار الله واستيعاب حدوثها رغم إيلامها على النضج والانتقال إلى الأسئلة الأكثر فاعلية وإيجابية بدل الغرق بالأسئلة السلبية التي تجعل الإنسان أكثر تعطُّلا وتسويفا.
غالبا ما يشعر الأشخاص المعنيّون بتطورات الأحداث بأنهم لا يملكون الوقت لأنفسهم، لذلك فإن أفضل مكان للبدء هو الاعتناء بنفسك، وذلك لأنه لا يمكنك تقديم الخدمات للآخرين بكفاءة وجودة إن كنت مُستنزَفا عاطفيا ومُجهدا على المستوى الوجداني من هول الأخبار والإغراق بالشعور بالأسى والتألّم. وفي حال كان ذلك ممكنا، خذ استراحة لبعض الوقت بعيدا عن أعمالك والتزاماتك أو حتى عائلتك، سيساعدك ذلك على الهروب من الضغط المستمر، واحرص على وجود فترات راحة يوميا ولو كانت قصيرة، إذ ستساعدك على التخلص من الأفكار والمشاعر السلبية، وتزودك بطاقة إضافية للعطاء وتقديم المساعدة بشكل أفضل. كما يجب الحصول على قسط كافٍ من النوم، مع الحرص على تناول وجبات صحية وممارسة الرياضة والتأمل.
إن الابتعاد عن الهاتف المحمول ووسائط التواصل الاجتماعي لفترة وجيزة قد يساعدك في الحصول على فترة من الهدوء والتفكير في صحتك وحياتك. هذا لا يعني الانعزال عن الأخبار وعدم الاكتراث بما يجري، فهذا لا يليق أساسا مع مسؤوليتك الأخلاقية تجاه الضحايا، ولا ينسجم مع تعليمات ديننا الحنيف. ما نقوله هنا إن ما عليك فعله هو أن تضع سقفا لكمية الأخبار التي تتلقّاها خلال اليوم، ولعدد المرات التي تتصفّح فيها المقاطع المرئية للكارثة أو الحرب، بحيث تقرّر أنك ستشاهد الأخبار مرتين خلال اليوم، مرة نهارا ومرة مساء، ويُفضَّل ألا تكون هذه الفترات قبل النوم مباشرة أو بعد الاستيقاظ مباشرة، كي لا تؤثّر بشكلٍ حاد على الكفاءة النفسية عند النوم أو عند العمل.
ثمّة أشكال متعدّدة لتقديم المساعدة في حالة الكوارث والحروب، إمّا بشكلٍ مؤسّساتي عن طريق البحث عن الجهات المعنية والفرق التطوّعية والوجهات الخيرية والمنظمات المدنية، التي غالبا ما تعرض برامج ومسارات تطوّعية لتقديم المساعدة في الأزمات والحروب والكوارث، فسارِع لتخصيص جزء من وقتك للمساعدة الفعلية. يملك الأفراد أيضا خيار المساندة الفردية عبر الاستثمار بالقدرات المعرفية، فإذا كنت صاحب رؤية واضحة ووعي وفكر، فيمكنك تسخير كل هذا للدفاع عن قضيتك ودفع الرأي العام لتغيير توجهاته، عبر كتابة المحتوى الجادّ والنّوعي الذي يسهم في مساندة رأي الضحايا ويتلاءَم مع واقعة القهر أو الحرب، وتوجيه هذا الخطاب للجهات الدولية والمسؤولين والفاعلين محليا.
يحدث أحيانا أن تخرج الأمور عن السيطرة، ففي بعض الأحيان قد يؤثر تعاطفنا مع الآخرين على علاقتنا مع العائلة والأصدقاء، وعلى وظائفنا ودراستنا، والمهام الأساسية في حياتنا. إذا قمت بكلّ الخطوات السابقة ولم تستطع تقديم الرعاية الصحية لنفسك، فالجأ إلى الطبيب النفسي أو تحدّث مع مُقدّم الرعاية النفسية الخاص بك، حيث سيساعدك المختص النفسي على رؤية الأمور بشكل أفضل، ويزودك ببعض الحلول المهمة للتغلب على إرهاق التعاطف.
أخيرا، إن التعاطف هو بوابة الإيثار، وهذا الفهم ضروري لتحقيق معنى أن تكون إنسانا، فالتأثيرات تمتد من تفاعلاتنا الشخصية اليومية وحتى السياسات العالمية، فبالتعاطف يمكننا معرفة مدى قوتنا في رفع المعاناة عما يشعر به الآخرون، ولكن لنكن حذرين حتى لا نصابَ بإرهاق التعاطف الذي من شأنه أن يؤثر على حياتنا ويعوق من قدرتنا على مساعدة الآخر.
يُعَدُّ تطبيق المرونة المُحفّزة Driven Resilience من الحلول المُصمّمة وفق تقنية الذكاء الصناعي التي توفّر التدريبات عبر نموذج PR6، وهو نموذج يتكوّن من سداسية مفاهيمية، تعمل عبر التفاعل المستمر لتحسين الصحّة النفسية والكفاءة الاجتماعية للأفراد. قد يفيدك هذا التطبيق لتحسين مهاراتك لتجنب الوقوع في إرهاق التعاطف.
يبدأ التطبيق بالقياس من خلال استبانة سريعة لقياس المرونة مدّتها 3 دقائق.واستنادا إلى نتائج القياس، تبدأ دورة تدريبية شخصية ذاتية السرعة.يتم التدريب عبر مجالات المرونة الستّة، ولكلٍّ منها محادثات يومية قصيرة وفريدة من نوعها تعمل على بناء مهارات المرونة الصحية.يوفّر التطبيق أنشطة يومية تفاعلية وتقنيات مفيدة يمكن استخدامها حسب الحاجة.ويقدّم التطبيق المساعدة عند الحاجة من خلال الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
هذه الاستبانة المُكوّنة من 66 بندا هي النسخة العلمية المحدّثة والأكثر شمولا للتقييم الذاتي للإصابة بإجهاد التعاطف، تُبنى هذه الاستبانة على بنود الإقرار الذاتي والأسئلة ذات التوجّه الإيجابي التي تهدف إلى قياس الرضا عن العطف والتّعب، وهي متوفّرة بهذه الصيغة غير المترجمة للعربية مع دليل في النهاية لاحتساب النتيجة.
| https://www.aljazeera.net/sukoon/2023/10/31/%d9%85%d8%b4%d8%a7%d9%87%d8%af-%d9%85%d8%a4%d9%84%d9%85%d8%a9-%d9%83%d9%8a%d9%81-%d9%86%d8%a8%d9%82%d9%89-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d8%b7%d9%91%d9%84%d8%a7%d8%b9-%d8%a8%d9%85%d8%a7 | 2023-10-31T08:38:35 | 2024-05-29T10:31:41 | أبعاد |
|
152 | ولاية قيس سعيد و5 سنوات من بورقيبة وبن علي والثورة | يكتب قيس سعيد تاريخ تونس الحالي منفردا، يملك الطاولة والقلم والورق والمداد، مقتنعا أن هذا القلم الأسود خيرٌ ألف مرة من أقلام الأحزاب السياسية الملونة والمختلفة. | الإجابة تونس؛ لطالما ترددت هذه العبارة على لسان المتحمسين للربيع العربي خلال سنواته الأولى التي بدت فيها تونس النموذج الذي يقدم جوابا للمعضلات الصعبة والأسئلة الشائكة.
من جانبهم، كان الإسلاميون السياسيون في العالم العربي وحتى الأمس القريب يعتبرون تجربة إخوانهم في قرطاج هي الأنجح، بعد أن شكَّلوا ضلعا أصيلا في الحكم ونجحوا في تفادي محاولات إقصائهم لفترة طويلة.
وحتى العلمانيون رأوا تونس مثالا يُحتذى به، فهي الدولة القادمة من ماضٍ لائكي عريق نافح عنه بورقيبة ومن بعده بن علي، لتأتي الثورة وتُضفي عبق الياسمين على هذه العلمانية وتمنحها مسحةً من الحرية، لكن الشعب التونسي نفسه كان يرى نفسه وثورته بصورة مختلفة عن أولئك الناظرين إليها من الخارج.
لقد كابد التونسيون احتلالا فرنسيا خانقا دام زهاء ثمانية عقود، تلقَّفتهم بعدها أيادي الأنظمة البوليسية لخمسة عقود ونيف، حُرم خلالها الشعب التونسي من حقه في الحرية والكرامة، بل وفي العيش، فكانت نيران البوعزيزي نهاية عام 2010 هي ما أشعلت الثورة في تونس ومنها انتقلت إلى العالم العربي بأسره.
ومع الثورة، حلم التونسيون بحياة أفضل، متخيلين أن تصدُّرهم طليعة المبشرين بالحرية سوف يمنحهم نصيبا وافرا من كعكة الغد الأفضل، لكن الكثير من هذه الأحلام أضحى سرابا.
صحيح أن تونس لم تنزلق إلى ديكتاتورية عسكرية صريحة ولم تضربها الحروب الأهلية كما حدث لجيران الربيع العربي، لكنها نالت حظها الوافر من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وأوشكت أن تودِّع التعددية السياسية نحو حكم أحادي وإن تغلَّف بغلاف ديمقراطي.
فقبل سنوات خمس من اليوم، وصل قيس سعيد إلى كرسي الحكم مشفوعا بدعم سياسي وشعبي كبيرين، ومصحوبا بتفاؤل جامح أن الأستاذ الجامعي، القادم من خارج عوالم السياسية، ربما يحمل إكسير الشفاء لسنوات التخبط السياسي ما بعد الثورة.
واليوم يخوض قيس سعيد رحلته الانتخابية نحو ولاية ثانية، مع تفاؤل أقل واستقطاب أوسع، وهو ما يدفعنا إلى إعادة قراءة صفحة قيس سعيد في كتاب التاريخ التونسي، من خلال عناوين ثلاثة، اختصارا لا إخلالا.
أنَامُ مِلْءَ جُفُوني عَنْ شَوَارِدِهَا
وَيَسْهَرُ الخَلْقُ جَرّاهَا وَيخْتَصِمُ
ما أبعدَ العَيبَ والنّقصانَ منْ شرَفي
أنَا الثّرَيّا وَذانِ الشّيبُ وَالهَرَمُ
أبو الطيب المتنبي
في أكتوبرتشرين الأول 2019، شقَّ قيس سعيد طريقه إلى قصر قرطاج بأريحية كبيرة ربما لم يتوقعها الأستاذ الجامعي حين قرر خوض غمار السياسة من الباب الكبير، بعدما حصد 72.71 من أصوات التونسيين في الجولة الثانية من انتخابات شهدت مشاركة 57.8 من مجموع الناخبين الذين دغدغتهم وعود قيس سعيد بقطع جميع العلائق مع الزمن الذي ولّى، زمن الفساد والرشوة والمحسوبية.
لم يدرِ أحد كيف سيُنفِّذ قيس سعيد هذا الوعد بالضبط، بمَن في ذلك مناصروه المتحمسون ودوائره الأكثر قربا.
كان مشروع قيس سعيد -إن صح وصفه كذلك- شعبويا إلى حدٍّ كبير، وفقيرا في التفاصيل إلى أبعد مدى، لكن سِمَتُه الرئيسية كانت أنه وضع مسافة شاسعة بينه وبين الطبقات السياسية والمؤسسات والنخب التقليدية في تونس، معتمدا على استقطاب الشباب المحبط من الثورة التي لم تقدم إجابات عن جميع المطالب التي رفعها التونسيون بعد أن هرموا في انتظار اللحظة التي يتنحى فيها بن علي من على كرسي السلطة.
وصف موقع أورينت 21 الحملة الانتخابية لقيس سعيد بأنها فريدة، وغير مكلفة، وأنها حملة رئاسية بدون حملة انتخابية ولا أدوات تسويقية سياسية ولا أية وسائل توفرها الدولة.
كان الجزء الأهم من هذه الحملة هم الشباب المؤمن بمشروع مختلف لا يرى أية ضرورة في الانضواء تحت شعار هذا الحزب أو ذاك، ويؤمن بوجود طريق مختصر أكثر وضوحا هو إحداث تغيير حقيقي من خلال مساندة رجل لا تُعد استقامته ونزاهته محل تشكيك من أي طرف.
مَثَّلت هذه الخلفية المتواضعة سياسيا، والمستقيمة شخصيا، وغير المنحازة أيديولوجيا، مفارقة واضحة مع كل ما ينفر منه التونسيون بشأن السياسيين التقليديين، ومنحت سعيد رمزية لا تُقدَّر بثمن.
لذلك، لم يحتج الرجل إلى تقديم رؤية حقيقية أو مقترحات ملموسة للظفر بثقة داعميه، الذين رضوا منه بالوعود الكلاسيكية حول محاربة الفساد واحترام الدستور والقوانين وإعادة الشباب إلى الحياة السياسية ثم تحييد الأحزاب السياسية وبناء دولة قوية برئيس يجسد إرادة الشعب.
بدأت إرهاصات النجاح تقترب من قيس سعيد بعد أن وصل إلى الجولة الثانية من الانتخابات التي خاضها ضد مرشح مجرد من العديد من الامتيازات هو نبيل القروي، الذي كان يواجه تهما بغسيل أموال وفساد احتُجز على إثرها خلال حملته الانتخابية التي كان عليه أن يكملها من وراء القضبان.
لذلك كان انتصار قيس سعيد شبه حتمي، خصوصا بعد حصوله على دعم حزب النهضة في جولة الإعادة، وغيرهم، فضلا عن دعم اليسار والقوميين العرب.
لقد أجمع الجميع أنه يجب عدم السماح للقروي بأن يصل إلى كرسي الحكم، في الوقت نفسه فإن داعمي سعيد الجدد الذين انحازوا له اضطرارا ظنوه للوهلة الأولى شخصا سهل المراس سياسيا، فهو قادم من ماضٍ أكاديمي وليس محسوبا على تيار سياسي يحميه أو يستقوي به، ولا يمتلك علاقات قوية مع الدولة العميقة.
لكن سرعان ما تكشفت الحقيقة أمام الجميع حين بدأ سعيد في تطبيق رؤيته الخاصة للنظام الدستوري في تونس، وكانت رؤية غير تقليدية في أدنى الأحوال.
رأى الرئيس الجديد أن ممارسة الشعب للسلطة تعني بالضرورة التخلص من النظام البرلماني ومن النخب الفاسدة، بل ومن الأحزاب السياسية كونها الهيئات الوسيطة التي تحتكر إرادة الشعب، فلا تنفذها ولا تخرجها للواقع.
أما الحل أو البديل فيكمن في منصب رئيس الجمهورية الذي يعمل خادما للشعب وصوتا له ومحاربا للفساد وجامعا لصفوف التونسيين.
شرع سعيد في إنزال رؤيته الطوباوية إلى أرض الواقع في 25 يوليوتموز 2021، من خلال إجراءات استثنائية تضمنت عزل رئيس الحكومة هشام المشيشي، وتولّيه السلطة التنفيذية بمساعدة حكومة يرأسها رئيس حكومة يعيّنه بنفسه، مع تجميد عمل مجلس النواب، ورفع الحصانة عن النواب.
عُرفت هذه الإجراءات إعلاميا بـالانقلاب الدستوري، وقد أعلن خلالها سعيد نفسه ملكا لقرطاج، لا يُسأل عما يفعل، وخصومه يُسألون.
اختصر الرئيس التونسي جميع مشكلات بلاده في الدستور، لذلك في ذكرى قيام الجمهورية، وبعد عام بالتمام والكمال من الانقلاب الدستوري، نظَّم استفتاءً حول دستور جديد أعاد تونس إلى النظام الرئاسي الذي يحتكر فيه الرئيس السلطات بدلا من النظام المختلط الذي يجري فيه تقاسم السلطة بين الرئيس والحكومة البرلمان، كما قلَّص صلاحيات البرلمان بشكل كبير.
وفي 17 ديسمبركانون الأول من العام نفسه، ذكرى بداية الاحتجاجات في تونس ضد نظام بن علي، نظَّم قيس سعيد انتخابات تشريعية مبكرة بعد أن أخفى خصومه الرئيسيين في غياهب السجن أو في سراديب التهميش.
أحاط سعيد نفسه بعدها بمجموعة مختلفة تماما ومتباينة المشارب في الفترة الجديدة، ففي الصف نفسه، نجد رضا المكي، الشهير برضا لينين، الناشط السابق في اليسار الراديكالي، ونجد أيضا نوفل سعيد، وهو أخو الرئيس المتأثر بأفكار المفكر الشهير علي شريعتي الذي يُعتقد أن لديه علاقات جيدة مع إيران.
ولكن خلف هذه التوليفة المتنوعة والمتغيرة باستمرار يقف سعيد بمفرده حاكما بأمره، في مسرح السياسة في تونس وفق تعبير صحيفة لوموند، وهو أمر يبدو غريبا لرجل لا ينتمي إلى الطبقة العسكرية أو إلى رجال الدولة العميقة الذين يشتهرون بالوصول إلى سُدَّة الحكم ثم إغلاق باب التعددية خلفهم.
الشعب التونسي حر
الشعب التونسي ما يموتش
المجد للشهداء
الحرية للتوانسة
بن علي هرب.. بن علي هرب.
لا يمكن فهم قصة قيس سعيد جيدا بمعزل عن رجل آخر كان طيفه حاضرا في العديد من تحركات الرئيس التونسي وقراراته. ستحط طائرة هذا الرجل، راشد الغنوشي، أرض بلاده بعد 20 عاما قضاها في المنفى، في لحظة عاطفية للغاية استقبله فيها أنصاره بنشيد طلع البدر علينا بعد أسبوعين اثنين فقط من خسوف قمر زين العابدين بن علي.
لم يكن من الصعب أن يُحسَب الغنوشي وحركة النهضة على معسكر الثورة، فقد عانوا كالعديد من الإسلاميين من تهميش واضح وقمع بوليسي وتشويه إعلامي فاضح وتغريب قسري في زمان بن علي.
ومنذ الوهلة الأولى، أظهرت النهضة براغماتية سياسية وتفادت -قدر المستطاع- أية خصومات أو مواجهات مع منافسيها حتى أولئك الذين بادروها بالعداء. وفي انتخابات المجلس التأسيسي في أكتوبرتشرين الأول عام 2011، حصلت الحركة على نسبة 37 من الأصوات تُرجمت إلى نحو 42 من المقاعد.
كانت النهضة تواجه تحديا قويا في هذه الفترة، فمن جهة لديها قواعد غير متحمسة لجميع التحالفات غير المتجانسة، وتُفضِّل الوفاء للأفكار الإسلامية التي قامت عليها الحركة الإسلامية في تونس، ومن جهة ثانية، كان هناك العداء الكبير الذي تواجهه الحركة إقليميا بفعل موجة العداء للإسلام السياسي إقليميا، ومن جهة ثالثة كانت هناك المخاوف الخاصة المتزايدة في تونس ذات الماضي العلماني القريب من أن محاولة تطبيق الأفكار الإسلامية سوف يقود إما إلى نموذج دولة دينية على غرار إيران، وإما إلى بحور من الدم على شاكلة الجزائر.
عمل إخوان راشد الغنوشي على طمأنة الجميع، وأكدوا استعدادهم للرجوع خطوة من أجل أن تتقدم تونس خطوات إلى الأمام، فعقدوا تحالفات مع حزب المؤتمر برئاسة المنصف المرزوقي والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات بقيادة مصطفى بن جعفر، ومنذ ذلك الحين باتت حركة النهضة الرقم الرئيسي في نظام ما بعد بن علي رغم تعدد الحكومات.
ارتكزت حركة النهضة على الشرعية الانتخابية في معاركها مع خصومها، رغم أن الغنوشي كان يدرك جيدا أن هذه الشرعية قد تتآكل بسبب تراجع نتائج الحركة مع مرور الوقت في الاستحقاقات الانتخابية التي تخوضها.
كان إسلاميو تونس يعون جيدا أيضا أن الأجواء تتبدل من حولهم، وأن رفاق الطريق في دول أخرى انتهى بهم الأمر خارج السلطة تماما، أو في السجون، لذلك كان بديهيا أن الشرعية الانتخابية لن تحمي من ارتداد محتمل عن الديمقراطية بأسرها، لذلك وضع الغنوشي وإخوانه الأفكار والأيديولوجيا في الخلف، وتحالفوا مع أشخاص منهم مَن يُحسَب على بقايا النظام السابق، ومنهم مَن يختلف فكريا مع النهضة، كحزب نداء تونس.
استفادت حركة النهضة كثيرا خلال فترة رئاسة الباجي قايد السبسي، الرجل المحسوب على العهد البورقيبي الذي كان أكثر ضعفا من أن يحكم بمفرده ويجر البلاد نحو السلطوية أو حتى ليضبط الشأن الداخلي لحزبه الذي بدأ يتفكك بسهولة بسبب الخلافات بين التيارات المختلفة التي شكَّلته.
في الحقيقة، كان الخصمان الأيديولوجيان، الغنوشي والسبسي، متفقين على العديد من الأمور، حتى إن حركة النهضة دعمت الإصلاحات التي أوصت بها الجهات الدائنة لتونس، كما دعمت قانون المصالحة مع المتهمين بالفساد في زمان بن علي.
وعندما كانت هذه الاتفاقات والتحالفات والتوازنات السياسية تتم في تونس بين النهضة وشركائها المختلفين في لعبة كراسي موسيقية أثبتت عدم نجاعتها في إيجاد الدواء للشعب التونسي الذي كان يعيش وضعا اقتصاديا مترديا، كان قيس سعيد يدخل على استحياء في مستنقع السياسة، ربما لم يكن يعلم أنه سيكون رئيسا لهذه البلاد بعد سنوات قليلة، في الحقيقة، لم يكن أحد يتوقع آنذاك أن تتداعى الأمور بهذه الطريقة على الإطلاق.
في عام 2013، كان قيس سعيد يشارك في بعض الاجتماعات السياسية المتواضعة مع بعض الشباب الذين كانوا يحسون بمرارة سرقة ثورتهم من طرف السياسيين، مجموعة شباب تتفق مع سعيد في الكثير من الأمور وعلى رأسها كُره السياسيين.
أثمرت هذه الاجتماعات إنشاء حركة مؤسسون، وهي حركة شبابية تكفر بالوضع السياسي الحالي، وتُبشِّر في المدن والقرى والبلدان والمناطق النائية بكلام رجل مستقيم ومختلف عن السياسيين المتلونين يُدعى قيس سعيد.
بعد 5 سنوات من ذلك، ستبدأ بوادر الانهيار السياسي لـأهل الحل والعقد في زمان ما بعد الثورة، بعدما خسر الإسلاميون نصف ناخبيهم في الانتخابات مقارنة مع عام 2014، وخسر السبسي وحزبه ثلثي ناخبيه، وعززت هذه النتائج الأمل في هذا التيار الجديد الذي يحلم بتغيير سياسي مختلف يقلب الوضع في البلاد رأسا على عقب، لكن كل هذا كان مجرد أمل.
وبحلول 25 يوليوتموز 2019، استفاق التونسيون على خبر وفاة الباجي القايد السبسي عن عمر يناهز 92 سنة، وهو الذي جاء بوصفه ثاني رئيس للبلاد بعد ثورة قادها الشباب على فيسبوك.
تبع رحيل السبسي دعوة حتمية لانتخابات مبكرة، حينها كان الجميع يبحثون ليس فقط عن خليفة للسبسي، ولكن عن رجل يُخرِج البلاد من الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها، فالبطالة وصلت إلى نحو 16، والدين العام إلى 90 من الناتج المحلي الإجمالي، وأضحت قروض بنك النقد الدولي ممولا رئيسيا للبلاد التي حصلت على 4 قروض خلال عقد واحد فقط.
سياسيا ظهرت تيارات جديدة تريد مكانا لها في المشهد الجديد، فقد تأسس ائتلاف الكرامة الإسلامي الذي كان ناقما على التنازلات الفكرية والأيديولوجية التي كانت تقدمها النهضة، كما ظهر رجال بن علي في الحزب الدستوري الحر الذي أنشأته عبير موسي، التي كانت تشغل منصب نائب الأمين العام للتجمع الدستوري الديمقراطي، حزب بن علي، وعادت بعد أن جرَّها الحنين جرا إلى الأيام الخوالي، ناقمة على ثورة الياسمين التي تصفها بـالمؤامرة المدبرة من الخارج بدعم من تونسيين خونة.
بعيدا عن فانتازيا الجميع، كان حلم قيس سعيد هو الذي وجد طريقه إلى النور، بيد أنه بعد وصوله إلى منصب رئيس الدولة تنكَّر إلى السياسيين الذين دعموا وصوله إلى السلطة، مُفضِّلا اختيار دوائر الحكم من دائرته المقربة فقط.
أبعد من ذلك، بدأ سعيد ينظر إلى هؤلاء السياسيين والمؤسسات التونسية القائمة بوصفهم تحديا رئيسيا لفلسفته في الحكم.
وقد شكَّل البرلمان ورئيسه الغنوشي التحدي الأقوى أمام سعيد، خصوصا أن الغنوشي كان يمارس صلاحياته كاملة بوصفه رئيسا لسلطة مستقلة تتقاسم الحكم مع الرئيس وليست تابعة له، وهو ما ظهر تحديدا في تحركاته الخارجية، حيث كان ينشط في دبلوماسية موازية مستقلة عن الرئاسة، وهو ما استفز قيس سعيد أيما استفزاز، وأغضبه أيما غضب.
تواصلت الأزمات بين السلطات المختلفة في تونس، ووصل الاحتقان مداه في شتاء عام 2021. فمع اشتعال الغضب الاجتماعي في مناطق مختلفة في البلاد، بدأ بعض الشباب في تحدي حظر التجول المفروض بسبب فيروس كوفيد-19، واشتعلت أعمال النهب والتخريب، حينها وصف هشام المشيشي رئيس الحكومة المحتجين بـالمجرمين، لكن الرئيس التونسي ابتعد عن هذه التصريحات ولم يتبنَّها، مُفضِّلا الاقتراب من الشباب الغاضب الذي استخدمه وقودا لإحراق خصومه سياسيا وإقصائهم بلا رجعة.
مهَّدت هذه الأجواء الطريق لما وصفه سياسيون بـ انقلاب قيس سعيد الدستوري، واستئثاره بالسلطة منفردا.
لكن نظرة متأنية إلى الأوضاع تخبرنا أن ما وقع يتلاءم تماما مع رؤية قيس سعيد ومشروعه السياسي الأحادي المتمحور حول شخص الرئيس، وهو مشروع نابع من عدم إيمانه بالمؤسسات السياسية التقليدية، وهو ما أجهض ثلاث ركائز قُربانا لتلك النظرة، هي الأيديولوجيا والأحزاب ومن ورائهما الديمقراطية التمثيلية بأسرها.
كان سعيد -ولا يزال- يؤكد أن المرجعيات القديمة تجاوزها الزمن، ذلك لأن أفكار قيس سعيد تتجاوز تماما الأيديولوجيا، وبالتالي تتنكَّر تماما للأحزاب.
يقتنع الرئيس التونسي الحالي بأن الأحزاب السياسية التونسية وصلت إلى نهاية حتمية، فهي منذ الثورة التونسية دخلت في مرحلة الاحتضار، وأن موتها قادم لا محالة.
يستند الرئيس التونسي في وجهة نظره إلى تجربة الأحزاب الغربية التي أَفَلَتْ مع الوقت، من قبيل الحزب الاشتراكي وحزب ديغول اليميني في فرنسا، وهذه النماذج رغم واقعيتها فإنها لا تكشف الحقيقة كاملة، فهناك أحزاب أيديولوجية ذات جذور عميقة يصعب تجاوزها عبر جرعة مكثفة من التهميش أو القمع.
لكن الرئيس التونسي مضى في خطته على كل حال، وكانت أداته في ذلك هي الإجراءات الديمقراطية ذاتها التي حملته إلى السلطة، ولكن بعد أن فُرِّغت من مضمونها فصارت مجرد ديكور لمسرح سياسي بلا جماهير.
ظهر ذلك في الانتخابات التشريعية لعام 2022 التي شهدت عزوفا انتخابيا كبيرا، إذ لم تتجاوز نسبة المشاركة 11.3 من أصل 7 ملايين و850 ألف ناخب.
في الدور الأول، وبعد معدل مشاركة لم يتجاوز 11، خرج قيس سعيد لتبرير هذا العزوف بمقارنة الانتخابات بمباراة رياضية يُحكَم على نتيجتها في الشوط الأول، بيد أن الشوط الثاني نفسه لم يكن مختلفا عن الأول، فأداء الفريق كان سيئا جدا، وبالتالي استمرت الجماهير في عزوفها.
بعد عام من ذلك، لن تتجاوز نسبة المشاركة على التصويت في الانتخابات المحلية 11.66، وتأتي الانتخابات الرئاسية الحالية بوصفها عرضا ثالثا على المسرح نفسه، الذي تركه الجمهور منذ زمن، لدرجة أن أصحابه اضطروا إلى الخروج منه ودعوة الجماهير بأنفسهم إلى العرض، بعدما قضت المحكمة الإدارية في تونس بإجبار هيئة الانتخابات بإعادة إدراج 3 مرشحين رئاسيين كانت قد رفضتهم؛ وهم منذر الزنايدي، وعبد اللطيف المكي، وعماد الدايمي، لكن ذلك لم يُفلح في إصلاح الصورة الكبيرة قيد أنملة هذا هو مسرح قيس سعيد السياسي، وقد صممه على مقاسه.
أقبلت يا ملك الشجاعة والندى
والجيش محمر الأهاب شريق
فكأنما الدنيا بجودك روضة
وكأن جيشك للشقيق شقيق
ابن نباتة المصري
في معركته لإعادة تشكيل السياسة التونسية، احتاج قيس سعيد، الذي نبذ السياسيين والنخب والأحزاب، إلى دعم حليف وحيد. ظهر وجه هذا الحليف بعد ساعات من إجراءات سعيد الاستثنائية، أو انقلابه الدستوري حسب خصومه، في يوليوتموز 2019، حين توجه راشد الغنوشي مع بعض النواب إلى مقر البرلمان التونسي بهدف الدخول إليه تمردا على قرار الرئيس التونسي بتعطيله.
كان ما وجده الغنوشي مفاجئا له وللجميع الجيش التونسي مصطف أمام البرلمان معلنا إغلاقه بقرار من الرئيس. صرخ الغنوشي حينها أنا رئيس المجلس، أقف أمام المؤسسة التي أرأسها ويمنعني الجيش من دخولها، مستنكرا استخدام الجيش للقوة لتنفيذ قرارات الرئيس قيس سعيد التي قال إنها تنتهك الدستور ومبادئ الثورة.
إذا بحثنا عن صورة الجيش التونسي ما بعد الثورة التونسية فسنجد الكثير من الرومانسية الغالبة، تلك الصور المشهورة التي انتشرت غداة الثورة والمواطنون يُقبِّلون أيادي الجند الذين انتشروا بالبلاد ليسهروا على الأمن والأمان بعد أن صرخ الشعب بن علي هرب.
ورغم أن مشاهد ذلك الاندماج العاطفي بين الشعب وبين المؤسسة العسكرية بعد إسقاط النظام السياسي تكررت في أكثر من دولة عربية، فإن الأمر في تونس كان مختلفا.
فالجيش التونسي هو المؤسسة العسكرية الوحيدة تقريبا في الجمهوريات العربية التي لم يكن لها أي تدخل سياسي أو اقتصادي بتعبير مجلة فورين بوليسي، ويرجع ذلك إلى الطريقة التي تطورت بها العلاقة بين الجيش والسلطة منذ الاستقلال.
فقد عمل الحبيب بورقيبة، أول رئيس تونسي بعد الاستقلال، على إبعاد المؤسسة العسكرية عن المعارك السياسية والنفعية الاقتصادية، مُفضِّلا تقوية دعائم حكمه عبر بيروقراطية غير عسكرية، إلى درجة أن الدستور التونسي الأول بعد الاستقلال منع الجنود من التصويت.
وتعزز هذا النهج بعد محاولة انقلاب فاشلة عام 1962 قام بورقيبة بعدها بإنشاء فرقة عسكرية خاصة موالية له، سُمّيت بـالحرس الوطني، لتجنب تكرار السيناريو مستقبلا.
أظهر هذا التوجه ثماره على مدار تاريخ تونس بعد الاستقلال، ففي الوقت الذي انتشر وباء الانقلابات العسكرية في العالم العربي، ظلت تونس بمعزل عن كل هذا، وظلت المؤسسات السياسية التونسية، على فسادها وانعدام كفاءتها في كثير من الأحيان، تخضع لسيطرة المدنيين.
وحتى في عام 1987، عندما انقلب زين العابدين بن علي على رئيسه بورقيبة، كان الانقلاب مدنيا في المقام الأول خرج بن علي من المؤسسة العسكرية إلى الجهاز الأمني وحُمي بواسطة الحرس الوطني وليس الجيش.
وعلى خُطى سلفه، عمل بن علي على إبعاد الجيش عن كل شيء، مُفضِّلا تأسيس دولة بوليسية تحكمها الأجهزة الشرطية التي فاقت الجيش عددا وتمويلا ونفوذا.
لذلك، مع حلول رياح الياسمين عام 2011، وحين اختبأت الشرطة التونسية التي كانت يدا لبطش بن علي بشعبه، رفضت المؤسسة العسكرية أوامر إطلاق النار، وانحازت إلى الشعب بالمعنى الاجتماعي وليس بالمعنى السياسي الانقلاب، مُجبِرةً بن علي على الهروب.
ورغم دوره الكبير في فرض الأمن خلال المرحلة الانتقالية، استمر الجيش على الهامش السياسي بينما تتعاقب الحكومة والأنظمة على تونس، ولم يحصل على مكتسبات أو تغيرات في وضعه، اللهم إلا القانون الذي تبناه حزب نداء تونس عام 2017 ومنح الجنود حق التصويت في الانتخابات المحلية لا التشريعية ولا الرئاسية.
بيد أن هذه الصورة المشرقة للجيش التونسي اهتزت بشدة يوم 25 يوليوتموز 2021، حينما تحرك الجيش بدباباته لإغلاق مكتب الحكومة التونسية هشام مشيشي والبرلمان التونسي في وجه الغنوشي وبعض البرلمانيين، وهو ما يعني بوجه ما تدخل الجيش لصالح طرف سياسي هو الرئيس ضد طرف آخر، ناهيك باستعمال قيس سعيد المحاكم العسكرية للبطش ببعض خصومه أحيانا.
ولكن رغم أن هذه الصورة توحي بخروج الجيش التونسي عن حياده سياسيا، فإنها تتوافق بصورة أخرى مع طبيعته المنقادة للسلطة المدنية الشرعية ممثلةً في الرئيس قيس سعيد الذي غلَّف إجراءاته كلها بغلاف دستوري وقانوني، ما مكَّنه من ضمان انصياع الجيش.
في غضون ذلك، رأى سعيد في المؤسسة العسكرية حليفا جيدا لوحدة الصف الوطني والوقوف في وجه الأحزاب السياسية المعارضة له، لكن مع تحول سعيد بشكل متزايد في نظر الكثير من التونسيين من رئيس منتخب إلى حاكم مستبد، فإنه يجلب معه تبعات خصوماته السياسية إلى الجيش.
وفي حال استمر هذا الوضع وانكشف الغطاء الدستوري لحكم سعيد، فليس من المستبعد أن يُغري ذلك قيادات الجيش بالتدخل في السياسة، بما يعود بتونس ليس إلى عهد ما قبل الثورة، بل إلى عهد ما بعد الاستعمار الذي عاشته دول في الجوار.
في الختام، يكتب قيس سعيد تاريخ تونس الحالي منفردا، يملك الطاولة والقلم والورق والمداد، مقتنعا أن هذا القلم الأسود خيرٌ ألف مرة من أقلام الأحزاب السياسية الملونة والمختلفة، التي -إحقاقا للحق- لم تقدم أي حلول حقيقية للأزمات التي يتخبط فيها التونسيون منذ خرجوا ذات يوم للصراخ في وجه بن علي مطالبين إياه بالرحيل. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/10/6/%d9%88%d9%84%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d9%82%d9%8a%d8%b3-%d8%b3%d8%b9%d9%8a%d8%af-%d9%885-%d8%b3%d9%86%d9%88%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d9%86-%d8%a8%d9%88%d8%b1%d9%82%d9%8a%d8%a8%d8%a9-%d9%88%d8%a8%d9%86 | 2024-10-05T22:06:41 | 2024-10-15T00:06:36 | أبعاد |
|
153 | عالم رياضيات يجيب.. هل الحضارة الغربية في طريقها للانهيار؟ | يبدو أن انهيار الحضارات كان نمطا طبيعيا ومتكررًا في تطور الثقافات عبر التاريخ، فغالبا ما كانت تتبوأ مرحلة الانهيار والضعف مكانتها بعد مرحلة الازدهار. | على موقع نيو ساينتست يقدم بيتر تورشين، وهو عالم روسي أميركي، ومتخصص في النمذجة الرياضية والتحليل الإحصائي، تحليله حول أفول الحضارة الغربية ومسببات ذلك عبر دراسة الأنماط الرياضية في النظم المعقدة وتطبيقها على التاريخ، حيث يرى بيتر أن المجتمعات الغربية تتقدم بسرعة نحو حافة الهلاك، وأن عليها اتخاذ قرارات هامة لتجنب هذه الانهيار.
يبدو أن انهيار الحضارات كان نمطا طبيعيا ومتكررًا في تطور الثقافات عبر التاريخ، فغالبا ما كانت تتبوأ مرحلة الانهيار والضعف مكانتها بعد مرحلة الازدهار. وأقرب مثال على ذلك هو ما حدث لإمبراطورية مصر القديمة، والإمبراطورية الرومانية، وحضارة المايا إحدى الحضارات القديمة التي ظهرت في منطقة أمريكا الوسطى والجنوبية، وأسرة تشينغ الصينية التي شهدت فترات من الازدهار ثم تلاها الانهيار، ويبدو أن هذا هو المسار الحتمي لأي حضارة.
أما في الوقت الحاضر، فقد تواجه الحضارة الغربية المصير ذاته نظرًا إلى وجود علامات واضحة على أزمات متنوعة، مثل اتساع فجوة التفاوتات الاقتصادية والانقسامات السياسية والصراعات العنيفة، فضلًا عن الكوارث البيئية. ويَعتَبِر بعض المتابعين أن ما يحدث مؤشر على أزمات عالمية متعددة تُشكِّل تهديدًا خطيرًا، ربما يكون وجوديًّا للمجتمعات المعاصرة.
منذ أكثر من عقدين من الزمن، توقعتُ أن هذا هو ما ستؤول إليه الأمور في نهاية المطاف، وذلك بناءً على دراسة الأنماط الرياضية في النظم المعقدة وتطبيقها على التاريخ. وباستخدام هذا النهج، اكتشفتُ أن الاضطرابات السياسية العنيفة تتبع دورات زمنية معينة، إحداها تبلغ ذروتها كل 50 عامًا أو نحو ذلك، وتصل الأخرى إلى ذروتها كل قرنين أو ثلاثة قرون.
وبتطبيق هذا النموذج على الولايات المتحدة وغرب أوروبا، فوجئتُ بعدما أظهرت النتائج أن هذه المجتمعات تتقدم بسرعة نحو حافة الهلاك. في عام 2010، أشرت في دورية نيتشر إلى أن الأزمة ستتصاعد وتبلغ ذروتها خلال العقد الحالي. وبالفعل بعد عشر سنوات، أكدت الأدلة صحة هذه التوقعات.
استحوذ كتابي نهاية العالم End Times الذي نشرته مؤخرًا، على اهتمام النقاد والقرَّاء باستخدامهم كلمات مثل الانهيار أو الثورة أو حتى الهلاك لوصف عملي. ومع ذلك، قد يُفاجئك عدم اعتقادي أن الانهيار أمر حتمي. إذ يزيح بحثي الأخير الستار عن شيء مثير للاهتمام لقد تطورت المجتمعات البشرية لتصبح أقل تعرضًا للانهيار. والأفضل من ذلك أن هذا الاكتشاف قد يؤدي دورًا هامًّا في تجاوز الأزمة الراهنة.
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، جمعتُ أنا وزملائي بيانات عن المجتمعات الماضية وكيف ازدادت تدهورًا خلال الأزمات ثم خرجت منها. وهو ما يُعتبر مهمة شاقة لأنها تتطلب معلومات عن العشرات من المتغيرات القابلة للقياس التي تصف الخصائص الرئيسية للأنظمة الاجتماعية وتحليل ديناميكياتها، أو العوامل والعلاقات التي تؤثر في تطور المجتمعات والتغيرات في سلوكها على مدى فترات زمنية مختلفة.
عندما لا تتوفر مؤشرات مباشرة -وهو ما يُعتبر شائعا كلما عدت بالزمن إلى الوراء- سيتعين عليك البحث عن مؤشرات غير مباشرة لتكون بمثابة بدائل. ولحسن حظنا، نمتلك حاليًّا بيانات عما يقرب من 200 أزمة حدثت خلال الـ5000 عام الماضية. ولبلوغ أهدافنا المنشودة، استخدمنا هذه البيانات لتجميع قاعدة بيانات تاريخية ضخمة تسمى كرايسيز دي بي CrisisDB. وبهذا يمكننا البدء في البحث عن الأنماط والاتجاهات التي تحدث في المجتمعات أثناء الأزمات وبعدها. لكن خلال دراسة البيانات والمتغيرات التي تؤثر في المجتمعات وتعبِّد لها سبيلًا نحو الانهيار، صادفنا بعض المفاجآت، منها أن عددًا قليلًا من المتغيرات كان كافيًا لتحديد ما إذا كانت المجتمعات في طريقها إلى الانزلاق نحو الهاوية.
ومن بين هذه المتغيرات التي تؤدي دورًا خارجيًّا فقدان شرعية الدولة والضغوط الجيوسياسية والجغرافية والاقتصادية. ومع ذلك يتمحور المؤشران الرئيسيان للأزمة الوشيكة حول البؤس الشعبي أو بمعنى أصح تدهور أو تردي حالة الرفاهية أو الظروف المعيشية للغالبية الساحقة من الشعب، بجانب الفائض في إنتاج الطبقة النخبوية، أي إنتاج المجتمع عددًا هائلًا من الأفراد الذين يسعون للانضمام إلى النخبة يفوق عدد المناصب التي توفرها لهم الدولة.
ويرتبط كل من هذين المؤشرين بالآخر؛ فالاستياء الشعبي، الذي ينشأ نتيجة لتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للغالبية العظمى من السكان لا يكفي وحده لتغيير الوضع الراهن، بل يحتاج إلى قيادة وتنظيم من قِبَل فئة من النخبة المعارضة، أولئك الذين يسعون للنفوذ والثروة، ولكنهم يجدون صعوبة في تحقيق أهدافهم.
على الرغم من أن الأزمات تتبع عادة نمطًا معينًا من الانهيار، فإن تحليلنا يكشف أنه لا يوجد نمط قياسي للانهيار، ولا يمكن التنبؤ بكيفية حدوث الأزمات بدقة أو تطورها. لكن لحسن الحظ، أتاحت قاعدة البيانات التاريخية الضخمة CrisisDB للباحثين فرصة لتحديد مجموعة من الآثار الناجمة عن انهيار المجتمعات، ويُظهِر التحليل تباينًا هائلًا في كيفية حدوث الأزمات.
وتُعَدُّ أكثر الطرق شيوعًا لخروج المجتمعات من فترة نهايتها هي الحروب الأهلية الدموية أو الثورات العنيفة، وتشمل النتائج المحتملة الأخرى تداعيات ديموغرافية حادة قد يتمخض عنها في بعض الأحيان فقدان غالبية الشعب، وإطاحة الحكام أو قتلهم، وإسقاط النخب الحاكمة عن طريق ثورة اجتماعية، أو حتى إبادتهم. كما يمكن أن تؤدي الأزمات أيضًا إلى تجزئة الأراضي، وتدمير العاصمة أو التخلي عنها، أو سقوطها فريسة لأنياب احتلال خارجي.
لكن ما قد نسهو عنه أن حالة الانهيار الشامل حينما يحدث انهيار للمجتمع على أكثر من جبهة أو نواحٍ مختلفة تُعدُّ نادرة للغاية. وبدلًا من ذلك، قد يتركز الانهيار على جوانب محددة أو قضايا معينة من دون تأثّر جميع أوجه الحياة. وفي بعض الحالات، ينجح القادة والشعوب في توحيد صفوفهم والتغلب على الاضطرابات الاجتماعية من دون اللجوء إلى العنف.
فعلى الرغم من وجود عوامل قد تزيد احتمال وقوع الأزمات، فإن الانهيار الشامل للمجتمعات ليس أمرًا حتميًّا. قبل قرنين من الزمان، اجتاحت موجة من عدم الاستقرار العالم كله. ورغم أن الأزمات تُؤججها في الأساس عوامل داخلية، فلن نجد -مع ذلك- بلدًا يعيش في عزلة تامة؛ وبالتالي فالتأثيرات الأوسع نطاقًا -على غرار التأثيرات الجيوسياسية والاقتصادية والثقافية- تميل إلى تحفيز الأزمات في دول مختلفة، ولكن ليست بصورة متزامنة، بل على فترات زمنية مختلفة أو بوتيرة مختلفة.
في أبحاثي السابقة، توصلتُ إلى أن مثل فترات الاضطراب هذه يتكرر تقريبًا كل قرنين. واليوم، نعيش في خضم عصر من عصور تلك الاضطرابات، في حين يمكننا أن نُطلِق على الفترة السابقة عصر الثورات التي بلغت ذروتها خلال منتصف القرن التاسع عشر بغض النظر عن أن تبعاتها استمرت حتى بداية القرن العشرين. وعلى المنوال ذاته، سنجد أن الثورات التي وقعت عام 1848 انتشرت بسرعة في أوروبا واجتاحت مجموعة واسعة من البلدان بدءًا من فرنسا ثم انتقلت إلى ألمانيا والنمسا وإيطاليا وعدد من الدول الصغيرة الأخرى.
وبدءًا من عام 1850 وصولا إلى ستينيات القرن التاسع عشر، شهدت الصين وروسيا والولايات المتحدة اضطرابات كبيرة. وبصورة أساسية، تأثرت جميع الدول الكبرى في العالم بهذه الموجة من عدم الاستقرار. ومع ذلك، تباينت شدة النتائج تباينًا عظيمًا.
شهد البشر عدة حالات من التحولات الاجتماعية والسياسية المهمة التي وقعت في مختلف أنحاء العالم خلال فترة معينة من التاريخ. في بعض الأحيان، كانت تنتهي الأزمات بنهايات عنيفة ودموية، مثل ما حدث أثناء تمرد تايبينغ حرب أهلية واسعة النطاق في جنوب الصين، امتدت من سنة 1850 إلى 1864 أثناء حكم أسرة مانشو تشينغ، وأدت هذه الحرب إلى مقتل ما بين 20 و30 مليون شخص؛ مما جعلها أكثر الحروب الأهلية دموية في التاريخ البشري. وكذلك الحال في الحرب الأهلية الأميركية التي استمرت من عام 1860 إلى 1865، والتي تُعدُّ أشد الحروب دموية في تاريخ الولايات المتحدة، إذ أسفرتْ عن مقتل نحو 600 ألف شخص.
على الجانب الآخر، تمكنت الإمبراطورية البريطانية، رغم أنها شهدت الكثير من الاضطرابات بين عامي 1838 و1857، من تفادي ثورة عنيفة، إذ تعاونت النخب الحاكمة وتبنت مجموعة من الإصلاحات ساهمت في تخفيف حدة الأزمة، مثل السماح للعمال بتنظيم وتوسيع حق التصويت. وكذلك، نجحت روسيا في تجنب الانهيار رغم انزلاقها إلى أزمة خلال خمسينيات القرن التاسع عشر وهزيمتها المُهينة في حرب القرم التي وقعت بين الدولة العثمانية والإمبراطورية الروسية عام 1853، ونشبت نتيجة أطماع الروس في غزو أراضٍ عثمانية والسيطرة على البحر الأسود وممراته، بجانب كثرة الاضطرابات بين فئات الشعب الروسي. ومع ذلك، انتهت الأمور في روسيا بلا عنف نسبيا، مع تبني الحكومة مجموعة من الإصلاحات، بما في ذلك إلغاء نظام العبودية.
يقدّم التحليل الأخير لقاعدة بيانات CrisisDB رسالة إيجابية بشأن كيفية تطور الأزمات في المجتمعات المختلفة على مر العصور. فخلال بحثي أنا وزملائي عن هذه القضية خلال الـ5000 عام التي شملتها قاعدة البيانات هذه، اكتشفنا أن الأدلة التاريخية تشير إلى أن الدول والمجتمعات المبكرة كانت أكثر هشاشة مقارنة بتلك التي تلتها. وتُظهِر الأنماط البيانية التجريبية أنه كلما اقتربنا من وقتنا الحاضر، أصبحت الانهيارات الاجتماعية والسياسية الناتجة عن الأزمات أقل حدة.
أما على المستوى الكمي، فسنجد أن أحد أبعاد الانهيار هو انخفاض عدد السكان، وهو ما يُعتبر مُبررًا لأن حجم المجتمع قد يكون أحد أبرز السمات الأساسية لأي مجتمع، كما أن انخفاض عدد السكان يعكس بؤسًا إنسانيًّا لا يوصف، نتيجة لوفاة الناس جراء العنف والأمراض الوبائية والمجاعات، أو بسبب تحولهم إلى لاجئين على سبيل المثال.
عادةً ما تتضمن أشهر الأمثلة على انهيار المجتمعات في الماضي الانخفاض الحاد في عدد السكان، و يُعتَبر انهيار حضارة المايا مثالًا جيدًا على ذلك، فبفضل التقنيات الحديثة مثل ليدار LiDAR وهو جهاز يقوم بمسح المحيط بواسطة أشعة الليزر ويبني من خلال عملية المسح تمثيلًا ثلاثي الأبعاد يعكس بدقة كبيرة أشكال وأحجام وأبعاد الأجسام في المكان تبين لعلماء الآثار أن الغابات المحيطة بمراكز المايا المهجورة كانت زاخرة في وقت ما بالمنازل والحقول والطرق.
ومن هنا يأتي السؤال المهم ماذا سنكتشف وراء العلاقة بين شدة الأزمات الماضية وانخفاض عدد السكان؟ فلنعد إلى تمرد تايبينغ مرة أخرى. خلال هذه الفترة انخفض عدد سكان الصين بنسبة 13 من 412 مليون نسمة عام 1850 إلى 358 مليون نسمة عام 1870. وعلى الرغم من حجم هذه الخسارة، فإنها لا تعني الكثير أمام انهيار أسرة هان عام 220م، ففي أوج قوتها وازدهارها، وصل عدد سكان السلالة إلى نحو 60 مليونًا، في حين وصل عددهم بعد الانهيار إلى أقل من 20 مليونًا.
وبمرور الزمن، أصبح الانخفاض في عدد السكان الناجم عن نهاية السلالات اللاحقة في الصين، مثل سلالات تانغ، وسونغ، ومينغ، أقل حدة. بمعنى أن الأزمات الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى انخفاض السكان كانت أقل شدة مع كل تغيير في السلطة ونهاية للسلالة. أو خذ على سبيل المثال ألمانيا، فعلى الرغم من أنها شهدت ثورة عام 1848، فإن موجة عدم الاستقرار هذه لم تخلِّف وراءها تبعات ديموغرافية خطيرة، وذلك عكس الاضطرابات والفوضى السابقة التي حدثت في القرن السابع عشر، إذ شهد ابتداءً من عام 1618، حروبًا ونزاعات مُدمِّرة مثل حرب الثلاثين عامًا التي اندلعت في أوروبا بدءًا من عام 1618، وأسفرت عن مقتل ملايين الأشخاص وتركت بعض مناطق ألمانيا بنسبة 50 فقط من سكانها السابقين.
على الجانب الآخر، كشف تحليلنا أن السبب الذي جعل المجتمعات البشرية أكثر مرونة هو كونها أصبحت أشد تعقيدا. قد يبدو هذا مفاجئًا جرَّاء الفكرة الشائعة في علم الآثار التي تشير إلى أن المجتمعات المعقدة معرضة بشدة للانهيار. في كتابه المؤثر انهيار المجتمعات المعقدة The Collapse of Complex Societies، يجادل جوزيف تاينتر من جامعة ولاية يوتا الأميركية بأن تراكم التعقيد هو الذي يقوض الاستقرار، إلا أن التحليل الذي أجرته الدراسة لا يتفق مع هذا الرأي. والآن، نحن بحاجة إلى التمييز بين بُعدين للتعقيد لفهم كيف أصبحت المجتمعات أكثر مرونة مع مرور الوقت.
يكمن البُعد الأول في الحجم، وهنا بالأخص نتحدث عن حجم السكان، أي عدد الأشخاص الذين تحكمهم دولة أو إمبراطورية. ومع ذلك، توجد جوانب أخرى للحجم، مثل مساحة الدولة وعدد الأشخاص الذين يعيشون في العاصمة والمدن الأخرى. فمع زيادة حجم المجتمع، أصبح من الصعب على الدولة أن تحكم على نحوٍ فعال، إذ تغدو المناطق البعيدة عن العاصمة عرضة أكثر للانشقاق، ويشتعل فتيل التوترات بين المجموعات العرقية المختلفة داخل الإمبراطوريات الكبيرة المتعددة الأعراق. ونظرًا إلى أن حجم الدول قد ازداد منذ ظهورها قبل حوالي 5000 عام، كان من المفترض -على هذا الاتجاه- أن يجعلها ذلك أكثر هشاشة.
أما البعد الثاني من التعقيد فسنجده يوفر اتجاهًا مُعاكسًا. لم تتوسع الدول من حيث الحجم فحسب، بل تطورت أيضًا من حيث التعقيد المؤسسي. ونتيجة للتنافس والصراع بينها، اكتسبت الدول أنظمة أكثر تطورًا لمعالجة المعلومات والتبادل الاقتصادي وإدارة الحكم، وأصبحت أنظمة الإدارة والتنظيم داخل الحكومة أكثر كفاءة في تنفيذ المهام والإجراءات. هذا التطور في الفعالية يُشير إلى تحسين طرق العمل، وتقليل البيروقراطية، وكذلك تطورت القيود المفروضة على الحكام والنخب. وكأي شكل من أشكال التطور، يكون في النهاية البقاء للأصلح أي أن الأنظمة الأكثر تكيفًا وكفاءة هي من تُكتب لها النجاة في الغالب.
وببساطة، انهارت الدول التي فشلت في اكتساب هذا النوع من التعقيد، وسقطت أراضيها فريسة لمنافسين أقوى. وبالتالي فإن ما يجعل المجتمعات أكثر قدرة على مقاومة الصدمات الداخلية والخارجية هو التعقيد المفيد useful complexity، ويتمثل أساسا في تراكم التقنيات الاجتماعية التي تساهم في جعل المجتمعات أكثر تنظيمًا وتماسكًا على المستوى الداخلي.
للتوسع أكثر في هذه الفكرة، أجرى فريقي مؤخرًا تحليلًا جديدًا لمجتمعات العصر الحجري الحديث أثناء انتشارها من آسيا عبر أوروبا فيما بين 9000 و5000 سنة مضت. عاش هؤلاء المزارعون الأوائل في أوروبا في مجتمعات منظَّمة بصورة مبسطة، حيث كان لكل قرية نظام حكم مستقل بدون كتابة أو بيروقراطية أو حكام وراثيين مثل الذين أصبحوا بارزين فيما بعد خلال العصر البرونزي اللاحق. ومع ذلك، لم تكن هذه المجتمعات محصَّنة ضد الانهيار الديموغرافي. وفي كل مكان تتوفر لدينا معلومات مُفَصَّلة عن ديناميات السكان، نلاحظ أن الفترات التي تصل فيها أعداد السكان إلى ذروتها، كانت تتبعها انخفاضات حادة قد يختفي بعدها أكثر من نصف السكان وتُهجَر المنطقة كلّها.
يعتقد بعض الباحثين أن التغيرات المناخية أو استنزاف التربة أو الأوبئة هي الأسباب المُحتملة لهذه الانخفاضات الحادة في السكان. ومع ذلك، يشير تحليلنا إلى أن الصراعات العنيفة كانت سببًا رئيسيًّا لهذه الانهيارات. وبغض النظر عن السبب، فإن الأدلة المتزايدة تُظهر أن الانهيارات الديموغرافية لم تكن نادرة في عصور ما قبل التاريخ. ومع جمع المزيد من البيانات الكمية من مناطق مختلفة، بدأ يتضح أن مثل هذه الانخفاضات السكانية الكبيرة كانت القاعدة وليست الاستثناء. إن الآثار المترتبة على هذه الدراسة، إضافة إلى التحليل المستند إلى قاعدة البيانات الضخمة CrisisDB تحمل دلالات مذهلة. فعلى مدى الـ10,000 سنة الماضية، تطورت المجتمعات البشرية ثقافيًّا لتصبح أكبر وأكثر تعقيدًا.
خلال تلك الفترة، حاولت هذه المجتمعات قمع العنف الداخلي بدرجات متفاوتة. في البداية، لم تفلح في تحقيق ذلك الهدف نتيجة لهشاشتها الشديدة، وسرعان ما انحدرت إلى حروب أهلية مزقت الأواصر بين فئات الشعب. لكن بمرور الوقت، تطورت تلك المجتمعات وأقامت مؤسسات أفضل وأكثر فعالية، وهو ما زاد من قدرتها على مواجهة الصدمات الداخلية والخارجية.
ونتيجة لذلك، أصبح انهيار تلك المجتمعات أقل احتمالا. ونظرا إلى ضيق الوقت، لا يمكننا الاعتماد فقط على التطور الثقافي لحل أزمة انهيار الحضارات الغربية في الوقت الحالي. فمن خلال التحليل المفصل لقصص النجاح السابقة التي تمكنت فيها الدول من تجنب الانهيار والحروب الأهلية، وحل أزماتها من خلال تطبيق سياسات وإصلاحات مناسبة، يبدو بوضوح أن الأمر يعتمد في النهاية على التحركات الحاسمة للأفراد المؤثرين في المجتمع، كما يجب تحفيز النخب للاهتمام بالصالح العام. ولتحقيق ذلك، يتطلب الأمر عنصرين أساسيين ضغط من الحركات الاجتماعية الشعبية، ووجود أفراد غير أنانيين لقيادة هذه الحركات.
تواجه الحضارة الغربية حاليا مشكلات خطيرة، ولكن تحليل التاريخ يكشف عن طرق لتجنب الانهيار، يكمن السر في تعزيز النوع الصحيح من التعقيد الاجتماعي، وخاصةً التركيز على المؤسسات والسياسات التي تعزز رفاهية غالبية الناس وتقلل من الصراعات بين النخب. فمثلا فرض نظام الضرائب التصاعدي، الذي تزداد فيه نسبة الضريبة مع زيادة الدخل، يساعد على الحد من تكوين عدد كبير من النخب الثرية جدًّا، ويمنع تفاقم الفقر الاقتصادي في بقية الشعب.
كما أن منح جميع المواطنين حق التصويت وانتخاب المسؤولين العموميين يحد من التصرفات التعسفية والأنانية للحكام. فعندما يكون للمواطنين الحق في اختيار قادتهم من خلال الانتخابات، يغدو الحكام أكثر مساءلة أمام الشعب؛ مما يقلل من احتمال اتخاذهم قرارات تخدم مصالحهم الشخصية على حساب المصلحة العامة.
وبجانب ذلك، فإن المؤسسات التي تحمي حقوق العمال وتقرر الحد الأدنى للأجور، مثل النقابات العمالية، تؤدّي دورًا في تقليل الفجوة الاقتصادية بين طبقات الشعب، إضافة إلى أنه من المفترض في الدولة أن تعزز بصورة عادلة رفاهية جميع مواطنيها. فعندما تتبنى الدولة نموذجا لرفاهية الشعب، فإنها تقدم خدمات ودعمًا اجتماعيًّا لضمان حصول جميع المواطنين على الحد الأدنى من الرعاية الصحية والتعليم والسكن والدخل، وهو ما يؤدي بدوره إلى تحقيق المساواة الاجتماعية وتقليل الفجوة بين الطبقات الاجتماعية وتعزيز رفاهية جميع أفراد المجتمع. وأخيرًا من خلال العمل المشترك بين الدول والمنظمات الدولية، يمكن التصدي لقضايا عالمية مثل تغير المناخ، وغيرها من القضايا العالمية الأخرى.
___________________ إضافات من المترجم
هذه المادة مترجمة عن موقع نيو ساينتست ولا تعبر بالضرورة عن الجزيرة نت | https://www.aljazeera.net/science/2024/8/6/%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d8%b1%d9%8a%d8%a7%d8%b6%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%8a%d8%ac%d9%8a%d8%a8-%d9%87%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9 | 2024-08-06T08:28:30 | 2024-10-16T00:25:55 | أبعاد |
|
154 | 5 مواقع لتحميل الصور عالية الجودة ستغنيك عن غوغل | إذا كنت مصمما أو مدونا أو صانع محتوى، فأنت بالتأكيد تحتاج إلى صور عالية الدقة.. إليك مجموع من المواقع التي تتيح لك فرصة الحصول على هذه الصور دون أي تكلفة. | مهما كانت طبيعة عملك فأنت في حاجة إلى الصور عالية الدقة، سواء كنت مصمما أو مدونا أو صانع محتوى، أو حتى إن كنت رائد أعمال أو صاحب مشروع ناشئ. جميعنا نعلم أن الصور عالية الدقة باهظة الثمن، لذا يلجأ الكثيرون إلى غوغل للحصول على الصور التي يريدونها، لكنهم يعودون في نهاية المطاف فارغي الأيدي إلا من صور منخفضة الجودة. وانطلاقا من هذه النقطة، سوف نستعرض خلال هذا التقرير مجموعة من أفضل المواقع المجانية التي يمكنك الاعتماد عليها في الحصول على صورة مميزة عالية الجودة مجانا.
يُعتبر موقع بيكساباي Pixabay من أكبر محركات البحث عن الصور المجانية، وواحدا من أهم المواقع المختصة بتوفير صور عالية الدقة مجانا. يُعد موقع بيكساباي بمنزلة مجتمع تفاعلي ضخم يضم عشرات الآلاف من المصورين المحترفين والمصممين الخبراء الذين يشاركون بما يزيد على 1.4 مليون صورة وفيديو وتصميم من الصور ومقاطع الفيديو عالية الدقة من صفوة نتاج أعمالهم الفنية.
يتميز الموقع بإتاحة جميع محتوياته من الصور والتصميمات ومقاطع الفيديو عالية الدقة تحت رخصة المشاع الإبداعي CC0، مما يجعلها آمنة للاستخدام الشخصي والتجاري دون الحاجة إلى طلب الإذن، حيث يمكنك التعامل مع الصور ومقاطع الفيديو بحرية مطلقة، فيمكنك نسخها أو التعديل عليها وتوزيعها واستخدامها للأغراض التجارية دون تقديم أي اعتمادات للفنان أو المصور. يوضح الموقع على كل صورة كافة المعلومات الخاصة بها بداية من تاريخ التقاطها حتى نوع الكاميرا المستخدمة.
يتيح الموقع 3 أو 4 خيارات مختلفة لتحميل الصور وفقا لدقة الصورة وحجمها. ويوفر خاصية البحث التي تمكنك من البحث بسهولة عن الصور التي تريدها مع عدة خيارات للتخصيص يمكن الاعتماد عليها في اختيار نوعية وفئة واتجاه الصور التي تريدها. كما يتيح مرشح بحث آمن يمكن الاعتماد عليه أثناء البحث عن الصور، حيث يساعدك في حظر الصور غير اللائقة أو الصور الإباحية من نتائج البحث الخاصة بك.
الموقع متاح بأكثر من 25 لغة مختلفة من بينها الإنجليزية والتركية والإندونيسية، والفرنسية والإيطالية والألمانية، والإسبانية والبرتغالية والمجرية، والهولندية والرومانية والسلوفاكية وغيرها الكثير. بما أن الموقع مجاني تماما، فهو يخصص جزءا من نتائج البحث للصور الإعلانية المدفوعة، لكنها بعيدة ومنفصلة تماما عن نتائج البحث المجانية، لذا لن تعكر صفو البحث الخاص بك. يتيح الموقع كذلك إمكانية دعم المصورين والمصممين ماديا من خلال موقع بايبال PayPal.
إضافة إلى ذلك، يمكنك استخدام الموقع بسهولة ويسر عبر هاتفك الذكي من خلال التطبيقات المجانية التي يوفرها الموقع على هواتف الأندرويد وهواتف آبل. تطبيق هواتف الأندرويد حصل على تقييم 4.6 على متجر غوغل بلاي من قِبل ما يزيد على 4 آلاف مستخدم، ويمكن تحميله من هنا. وتطبيق هواتف آبل حصل على تقييم 3.6 على متجر آب ستور ويمكن تحميله من هنا. وللانتقال إلى الموقع الإلكتروني من هنا.
أُسّس موقع بيكسلز Pexels في عام 2014 بهدف تمكين المبدعين من خلال توفير مكتبة ضخمة من الصور المجانية عالية الجودة. الآن، الموقع يساعد الملايين حول العالم من المصممين والكتاب والفنانين والمبرمجين ومنشئي المحتوى وأصحاب المشاريع الصغيرة والمبدعين الآخرين في الوصول إلى الصور المميزة التي يمكن استخدامها بحرية لإنشاء منتجات وتصميمات وقصص ومواقع وتطبيقات وأعمال فنية رائعة أخرى.
يُعتبر الموقع بمنزلة مجتمع رقمي تفاعلي يتكون من مجموعة كبيرة من المصممين والمصورين والمبدعين الذين لهم باع طويل في التصوير الاحترافي. يوفر الموقع مكتبة رقمية غاية في التميز تتكون من عشرات الآلاف من الصور ومقاطع الفيديو عالية الجودة مع أكثر من 3 آلاف مقطع فيديو وصورة جديدة تُضاف شهريا بواسطة أعضاء الموقع وفريق عمله، مع توضيح كافة البيانات والمعلومات الخاصة بكل صورة بداية من تاريخ التقاطها وليس انتهاء بنوع الكاميرا المستخدمة.
يحرص الموقع على أن تكون كافة الصور والتصميمات ومقاطع الفيديو التي يحتويها ذات جودة عالية ومجانية تماما ومرخصة بموجب ترخيص المشاع الإبداعي، مما يجعلها آمنة للاستخدام بالطريقة التي تريدها حيث يمكنك نسخها أو التعديل عليها أو توزيعها واستخدامها للأغراض التجارية دون الحاجة إلى طلب الإذن أو تقديم أي اعتمادات لصاحب الصور أو الفيديو.
يوفر الموقع خاصية البحث التي تمكنك من البحث بسهولة عن الصور التي تريدها مع عدة خيارات للتخصيص يمكن الاعتماد عليها في اختيار الصور التي تريدها. كما يتيح خيارات متعددة لتحميل الصور وفقا لدقة كل صورة وحجمها، الموقع متاح باللغتين الإنجليزية والألمانية فقط. يوفر الموقع عدد كبير للغاية من الأدوات والإضافات التي تتكامل مع العديد من البرمجيات وأنظمة التشغيل.
فمثلا إن كنت تستخدم حزمة الأوفيس من مايكروسوفت، يمكنك تحميل كافة الصور التي تريدها بسهولة من خلال استخدام الإضافة الخاصة بالأوفيس والتي يمكن تحميلها من هنا. وإن كنت تعتمد على برنامج الفوتوشوب فيمكنك تحميل الصور بنقرة واحدة عبر هذه الإضافة، كما يمكنك استخدام الإضافة الخاصة بمتصفح غوغل كروم من هنا، ومن هنا لأجهزة ماك أو ويندوز. وللانتقال إلى الموقع مباشرة من هنا.
انطلق موقع ستوك سناب StockSnap لإدراكه أهمية العثور على الصورة الصحيحة بدقة في نجاح أي مشروع إبداعي، ولتفهمه مدى الإحباط الذي يصاب به أي شخص عند البحث عن الصور المناسبة لمشروعه الرقمي. فسواء كنت تنشئ موقعا تجاريا على الإنترنت، أو تنشئ كتيبا مطبوعا، أو تصنع إعلانا رقميا أو مجلة، أو مشروعا إبداعيا بارعا آخر فأنت في حاجة إلى صور عالية الجودة، وهو ما يقدمه موقع ستوك سناب.
يوفر الموقع مكتبة رقمية غاية في التميز تتكون من عشرات الآلاف من الصور عالية الجودة مع آلاف الصور الجديدة التي تُضاف يوميا بواسطة مئات الأعضاء من المصممين والمصورين المحترفين والمبدعين في المحتوي المرئي، الذين يمثلون مجتمعا تفاعليا فريدا يفتخر به الموقع. كما يوفر العديد من البيانات والمعلومات الخاصة بكل صورة مثل عدد المشاهدات وعدد التفضيلات ومرات التحميل لكل صورة.
يحرص الموقع على رضا المستخدمين حيث يتيح كافة الصور للاستخدام بالطريقة التي تريدها، فجميع الصور مجانية تماما ومرخصة بموجب ترخيص المشاع الإبداعي CC0، وبالتالي يمكنك نسخها والتعديل عليها وتوزيعها واستخدامها للأغراض التجارية دون الحاجة إلى طلب الإذن أو تقديم أي اعتمادات لصاحب الصورة.
يوفر الموقع خاصية البحث التي تمكنك من البحث بسهولة عن الصور التي تريدها مع عدة خيارات للتخصيص يمكن الاعتماد عليها في اختيار الصور التي تريدها. ويتيح خيارات متعددة لتحميل الصور وفقا لدقة كل صورة وحجمها، كما يوفر نظام الفئات الذي يساعدك في استعراض وتحديد الصور المناسبة التي تعبر عن المحتوى المناسب وتنقل الحالة المزاجية والنفسية التي تريدها. للانتقال إلى الموقع من هنا.
بدأ موقع أن سبلاش Unsplash في عام 2014 كمدونة بسيطة وأداة متواضعة لمساعدة منشئي المحتوى حول العالم، وحل مشكلة كبرى يعاني منها أغلب المبدعين وصناع المحتوى ألا وهي العثور على صور عالية الدقة مجانا. الآن، تطور الموقع حتى غدا مجتمعا تفاعليا رائدا في توفير الصور المجانية، وأصبح مصدر إلهام للجميع بداية من الكتاب المميزين مرورا بالملايين من منشئي المحتوي وصولا إلى الشركات الكبرى وعمالقة الصناعة التقنية.
تُعد أن سبلاش بمنزلة منصة مميزة يدعمها مجتمع موهوب مكون مما يزيد على 90 ألف مصوّر محترف ومصمم مبدع، بتقديم مكتبة ضخمة تحتوي على أكثر من نصف مليون صورة عالية الدقة مع آلاف الصور الأخرى التي تُضاف يوميا، والتي يعتمد عليها ملايين الأشخاص وعشرات المؤسسات والشركات الكبرى مثل مؤسسة ناسا NASA، ومنصة تريلو Trello، وميديم Medium، وإن فيجين InVision، وسلاك Slack، وشركة آبل Apple، وغيرها.
يمنح الموقع مستخدميه ترخيصا محميا غير قابل للنقض، حيث يتيح إمكانية استخدام كافة الصور المنشورة عليه مجانا. وبالتالي يمكنك نسخ أي صورة والتعديل عليها أو توزيعها واستخدامها للأغراض التجارية دون الحاجة إلى طلب الإذن من المصور أو المصمم. وذلك لأن جميع الصورة مجانية تماما ومرخصة بموجب ترخيص المشاع الإبداعي، ورغم ذلك يمكنك تقدير المصور من خلال تقديم الدعم المادي له إن كنت تريد ذلك.
Unsplash for iOS is live on ProductHunt httpst.cork7waJ8T2u pic.twitter.comjVYcnMnpQM
Unsplash unsplash April 5, 2018
يوفر الموقع خاصية البحث التي تمكنك من البحث بسهولة عن الصور التي تريدها مع عدة خيارات للتخصيص يمكن الاعتماد عليها في اختيار الصور. كما يوفر نظام المجموعات والفئات الذي يساعدك في استعراض وتحديد الصور المناسبة من خلال تحديد موضوع الصورة أو اختيار الوسوم وكلمات البحث المصغرة. للانتقال إلى الموقع من هنا.
تأسس موقع بيك جامبو pic jumbo في عام 2013 بواسطة المصمم والمصور ورائد الأعمال فيكتور هاناسيك. قام هاناسيك بإطلاق هذا الموقع عندما رفضت جميع منصات الصور المدفوعة الصور التي قدمها بسبب نقص الجودة، فقرر تقديم جميع صوره إلى الجمهور. في البداية كان الموقع غير مجاني، فكانت تبلغ تكلفة أي صورة نحو دولارين أميركيين، لكن بعد عامين قرر هاناسيك توفير جميع الصور مجانا.
يوفر الموقع مكتبة رقمية جيدة تتكون من آلاف الصور المجانية عالية الجودة مع عشرات الصور الجديدة التي تُضاف يوميا، وتستخدم من قِبل الملايين من المدونين والمصممين ومطوّري البرامج والمسوقين في جميع أنحاء العالم. يتميز الموقع بإتاحة جميع محتوياته من الصور والتصميمات تحت رخصة المشاع الإبداعي. مما يجعلها متاحة للاستخدام الشخصي والتجاري دون طلب الإذن من هاناسيك أو تقديم أي اعتمادات له.
يوفر الموقع خاصية البحث التي تمكنك من البحث بسهولة عن الصور التي تريدها مع عدة خيارات للتخصيص يمكن الاعتماد عليها في اختيار الصور. كما يوفر نظام المجموعات والفئات الذي يساعدك في استعراض وتحديد الصور المناسبة من خلال تحديد موضوع الصورة أو اختيار الوسوم وكلمات البحث المصغرة. إضافة إلى إمكانية تحميل كافة الصور مجانا، يوفر الموقع نوعين من الباقات المدفوعة التي تمكنك من الحصول على آلاف الصور المدفوعة التي يمكن تحميلها مرة واحدة. للانتقال إلى الموقع من هنا.
أخيرا، إضافة إلى المواقع السابقة، يوجد العديد من المواقع الأخرى التي لم يتسع المجال لذكرها تفصيليا مثل موقع فري رينج free range الذي يمكن الانتقال إليه من هنا، وموقع لايف أوف بيكس life of pix الذي يمكن الانتقال إليه من هنا، فضلا عن موقع فري إيمدجز Free Images الذي يمكن الانتقال إليه من هنا. | https://www.aljazeera.net/misc/2018/7/10/5-%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%82%d8%b9-%d9%84%d8%aa%d8%ad%d9%85%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%88%d8%b1-%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%88%d8%af%d8%a9 | 2018-07-10T12:13:29 | 2024-07-02T09:15:05 | أبعاد |
|
155 | السحر والأعمال السفلية.. هل علينا أن نخاف حقا؟ | “سحر”، “أعمال سفلية”، “جن”، “لبس”، لفظ من الألفاظ السابقة أو أكثر يسمعه المترددون على الدجالين المُنتشرين في القرى الريفية والأحياء الشعبية بالعاصمة المصرية وغير الشعبية أحيانا. فهل علينا أن نخاف حقا؟ | هذه الفتاة هناك الكثيرون يكرهونها، يتمنون لها المرض والأذى، أحد هؤلاء هو شخص كان قد تقدَّم سابقا للزواج منها ورفضته، والباقون هم أشخاص من دمها، يرغبون في تدمير حياتها وزرع ألم لا مُنتهٍ في قلب أمها، لقد قاموا بعمل السحر لها.. ستة أعمال سحرية قاموا بدفنها في أماكن مُختلفة، ويجب أن تُفك هذه الأعمال تباعا حتى تسترد الفتاة صحتها وعافيتها. بأُذن قلقة ومُتلهفة، كانت فهيمة.ع، المرأة الستينية تستمع إلى كلمات الرجل المبروك الذي حدثوها عنه أهل بلدتها، ونصحوها بالذهاب إليه ليُساعدها على شفاء ابنتها العشرينية من المرض الذي ألَمَّ بجسدها وأنهكه.
فهيمة هي واحدة من آلاف ورُبما عشرات الآلاف من الحالات التي تتلمّس حل مشكلاتها الحياتية أو علاج أمراضها الجسدية لدى أشخاص يعتقدون أن لديهم قدرات روحية تُمكِّنهم من تشخيص السبب الغيبي وراء أزماتهم، بل وتقديم علاج فوري لها، آلاف مثل فهيمة يترددون على أشخاص يتوسّمون فيهم القدرة الروحية والغيبية التي تُمكِّنهم من مساعدة المرضى والمكروبين والمأزومين، يُطلقون عليهم مشايخ، ولكنك قد تجد بسهولة أن وصفهم يتحوَّل من شيخ إلى دجال بعدما يثبت كذب ادعاءاتهم وتضليلهم لمَن يترددون عليهم ويكسبون المال منهم دون وجه حق ولا تقديم خدمة حقيقية.
سحر، أعمال سفلية، جن، لبس، لفظ من الألفاظ السابقة أو أكثر يسمعه المُترددون على الدجالين المُنتشرين في القرى الريفية والأحياء الشعبية بالعاصمة المصرية وغير الشعبية أحيانا.
تعيش فهيمة بصحبة أبنائها الستة في إحدى قرى جنوب مصر التي تبعد عن العاصمة المصرية مئات الكيلومترات، بين عشيّة وضحاها، وجدت فهيمة ابنتها الكبرى يُصيبها مرض غير مفهوم، ترددت بها على أطباء قريتها، لكن لا أحد استطاع أن يعرف ما أصاب الفتاة العشرينية التي أصبحت فجأة كأنها بالسبعين من عمرها، لا تأكل ولا تشرب شيئا بالأيام والأسابيع، هزل جسدها لدرجة مُخيفة، وأصبحت غير قادرة على أن تتحامل على عظامها لكي تقف أو تجلس، لا تستطيع حراكا من فراشها، وإذا أرادت أن تقضي حاجتها فيجب أن تستعين بأحد إخوتها أو أمها لكي يحملها إلى دورة المياه.
ترى فهيمة شبح الموت يقترب من ابنتها ولا تعرف ماذا يُمكنها أن تفعل، أخبروها في قريتها أن تلجأ إلى المشايخ الذين لديهم خبرة ودراية بالتعامل مع الأسحار، وفكّ الأعمال السحرية المُعقدة، مُبررين ذلك بأنه إذا كان طبيب القرية لم يستطع أن يجد علاجا للفتاة، فمن المؤكد أن ما بها قوى شريرة هائلة، لا يفهمها الطبيب ولا يعرف كيفية التعامل معها. تقول فهيمة لـ ميدان
بالفعل ذهبت إلى الشيخ الذي دلّوني عليه، وأخبرني أن مرض ابنتي بسبب أعمال سحرية قام بها أشخاص يكرهونها، أعطاني مياهًا قرأ عليها بعض الأشياء التي لم أتبيّنها، وأعطاني وصفات عشبية وخلطات يجب أن تشربها الفتاة صباحا ومساء، وحصل على نحو خُمسمئة جنيه، أخبرت ابنتي بما قاله الشيخ، وأكّدت لي أنها كانت تشعر أن مرضها يعود إلى السحر والأعمال السحرية، وبالفعل بعد اتباع نصائح الرجل، رأيت أن الفتاة بدأت في التحسُّن قليلا، يوما بعد يوم، بدأت تتناول القليل من الطعام بعد أن كانت لا تأكل أي شيء، لكن لم يستمر هذا طويلا، فقد عاد المرض للفتاة ليزيدها إنهاكا وذبولا.
وتُضيف قائلة لم أستطع أن أجلس بجوار ابنتي مُنتظرين الموت يدقّ بابنا، وجدت نفسي بلا وعي ولا كثير تفكير أحمل ابنتي وأستقلّ القطار وأذهب بها إلى بحري تقصد العاصمة، حيث طبيب شهير حدثوني عنه، قال الطبيب إن ابنتي لديها مرض من المؤكد أنه لا يعرفه أحد في قريتنا اسمه الذئبة الحمراء، وأن هذا المرض يُدمِّر جسدها وعظامها، وأنني لو كنت انتظرت قليلا كان سيبدأ في تدمير كليتها، أعطى الطبيب علاجا لابنتي وطلب منها عدم التعرُّض للشمس، لتتحسن الفتاة بعد ذلك وتعود كما كانت قبل هذا المرض بل أفضل.
ليس الجنوب المصري فقط ولا وصفات الرجل المبروك وحدها هي التي كادت أن تودي بحياة فتاة في مُقتبل عُمرها، ففي أحد الأحياء الشعبية بالعاصمة المصرية، كان المرض يلتهم منار.ع، الفتاة الثلاثينية، لم يكن المرض مرضا جسديا هذه المرة، بل كان مرضا نفسيا، حالة اكتئاب مُستعصية، في بيئة لا تعترف بالأمراض النفسية ولا تُصدِّق وجودها، لكنها تُصدِّق بوجود السحر والأعمال السحرية، والأشباح التي تتلبس الآدميين لكي تتسلّط عليهم وتُفسد حياتهم وتُدمِّرها.
تقول منار لـ ميدان حتى الآن لا أعرف تفسيرا مؤكدا لما كان يحدث، كانت تنتابني نوبات غريبة من فقدان الوعي، آتي خلالها بأفعال لا أُصدِّق بعدما أسترد وعيي أنني قُمت بها، يقولون إنني كُنت أصرخ صراخا هستيريا، أهذي بكلمات غير مفهومة، أُقطِّع ثيابي وأكسر ما تصل إليه يداي، كل ما أعرفه عن هذه الفترة أنني كنت أمرّ بظروف حياتية عصيبة، زوجي لا دخل له، ولا أحد من الأقارب يُريد مُساعدتنا باستثناء أخي الذي كان يُساعدنا بين الحين والآخر، أو كُلما تمكّن من المساعدة، ورغم الوضع الصعب الذي كنت أحتمله وأطفالي، كان زوجي لا يرحم، دائم الضغط عليّ، يقول لي تصرّفي من والديكِ أو أحد إخوتكِ، وأنا لا أستطيع فعل هذا، كان عنيفا وعصبيا وحادا، يتفوّه بأسوأ الشتائم والأوصاف على أقل شيء، كُنت خلال هذه الفترة لا أحتمل أي شيء، أودّ لو أتخلص من كل حياتي، خلال هذه الفترة بدأت النوبات السابقة في الحدوث والتكرار.
كل ما كان يشغل بال زوج منار وعائلتها حينما كانوا يرون نوبات فقدانها الوعي أنه حتما قد تلبّسها جني، وهو ما دفعهم لزيارة المشايخ للقراءة والتمتمة في أذن منار، المشايخ الذين كان أغلبهم دجالين يحصلون على المال نظير التمتمة ووصفات المياه المقروء عليها كلمات لا يتبيّنها الشاري في إحدى مرات فقدان الوعي تغيّر صوت منار لتُخبر الشيخ الذي يُحاول علاجها بصوت ذكوري أجش نعم، أنا أُسيطر عليها، ولن أتركها أبدا، مهما فعلت، وهكذا انعدمت أي ذرة شك في نفس العائلة المُحيطة بالفتاة فاقدة الوعي، وتأكدوا أن ما أصاب ابنتهم نتيجة تلبّس جني فعلا.
حالة اكتئاب حاد، وما حدث من تغيير صوتكِ والكلام الذي قُلتِه في الأغلب بفعل عقلكِ الباطن، الذي أراد أن يوصّل لعائلتكِ أنكِ خارج سيطرة نفسكِ ليتركوكِ وشأنكِ، هكذا أخبر الطبيب النفسي منار، الطبيب الذي لجأت إليه بعدما ألحَّ عليها أحد الأقارب بضرورة زيارة طبيب نفسي، رُبما أخذت عائلة منار كلام الطبيب بتشكُّك وعدم يقين، لكن ما حدث واقعيا أن نوبات فقدان الوعي والهياج المُتكررة اختفت تماما بعد المواظبة على الأدوية التي وصفها الطبيب. تشخيص الطبيب لحالة منار رُبما يتفق حول مدى قوة الاضطرابات النفسية وتأثيرها الجسدي مع ما ذكره الطبيب والكاتب والأديب المصري محمد المخزنجي خلال مقاله شَعْرَة المنشور عام 2018 في جريدة الشرق الأوسط، يقول المخزنجي خلال مقاله
كطبيب خدم في كثير من مستشفيات الأمراض العقلية، أميل إلى تفسير بعض الأمور البشرية اللا معقولة بما أسميه قوة الجنون، وهي قوة خارقة شاهدت تجليات مذهلة لها عبر سنوات عملي الطبي، فقد رأيت مرضى يلتهمون الصابون كما لو كان قطعا من الحلوى دون أن يصابوا بسوء، ويشربون الكيروسين فلا تحترق معداتهم، ومريضة ضئيلة في نوبة هياج تصدّت لخمس ممرضات شابات فارعات، تظاهرهن خمس تومرجيات من وزن ثقيل الثقيل، فجندلتهن جميعا، ثم طيرتني في طريقها وهي تخرج من المستشفى كعاصفة مشتعلة للقاء خطيبها، الذي لم يخطبها أبدا؛ بل كان على علاقة حب بها أثارت غضب أهلها المتعصبين، فقتلوه، ومضى على مقتله عشر سنوات هي عمر جنونها قوة الجنون هذه، أتصور أنها تُفجِّر الكامن من طاقات الجسد البشري، فتوقظ في هشاشة اللحم المهيض عنفوانا يصعب تخيل حدوده.
في الحالات السابقة استطاعت فهيمة ومنار أن تجدا سببا لما يحدث لهما، لكن ماذا لو كانت الأزمة التي تعتقد أنها في حياتك لسبب ميتافيزيقي أو مُتعلِّق بأن أحدهم قد سحرك، لا تجد لها علاجا ولا تفهم لها سببا، هذا هو حال ناهد.ج، المرأة الخمسينية، التي تعيش في أقصى صعيد مصر، وتعتقد أنها لم تتزوج حتى الآن بسبب أن زوجة أخيها قد سحرت لها، وأن الأعمال السحرية المُتعددة التي تقوم زوجة أخيها بتجديدها دوريا هي السبب في أن أعوام عُمرها تمر تباعا دون زوج أو أطفال.
تقول ناهد لـ ميدان أجمل سنوات عمري مرّت دون أن أعيش، لا يُمكن لأحد تخيّل البقاء دون زواج في مجتمع مُغلق يعرف كل كبيرة وصغيرة عن بعضه بعضا مثل مجتمعنا، لست سيئة حتى لا يرغب الرجال في الزواج مني، أنا موظفة ولي راتب ومن عائلة، وهذه الأشياء من المُفترض أن تُسهِّل من أمر زواجي، لكن زوجة أخي، أراها الله عذابا مثل عذابي، هي السبب، لقد سمعت بأُذني أحد المُتقدمين لخطبتي وهو يقف أمام باب منزلنا ويقول لأمه التي كانت بصحبته أين الباب أنا لا أراه؟، تُخبره أمه أن الباب أمامه، ليرد عليها قائلا إنه لا يرى أمامه سوى حائط ولا يوجد باب، بالطبع بعد هذا الموقف انصرف هو ووالدته ولم يطرقا حتى الباب.
لم يغب هذا الموقف عن ذهن ناهد أبدا، وأكّد لها أن بالفعل هناك قوى شريرة تمنع أمر زواجها، وأنها ضحية محرومة من أن تعيش حياة طبيعية وسعيدة بسبب كيد زوجة أخيها وشرّها التي تريد أن تنتقم من عائلتها في شخصها، ذهبت ناهد لكثير ممن يُطلق عليهم في مدينتها الجنوبية مشايخ، وهم متخصصون في فكّ الأسحار وتخليص الناس من الأعمال السحرية الشريرة التي تُسيطر على حياتهم وتملؤها بالمشكلات والأزمات وتُعرقل سير أمورهم، أخبرها أحدهم أن هناك بالفعل امرأة تكرهها سحرت لها، وأن عُقدتها في الزواج سببها هذه الأعمال السحرية التي تُجددها هذه المرأة سنويا، أخبرها الرجل أن الأعمال السحرية التي تُعرقل حياتها هي أعمال سفلية، وأن هذه الأعمال تتم في بيئة نجسة وبارتكاب الزنا، وأن هذه المرأة التي تدفع المال مُقابل عمل هذه الأعمال عليها وزر كل هذا، لتزيد صورة زوجة الأخ شيطانية وسوءا في أعين ناهد.
تظل ناهد مُصدِّقة ما أخبرها به الرجل تمام التصديق، رغم أن المياه التي أعطاها لها وأمرها بشربها في أوقات مُعينة، لم تُجدِ نفعا، ولم يأتِ العريس المأمول بعد ثلاثة أسابيع كما أخبرها، كان الرجل كاذبا في كل وعوده البرّاقة التي رسمها لها كشمس مُشرقة تُنير عتمة حياة بلا أمل، حصل منها على الكثير من المال ولم يُحقق لها أي شيء، ومع ذلك ظلّت مُصدِّقة أن زوجة أخيها تفعل وفعلت كل ما أخبرها الرجل به، وتُبرِّر ذلك بأن الرجل قد وصفها لها بدقة، تُخبرها ابنة أختها أن النساء في بلدتهم جميعهم يُشبهون بعضهم بعضا في سُمرة بشرتهم وملامح وجوههم، وأن الرجل ذكي وقد حالفه الحظ ونصرته المصادفة في الوصف ليس أكثر، لكن ناهد التي وجدت قصة بالغة الدراما تجعلها ضحية مظلومة لا تُريد أن تُصدِّق إلا ما قاله الدجال لها، حتى ولو كان كذبا بيّنا، مُعلِّلة أنه لا يوجد أي تفسير آخر يُمكنها الارتكان إليه لتفهم لماذا لا تسير حياتها طبيعية وتتزوج وتُنجب مثل سائر نساء مدينتها.
على إحدى البرامج الدينية التي تُذيعها القنوات الفضائية المصرية، اتصلت امرأة تُخبر الشيخ الذي يستضيفه البرنامج أنها قد سحرت لرجل لكي تتزوجه، وأن هذا الرجل كان مُتزوجا من قبل، لكنها فرّقت بفعل الأعمال السحرية بينه وبين زوجته الأولى، وأن الزوجة الأولى أصبحت مُدمَّرة تماما وفي حالة يُرثى لها، قد تخرج للصراخ في الشارع بعد ما أصابها وأصاب بيتها من ترك زوجها وتشريد أطفالها، تقول المرأة إنها بفعل هذه الأعمال تمكَّنت من الزواج من هذا الرجل وأنجبت منه، لكنه ذات يوم بعد سنوات استيقظ من النوم وكأنه لا يعرفها ولا يعرف أطفاله منها، تقول إنه تركها بعدما أخبره البعض أنها تُحدِّث رجالا آخرين، لكنها تعرف أنه أفاق وانصرف عنها بعدما أفاق من السحر الذي غيّب عقله طوال هذه السنوات، وقرينتها على تفسيرها أنها عندما ذهبت للرجل الذي صنع لها الأعمال السحرية، ردّ عليها قائلا لقد فُكّ العمل من عند الله، ولا قدرة لي على تجديده أو عمل غيره.
تسأل المرأة البرنامج كيف لها أن ترد زوجها لأطفاله، ولا تُلقي بالا لشيء آخر غير سؤالها هذا، مقطع الفيديو الذي ينقل مُحتوى المُكالمة حقق ملايين المُشاهدات، وآلاف التعليقات التي تُجرِّم المرأة التي سحرت للرجل، والمُستعيذة من مثل هذا النوع من الأذى، أما النوع الثالث من التعليقات فهو الذي يؤكد تعرُّضه لهذا الأمر، فتقول فتاة في أحد التعليقات لقد كُنت أكره زوجة أخي كثيرا، وفرّقت بالسحر بينها وبين أخي، لكني ولله الحمد تُبْت.
المرأة صاحبة المُكالمة وصاحبة التعليق هما اثنتين فقط من آلاف ورُبما عشرات آلالاف من الحالات الأخرى التي تحاول التخلص من غيظها ونار كراهيتها للآخرين بإيذائهم بأعمال سحرية، البعض يصل به الأمر إلى الرغبة في جلب المرض أو الموت لشخص مُعين، وليس التفريق بين زوجين فحسب، هذا الانتشار والتفشي هو ما دفع بعض الشباب لعمل حملات لتطهير المقابر من الأعمال السحرية والسحر الأسود الذي يُدفَن بها وينتشر بكثافة خاصة في القرى المصرية.
في تصريح لجريدة اليوم السابع المصرية يقول عبد الرحمن السيد طه، بكالوريوس شريعة إسلامية جامعة الأزهر، صاحب فكرة حملة تطهير المقابر ومسؤول الحملة بمحافظة سوهاج قمنا خلال 3 أيام بتطهير مقابر مدينة المراغة وقرية الجزازرة من الأعمال السحرية، وعُثِر على 345 عملا سحريا وأُبطِلت. خلال حملة التطهير عُثِر على فستان عروس وبداخله ما يقرب من 3 أعمال سحرية، وعُثِر على جماجم حيوانات غريبة، مخيطة وفي فمها أعمال، كما وجدنا ما يقرب من 8 قوالب طوب مُكفّنة وبها سحر وطلاسم سحرية، بالإضافة إلى نحو 75 عملا على ملابس داخلية لرجال وسيدات وعظام حيوانات وأكفان كُتبت عليها طلاسم.
بأيدينا نطهر مقابرنا هو اسم المُبادرة التي دشّنها المئات من شباب وأهالي محافظة القليوبية بمصر في فبرايرشباط عام 2020، يقول أحد المُشاركين بالمُبادرة لجريدة الوطن المصرية إنه بلغ إجمالي عدد الأعمال التي عُثِر عليها بمقابر 7 قرى نحو 250 عملا أسود.
مها.س، اسم مُستعار، صحفية مصرية، أجرت الكثير من التحقيقات والتقارير الصحفية المُتعلّقة بالقرى المصرية والحياة الريفية والمُشكلات التي تواجهها المرأة في هذه الحياة، تقول مها لـ ميدان تعرّضت خلال عملي بالطبع لكثير من القصص والأقاويل المُتعلّقة بالسحر والأعمال السحرية، فهذه المُعتقدات مُنتشرة بكثرة في القرى الريفية سواء جنوبا أو شرقا، قد تكون الأعمال السحرية هي السبب الأول في الأذهان لكل المُشكلات وأزمات الحياة وكروبها، حتى في أبسط الأشياء، فإذا مثلا انفصل رجل عن زوجته يُقال إنهما مسحوران، وكذلك فإن الضعف الجنسي وعدم القدرة الجنسية لدى الرجل أو المرأة هي قطعا وبلا شك تعود إلى الأعمال السحرية.
تروي مها أن قرى بأكملها تُصدِّق أن هناك رجلا مُعينا لديه المقدرة على ربط الرجال، والربط يعني العجز الجنسي الكامل، إذا حضر هذا الرجل حفل الزفاف أو حتى مرَّ بجواره يوقنون أن العريس سيواجه أزمة في علاقته الزوجية الحميمية، وهو ما يحدث بالفعل ترى مها أن هذه هي قوة العقل الباطن، وأن الهيستيريا الجماعية المفزوعة من السحر والأعمال السحرية لها بالطبع تأثير مادي وبدني، وقد يحدث العجز الجنسي بسبب التأثير النفسي هذا.
نسرين.ع، اسم مُستعار، طبيبة نفسية، تؤيد كلام مها قائلة لـ ميدان بالطبع نسبة كبيرة من التأثير المادي الذي نراه لما يُطلق عليه السحر يعود إلى قوة العقل الباطن، إذا قُلت لك مؤكدة بيقين أنك ستفشل في اختبارك الدراسي القادم، فإنك بنسبة كبيرة ستفشل فعلا، لأني زرعت في نفسيتك ولا وعيك عدم مقدرتك، ورُبما تُصدِّق فيما بعد أنني أملك قدرة ما على التنبؤ بالغيب.
تُضيف نسرين قائلة الوهم له قوة الحقيقة نفسها، ورُبما له قوة تفوق الحقيقة إذا لاقى الوهم هوى في نفسك يدعمه ويُقوّيه، نحن نُصاب بأوجاع جسدية حقيقية وقوية بلا ذرة شك، ولكن سببها قد يكون وهميا تماما، قد تذهب للطبيب تشكو أوجاعا حقيقية مؤلمة، لكن الطبيب لا يجد لأوجاعك سببا أو تفسيرا، ويكون كل ذلك وهما من نفسك.
وقد نشرت BBC العربية تقريرا حول قوة العلاج الوهمي، وذكرت أن العلاج الوهمي هو التحسُّن الملحوظ الذي يشعر به المريض لمجرد الاعتقاد بأن الدواء سينجح في علاجه، وليس بسبب تأثير الدواء في حد ذاته، رغم أن هذا الدواء لا يتعدى في الغالب كونه حبات من السكر. وأثبتت دراسات أن العلاجات الوهمية تُخفِّف السعال والآلام والاكتئاب، وحتى أعراض داء باركنسون. وذكر التقرير أيضا أنه يُمكن استخدام فكرة العلاج الوهمي لتحسين أداء الرياضيين وتعديل مُعتقداتهم حول قدراتهم على إحراز النتائج. فيُعَدُّ تأثير العلاج الوهمي على الجسم مثالا واضحا على أن الإنسان بإمكانه تحسين أدائه ومهاراته إذا أيقن أن لديه القدرة على تحقيق ذلك.
الجانب الآخر لقوة الأعمال السحرية، كما تراه نسرين، يتمثّل في هشاشتنا وعدم رغبتنا في تحمُّل مسؤولية شيء أو إرهاق أنفسنا في البحث عن حلول حقيقية وبذل الجهد لطرق أبواب هذه الحلول، وهنا يأتي السحر بالحل العبقري السهل المُريح، نحن ضحايا، ضعفاء، مسلوبو القوة والإرادة، نقع في قبضة قوى شريرة قاسية تُريد أن تضرّ بنا ولا تُلقي بالا لآلامنا، فماذا يُمكننا أن نفعل سوى الاستسلام والبكائيات. ترى نسرين أن أغلب ما يحدث الآن في مجتمعاتنا ليس أعمالا سحرية، بل هو دجل، بلا أي قدرة على التأثير سلبا أو إيجابا، وأننا مَن نعطيه القوة على التأثير بتصديقنا وتسليم لا وعينا له، واستسلامنا وتقاعسنا عن بذل الجهد للبحث عن سبب المُشكلة الحقيقي ومُحاولة حلّها.
طالما تساءلت طوال سنوات عملي وخلال الأبحاث الاجتماعية التي أجريتها في الأرياف والقرى المصرية وأثناء حلقات الاستماع للسيدات القرويّة والريفية لماذا لا نسمع عن قوة السحر والأعمال السحرية بهذه الكثافة في أُسرنا التي تربينا بينها في العاصمة؟ لماذا لا يكون هذا الأمر حاضرا بهذه القوة؟ لماذا لا يُعَدُّ هو التفسير الأول لكل المُشكلات والأزمات مثلما الحال في القرى والأرياف؟، هكذا تبدأ سعاد.ج، اسم مُستعار، باحثة اجتماعية، حديثها مع ميدان.
خلال عملها واستماعها للنساء القرويّات، تعرّضت سعاد لعشرات الحالات التي تخبرها بأن هذه المشكلة أو تلك التي أصابت امرأة أو أحد أبنائها هي بفعل جارة أو قريبة تكرهها وسحرت لها لإيذائها أو تسببت في مرض أحد أبنائها، الأسباب التي رصدتها سعاد وراء ذلك تتمثَّل في الفراغ وضيق الأفق وضعف الوازع الديني وتصديق الخرافات وتمكُّن الكراهية في بعض الحالات، تقول سعاد لـ ميدان لم أرَ في حياتي تركيبة أسوأ من اجتماع الفراغ مع تمكُّن الكراهية وضعف الوازع الديني، فيتحوَّل الشخص الذي لا يجد ما يشغله إلى قنبلة موقوتة تُريد أن تنفجر فيمن يكرهه، وقد يزيد من حِدَّة انفجاره هذا ضعف الوازع الديني لديه، وهي للأسف التركيبة التي كثيرا ما تجتمع في القرى الريفية، خاصة لدى النساء اللاتي لا يعملن ولم يتعلّمن، وتتمكَّن منهن كراهية السلايف أو أهل الزوج.
تُضيف سعاد قائلة لـ ميدان رأيت على صفحات التواصل الاجتماعي صورا استُخرجت من المقابر أثناء حملات تطهير القبور من الأعمال السحرية، يُمكنك رؤية صورة لأسرة مُكونة من أب وأم وطفل، وقد كُتِب بين الزوج والزوجة كلمة تفريق، ومكتوب بجانب الطفل مرض، وموت، فالسيدات اللاتي أستمع إليهن خلال عملي لسن موهومات إذن، هناك مَن تصل به الكراهية إلى تمني إيذاء الغير بهذا القدر، قد يكنّ موهومات فقط في مدى تأثير هذا على حيواتهن، هل له تأثير فعلا؟ أم أنه مُجرد دجل وخرافات؟ وهذا سؤال مفتوح قد لا يُمكننا الجزم بالإجابة عنه، لكن على الأقل في حدود ما رأيته من عملي، كان لكل مُشكلة حل، ولكل مرض إذا ما شُخِّص تشخيصا صحيحا علاج.
في الفتوى رقم 546 على موقع دار الإفتاء المصرية، سألت سائلة تشتبه أن الأعمال السحرية تتسبب في عرقلة زواجها، وتطلب رأي الدين في السحر والسحرة، وكيف تتقي شرهم، ليرد عليها الدكتور نصر فريد واصل، فقيه إسلامي مصري ومفتي الديار المصرية السابق، على موقع دار الإفتاء قائلا ذكر العلماء أن جمهور المسلمين على إثبات السِّحر، وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة، وكون السحر له حقيقة ثابتة لا يعني كونه مؤثرا بذاته، ولكن التأثير هو لله تعالى وحده؛ لقوله تعالى وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ. فقد نفى الله -عز وجل- عن السحر التأثير الذاتي ومفعوله، ونتيجته منوطة بإذن الله تعالى، ولا تتجاوز حقيقته حدودا معينة، ولا يمكن أن يتوصل إلى قلب الحقائق وتبديل جواهر الأشياء.
ولقد وصف الله سحر سحرة فرعون بأنه تخييل في قوله تعالى فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى طه 66؛ أي إن الحبال لم تنقلب في الحقيقة إلى ثعابين، وإنما خُيِّل ذلك للمشاهدين، ومن الآيات الكريمة نفهم أن الشياطين هم الذين يعلِّمون الناس السحر، وأن تعلُّم السحر ضارٌّ وليس بنافع، ويَحرُم على الإنسان أن يتعلم السِّحر أو الشعوذة لخداع الناس أو إضلالهم أو فتنتهم أو التأثير السيئ فيهم، كما يَحرُم على الإنسان أن يعتقد أن العرّاف أو المشعوذ أو الساحر هو الذي ينفعه أو يضره؛ يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رواه أبو داود والطبراني.
أما عن تلبّس الجن بالإنسان، يقول الدكتور أحمد الطيب، خلال برنامجه الإمام الطيب ما نسمعه ونشاهده من دعاوى كلام ما يُطلق عليه الملبوس هو خيالات واختراعات لا أساس لها من الصحة، فقوة الجن هي في الوسوسة والإضلال وليس في التلبس، لقوله تعالى إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ. ونوّه شيخ الأزهر إلى أن كل مَن يدّعي إخراج الجن من جسد الإنسان كاذب ومُرتزق ومُضلِّل، مُبيِّنا أن كثيرا من القنوات التلفزيونية أصبحت تنتفع من خلال السحر والشعوذة، وذلك عندما أصبحت فلسفة المال هي التي تتحكّم في الجميع. | https://www.aljazeera.net/misc/2021/3/4/%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%ad%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b9%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%81%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d9%87%d9%84-%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%86%d8%a7-%d8%a3%d9%86 | 2021-03-04T11:38:22 | 2024-05-28T09:11:41 | أبعاد |
|
156 | تتصارع عليها الدول بشراسة فما أقوى منظومات الدفاع الصاروخي عالميا؟ | تطور الصواريخ الباليستية تحديدا أظهر مدى الحاجة لأنظمة دفاع صاروخي متطورة في مواجهة خطرها. لذا، فإن أقوى أنظمة الدفاع الصاروخي جاءت للرد على خطر الصواريخ الباليستية المتطورة والقوية للغاية. | في مساء الأول من أكتوبرتشرين الأول الماضي، كانت صافرات الإنذار تدوي في كل رقعة داخل إسرائيل والأراضي المحتلة، بينما كانت إيران تطلق ردها الصاروخي على الاعتداءات الإسرائيلية على الأرض الإيرانية.
وصلت معظم الصواريخ في العملية التي سُميت باسم الوعد الصادق 2 إلى أهدافها، رغم محاولات التصدي المستميتة من أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية والمدعومة من قوى غربية وإقليمية على رأسها الولايات المتحدة.
صوّر المستوطنون سقوط الصواريخ، وأفزعتهم أصواتها، وصوّرها الفلسطينيون في الضفة وقطاع غزة والداخل المحتل وابتهجوا مع أصوات الانفجارات، وشاهدها الأردنيون بوضوح أيضا.
استخدمت إيران صواريخ باليستية وفرط صوتية استطاعت الوصول إلى أهدافها خلال ربع ساعة أو أقل، وهو ما عزز من قدرة الصواريخ على تجاوز الدفاعات الإسرائيلية التي رآها المستوطنون والفلسطينيون تطلق صواريخها الاعتراضية كذلك. حينها صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إيران ارتكبت خطأ فادحا، لكن الرد الإسرائيلي لم يكن واسعا كما هددت تل أبيب، فالحسابات الآن مختلفة.
أدركت إسرائيل أنها لا تستطيع التعامل مع موجات من الهجمات الصاروخية من هذا النوع من دون زيادة الدعم الأميركي. لذلك، ففي 13 أكتوبرتشرين الأول، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية عن نيتها نشر منظومة الدفاع الجوي ثاد المخصصة لاعتراض الصواريخ الباليستية بعيدة المدى في إسرائيل، برفقة عسكريين أميركيين سيشرفون على تشغيلها.
وبرر البنتاغون نشر المنظومة الأميركية في إسرائيل بأنها تأتي للمساعدة في تعزيز الدفاعات الجوية الإسرائيلية في أعقاب الهجمات الإيرانية غير المسبوقة ضد إسرائيل في 13 أبريلنيسان الماضي، ومرة أخرى في بداية شهر أكتوبرتشرين الأول. وبعدها بأسبوع واحد، أعلن وزير الدفاع لويد أوستن أن الجيش الأميركي قد سارع بإرسال منظومته المتطورة المضادة للصواريخ إلى إسرائيل وهي الآن في موقعها.
لم تستطع إسرائيل مواجهة الصواريخ الإيرانية وحدها، رغم ما يملكه جيش الاحتلال من منظومة دفاع جوي معقدة، إذ تتكون منظومة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية من عدّة طبقات، كل منها مكلّف باعتراض تهديدات محددة على نطاقات وارتفاعات مختلفة، فمثلا هناك القبة الحديدية، وهي مصممة بشكل أساسي للتهديدات قصيرة المدى، مثل الصواريخ وقذائف المدفعية وقذائف الهاون، وعادة ما تعترض أهدافها على مدى يتراوح بين 4 و70 كيلومترا.
يأتي بعد ذلك نظام مقلاع داود، المصمم لاعتراض الصواريخ متوسطة المدى والصواريخ ذات العيار الكبير، مع مدى اعتراض يتراوح بين 40 و300 كيلومتر. وأخيرا هناك منظومة سهم أو أرو، ومنها نظام أرو 2 المصمم لاعتراض الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى خارج الغلاف الجوي، ونُسخته الأحدث أرو 3 التي تصيب الأهداف على ارتفاعات أعلى ومدى أطول، وهو ما يجعلها مناسبة لاعتراض الصواريخ العابرة للقارات.
كشفت هجمات الأول من أكتوبرتشرين الأول الثغرات الضخمة في منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلي، وقصورها عن تأمين سماء إسرائيل من هجمات أعدائها الكثر.
فكما لم تنجح في إحباط الهجوم الإيراني، لم تنجح منظومة الدفاع الإسرائيلية المتعددة الطبقات في كشف أو منع الطائرات المسيرة ذات البصمة الرادارية المنخفضة من الطيران تحت أنوفها والوصول لأهداف دقيقة، مثل استهداف غرفة الطعام في مقر لواء غولاني، أو استهداف نافذة منزل نتنياهو، كما أثبتت الصواريخ الباليستية الإيرانية المتوسطة المدى ذات الرؤوس الخفيفة مقدرة جيدة على إرباك وتشتيت الدفاعات الجوية الإسرائيلية والإفلات منها.
دفع هذا الولايات المتحدة لاتخاذ خطوات سريعة وغير مسبوقة لإسعاف سماء إسرائيل المخترقة، مرسلة للمرة الأولى منظومة ثاد، أحدث منظومات الدفاع الجوي الأميركية ضد الصواريخ الباليستية وأكثرها كفاءة، رفقة 100 من الجنود لتشغيلها. لكن ما الذي يميز تلك المنظومة الجديدة ليكون توفيرها لإسرائيل هو الرد الأميركي على الهجوم الإيراني؟
كلمة THAAD بالإنجليزية اختصار لعبارة الدفاع الصاروخي للمناطق المرتفعة الطرفية Terminal High Altitude Area Defense، وهي منظومة تركز على اعتراض الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى أثناء مرحلتها النهائية مرحلة إعادة الدخول إلى الغلاف الجوي، على مدى يصل إلى 200 كيلومتر، وعلى ارتفاع يبلغ 150 كيلومترا، وهي المنظومة الوحيدة في الولايات المتحدة الأميركية المصممة لاعتراض الأهداف داخل وخارج الغلاف الجوي.
تؤمّن منظومة ثاد منطقة أكبر مقارنة بمنظومة باتريوت للدفاع الجوي والصاروخي، وتعمل بصورة تكاملية معها، ومع منظومة أيجيس للدفاع الصاروخي البحري، وتوفر ثاد طبقة دفاعية إضافية على ارتفاعات أعلى جويا.
تملك منظومة ثاد القدرة على اعتراض الصواريخ الباليستية بكثافة على مدى وارتفاع يفوقان منظومة مقلاع داود، ويتداخل عملها مع نطاق عمل منظومة أرو؛ ما يعني أن هدف الولايات المتحدة من تنصيب المنظومة هو توسيع نطاق الحماية إلى مساحة أكبر، عبر توفير طبقات متعددة من الحماية لإسرائيل، في محاولة لسد الثغرات التي ظهرت بين منظومات الدفاع الإسرائيلية بعد الهجمة الإيرانية.
قد تُعد منظومة ثاد الأحدث والأكثر كفاءة بين منظومات الدفاع الصاروخي الأميركية، لكنها ليست المنظومة الوحيدة الأقوى والأكثر شهرة بين تلك المنظومات عالميا. قبل التطرق إليها، سنوضح بعض التفاصيل الأساسية حول منظومات الدفاع الصاروخي، ومكوناتها، وآلية عملها في حماية الأرض من التهديدات الجوية.
فور انتهاء الحرب العالمية الثانية، اشتعل سباق التسلّح الصاروخي بين قطبي العالم آنذاك، أميركا والاتحاد السوفياتي. فبينما كان الدمار يلف شوارع ألمانيا المهزومة، استحوذت الدولتان على تكنولوجيا سلاح جديد ومتطور، وهي تكنولوجيا صاروخ ڤـي-2. كانت تلك الصواريخ تمطر سماء بريطانيا في عام 1944، واشتهرت بين أهل لندن باسم أنابيب الغاز الطائرة. وكان صاروخ ڤـي-2 جزءا من برنامج ألمانيا لإنتاج السلاح الخارق Wunderwaffe.
هكذا، وفي سباق تسلح لم يكن بحاجة إلى إعلان، نجح الروس في الحصول على بقايا مصانع الصواريخ النازية بعد هزيمة ألمانيا، ونجح الأميركيون بدورهم في استقطاب معظم العلماء الألمان ممن عملوا على برنامج الصواريخ النازي.
لكن ما إن بدأ كل طرف في تسليح سمائه حتى انطلق سباق أحدث، وهو البحث عن حماية الأرض من صواريخ الطرف الآخر، وهنا ظهرت الحاجة لمنظومات دفاع مضادة لتلك الصواريخ.
عادة ما تُصمم منظومات الدفاع الصاروخي تحديدا للتصدي لتهديدات جوية سريعة جدا وشديدة الخصوصية، مثل منظومات الدفاع ضد الصواريخ الباليستية. ونظرا إلى أن منظومات الدفاع الجوي الأخرى، وخاصة المنظومات المضادة للطائرات، محدودة النطاق، فغالبا ستفشل في التصدي لتهديدات سريعة للغاية مثل الصواريخ الفرط صوتية أو الباليستية.
تطور الصواريخ الباليستية تحديدا أظهر مدى الحاجة لأنظمة دفاع صاروخي متطورة في مواجهة خطرها. لذا، فإن أقوى أنظمة الدفاع الصاروخي جاءت للرد على خطر الصواريخ الباليستية المتطورة والقوية للغاية.
تُعرف الصواريخ الباليستية بأنها تلك الصواريخ التي تتخذ مسارا باليستيا لإيصال رأس أو رؤوس حربية إلى هدف محدد مسبقا، والمسار الباليستي هو مسار منحنٍ يشبه قوسا ضخما يُحدد منذ لحظة انطلاق الصاروخ. يبدأ الأمر بتشغيل الصاروخ بواسطة محرك يدفعه إلى الغلاف الجوي العلوي أو حتى إلى الفضاء الخارجي، ثم ينحرف الصاروخ في مسار مكافئ خارج الغلاف الجوي، ومن ثم يعود إلى الغلاف الجوي للأرض ويهبط نحو الهدف مسترشدا بالجاذبية.
لكن بشكل عام، يبقى الهدف الأساسي لتلك المنظومات هو توفير الحماية القصوى من أي تهديد من الأسلحة الجوية، سواء كانت الصواريخ الباليستية، أو صواريخ كروز، أو الطائرات المقاتلة، أو الطائرات المسيّرة.
ورغم الحماية التي توفرها منظومات الدفاع الصاروخي المتطورة، مثل منظومة ثاد، فإنها ليست مثالية، وربما تكمن نقطة ضعفها الأبرز في ارتفاع تكاليف تطويرها وصيانتها وتشغيلها، إذ تتطلب منظومة ثاد موارد طاقة ضخمة لتشغيل راداراتها المتقدمة؛ ما يجعل استمرار تنصيبها من الأمور المعقدة من الناحية العملية واللوجستية.
للمقارنة، تتطلب محطة توليد الطاقة الكهربائية لرادار منظومة باتريوت مولدين بقدرة 150 كيلووات، أما رادار منظومة ثاد فيتطلب نحو 10 أضعاف هذا المقدار، إذ يحتاج رادار إيه إنتي بي واي-2 ANTPY-2 إلى وحدتيَ طاقة أساسية بقدرة 1.1 ميغاواط، تستهلكان الوقود بشراهة شديدة لدرجة يُفضل معها ربطهما بشبكة الطاقة الكهربائية في البلاد.
كما تواجه تلك المنظومات تهديدات أكبر من خلال تكتيكات الحرب الإلكترونية، مثل التشويش والهجمات السيبرانية، التي قد تؤثر على أدائها في تنفيذ مهمتها الأساسية، وهي اعتراض أي تهديد جوي.
تُعرف الوحدة المسؤولة عن منظومة الدفاع الصاروخي باسم بطارية الدفاع الصاروخي، وهي تتكون من عدة عناصر أساسية تعمل معا، ويؤدي كل منها دورا بالغ الأهمية في اكتشاف التهديدات الجوية وتتبعها واعتراضها بنجاح.
أول مكوّن في المنظومة هو أنظمة الرادار، وهي عين منظومة الدفاع الصاروخي التي تكشف السماء فوقها بحثا عن أي تهديدات قادمة. تتطور تقنيات الرادار والمراقبة في منظومات الدفاع الصاروخي باستمرار، لأن الاكتشاف المبكر للتهديدات الجوية والقدرة على تتبعها المستمر هو أحد العناصر الجوهرية لاعتراض تلك التهديدات.
تعمل أنظمة الرادار بجانب مستشعرات الأقمار الاصطناعية، ليشكّل الاثنان معا نظام مراقبة صارما يسمح باكتشاف الصواريخ المعادية، أي اكتشاف الصاروخ بعد إطلاقه، وكذلك القدرة على تمييز التهديد الحقيقي في مقابل الفخاخ أو غيرها من التدابير الأخرى المضادة، كما يسمح بتتبع الصاروخ والحفاظ عليه في مرمى البصر، حتى تصيبه الصواريخ الاعتراضية وتتخلص من هذا التهديد القادم.
المكوّن الآخر الحيوي لهذه المنظومة هو مركز القيادة والتحكم، الذي يمكننا اعتباره العقل المدبر داخل المنظومة. مهمته أن يجمع البيانات الواردة من أنظمة الرادار ويحدد التهديدات التي تتطلب المواجهة الفورية، ويصدر أوامر إطلاق الصواريخ الاعتراضية.
تلك الصواريخ هي السلاح الأساسي لمواجهة التهديدات الجوية، وهي الصواريخ التي تنطلق بمجرد اكتشاف تهديد قادم، مثلا تستخدم صواريخ ثاد الاعتراضية نهج الاصطدام للتدمير؛ ما يعني أنها تدمر الصواريخ عبر الاصطدام بها مباشرة باستخدام الطاقة الحركية الصرفة، ولا تحمل رأسا حربيا متفجرا، ولذا فإن هذه المنظومة تعتمد بشكل أساسي على دقة الإصابة، ولهذا تحتاج إلى رادار متطور يمكنه اكتشاف وتتبع الصواريخ الباليستية الصغيرة والسريعة من مسافات طويلة؛ ما يوفر تحذيرا مبكرا.
نظرا للسرعة الفائقة التي يتحرك بها الصاروخ المعادي والصواريخ الاعتراضية، يُشار إلى هذه العملية مجازا بتعبير رصاصة تدمر رصاصة أخرى.
كما تحتاج تلك الصواريخ الاعتراضية إلى منصات إطلاق، وهي الشاحنات الضخمة التي يكثر أن نراها في الصور وتحمل على ظهورها حاويات الصواريخ الاعتراضية.
لكن الولايات المتحدة ليست الوحيدة في تطوير منظومات دفاع صاروخي متقدمة، فبجانب منظومة ثاد للدفاع الصاروخي، توجد عدّة منظومات قوية طورتها جيوش وحكومات متعددة.
عام 1993، بدأت روسيا تطوير منظومة الدفاع الصاروخي إس-400، وهي النسخة الأحدث من المنظومة السابقة لها إس-300. وبدأ اختبارها في أواخر التسعينيات، ودخلت الخدمة في عام 2007.
تعد إس-400 إحدى أقوى منظومات الدفاع الجوية في الترسانة الروسية، وتقارَن بمنظومة ثاد الأميركية، وصُممت للتصدي للطائرات المقاتلة، والطائرات المسيّرة، والصواريخ بمختلف أنواعها. تتميز بمدى يصل إلى 400 كيلومتر؛ ما يمنحها القدرة على مواجهة التهديدات من مسافات بعيدة.
تعتمد هذه المنظومة على 4 أنواع من الصواريخ التي تعزز من قدرتها على التعامل مع مختلف التهديدات الجوية عبر مسافات متعددة؛ ما يجعلها منظومة دفاع متعددة الطبقات قادرة على اعتراض الأهداف القريبة والبعيدة على حد سواء.
يرى بعض الخبراء العسكريين أن منظومتي الدفاع الصاروخي إس-400 وإس-300 تمثلان تهديدا فتاكا لمعظم أنواع المقاتلات والقاذفات الشبحية المتطورة. وحدها الطائرات الأميركية إف-22 رابتور وإف-35 والقاذفة الشبحية بي-2 سبيريت يمكنها التحليق داخل الأراضي التي تحميها تلك المنظومات الدفاعية. ولكن حتى تلك الطائرات ستواجه تحديا حقيقيا إن توفرت بطاريات كافية من تلك المنظومتين الروسيتين وكانت تعمل كجزء من شبكة دفاع جوي متكاملة.
نعود إلى الولايات المتحدة، حيث تُعد منظومة باتريوت الصاروخية واحدة من أشهر منظومات الدفاع الجوي في العالم، والتي طُورت بالأصل بهدف إسقاط الطائرات، ثم جرى تعديلها لاحقا لتشمل التصدي للصواريخ الباليستية التكتيكية.
تُستخدم المنظومة لمواجهة التهديدات الجوية قصيرة إلى متوسطة المدى، وتُعد عنصرا أساسيا في منظومة الدفاع الجوي لعدة دول من حلفاء الولايات المتحدة، وتشتهر بأنها جزء أساسي من شبكة الدفاع الجوي لحلف الناتو، وتوفر الحماية للمنشآت العسكرية والمدنية على حد سواء.
اشتهرت أيضا منظومة باتريوت بدورها في حرب الخليج عام 1991، إذ برزت فعاليتها في اعتراض صواريخ سكود الباليستية التكتيكية. ومنذ ذلك الحين خضعت المنظومة لتحديثات عديدة لمواكبة التهديدات الجوية الأخطر، وشملت تحديثات في اكتشاف الأهداف بالرادار، ويَستخدم الإصدار الأحدث، المعروف باسم باك-3 PAC-3، نهج الاصطدام للتدمير، كما هو الحال في منظومة ثاد.
صُممت المنظومة لتعمل في بيئات مختلفة، مع مشاركة البيانات بين مختلف الوحدات العسكرية عبر شبكة خاصة، تتميز بأنها مشفرة ومقاومة للتشويش؛ ما يسمح لمنظومة باتريوت بالعمل مع منظومات الدفاع الصاروخي الأخرى، مثل منظومة أيجيس البحرية ومنظومة ثاد.
أما الصين فقد نجحت في التسعينات في الحصول على بطارية باتريوت الأميركية؛ ما أتاح لها أن تمزج بينها وبين تكنولوجيا منظومة إس-300 التي حصلت عليها من روسيا، لتخرج بمنظومة هونغ تشي-9 الأفضل لديها حتى اليوم، والتي دخلت الخدمة عام 1997.
بإمكان المنظومة الصينية اعتراض أنواع مختلفة من الطائرات المقاتلة والمروحيات والطائرات المسيّرة والصواريخ متوسطة وبعيدة المدى والقنابل الموجهة، لكن بعض الخبراء يعتبرون المنظومة أقل كفاءة من نظيرتها الروسية، حتى مع احتوائها على جزء من منظومة باتريوت، وهو ما ينعكس في استمرار اعتماد الصين على ما لديها من قطع إس-300 الروسية، التي تملك منها ثلاث قطع أرضية وواحدة بحرية لحماية الشواطئ الصينية.
تنتشر المنظومة لحماية المدن الكبرى والمواقع الإستراتيجية في الصين. كما جرى تطويرها إلى عدة إصدارات مختلفة بتقنيات محسّنة ومدى يتراوح بين 100 و300 كيلومتر. وتستخدم الصواريخ الاعتراضية الحديثة من طراز إتش كيو-9 بي التوجيه بالقصور الذاتي أثناء الطيران والتوجيه النشط بالرادار خلال المرحلة النهائية؛ ما يعزز من احتمالية إصابة عدة أهداف.
تتعاون فرنسا وإيطاليا في تطوير منظومة أستر 30 سامبتي، وتُعد من منظومات الدفاع الصاروخي المتطورة لمواجهة الطائرات المقاتلة والطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية. تتمتع بمدى يصل إلى 120 كيلومترا؛ ما يجعلها مناسبة لحماية المنشآت الحيوية والمواقع الإستراتيجية. وتتميز منظومة أستر 30 برادار مستقل يمكنه تحديد وتتبع الأهداف ذاتيا، دون الحاجة إلى أنظمة مساندة؛ ما يمنحه استقلالية ومرونة عالية في البيئات الدفاعية المعقدة.
إحدى السمات المميزة لصاروخ أستر 30 هي قدرته على الإطلاق العمودي، وهو ما يعني أن بإمكانه الانطلاق إلى الأعلى مباشرة؛ ما يسمح له بالدوران والطيران في أي اتجاه. ونظرا لانطلاقه عموديا، يمكن استخدام المنظومة حتى في المساحات الضيقة مثل المدن.
تؤدي منظومة أستر 30 دورا محوريا في إستراتيجية الدفاع الجوي لحلف الناتو، إذ تسهم في تأمين الأجواء الأوروبية من التهديدات المختلفة.
ختاما، ورغم هذا التطور الهائل في أنظمة الدفاع الجوي الصاروخي، لا تزال الصواريخ المصنعة محليا، سواء على يد دول محدودة الموارد، أو حتى بأيدي مهندسي حركات المقاومة، قادرة على إيلام أعدائها. ولعل هذا هو ما يعطي الأفضلية لسلاح الصواريخ بشكل عام، إذ إنه يبقى في موقع الفاعل، في حين تظل أنظمة الدفاع الجوي في حيز رد الفعل. ولعل ذلك ما يعزز من أمل القوى الأضعف في تحقيق نجاحات تكتيكية وإستراتيجية مهمة في هذا النوع من الصراعات والحروب.
| https://www.aljazeera.net/politics/2024/11/13/%d8%aa%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%b1%d8%b9-%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%87%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84-%d8%a8%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d9%81%d9%85%d8%a7-%d8%a3%d9%82%d9%88%d9%89 | 2024-11-13T00:41:07 | 2024-11-18T05:30:13 | أبعاد |
|
157 | لماذا يكرهني الآخرون بدون سبب؟ علم النفس يُجيبك | هل ينفضّ من حولك الآخرون باستمرار؟ وهل تتعرّض دومًا لهذه المواقف حيث ينسحب النّاس باستمرار من الحوار والجلسة حين تبدأ بالحديث؟ فما الذي قد يجده المحيطون بك حتى ينعتونا بتلك الصفة ولو خلسة؟ | هل ينفضّ من حولك الآخرون باستمرار؟ وهل تتعرّض دومًا لهذه المواقف حيث ينسحب النّاس باستمرار من الحوار والجلسة حين تبدأ بالحديث؟ لعلّ هذا يحدث بشكلٍ متكرّر دون أن يومض في عقلك أنك تمارس السلوك ذاته مع الشخص الذي تجده مزعجًا. فما الذي قد يجده المحيطون بك أو بي حتى ينعتونا بتلك الصفة ولو خلسة؟ وماذا نفعل كي لا يتمكن منا ذلك الطبع تمامًا؟
سواء أكنت في المرحلة المدرسية أو الجامعية أو كنت في سعيك لبناء سيرتك المهنية في الوظيفة وسوق العمل، فإنّك تتعرّض باستمرار لتحوّلات كبيرة تجبرك على أن تبدأ من جديد في مكانٍ ما. قد يقرّر أهلك فجأة أن تنتقلوا إلى منزلٍ جديد، ما الذي يعنيه هذا؟ مدرسة جديدة، ووسط اجتماعي جديد، وجُهد كبير لبناء شبكة جديدة من الأصدقاء والمعارف. أو قد تبدأ تخصّصك الجامعي في جامعة غريبة تمامًا، حيث لا تعرف أحدًا هناك، ومن ثم يتوجّب عليك أن تثبت نفسك من جديد وأن تجد لنفسك صديقًا أو أكثر كي تستطيع أن تُؤنس وجودك في هذا المكان.
من المعتقد أن العديد من الأشخاص المزعجين لا يدركون أساسًا أنّهم كذلك، قد ينتهك الأشخاص المزعجون الأعراف الاجتماعية المختلفة، وقد يكونون غير متوافقين مع الآخرين، أو يحاولون جاهدين إضحاك الآخرين أو حتى إجراء مكالمة هاتفية خاصّة بصوتٍ مرتفع.
طبقًا لعالمة النفس جيما هاريس، كل منا لديه مخطط علاقي أو نموذج لكيفية سير العلاقات نفتش من خلاله عن الأشخاص الذين يتوافقون مع نموذجنا وننفر ممن يشذون عنه. تم تطوير هذا النموذج بناءً على تجارب الطفولة المبكرة وعلاقاتنا بوصفنا بالغين. وعليه، وبطريقة أوضح، فإننا نتجاوب مع الأشخاص الذين يوافقون احتياجاتنا وتوقعاتنا، ونتجنب الذين يجعلوننا نشعر بعدم الأمان أو يتعارضون مع احتياجاتنا وقيمنا وحدودنا1.
لا ينفي ذلك أن لكل منا نصيبًا من السمات التي قد يُجمع العديد على أنها مزعجة. يخص عالم النفس السريري جيمي لونغ2 فعلًا بعينه بقوله إنك حين تجد منكبَي الشخص أو قدميه تَنْأَيان بعيدًا عنك أو دون اتجاهك، وإن أطال النظر إلى الأرض أو إلى هاتفه خلال محادثتكما، فتلك دلالة على محاولة الهروب. بيد أن ذلك قد يبدر من أي إنسان لأسباب أخرى، كأن يكون مضمون المحادثة ثقيلًا على النفس، أو أن الحوار قد استغرق وقتًا طويلاً.
بيد أن خشيتنا من أن نكون مزعجين قد تجعلنا نصبّ كامل تركيزنا على الآخرين، لنكون أكثر حساسية تجاه التفاعل معهم، وهو قلق يولد ردات فعل قد ترى أيضًا أنها مزعجة، كالتجنب والمبالغة. يبدو الأول مثل ألا نبادر بدعوة أصدقائنا للخروج، وعدم بدء محادثات والامتناع عن مشاركة أشياء عن أنفسنا أو طرح أسئلة عندما نحتاج إلى مساعدة.
بينما يتركز الإفراط فيما يلي الاعتذار عندما لا ترتكب أي خطأ، وترديد عبارات على شاكلة هل هذا مقبول؟، والتركيز بقلق على ما إذا كان الناس يقضون وقتًا ممتعًا معنا، وقول نعم لأشياء لا رغبة لنا فيها. من شأن هذه الاستجابات أن تهدئ من قلقنا مؤقتًا3، لكنها لا تمنحنا فرصة لنعلم أننا قد ننجو من خيبة الأمل والرفض والمشاعر السلبية الأخرى، كما أنها لا تمنح الآخرين فرصة للتحدث عن أنفسهم ومصارحتنا إن كنا مزعجين أم لا.
تكثر العلامات الدالة على أن أحدهم يشعر بالانزعاج منا، كالوجوم، والصمت المطبق الذي ينزل بمجموعة من الناس بعد أن ندلي بدلونا في أمر ما، أو إرسال نظرات ذات مغزى إلى بعضهم بعضًا، وربما تغيير الموضوع بشكل مفاجئ. ومع معاودة الأمر يمكننا الجزم بأنه قد أُسيء فهمنا.
تُعبّر لغة الجسد عن مستوى الاهتمام ووجوده من عدمه، فعقد الذراعين نحو الصدر إشارة إلى أن شخصًا ما قد اختار الانغلاق على نفسه4، أضف إلى ذلك صرير الفكين وتجنب التواصل البصري لا سيما إن كان الذي أمامنا يميل إلى ذلك النوع من الاتصال.
ويعد الإلهاء الذاتي أحد السبل أيضًا، كاللعب بالأيدي أو مضغ العلكة أو حتى حك الرأس والرد على مكالمة هاتفية وأنت في منتصف الجملة، والمغادرة فجأة بعد أن باءت تلميحاتهم بوجوب الانصراف بالفشل، هناك أيضًا التنهد بفارغ الصبر، والذي قد لا يكون مقصودًا في معظم الأحيان، إلا أن التنهد بحسب باحثين من النرويج في دراسة أُجريت عام 2008 هو علامة على الضيق أو إلى الدخول في حالة سلبية أخرى، كاليأس.
وقد يتوقف أصدقاؤنا عن الاتصال بنا أو مراسلتنا مرة أخرى، بل ويتجنبون مساحتنا الشخصية بشكل عام، والابتعاد عنا بقدر ملحوظ إلى حد أننا كلما تقدّمنا خطوة إلى الأمام يتراجع الآخر بضع خطوات إلى الخلف، كأن توشك أن تعانقهم فيصافحونك ببرود، إذ تؤدي اللمسة الجسدية لإنسان آخر إلى ارتفاع مستويات الأوكسيتوسين هرمون الحب لدينا، ليضائل الخوف وتزداد الثقة والكرم والتعاطف. لذا، فرفض هذا الاتصال، أو الإصرار على أقل مستوى ممكن من التفاعل الجسدي، يمكن أن يعني فقط أن شخصًا ما ليس مستعدًّا أو راغبًا في الشعور بهذا المستوى من الثقة معنا.
كما أنهم قد يكفون عن طرح أسئلة شخصية علينا. عندما يطلب منا الناس الكشف عن المزيد عن أنفسنا، أو يطرحون أسئلة تجعل الحوار يستمر، فإننا نميل إلى الإعجاب بهم أكثر، وذلك وفقًا لباحثين في هارفارد. ولكن عندما يتجنبون السؤال عن أي شيء شخصي حتى عن بعد، فهذا مؤشر كبير جدًّا على أننا لسنا بصحبة أشخاص يأملون في صداقة طويلة الأمد معنا.
ويحدث أن يتفقوا باستمرار معنا، ويتعمدون عدم الدخول في جدالات؛ ما يعني أن آراءنا ووجهات نظرنا لم تعد محل نظر للمقربين، وأنهم تخلَّوا عن صداقتنا. إذا كنت تراهم دائمًا في عجلة من أمرهم معك ولكن ليس مع الآخرين، أو إذا كانوا دائمًا يختلقون الأعذار، إذا رأيت العديد من تلك الإشارات في كل مرة تكون فيها بالقرب منهم فقف وفكر قليلًا.
تتضاعف دواعي الإزعاج لتصل من الإفراط في التفاؤل وما يُعرف بالإيجابية السامة التي يرفض من يمتلكها كل شعور سلبي، إلى طرح أسئلة متطفلة أو طلب المساعدة باستمرار لأداء أصغر المهام. كما أن نبرة الصوت المرتفعة الصاخبة قد تكون مصدر إزعاج، إذ أثبتت دراسة أجريت عام 2017 أن مستوى جَهْر صوت الشخص تؤثر بالكلية على الحكم عليه5. يوضح عالم النفس داستن وايزمان أن الصوت المرتفع يقترن عند الكثيرين في مرحلة الطفولة بالتوبيخ، وربما الإحباط منهم عند مخالفة أقوال والديهم، فمع ازدياد سخط شخص ما، يعلو صوته.
لعل أحد الأسباب المتفق عليها هي مقاطعة الأطراف الأخرى في منتصف جملتهم لأن خاطرًا ما طرأ في رؤوسنا وعلينا أن نعبر عنه الآن، وتوجيه المحادثات بشكل يجعلها تتمحور حولنا أو عن آرائنا فحسب، والتذمر باستمرار أو تكوين رؤًى سلبية وبثها حول مجريات اليوم والحياة مثلًا، قد يعود ذلك إلى طبيعة الشخصية، فتلك التي يعتريها القلق على الدوام قليلة الصبر كثيرة الشكوى.
قد يكون من الصحي أن تخرج شيئًا يثقل كاهلك، ولكن إذا بدا أن جميع محادثاتك تسير في ذلك الاتجاه، ينصح علماء النفس حينها باستخدام قاعدة 8020 من خلال التركيز على الموضوعات الإيجابية والحيوية بنسبة 80 من الوقت، والتعبير عما يستنزف طاقتنا ونفسيتنا بنسبة 20 من الوقت.
وكثيرًا ما نخلط بين تعظيم الذات والتواضع. الحقيقة هي أن الأخيرة، أو حتى محو الذات، يمكن أن تكون أكثر فاعلية من التباهي لخلق انطباع أول جيد. في هذا السياق، تعتقد عالمة علم النفس إيرين سكوبليتي من جامعة سيتي لندن وزملاؤها أن هذا السلوك الشائع هو في الحقيقة فشل في تبني المنظور العاطفي6. المنظور الذي يتطلب التنبؤ بكيفية استجابة شخص آخر لموقفك ووضع نفسك في مكانه والتكيف مع ما تراه.
يأتي ذلك من افتراض أن الآخرين يشاركوننا عواطفنا، ومن ثم فإننا لا نرى الفجوة بين ما نشعر به وما يدور في خلد الآخرين. لذلك نتحدث بصراحة عن إنجازاتنا ونجاحاتنا ونتفاخر بها اعتقادًا منا أن الآخرين يشاركوننا سعادتنا بإنجازاتنا، عندما لا يفعلون ذلك يفشل عرضنا لذاتنا ونظهر بأننا مزعجون.
وهو ما عبّر عنه الصحفي الراحل عبد الوهاب مطاوع بقوله معظم مشاكلنا في التعامل مع الآخرين تأتي من خطأ في تفكيرنا نحن، لا تفكيرهم هم؛ فنحن نفكر في الناس كما لو كانوا مثلنا تمامًا، متطابقين معنا في كل الصفات النفسية والأخلاقية، وبالتالي فإننا ننتظر منهم أن يتصرفوا معنا كما لو كانوا نحن، وكنا هم، فإذا جاء ما ننتظره منهم أقل مما نتوقعه صُدِمنا فيهم، وتغيرت مشاعرنا تجاههم وخسرنا صفاء نفوسنا وربما خسرنا صداقتهم، ونكرر هذا الخطأ دائمًا مع أن كل إنسان هو وحدة قائمة بذاتها.
يمكن أن يعود العثور على شخص مزعج أيضًا إلى ما يسمى الحضور العاطفي7، وهو مفهوم ينبع من مجموعة من الأبحاث في علم النفس تشير إلى أن بعض الأشخاص يجعلون الآخرين يشعرون بالراحة بينما يجعلون البعض الآخر يشعر بالقلق بغض النظر عن ما يفعلونه.
لكن نقاط الاختلاف ليست وحدها ما تثير الانزعاج. يمكن أن يحدث الشيء نفسه إذا تعرفت على سمة تبغضها من سمات نفسك فيها، وهو ما يتفق مع نظرية عالم النفس كارل يونغ حول اللاوعي الجماعي. تشرح عالمة النفس دانييل هيج يشير هذا إلى جزء منا لا نرغب في الاعتراف به، لأننا نخجل منه، أو نتمنى ألا يكون لدينا ذلك، لذا عندما نراها في أشخاص آخرين، فإنها تدفعنا وتجعلنا نكره الشخص الذي يظهر لنا، أو بالأحرى ظلنا.
إلى جانب عدم التصرف على سجيتهم، والحسد والخداع والافتقار إلى النظافة الشخصية، وعدم مراعاة آداب المائدة، وألا نكون موجودين طيلة الوقت ولا نرد على الهاتف، وبالنقيض الاستمرار في الاتصال عشرات المرات حتى يرد الآخر، وتكرار ما نطلبه. لذا يُنصَح بأن نطلب خدمة مرة واحدة فقط، وبعد أيام قليلة يمكنك تذكيره بلطف، إذا لم يقدم لك الشخص هذه الخدمة، فلا تسأل للمرة الثالثة.
يدفعك الشعور بالأسف على ذاتك بالرضا نسبيًّا. ثمة شيء مريح حول البؤس والغرق فيه والاستسلام له، لكن الحقيقة هي أنه لا أحد يحب أن يكون مع أناس يائسين، لا سيما أولئك الذين يختارون الشكوى والشفقة على أنفسهم، ويقاومون أي نوع من التغيير أو التحسين.
وفقًا لدراسة حديثة حول مكان العمل أجرتها جامعة كولومبيا البريطانية، فإن الأشخاص الذين يخشون الرفض أو الإزعاج قد يكونون ضحايا لنبوءة ستحقق من تلقاء ذاتها. ففي حين أنه من الطبيعي أن تتساءل عما إذا كنت محبوبًا، خاصة في العمل، فتظهر الأبحاث أنه يجب على الموظفين بذل قصارى جهدهم للحفاظ على تفاعلاتهم إيجابية دون السلبية8.
تشير النتائج التي توصلت إليها إلى أن الأشخاص الذين كانوا قلقين بشأن الأقاويل والإشاعات أو تعرضهم للتجاهل كانوا أكثر ميلًا لـالبحث عن معلومات تؤكد مخاوفهم، الأمر الذي قد يزعج زملاءهم بدوره. فقد وجدت إحدى تجارب الدراسة أن الأشخاص الذين فسروا أفعالًا بعينها بالكيفية التي تدعم شكوكهم قد فعلوا ذلك على الأغلب باستراق السمع، وهو سلوك لم يجلب أصدقاء.
إذا وجدت أن أشخاصًا يدفعونك بعيدًا عنهم، لأنهم على الأرجح يعتقدون أنك مزعج أو ذو أسلوب استفزازي، فتوقف عن ملاحقتهم. احتفظ بمسافة بينك وبين نفسك في الأوقات المناسبة، امنح من حولك الوقت للتنفس، وتذكر أن الأصدقاء ليسوا بحاجة إلى أن يكونوا على اتصال طوال الوقت.
تأكد من مراعاتك لحدود الآخرين ومنحهم المقدار المناسب من المساحة الشخصية. تتفاوت الحدود من ثقافة إلى أخرى، وحتى من فرد إلى آخر، لذلك قد يستغرق الأمر بعض الوقت لتعلمها، لكنها عادة ما تكون عدم استعارة متعلقات الآخرين دون طلب منهم، والسؤال المسبق إن كان بإمكانك معانقتهم.
أَفسِح للآخرين مجالًا عاطفيًّا أيضًا في حال طالبوا بذلك، فأحيانًا كل ما يحتاج إليه الآخر هو قضاء بعض الوقت بمفرده، لا تحاول الاتصال به كل يوم أو مراسلته طوال الوقت. كن مهذبًا، واهتم بما يبدر عنك من قول أو عمل، لا تتوانَ عن استخدام عبارات الامتنان، مثل من فضلك وشكرًا لك، وابذل قصارى جهدك لتكون لطيفًا مع الأشخاص من حولك. فكّر في الطريقة التي تريد أن تُعامَل بها وطبِّق ذلك على أشخاص آخرين، كأن تهتم بشؤونك الخاصة وتكبح فضولك، وألا تستمع إلى محادثات خاصة، أو تذهب إلى أمكنة لم تتم دعوتك إليها، أو تقرأ شيئًا خاصًّا لم يقم شخص ما بإطلاعك عليه. ضع في اعتبارك أنه إذا أراد منك أحدهم أن تعرف شيئًا عنه فسيخبرك.
عاين الطريقة التي تتحدث بها إلى الأشخاص من خلال الرسائل النصية وعبر الإنترنت، واعمل على تعديل أي سلوك يبغضك. لا ترسل أكثر من نص واحد أو نصين ما دمت لم تحصل على رد بعد، امنحه وقتًا، والتمس له أسبابًا تعوقه عن الاستجابة على الفور. أما الاستمرار بإرسال الرسائل وعدم تلقي رد فقد يدل على أن الآخر غير مهتم. اجعل نصوصك موجزة نسبيًّا، لأن الرسائل النصية الطويلة أو التفصيلية قد تزعج البعض.
يغدو الوجود مع شخص متعجرف دائم الانشغال بنفسه أمرًا مزعجًا لصعوبة بناء اتصال عميق معه9. يميل الشخص المتغطرس إلى أن يكون مستمعًا لا مباليًا مهووسًا بذاته، وقد يقلل من شأن الآخرين عن غير قصد أو يتفاخر كثيرًا بنفسه، بينما في بعض الأحيان لا يكون للإزعاج علاقة بالشخصية على الإطلاق بقدر ما يرتبط أكثر بأفعالها، فقد يعتقد الآخرون أنه من الممتع أن يكونوا معك وأنك صديق جيد، لكنهم منزعجون من الطريقة التي تتصرف بها، فغالبًا ما تتأخر في المناسبات، أو تتصرف بشكل غير لائق في الأماكن العامة.
دع الآخر يُسهم في المحادثة بقدرك تمامًا وبشكل منصف، وعندما يتوقف الحوار لا تلجأ إلى الحديث عن نفسك تلقائيًّا، بل حاول طرح أسئلة عليه واستمع حقًّا إلى إجاباته، كأن تقول شيئًا مثل لقد ذكرت من قبل أنك تحب الموسيقى، ما هي تفضيلاتك؟، لا تقاطعه عندما يتحدث، لأن ذلك قد يشي له بأنك غير مهتم بما يقولونه، أو أن ما تريد قوله أكثر أهمية.
قلّل من بوحك عما يكدر صفوك، فالتعليق السلبي المستمر في العمل أو في التجمعات الأخرى يخلق بيئة سامة. حاول أن تنظر إلى الجانب المشرق، وانشر الإيجابية بدلًا من السلبية.
في تدوينته كيف تستمع حقًّا، يدرك الكاتب بيتر بريغمان بذكاء أن الاستماع هو مفتاح حل العديد من المشكلات10، يكتب في معظم الأوقات عندما نحاول أن نجعل الناس يشعرون بتحسن، ينتهي بنا الأمر إلى جدال معهم، لأننا نتناقض مع ما يشعرون به، وهو ما يجعلهم يشعرون بالسوء حتمًا. وكلما استمعنا للآخرين، زادت احتمالية المبالغة في رد فعلنا تجاه ما يقولونه، لأننا مُجبَرون على ترك الأشياء التي لا نتفق معها تمر دون تعليق. يجب أن نذكّر أنفسنا بأن الأمر لا يتعلق بنا، بل بصوت الشخص الآخر. لذا فإن أفضل الطرق للاستماع هي الإصغاء حقًّا وطرح الأسئلة.
فالآخر قد يعتقد أنك لا تبالي بما يقوله إن لم تُدلِ بأي تعليق، أو إن قمت بتغيير الموضوع إلى شيء مختلف تمامًا. لذا، تقترح الكاتبة فانيسا إدواردز تقنية اسأل أو أخبر. عندما تكون في محادثة ويقول الشخص الآخر شيئًا ما، ببساطة استخلص مما قاله بقول شيء متعلق بهذا الموضوع.
مثال، لعلك وسط تجمع ما، وخصك أحدهم بالحديث عن عمله التجاري في مجال المطاعم، فيمكنك حينها أن تسأل عن مطعمه، أو المدة التي قضاها في ذلك المجال، وإذا ما كان يرغب في الاستمرارية أم لا، وما نوع الطعام الذي يقدمه، وما الذي دفعه لذلك، ومكان وجوده ومع من يعمل، وإذا كان يدير مشروعات أخرى أم لا.
أبلغه بشيء يتعلق بالمطعم أو بالمجال بشكل عام، مثل تاريخك التجاري، أنك في إحدى المرات كدت أن تفتح مطعمًا، أو عن عرض تلفزيوني عن المطاعم، أو أهمية امتلاك شركة، أو إحصائية مذهلة عن المطاعم، أو أنشطة تجارية أخرى، أو أي شيء آخر يمكن أن يخطر ببالك.
كن الشخص الذي يقبل أفكار الآخرين، لا يعني هذا بالضرورة أن توافقهم عليها، تقبّل فقط أن لديهم هذه الأفكار.
يُجمع الكثيرون على أن الصفة الأكثر إزعاجًا هي نقض الوعد، سواء كان موعدًا عاطفيًّا أو اجتماعًا غير رسمي أو رحلة خارجية لمدة 10 أيام، من المهم أن تفي بوعدك. إذا كان عليك التخلف عن موعدك لأي سبب طرأ، أخبر الطرف الآخر باكرًا قدر الإمكان واعتذر.
لا تتوانَ أيضًا عن الابتسامة. تُظهر الأبحاث أن الابتسام يعتمد في الغالب على الإشارات الاجتماعية التي تنبئ بالمشاركة، أي أنك كلما ابتسمت، وجدك الناس أكثر انخراطًا في المحادثة. علاوة على ذلك، نميل أيضًا إلى ربط الأشخاص المبتسمين بالصفات الإيجابية، كعدم الإزعاج.
إذا فعلت جميع ما سبق، واستمر البعض باعتبارك شخصًا مزعجًا، فلا بأس، ابحث عن جماعتك الخاصة من الأشخاص الذين يحبونك على طبيعتك ولا يرونك كذلك.
في كتاب كيف لا تكون مزعجًا 44 من العادات السيئة عليك تجنبها حتى تظل محبوبًا، يبسط الكاتب ستيفن نومينا بعض العادات التي قد نمارسها دون دراية بأنها تصطف تحت ما قد يعده الآخرون مزعجًا. تتتابع الفصول وتنفصل ليشرح لنا كل سلوك بعينه، مُرفَقًا بالأسباب التي تجعلنا نتجنب سلوكًا بعينه ونتخلى عنهغير مترجم.
| https://www.aljazeera.net/sukoon/2022/6/6/%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d9%8a%d9%83%d8%b1%d9%87%d9%86%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a2%d8%ae%d8%b1%d9%88%d9%86-%d8%a8%d8%af%d9%88%d9%86-%d8%b3%d8%a8%d8%a8%d8%9f-%d9%87%d9%84-%d8%a3%d9%86%d8%a7 | 2022-06-06T14:02:36 | 2024-06-06T11:50:27 | أبعاد |
|
158 | أجهزة نداء حزب الله هل كانت عبوات ناسفة متحركة؟ | إذا وضعنا في الحسبان طبيعة الإصابات، والتي كانت إثر انفجار شديد نسبيا إذا ما قورن بحجم البطارية الصغيرة الخاصة بجهاز النداء، فإن الترجيحات تشير أن تلك الأجهزة قد جُهِّزت للانفجار قبل أن تخرج من المورد | في حدث مفاجئ وغير متوقع من حيث طبيعة التصعيد الدائر بين جيش الاحتلال الإسرائيلي وحزب الله، أُصيب المئات من عناصر الحزب، أمس الثلاثاء، بإصابات بالغة بعد انفجار أجهزة اتصال لا سلكي بيجر يستخدمونها.
سرعان ما بدأت أرقام الإصابات بالتكشُّف، حيث أفادت مصادر أمنية لـرويترز تأكيدها إصابة الآلاف في لبنان ومقتل 9 حتى كتابة هذه الكلمات، وأعلنت وكالة مهر للأنباء الإيرانية إصابة السفير الإيراني لدى لبنان، مجتبى أماني، جراء هجوم إسرائيلي سيبراني.
المعلومات الواردة حتى اللحظة أن أجهزة الاتصال تلك هي أحدث طراز جلبه حزب الله في الأشهر القليلة الماضية، وعضّد مصدر أمني خاص للجزيرة هذه الرواية بقوله إن حزب الله تلقى شحنة من هذه الأجهزة قبل 5 أشهر، وهذه المعلومة تتوافق مع ما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال في وقت سابق من اليوم حول الشحنة الجديدة التي تلقّاها حزب الله.
هذا المُعطى بالتحديد لافت للانتباه، لأنه يؤشر إلى احتمالية أخرى تختلف عن تحليلات الاختراق السيبراني، وهي أنه كان اختراقا استخباراتيا.
ورغم عدم تبنّي إسرائيل رسميا للعملية حتى اللحظة، فإن وضع الأمور في سياقها، خاصة مع تصريحات قادة جيش الاحتلال بضرورة التصعيد شمال إسرائيل لإعادة السكان هناك بعد إجلائهم، كل هذه المعطيات تشير إلى ضلوع إسرائيل في هذه العملية، علما أن حزب الله وجَّه أصابع الاتهام رسميا لإسرائيل بضلوعها في هذا التفجير.
وهنا يُطرح سؤال تقني حول إمكانية أن تنفجر أجهزة النداء عبر اختراق سيبراني بحيث تتسبب في أضرار شديدة إلى هذا الحد، وماذا لو كانت هناك عملية اختراق لكنها استخباراتية وليست سيبرانية؟ للإجابة عن هذه الأسئلة دعنا نبدأ بالتعرف على طبيعة هذا الجهاز.
جهاز النداء هو جهاز لا سلكي صغير يستقبل الرسائل، وقد كانت هذه الأجهزة مستخدمة على نطاق واسع في الثمانينيات من القرن الفائت قبل انتشار الهواتف المحمولة، وخاصة في نطاقات الرعاية الصحية وخدمات الطوارئ ورجال الأعمال.
تستقبل هذه الأجهزة الرسائل، ولكنها لا تستطيع إرسال ردود. أما النوع الأكثر شيوعا منها فيستقبل رسائل نصية قصيرة أو رقم هاتف، مما يدفع المتلقي إلى معاودة الاتصال، وهناك فئات أحدث من هذه الأجهزة يمكنها إرسال الرسائل واستقبالها.
تكمن أهمية أجهزة النداء بالنسبة لحزب الله في عدة نقاط أساسية، وهي أنها أجهزة بسيطة التركيب، وتتمتع بنطاق ممتاز، وغير متصلة بالإنترنت. تعتمد تلك الأجهزة على الترددات الراديوية، التي يمكنها أن تسافر لمسافات طويلة وتخترق المباني بشكل أكثر فعالية من الإشارات الخلوية.
يمكن لأجهزة النداء تغطية مدن أو مناطق أو حتى دول بأكملها، كما أنها تعمل جيدا في المناطق النائية أو المناطق الجبلية أو المخابئ تحت الأرض، وتعمل في الظروف الجوية الصعبة، مما يجعلها مثالية للاستخدامات العسكرية.
كما أن أجهزة النداء تستخدم إشارات لا سلكية بسيطة ومنخفضة الطاقة، ومن غير المرجح اكتشافها أو اعتراضها مقارنة بإشارات الهاتف المحمول، التي تنقل البيانات باستمرار ويمكن تعقُّبها، وهذا يجعل أجهزة النداء أداة اتصال سرية في المناطق التي يكون فيها التخفي أمرا بالغ الأهمية. أضف إلى ذلك أن أجهزة النداء لا تُرسل إشارات إلى الشبكة التي تتبعها، مما يقلل من إمكانية اكتشافها.
الأمر الأهم أنها لا تتصل بالإنترنت، ولديها وظائف محدودة للغاية مقارنة بالهواتف الذكية الحديثة، مما يقلل من خطر الاختراق أو الهجمات الإلكترونية أو المراقبة، وهذا يجعلها خيارا أكثر أمانا في البيئات التي يُشكِّل فيها التجسس الإلكتروني مصدر قلق.
إذا وضعنا في الحسبان طبيعة الإصابات المعلن عنها، والتي كانت إثر انفجار شديد نسبيا إذا ما قورن بحجم البطارية الصغيرة الخاصة بجهاز النداء، فإن الترجيحات تشير إلى أن تلك الأجهزة قد جُهِّزت للانفجار قبل أن تخرج من المورد.
ومع توارد المعلومات حول تسلم حزب الله شحنة من تلك الأجهزة مؤخرا، فإن ذلك الاحتمال يعد الأكثر ترجيحا وفق الخبراء. أما كيفيته، فتُجهَّز البطارية بالقابلية للانفجار، سواء عبر تعديلها تقنيا أو إضافة مواد متفجرة إليها، ويُتاح للمخترِق أو من يمتلك شيفرة تلك الأجهزة فقط إمكانية تفعيلها كما يحدث في القنابل أو العبوات الناسفة التي تُفعَّل عن بُعد فتنفجر، أو ربما صُمِّمت لتنفجر في توقيت محدد دون اختراق.
وقد أشار مصدر أمني للجزيرة أن زنة العبوة التي تم تفجيرها لم تتجاوز 20 غراما من المواد المتفجرة. وذلك مع إشارته إلى أن أجهزة الاتصال التي انفجرت كانت مفخخة بشكل مسبق.
في الواقع، كان موقع تلغراف قد نقل عن خبير في الأمن السيبراني قوله إن ما حدث في لبنان من المرجح ألا يكون هجوما سيبرانيا، في ظل غموض لا يزال يحيط بكيفية تنفيذ الانفجارات التي طالت أجهزة اتصال كانت تحملها عناصر لحزب الله.
أما إدوارد سنودن، خبير الأمن السيبراني الهارب من الولايات المتحدة، والذي عمل سابقا لدى وكالة المخابرات المركزية، فيُعلِّق على الحادث على في تدوينة له موقع إكس قائلا إن السبب هو متفجرات مزروعة، وليس عملية قرصنة، ويُعلِّل سنودن استنتاجه ذلك بسبب الإصابات المتتالية الخطيرة للغاية والمتناسقة جدا بشكل أكبر من قدرات الاختراقات السيبرانية.
بمعنى أوضح، يؤكد سنودن أنه إذا كانت المشكلة تتعلق ببطاريات محترقة بسبب اختراق، فمن المتوقع حدوث عدد أكبر من الانفجارات الصغيرة والفاشلة، بحيث يمكن وصف الأمر إحصائيا بأنه اختراق سيبراني لعدد كبير من الأجهزة يأمل -في أشد الأحوال حظا- أن تنفجر مجموعة منها، لكن ذلك لم يحدث، بل كانت الضربات قوية ومنتشرة، ما يعني دقة أكبر، وهي دقة يقول سنودن إنها لا يمكن تحقيقها باختراق، بل بالتفخيخ.
أما ديفيد كينيدي، المحلل السابق للاستخبارات في وكالة الأمن القومي الأميركية، فقال لشبكة سي إن إن إن الانفجارات التي شوهدت في مقاطع الفيديو المشتركة عبر الإنترنت تبدو كبيرة جدا بحيث لا يمكن أن تكون عملية اختراق عن بُعد ومباشرة من شأنها أن تزيد من تحميل جهاز النداء وتتسبب في انفجار بطارية الليثيوم. وأضاف أنه وجد النظرية الثانية أكثر معقولية، وهي التي تقول إن العملية استخباراتية بالأساس، حيث تم التلاعب بالأجهزة في مرحلة التصنيع ومن ثم التوريد.
رغم كل تلك المواصفات الخاصة بأجهزة النداء، فإنها تمتلك مواطن ضعف متعددة، حيث تستخدم عادة إشارات راديو غير مشفرة لتلقي الرسائل، وغالبا ما تعمل باستخدام نظام بث، مما يعني أن العديد من هذه النوعية من الأجهزة يعمل على موجات راديوية واحدة من برج أو جهاز بث واحد، وإذا اختُرق، فإنها تُختَرق جميعا بالتبعية.
وفي هذه الحالة يمكن للمخترِق تزوير الرسائل، مثل إطلاق تنبيهات أو أوامر مزيفة، مما قد يتسبب في حدوث ارتباك أو ضرر، أو يمكنه إرسال طوفان من الرسائل إلى جهاز النداء، مما يرهقه ويتسبب في تعطله أو فشله في تلقي الرسائل المهمة. إلى جانب ذلك يمكن تحميل ذاكرة جهاز النداء فوق الحد عن طريق إرسال رسائل زائدة أو مشوهة، مما قد يتسبب في تعطله، أو ربما حرق الجهاز.
لذلك، تظل احتمالات الاختراق واردة، ورغم أن أجهزة النداء، من ناحية التركيب، تُعد أبسط من أن تدفع للانفجار عن طريق اختراق، فإن ذلك يظل ممكنا من الناحية النظرية.
حيث تتكون أجهزة النداء من جهاز استقبال وشاشة صغيرة ودوائر أساسية لمعالجة الإشارات، ما يعني أنها تفتقر إلى المكونات المادية التي قد تتسبب في انفجارها فعليا.
ولا تحتوي النسخ القياسية من أجهزة النداء بطاريات أيون الليثيوم، وحتى في حالة استخدام بطاريات أيون الليثيوم في النسخ الأحدث من أجهزة النداء، فإن هذه البطاريات تأتي مع مزايا أمان مدمجة، مثل دوائر الحماية الحرارية، التي تُصعِّب على الاختراق أن يتحول إلى تفجير، كما أنها صغيرة الحجم.
الأمر ليس مستحيلا في النهاية، فقد يؤدي المخترِق في ظل ظروف محددة للغاية إلى رفع درجة الحرارة أو تلف البطارية، وقد يؤدي هذا إلى انفلات حراري، مما قد يؤدي إلى نشوب حريق أو انفجار.
الانفلات الحراري يحدث عندما تؤدي زيادة في درجة حرارة منظومة فيزيائية ما إلى تغيُّر حالة تلك المنظومة تغيُّرا يؤدي إلى حصول زيادة جديدة في درجة الحرارة، تؤدي بدورها إلى تغيُّر جديد في حالة المنظومة، وهكذا إلى أن ينتهي الأمر بنتيجة مدمرة.
يمكن أن ترتفع درجة حرارة بطاريات أيون الليثيوم إذا شُحنت بسرعة كبيرة أو بما يتجاوز سعتها أو عبر التلاعب في منظومة الجهاز، وقد يتلاعب المخترِق بنظام الشحن لتعطيل مزايا الأمان مما يؤدي إلى تسريع الشحن، ويمكن التدخل في الاتصال بين الشاحن والهاتف وإرسال إشارات خاطئة تخدع الشاحن لتوصيل طاقة أكبر من اللازم، فقد يتسبب ذلك في ارتفاع درجة حرارة البطارية بسرعة، ما قد يؤدي إلى الانفلات الحراري.
في النهاية، ترجّح تقديرات الخبراء وفق المعلومات الواردة أن الأمر أقرب لاختراق استخباراتي منه لاختراق سيبراني. وهو في كلا الحالتين يعد تصعيدا واضحا وخطيرا، ونقلا للصراع ناحية مستويات تختلف عمّا سبقها نظرا لنتيجته وأضراره الواسعة.
أما عن رد حزب الله، وبخلاف البيان الذي أصدره الحزب وأشار فيه لـ القصاص العادل، فإن العالم يترقب إلى أين ستتجه جولة التصعيد الحالية، وهل سيتم احتواؤها كسابقيها، أم أنها ستقود لإشعال فتيل حرب أوسع. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/9/18/%d9%87%d9%84-%d9%83%d8%a7%d9%86%d8%aa-%d8%a3%d8%ac%d9%87%d8%b2%d8%a9-%d9%86%d8%af%d8%a7%d8%a1-%d8%ad%d8%b2%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%b9%d8%a8%d9%88%d8%a7%d8%aa-%d9%86%d8%a7%d8%b3%d9%81%d8%a9 | 2024-09-17T21:27:29 | 2024-10-15T00:17:24 | أبعاد |
|
159 | 9 أفلام عربية مميزة تنافس في مهرجان كان.. تعرف عليها | للسينما العربية في مهرجان “كان” تاريخ ممتد، وتأتي هذه الدورة 76 لتشهد مشاركة سبعة مخرجين من أصول عربية. ويبدو أن إدارة المهرجان هذا العام قد أعادت توجيه أنظارها إلى مناطق جديدة ومختلفة. | مع بداية فعاليات مهرجان كان السينمائي الدولي 2023 في الدورة 76، يحتفي عشاق السينما في العالم العربي بمشاركة عربية هي الأكبر على الإطلاق، إذ تشهد هذه الدورة مشاركة سبعة مخرجين من أصول عربية. ويبدو أن إدارة المهرجان هذا العام قد أعادت توجيه أنظارها إلى مناطق جديدة ومختلفة، وهو ما اتضح في كلمة المدير الفني للمهرجان تييري فريمو في المؤتمر الصحفي الخاص بالإعلان عن الاختيار الرسمي، حيث قال تُعيد السينما العالمية اختراع نفسها، هناك العديد من الأفلام من بلدان لم تعتد القدوم إلى كان، مثل منغوليا، وهناك حضور قوي من شمال أفريقيا وشرق وغرب أفريقيا، وهناك العديد من النساء بين هذا الجيل الجديد من صانعي الأفلام. 1
للسينما العربية في مهرجان كان تاريخ ممتد، منذ دورته الأولى عام 1946، حيث شارك آنذاك فيلم دنيا للمخرج محمد كريم، كما شارك المخرج والممثل المصري يوسف وهبي في لجنة تحكيم الدورة نفسها. وعلى امتداد تاريخ المهرجان تعددت المشاركات العربية في المهرجان، وكان من بين أبرزها وقائع سنين الجمر للمخرج الجزائري محمد الأخضر حمينة، الذي كان أول فيلم عربي يفوز بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان عام 1975.
هذا بالإضافة إلى مشاركات المخرج المصري يوسف شاهين الذي شارك بعشرة أفلام على مدار مسيرته السينمائية، بداية من ابن النيل في أوائل الخمسينيات وحتى إسكندرية نيويورك عام 2004، كما فاز بجائزة السعفة الذهبية عام 1997 عن مجمل مسيرته. كما فاز فيلم ريش للمخرج كامل زهيري عام 2021 بالجائزة الكبرى لأسبوع النقاد.
الفيلم التونسي بنات ألفة للمخرجة كوثر بن هنية هو الفيلم العربي الوحيد المشارك في المسابقة رسميا بصفته منافسا على جائزة المهرجان الكبرى السعفة الذهبية. وتأتي هذه المشاركة بعد غياب تونس عن المسابقة الرسمية لأكثر من نصف قرن، منذ المشاركة الأخيرة لفيلم حكاية بسيطة كهذه للمخرج عبد اللطيف بن عمار في مسابقة الأفلام الطويلة عام 1970.
يدور فيلم بنات ألفة في قالب يجمع بين الروائي والتسجيلي، ويتناول القصة الحقيقية للسيدة التونسية ألفة الحمروني، وهي أم لأربع فتيات، تنضم اثنتان منهما رحمة وغفران شيخاوي إلى تنظيم الدولة، وتهربان إلى ليبيا لينتهي بهما المطاف سجينتين هناك، بينما تكافح الأم لإنقاذ ابنتيها من السجن، والحفاظ على ابنتيها الأخريين في الوقت ذاته.
فيلم بنات ألفة من بطولة هند صبري، ومجد مستورة، بالإضافة إلى مشاركة بطلات القصة الواقعيات السيدة ألفة الحمروني وابنتيها آية وتيسير شيخاوي، وتستعين المخرجة بالممثلتين نور خوري وإشراق مطر لأداء دورَيْ الابنتين الغائبتين. التأليف والإنتاج لحبيب عطية ونديم شيخ روحه، والفيلم من إخراج كوثر بن هنية التي سبق لها أن ترشحت لنيل جائزة الأوسكار عن فيلمها the man who sold his skin. ومَن يدري، ربما تتمكن من نيل السعفة الذهبية هذا العام، وهي واحدة ضمن ست مخرجات نساء ينافسن في المسابقة الرئيسية لهذا العام.
بدورها، احتفت النجمة التونسية هند صبري بمشاركة الفيلم في المسابقة الرسمية لمهرجان كان، ويُذكر أنها كانت قد شاركت في المهرجان عام 1994 من خلال فيلم صمت القصور للمخرجة مفيدة التلاتلي، الذي فاز وقتها بجائزة الكاميرا الذهبية عن قسم نظرة ما. 2
أما مسابقة نظرة ما Un certain regard، وهي فئة من فئات جوائز المهرجان الرسمية تجري بالتوازي مع منافسة السعفة الذهبية، فشهدت وجود فيلم وداعا جوليا، وفيه يسعى المخرج محمد كردفاني لرصد مأساة انفصال الشمال والجنوب السوداني عبر حكاية منى مغنية متقاعدة من الشمال تتسبب بشكل ما في مقتل رجل من الجنوب، وهو ما يدفعها لأن تسعى لتعيين زوجته جوليا لتعمل لديها خادمة كي تتخلص من الإحساس بالذنب، وتجد نفسها تتورط في صداقة غريبة مع جوليا التي تسعى لحل لغز اختفاء زوجها. الفيلم من إخراج محمد كردفاني، ومن بطولة إيمان يوسف وسيران رياك ونزار جمعة وقير دويني.
لا عجب في كونه الفيلم السوداني الأول الذي يتمكن من الوصول إلى كان، فقد عانت السينما السودانية لفترة طويلة من الغياب التام، مقارنة بدول الجوار. فرغم أن أول وحدة لإنتاج الأفلام في السودان قد أُنشئت في أواخر الأربعينيات، فإن إنتاجها اقتصر على الأفلام الدعائية، وبعد ثورة 1969 الانقلاب الذي قاده العقيد جعفر النميري أُنشئت مؤسسة الدولة للسينما التابعة لوزارة الثقافة والإعلام، واقتصر إنتاجها على الأفلام التسجيلية والقصيرة في البداية، فيما لم يظهر أول فيلم روائي طويل إلا في عام 1970 باسم آمال وأحلام، من إنتاج الرشيد مهدي وإخراج إبراهيم ملاسي. 3
عانت السينما السودانية من التضييق طويلا، لكنها لحُسن الحظ بدأت تستعيد عافيتها، وهو ما ظهر في مجموعة من الأفلام الرائعة التي تمكنت من الوصول إلى المهرجانات السينمائية العالمية، ومن بين أبرزها ستموت في العشرين لأمجد أبو العلاء، والحديث عن الأشجار لصهيب قسم الباري.
يشارك المغرب أيضا في مسابقة نظرة ما بالفيلم الوثائقي الطويل كذب أبيض أو The Mother of All Lies للمخرجة أسماء المدير، الفيلم يتناول رحلة أسماء لاستكشاف طفولتها، حيث تبدأ الأحداث بذهابها إلى منزل والديها لمساعدتهما في حزم أغراضهما للانتقال إلى منزل آخر، وبينما تفرز أغراض طفولتها تجد صورة لمجموعة من الأطفال في ساحة روضة، وهي الصورة الوحيدة من طفولتها، لكن أسماء تشكك في أن تكون هي الطفلة الموجودة في الصورة.
تتحول هذه الصورة إلى منطلق لاستكشاف قصص العائلة الشخصية عبر حكايات جدتها ووالديها، وفحص الأكاذيب الصغيرة ومساحات الزيف في كل قصة. كما تتطرق لاستكشاف التاريخ، وتحديدا حقبة انتفاضة الدار البيضاء عام 1981، وتأثيراتها على المجتمع المغربي، لتكتشف كيف تحتوي كل حكاية شخصية على قدر من الكذب.
الفيلم من إنتاج لوسي ريغو وبولين تران فان ليو. سبق أن قدمت أسماء المدير عددا من الوثائقيات، من أبرزها في زاوية أمي من إنتاج الجزيرة الوثائقية، والفيلم ينطلق أيضا من الصور والحكايات العائلية، حيث تبدأ رحلته من بطاقة بريدية بها صورة للقرية التي عاشت فيها أمها خلال طفولتها، وشارك الفيلم في مسابقة الظهور الأول في مهرجان إدفا الدولي بهولندا.
من المغرب أيضا يشارك المخرج كمال لزرق بفيلم كلاب الصيد Les Meutes وذلك في مسابقة نظرة ما، وتتناول حبكة الفيلم أبا يكافح للحياة مع ابنه في الشوارع الخلفية للمغرب، لكنهما يتعرضان لموقف خطير، حيث يتورطان في محاولة التخلص من جثة رجل مختطف عن طريق الخطأ في سيارتهما. وتمتد أحداث الفيلم على مدار ليلة واحدة، تتنقل فيها الشخصيات من موقف إلى آخر في عالم الهامش.
الفيلم من بطولة أيوب العيد وعبد اللطيف مسطوري، وكلا الممثلين يقف أمام الشاشة لأول مرة، وهو ما يبدو امتدادا لنهج المخرج في فيلمه السابق مول الكلب The Man with a Dog الذي تعامل فيه أيضا مع ممثلين يقفون أمام الكاميرات للمرة الأولى، وركز أيضا على الطبقات الفقيرة والمهمشة في المغرب، من خلال شاب يبحث عن كلبه الضائع، فيكتشف العوالم الخفية للدار البيضاء.
ومن الجزائر يأتي فيلم عمر الفراولة Omar la Fraise للمخرج إلياس بلقدار الذي يُعرض في قسم عروض منتصف الليل. يتناول الفيلم قصة عمر الزروقي، محتال في الخمسينيات من عمره ملقب بعمر الفراولة، يهرب من فرنسا إلى شوارع الجزائر مع صديقه روجر، ويضطر للبقاء في الجزائر بعد أن حكمت عليه المحاكم الفرنسية بالسجن لعشرين عاما.
يضطر عمر للعمل في مصنع للحلويات، وفي المساء يحتفظ بحياة الجريمة الليلية مع مجموعة من المحتالين صغار السن، ويقابل امرأة تحاول إقناعه بالاستقرار لتكوين أسرة. يعاني عمر من التشتت بين الحياتين حتى يُقتل أحد أصدقائه ويفكر جديا في تغيير حياته. جدير بالذكر أن المخرج إلياس بلقدار سبق أن فاز بجائزة أسبوع النقاد في الدورة السابعة والخمسين من المهرجان عام 2018 عن فيلمه يوم الزفاف.
يشارك أيضا في كان هذا العام الفيلم القصير الترعة The Call Of The Brook للمخرج المصري جاد شاهين في قسم LA CINEF، وهي مؤسسة تحت رعاية مهرجان كان السينمائي، أُنشئت لإلهام ودعم الجيل القادم من صناع الأفلام الدوليين، وهذه هي المرة الثانية التي يشارك فيها فيلم مصري في هذه المسابقة.
يتتبع الفيلم قصة شاب صعيدي يذهب لترعة ملعونة ويشاهد أمرا غريبا يدفعه للتشكيك بكل شيء، مستندا إلى أسطورة شعبية قروية تُعرف بـالنداهة. والفيلم من بطولة محمود عبد العزيز، هبة خيال، وسارة شديد. استغرق الإعداد للفيلم نحو ستة أشهر، لكن نتيجة للميزانية المحدودة المخصصة لإنتاجه صُوِّر الفيلم في يوم واحد وعلى مدار ست عشرة ساعة متواصلة. ويستعد جاد شاهين في الفترة الحالية لإنتاج فيلمه الروائي الطويل الأول الذي يتشابه مع فيلم الترعة في تناول الأساطير الشعبية والمخاوف.
في مسابقة أسبوع النقاد يشارك فيلم مصري قصير آخر هو عيسى I promise you paradise للمخرج مراد مصطفى، يتتبع الفيلم قصة المهاجر الأفريقي عيسى في السابعة عشر من عمره، الذي يعيش في مصر ويتعرض لحادث عنيف يحاول بعده إنقاذ أحبائه. الفيلم من بطولة كيني مارسيلينو وكنزي محمد، سيناريو مراد مصطفى وسوسن يوسف، ومن إخراج مراد مصطفى. الفيلم هو الفيلم القصير السادس في مسيرة مخرجه الذي سبق أن قدم أفلام خديجة، وما لا نعرفه عن مريم، وحنة ورد، وسالب خمسة، ومانيكان، ويستعد حاليا لتقديمه فيلمه الطويل الأول الذي يحمل عنوان عائشة لا تستطيع الطيران عن قصة مهاجرة صومالية. يهتم مراد مصطفى بقضايا المهاجرين الأفارقة في مصر، ويحاول في أكثر من عمل من أعماله تقديم الواقع عبر أنظارهم. وربما تعوض مشاركة الفيلمين القصيرين عن غياب الأفلام المصرية الطويلة عن المهرجان.
في قسم أسبوع النقاد كذلك يشارك الفيلم الأردني إنشالله ولد للمخرج أمجد الرشيد، من بطولة منى حوا ومحمد جيزاوي ويمنى مروان وسلوى نقارة وهيثم عمري، وهي المشاركة الأولى للأردن في تاريخ المهرجان. يتناول الفيلم قصة نوال التي يتوفى زوجها وتحاول أن تنقذ ابنتها وتحتفظ بمنزلها، الذي كانت على وشك فقدانه بسبب عدم وجود ابن ذكر لها رغم أنها اشترته من أموالها الخاصة، وهو ما يدفعها لأن تدعي الحمل من زوجها المتوفى كي يتأجل تقسيم الميراث. الفيلم هو أول فيلم طويل لمخرجه الذي سبق أن قدم ستة أفلام قصيرة أبرزها فيلم الببغاء الذي حصد عددا من الجوائز المهمة في عدة مهرجانات. 4
يعد فيلم البحر الأحمر يبكي أول فيلم أردني قصير يصل إلى المهرجان، وينافس في مسابقة نصف شهر المخرجين. الفيلم من إخراج فارس الرجوب، وهو العمل الإخراجي الأول له، وبطولة أحمد شهاب الدين ومحمد نزار. تدور الأحداث حول امرأة ألمانية تُدعى إيدا، تعود إلى بلدة على ساحل البحر الأحمر، حيث مات حبيبها العربي، كي تودعه لمرة أخيرة، وصُوِّرت الأحداث في مدينة متخيلة، بكاميرا 16 مم، وتستكشف مشاعر الحداد التي تعاني منها البطلة.
ورغم وقوف أسماء عربية خلف صنع هذه الأعمال، فإنها جميعا باستثناء الفيلم السوداني وداعا جوليا إنتاج مشترك مع دول أخرى للبحث عن التمويل، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة السينما العربية على إنتاج أعمالها. ورغم ذلك، يظل وجود هذه المجموعة من المخرجين العرب في الدورة الحالية أمرا مبشرا بمساحة أرحب وعصر جديد للسينما العربية. 5
_____________________________________
المصادر | https://www.aljazeera.net/arts/2023/5/17/9-%d8%a3%d9%81%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d9%85%d9%8a%d8%b2%d8%a9-%d8%aa%d9%86%d8%a7%d9%81%d8%b3-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%87%d8%b1%d8%ac%d8%a7%d9%86-%d9%83%d8%a7%d9%86 | 2023-05-17T15:44:45 | 2024-07-02T09:13:47 | أبعاد |
|
160 | الإساءة العاطفية.. أشكالها وطرق التحرّر منها | للإساءة العاطفية أشكال متعددة، لكن في بعض الأحيان، قد تأتي محاولات التعامل معها أو الحدّ منها بنتائج عكسية فيتضاعف أذاها، لذا، نقدم لك طرق عليك تفاديها وكيفية التحرر منها. | قد يراودك شعور خفي وغير مؤكد أنك لست مرتاحا في حضرة شخص ما، صديق أو مدير أو حتى فرد من عائلتك، لكنك عاجز عن تحديد السبب بالضبط، أو قد يكون السبب غاية في الوضوح لكنك لا تعرف له اسما. من السهل تمييز الأذى والإساءة الجسدية، تحديدها والإشارة إليها وإيجاد المفردات المناسبة لوصفها، لكن مع الإساءة العاطفية الأمر غامض وصعب، تَرْتَبك وتخاف، تتردد، تسأل أصدقاءك إن كنتَ قد أسأتَ فهم ما حدث، تبحث عن أي قشة تنقذك من الغرق في بحر هذا الشك. لذا، في هذا الدليل سأعرّفكَ على أشكال الإساءة العاطفية، علاماتها وإشاراتها وكيف تتحرر منها سواء في العلاقات الأسرية أو العاطفية أو المهنية.
الإساءة العاطفية متكررة، لها نمط يمكن تمييزه خلال تعاملك مع الشخص، وليست مجرد موقف عابر. قد تهجم عليك بعض المشاعر في حال رؤية الشخص الذي يؤذيك نفسيا، مثل الخجل أو القلق أو التوتر الشديد حوله أو الرغبة في مغادرة المكان أو الانسحاب من الموقف، أيضا قد تجد نفسك تتصرف بطريقة لا تعهدها على نفسك، مثل أن تهز قدميك أو تعض شفتيك أو تقرض أظافرك. قد تؤثر الإساءة العاطفية عليك لدرجة تغيّر من شخصيتك، فتجد نفسك كثير الاعتذار، بسبب أو دون سبب، وتردّ باندفاعية شديدة سواء أكان من يؤذيك موجودا أم غائبا. وهذا هو صُلب الإيذاء العاطفي، أنه يغيّرك دون ترك علامات عليك1. للإساءة العاطفية أشكال متعددة، ما يلي بعضها
يحاول بلا هوادة فرض سلطته عليك والتحكّم في حياتك وقراراتك مع الإنكار التام لهذه المحاولات، لأنها بالضبط هي الهدف. لا يُخفي الشخص المتسلّط رغبته في فرض رأيه عليك، يخبرك بقرارات نهائية وغير قابلة للنقاش دون مبررات أو مساحة لإبداء رأيك. يتحوّل هذا السلوك إلى إساءة عاطفية حين يلجأ المتسلط إليه مرات متتالية دون مراعاة لرأيك أو لرغبتك.
غالبا ما يكون شخصا متعجرفا لا يرى رأيه رأيا بل حقائق مسلّما بها ولا جدال فيها. غالبا ما يكون متحدثا ماهرا ولبقا، يبرع في خنق المناقشات أو الجدالات وحسمها لصالحه مع جعل الآخر يُذعن له، وهو وجه آخر للتسلّط، يَظهر في أوجِه في بيئات العمل. ولأنه من الصعب التعامل مع شخص عنيد يرى نفسه على صواب طوال الوقت، فقد ينزعج الطرف الآخر منه ويضطر إلى مجاراته وفعل ما يريده، مع تكرار الأمر يصبح للطرف الأول اليد العليا في كل شيء ويفقد الطرف الثاني وجوده في العلاقة تماما وتطول سلسلة الإساءة العاطفية.
تتكون العلاقة معه من التهديدات، لا يعرف طريقة أخرى لكسب احترام الآخرين، فيستعين بالتهديد سواء الخفي المتنكر بالدعابة أو بالتهديد الصريح، وهو تهديد مفهوم في كلا الحالتين. يوجد نوعان من هذا الشخص، شخص يتفوه بكلام يذهب مع الرياح ولا ينفذه أبدا، والآخر شخص يعني ما يقول، والتعامل مع هذه النوعية لفترة وجيزة من الوقت توضح طبيعة الترهيب الذي يقوله، وفي الحالتين هي إساءة عاطفية لأنها علاقة لا تحترم أحد طرفيها ولا تلتفت إليه سوى بالتعنيف النفسي، قد تتعرض لها في أي علاقة، في المدرسة أو المنزل أو العمل.
تأتي المعاملة الصامتة بأشكال متنوعة، أحيانا يرفض أن يتحدث معك تماما، وأحيانا يرفض أن يُنصت إليك من الأساس، فيُجبرك على الصمت، كأنه يأخذ الحوار رهينة إلى أن يسمح بتحريرها. قد يقرر مَن يلجأ إلى المعاملة الصامتة إلى الانسحاب من مكان وجودك، أو يمتنع حتى من البقاء على مقربة منك، ويحافظ على البقاء بعيدا عن أي شكل من أشكال التواصل الذي قد يحل المشكلة التي أدت إلى هذا الخلاف. مع اختلاف أشكال هذا السلوك، فإن معناه واحد وواضح أعاقبك بالصمت لأنك لا تستحق حتى أن أحاورك، وهو يعد شكلا من أشكال الإساءة النفسية لأنه يمنعك من حق التعبير عن نفسك أو الإنصات إلى مشاعرك.
يتذكر هذا الشخص كل شاردة وواردة من أخطائك التي فعلتها أو قلتها، سواء كان أمرا حقيقيا أو من نسج خياله أو سوء فهم منه. يسجّل تفاصيل الخلافات التي وقعت بينكما، رغم أنه ربما قد تناقشتما في كل ما مضى وساويتما الأمر، لكنه يستعين بالماضي دوما لكسب النقاش، أحيانا يستخدم كلامك العادي معه ضدك ويغيّر من سياقه حتى تكون أنت المخطئ في النهاية ولصرف الانتباه عن أخطائه أو دوره في الأزمة.
يبحث هذا الشخص دوما عن كبش فداء، أهم شخص بالنسبة إليه هو مَن سيرمي عليه اللوم حتى لا يتحمّل مسؤولية قراراته وإخفاقاته. لا يود هذا الشخص أن يُلقي باللائمة على الآخرين فحسب، بل يتلذذ بخنق مَن حوله بالإحساس بالذنب لأنه على قناعة بأن كبش الفداء مسؤول فعلا عما شعر به من ألم أو انزعاج، لذا لا بأس بإلقاء اللوم عليه حتى يؤلمه أيضا. لكنها طريقة مؤذية لمَن حوله، لأنه يلجأ إلى الحيل والتلاعب بالآخرين بدلا من التعبير عن مشاعره بوضوح.
يلجأ المُضلِّل أو المخادع إلى ما يُسمى بالـgaslighting، وهو شخص بارع في الكلام خلال دفاعه عن نفسه. دائما ينتهي الحديث معه وأنت تشعر بغموض يفوق غموض ما قبل النقاش، وشعور متضخم بالتشكيك في كلامك وحكمك على مجريات الأمور، ولأن إرباكك هو هدفه دوما، إذ بمجرد أن تصل لنقطة التشكيك في أفكارك الخاصة، يسهل على المضلل تضليلك أكثر كي تتفق مع وجهة نظره حتى وإن لم تكن في صالحك.
في بعض الأحيان، قد تأتي محاولات التعامل مع الإساءة العاطفية أو الحدّ منها بنتائج عكسية فيتضاعف أذاها، لذا، هنا طرق عليك تفاديها خلال التعامل مع الإساءة
قد يؤدي هذا النقاش إلى تصعيد سريع في الأحداث قد يصل إلى العنف الجسدي، لا توجد طريقة يمكن الانطلاق منها لخوض نقاش عقلاني مع المعنّف لأنه ماهر في إيجاد طرق أخرى للومك أو انتقادك أو الإنقاص من شأنك، وقد يحاول أيضا قلب الطاولة عليك ولعب دور الضحية.
قد تفعل هذا في حال كان شخصا عزيزا عليك، في محاولة يائسة لفهم لماذا يعاملك بهذه الطريقة أو حتى لتفهم شخصيته، لكنّ تعاطفك مع المعنِّف أو أن تصغّر من أثر أفعاله وسلوكياته سيُصعّب عليك إنهاء هذه الحلقة.
قد تظن أن استرضاء مَن يسيء إليك نفسيا هو طريقة سلمية حتى لا تعقّد الأمور أو تصعّدها، لكنها خطة تُثمر المزيد من الإساءة على المدى الطويل. بدلا من محاولة تغيير ذاتك لمُجاراة أهوائه، عليك التركيز على وضع حدود واضحة معه وتجنب الاختلاط به إن أمكن.
مهما بذلت من جهد، لن تتمكن من تغيير شخص يُسيء إليك نفسيا، أيا كانت طبيعة علاقتك به، أو الطرق التي ستلجأ إليها أو حتى أن تغيّر من نفسك شخصيا، لن تتمكّن من إصلاحه لأن الإساءة قرار واعٍ يتخذه المرء وليست حالة مفاجئة يُمكنك انتشاله منها. تذكّر أنك لا تتحكّم في سلوكياته، وهو شخص راشد، تقويم نفسه هو مسؤولية تقع على عاتقه وحده. الجانب الوحيد الذي يُمكنك التحكّم به هو رد فعلك وتعاملك مع إساءته لك.
يتميز المعنِّف ببراعته في التلاعب، لذا من الصعب أن يُدرك المرء أنه يتعرّض للإساءة أو يميّز أنماط الأذى، يدفع هذا الضحية إلى الظن بأنها مسؤولة عن العقبات التي تواجه العلاقة أو أنها تُخفق في التواصل مع الآخرين. لذا، أهم خطوة، وقد تكون الأصعب في بعض الأحيان، هي ملاحظة الإساءة العاطفية التي تتعرض لها. قد تفكّر دوما لكن هذه طريقة والديمديري دوما، هذه هي شخصيته، مع ذلك، ومهما كان علاقتك وثيقة بهذا الشخص، فإن الإساءة إساءة أيّا كان مصدرها أو مقصدها. لا يبدأ الحل برسم حدود أو إنهاء العلاقة إلا حين تُرصَد العلامات التي سبق ذكرها، من هناك يبدأ المرء في التمييز بين السلوكيات الصحية والمؤذية أو المسيئة في شتى علاقاته.
ذكّر نفسك كل يوم أنك لست مسؤولا عن هذا الأذى، لست ضعيفا أو سيئا حتى يصطفيك المسيء ويصبّ عليك أذاه، لست أنت مَن استفزه ليعنّفك لأن أحدا لا يستحق التعرّض للتلاعب والإهانة، بل هذا قرار المسيء وحده الواعي أو اللاوعي. الأذى اختيار، وفي كل الحالات ليس اختيارك أو ذنبك. ربما قضاء وقت طويل في علاقة غير متزنة وتتسم بهذا الطابع المتلاعب قد تقنعك أنك تفعل شيئا ما بطريقة خاطئة، لكن عليك التوقف عن لوم نفسك فيما لا تتحكم به حتى تتمكّن من وضع حد لهذا الأذى.
قد يُساعدك تدوين الطرق التي يُسيء بها إليك هذا الشخص حتى تتجنب الشك في نفسك وذاكرتك وواقعك، لأنه سينكر إن اتهمته مثلا بأنه فعل كذا أو قال كذا، لذا تدوين المواقف المسيئة ستوضح لك نمط الإساءة وأشكالها المختلفة، وستعفيك من مواجهته أبدا، وستثبت لنفسك أنك أبعد ما تكون عن اللوم أو المسؤولية. التدوين هنا هو ذاكرتك التي لم تتأثر بتلاعب المُسيء وإهاناته.
هذه هي الخطوة الأولى لإنهاء العلاقة بالشخص المسيء إليك نفسيا، في حال حاول ممارسة ألاعيبه عليك، سواء بالصراخ أو الإهانة أو إن طلب منك فعل شيء ما، لا تقدّم مبررات أو تحاول تهدئة نوبة غضبه أو حتى الاعتذار عن أخطاء لم ترتكبها، ما عليك سوى الانسحاب بهدوء إن أمكن، أو التزام الصمت. التعامل مع العنف يمهد لمزيد من العنف، الذي بدوره يفتح الطريق لتقبّل هذا الأسلوب أو تصاعُد الأحداث وتحوُّل العنف النفسي واللفظي إلى جسدي، وهذا ما عليك تفاديه قدر الإمكان. الاستجابة للمعنّف تمنحه شعورا بالرضا والاستشفاء وتحقيق مراده نسبيا، فتتنامى رغبته في استخدام هذه السلطة.
أول سؤال يخطر ببال الآخرين عندما يعرفون أن أحدهم يتعرض للعنف أو الإساءة العاطفية هو لماذا لم يُنهِ العلاقة؟ لماذا لم يهرب؟. ليس الأمر بهذه السهولة أبدا، لذا تأتي هذه الخطوة في قاع هرم التوصيات، لا يعي الشخص المعنَّف أن لديه اختيارت أخرى، كذلك يتم التلاعب به ومضايقته بشكل دوري إلى درجة تشويش أفكاره والتأثير على قراراته، فيَصل الأمر به إلى قناعة راسخة بأنه يستحق ما يحدث له أو أن الخطأ خطؤه أو أن يشعر بالامتنان لأنه لا يتعرض لإساءة جسدية. يؤدي التعنيف الممنهج إلى تدني احترام الذات والخوف والقلق من كل شيء، كذلك ربما الموقف يتضمن أطفالا أو أسرة أو قيودا مالية تجبر الضحية على الاستمرار في العلاقة المُسيئة3.
في معظم الأحيان، لا ينوي الشخص المُسيء التغير بأي شكل من الأشكال، أو حتى مناقشة سلوكياته، لذا عليك البدء في التفكير جديا في مخرج من هذه العلاقة، لأنك كلما أطلتها سيصعب عليك التملص منها فيما بعد، ولأن الإساءة العاطفية قد تتمادى وتصبح مقدمة للعنف الجسدي. كل علاقة مختلفة، لذا، بناء على موقفك قد تحتاج إلى أخذ خطوات مدروسة لإنهاء هذه العلاقة، ناقش أفكارك ونواياك مع صديق موثوق به أو أحد أفراد أسرتك، تحدث عن خطتك البديلة وتصوراتك المستقبلية، كذلك فكّر في ما تنوي فعله حين يعرف الطرف الآخر نيتك بالمغادرة، إذ قد تزداد الأمور سوءا ويحاول منعك. لا تتعجل في الإفصاح عن خططك، تمهل وتذكّر أن الوصول إلى هذه الخطوة يعني أنك قطعت شوطا كبيرا وقاربت على الوصول لخط النهاية1.
لا شك بصعوبة أن تعرّي ذاتك وهشاشتك أمام شخص آخر وتخبره بأنك تتعرض لأي شكل من أشكال التلاعب العاطفي هذه، لكن التحدث في حد ذاته تقدم مذهل في تحررك منه، لأنك قبل أن تستجمع شجاعتك لتقرّ بما تمر به، ستكون قد أدركت الإساءة، بل وربما حاولت إيقافها. التحدث مع أحد أصدقائك أو أفراد أسرتك سيشعرك أنك لست وحدك في مواجهة هذه الرياح، أنك لست ضعيفا، ربما يُشارك صديقك تجربة مشابهة مرَّ بها فتلتمس فيها عزاءً يُهوِّن عليك مشقة تجربتك.
سيُخفف تواصلك مع المقربين منكَ شعورك بالوحدة والعزلة والهلع الناتج عن تلك العلاقة، لا شيء قد يجعلك أكثر هشاشة سوى إخفاء ما تتعرض له والتظاهر أنك على ما يرام أمام أقرب الناس لك بسبب الخزي الذي تشعر به. أيضا لا تتردد أبدا في استشارة مختص نفسي، الأذى النفسي لا يقل سوءا أو خطورة عن الأذى الجسدي. حاول زيارة أحد المختصين لمشاركة ما قد تخجل من البوح به أمام أصدقائك، سيرشدك خلال رحلة تعافيك من هذا الألم وسيساعدك على وضع الأمور في نصابها.
قد تفقد إحساسك بذاتك تماما مع استمرار التعرّض للأذى النفسي، بمرور الوقت، يتآكل تقديرك لذاتك بسبب الصراخ في وجهك والتلاعب بك وانتقادك، لدرجة أنك قد تعجز عن رؤية نفسك بشكل منصف وواقعي، من ثَمّ قد تبدأ في موافقة مَن يُسيء إليك، وتصدقه ويتحوّل من شخص في الواقع إلى صوت وجلّاد داخل رأسك وفي تكوينك، تصبح عالقا في حلقة هذه العلاقة المؤذية التي تسلبك هويتك، ظنا منك أنك لا تستحق ما هو أفضل من هذا، قد تنطوي على نفسك، وتنعزل وأنت على قناعة تامة بأن أحدا لا ولن يُحبك، لذا بمجرد إنهاء العلاقة المُسيئة، عليك البدء في المرحلة الثانية من العناية بذاتك والرفق بها، أو اللجوء إلى العلاج النفسي في حال شعرت بالحاجة إليه، لكن في كل الأحوال، تذكّر أنك لست مُلاما.
_____________________________________________________________
المصادر | https://www.aljazeera.net/sukoon/2023/5/3/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d8%b7%d9%81%d9%8a%d8%a9-%d8%a3%d8%b4%d9%83%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%a7-%d9%88%d8%b7%d8%b1%d9%82 | 2023-05-03T08:42:31 | 2024-06-06T11:56:19 | أبعاد |
|
161 | فوبيا نتنياهو من المسيرات لِمَ يصعب على إسرائيل إسقاطها؟ | المسيرات أصبحت صداعا في رأس نتنياهو، إلى درجة أنه ينوي تأجيل حفل زفاف ابنه أفنير بسبب التهديدات الأمنية التي تُمثِّلها المسيرات الهجومية، فما القصة؟ | أعلنت هيئة البث الإسرائيلية يوم الخميس 31 أكتوبرتشرين الأول نشر جنود في نقاط مراقبة على امتداد الحدود مع لبنان لرصد المسيرات والتحذير منها، في الوقت الذي يستمر فيه تسلل المسيرات من لبنان إلى شمال إسرائيل.
وأكدت الهيئة في هذا السياق أن المسيرات تُشكِّل تحديا كبيرا أمام سلاح الجو لصعوبة رصدها، خاصة بعد سلسلة من العمليات المؤثرة التي أثبتت هشاشة الدفاعات الجوية الإسرائيلية، آخرها قيام حزب الله في 30 أكتوبرتشرين الأول بشن هجوم متزامن بالصواريخ والمسيرات على قاعدة عين شيمر العسكرية شرق الخضيرة شمال تل أبيب، وقاعدة أخرى قرب مدينة عكا، وتجمعات جنود داخل معسكر قرب مدينة حيفا في الشمال.
قبل ذلك، نجحت مسيرة تابعة للحزب في الإفلات من الدفاعات الإسرائيلية لتضرب نافذة منزل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في قيساريا في 19 أكتوبرتشرين الأول، وقبلها في 13 أكتوبرتشرين الأول ضربت مسيرة قاعدة تدريب للواء غولاني في منطقة بنيامينا جنوبي حيفا، ما أسفر عن مقتل 4 جنود وإصابة العشرات.
لذلك، تؤكد هيئة البث أن المسيرات أصبحت صداعا في رأس نتنياهو، إلى درجة أنه ينوي تأجيل حفل زفاف ابنه أفنير بسبب التهديدات الأمنية التي تُمثِّلها المسيرات الهجومية، إذ تُشكِّل خطرا شديدا على المدعوين للحفل.
منذ اللحظة الأولى التي ابتُكرت فيها المسيرات، تسبب حجمها الصغير والمقطع الراداري المنخفض RCS لها في مشكلات كبيرة للجيوش المعاصرة، بسبب صعوبة اكتشاف المسيرات بواسطة أنظمة الرادار التقليدية، خاصة إذا طُليت بمواد تُسهِّل اختفاءها وتقلل من انعكاسات الرادار.
وإلى جانب ذلك، فغالبا ما تُحلِّق المسيرات على ارتفاعات منخفضة، حيث يمكن للتضاريس والمباني أن تعوق وصول الرادار وخطوط الرؤية، كما يسمح الطيران المنخفض للمسيرات بالاندماج مع الفوضى الراديوية الموجودة بشكل طبيعي على شاشات الرادار، مما يجعل من الصعب التمييز بينها وبين الطيور أو مصادر الإشعاع الأرضي كالهواتف والتلفاز وغيرها.
وعلى عكس الطائرات المأهولة، التي تطير بسرعات كبيرة وتجري في مسارات يمكن التنبؤ بها نسبيا، يمكن للمسيرات أن تطير ببطء، أو تمارس الحوم، أي أن تدور أعلى منطقة محددة لفترة من الزمن، أو أن تتحرك بشكل غير متوقع، وهو ما يتناقض مع قدرات الرادارات الحديثة، التي حُسِّنت قدراتها لتتبع الأهداف الأسرع، ما يجعلها غير ملائمة للتعامل مع المسيرات.
كما تحتوي العديد من المسيرات على محركات أصغر تُنتج حرارة أقل مقارنة بالطائرات التقليدية، مما يجعل اكتشافها أصعب باستخدام أجهزة الأشعة تحت الحمراء أو أجهزة استشعار الحرارة الأخرى، خاصة أنها تمتلك حدًّا أدنى للتوقيع الصوتي، أي إنها ذات صوت خفيض نسبيا بسبب محركاتها الأصغر والدفع الكهربائي الذي تعمل به.
وإلى جانب ذلك تُنشر المسيرات في أسراب أو تشكيلات متفرقة، مما يُربك أنظمة الكشف والتتبع، والواقع أن حزب الله تحديدا يستخدم المسيرات عادة في تشكيلات معقدة تندمج مع أسلحة أخرى مثل الصواريخ، هذا التكامل يضع ضغطا شديدا على المنظومات الدفاعية، ليس فقط بسبب كثرة القذائف سواء من المسيرات أو الصواريخ بما يفوق قدرة المنظومات الدفاعية على اعتراضها في وقت واحد، ولكن كذلك بسبب اختلاف آلية عمل كلٍّ منها، ما يشتت الآليات الدفاعية.
كانت هذه المزايا للمسيرات مقلقة لإسرائيل منذ البداية، فمثلا نقلت صحيفة هآرتس الإسرائيلية عن ليران عنتيبي، مديرة برنامج التكنولوجيا المتقدمة في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي INSS، أن مشكلة الطائرات المسيرة أنها يصعُب كشفها بواسطة الرادار، كما يصعب على أنظمة الدفاع الجوي الحالية التعامل معها. ورغم أن إسرائيل تمتلك بالفعل أنظمة مخصصة للتعامل مع المسيرات، فإنها غير قادرة على توفير الحماية لمساحات كبيرة شاسعة.
كانت هذه المزايا كذلك السبب في نجاح عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبرتشرين الأول 2023 في شقها التقني، بدأت العملية بالتدريب المشترك لجنود كتائب القسام، في عملية خداع كبرى لاستخبارات جيش إسرائيل، وفي لحظة الانطلاق لاختراق 17 نقطة محددة سلفا في السياج الأمني، انهمر غطاء نيراني عبر إطلاق 5000 صاروخ، ثم استُخدمت المسيرات لاختراق الأهداف الإستراتيجية وضربها على طول السياج.
وهو ما يُمثِّل تحديا للقبة الحديدية التي لم تتطور بشكل كافٍ لمواجهة الطائرات المسيرة، وذلك لأن الأخيرة بإمكانها الطيران على ارتفاعات منخفضة بالقرب من الأرض، مما يجعل رصدها من خلال الرادارات أمرا صعبا. الفكرة نفسها تجري على الطيران المظلي الذي يتمكن من تفادي الرادار بسهولة أكبر، ما يسمح بنقل الجنود إلى أرض المعركة لتنفيذ مهامهم.
مشكلة إسرائيل مع المسيرات تعود إلى ما قبل المواجهة الحالية بأكثر من عقدين من الزمان، تحديدا مع أول رحلة لمسيرات حزب الله داخل المجال الجوي الإسرائيلي لأغراض الاستطلاع في نوفمبرتشرين الثاني 2004، الأمر الذي فاجأ أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية حينها.
حلَّقت المسيرة مرصاد-1 نهارا أعلى الجليل الغربي لمدة 20 دقيقة تقريبا، ثم عادت إلى لبنان قبل أن تتمكن القوات الجوية الإسرائيلية من اعتراضها. وقتها، أعلن حزب الله أن مرصاد يمكنها أن تصل إلى أي عمق داخل إسرائيل حاملة 40-50 كيلوغراما من المتفجرات.
كانت الرحلة الثانية عبارة عن توغل قصير بعمق نحو 25 كيلومترا في أبريلنيسان 2005 بالمسيرة نفسها، التي أفلتت من الرادار الإسرائيلي وعادت إلى لبنان قبل أن تتمكن الطائرات المقاتلة الإسرائيلية من اعتراضها، تلتها مهمة ثالثة في أغسطسآب 2006 أثناء حرب لبنان، لكنها هذه المرة لم تستهدف الاستطلاع فقط، بل كانت مسيرات هجومية من طراز أبابيل كلٌّ منها تحمل 40-50 كيلوغراما من المتفجرات.
كان الظهور التالي لطائرة بدون طيار تابعة لحزب الله في أكتوبرتشرين الأول 2012 بمنزلة مفاجأة مذهلة، لأن مسيرات حزب الله سافرت جنوبا من لبنان فوق البحر الأبيض المتوسط وتحركت لمسافة 50 كيلومترا في النقب أكثر من 200 كيلومتر مجمل الرحلة، واخترقت نقطة بالقرب من بلدة ديمونا، موقع مجمع الأسلحة النووية الإسرائيلي، وهناك أسقطتها طائرات إسرائيلية، لكن عند فحص الحطام تبيَّن أن هناك احتمالا أن تكون الطائرة بدون طيار قد نقلت صورا لمركز الأبحاث النووية.
في ورقة صدرت عام 2014 عن اتحاد العلماء الأميركيين FAS، تنبأ الباحثون وقتها أن مسيرات حزب الله ستؤدي مستقبلا مهام الاستطلاع لجمع المعلومات عن تحركات القوات والمرافق، استعدادا لعمليات التسلل أو الهجمات الصاروخية، ومعايرة دقة استهداف الصواريخ في الوقت الحقيقي، وبمجرد تطوير الطائرات لتصبح قادرة على نقل حمولات أثقل، سوف تتحول المسيرات إلى منصات إطلاق للصواريخ الموجهة أو القنابل.
ما توقعته الدراسة حصل بالفعل، وهو تطور درامي بكل تأكيد، ذلك لأن أي قارئ لتاريخ تطور المسيرات بين يدي حزب الله سيعرف فورا أننا لا نقارن هنا بين قدرات سلاح المسيرات التابع لحزب الله مع نظيره الإسرائيلي، الذي يتفوق بالقطع ويمتلك هذه القدرات من وقت بعيد. لكن إسرائيل لا تحتاج إلى المسيرات في حروبها مع وجود ترسانة ضخمة من الطائرات المقاتلة، بعكس حزب الله الذي يطور المسيرات بوصفها بديلا رخيصا لسلاح الجو، ويبدو أنه نجح في فعل ذلك بوتيرة أسرع بكثير من توقعات الإسرائيليين.
ركَّز حزب الله على تطوير المسيرات في نطاقات بعينها، حيث ركَّز مثلا على استيراد وتطوير كاميرات وأجهزة استشعار أدق، ويمتلك حزب الله حاليا كاميرات دقيقة تعمل بالأشعة تحت الحمراء، ما يُمكِّنه من إجراء مراقبة أكثر دقة وجمع معلومات استخباراتية عالية الجودة، وهذا أمر بالغ الأهمية لمراقبة تحركات العدو وتحديد الأهداف.
في عام 2006، ربما لم يتخيل أحد أنه في يونيوحزيران ويوليوتموز 2024 سيتمكن حزب الله من اختراق الداخل الإسرائيلي، ثم نشر مقاطع مصورة طويلة نسبيا تتضمن مسحا دقيقا لمناطق عسكرية بشمال إسرائيل، ومشاهد استطلاع جوي لقواعد استخبارات ومقار قيادية ومعسكرات في الجولان السوري المحتل. وقد أكد الحزب آنذاك أن مقطعَيْ الفيديو صوَّرتهما مسيرات تابعة له تمكنت من تجاوز وسائل الدفاع الجوي للعدو، وعادت دون أن تتمكن وسائله من كشفها، وتضمنت المشاهد التي وردت في المقطعين مواقع إسرائيلية حساسة.
تُعرف هذه المسيرات الاستطلاعية حاليا بـالهدهد، وهي تحتوي على 8 محركات، وتبلغ سرعتها القصوى 70 كيلومترا في الساعة، ولديها القدرة على الإقلاع والهبوط العمودي دون الحاجة إلى مدرج، وهي عبارة عن طائرة كهربائية لا تتضمن بصمة حرارية أو صوتية، يبلغ طولها نحو 150 سنتيمترا، وطول جناحها 190 سنتيمترا، ما يخفض من قدرة الرادار على رصدها، خاصة مع قدرتها على التخفي، وتستطيع الهدهد التحليق لمدة تتراوح بين 60-90 دقيقة، وقطع مسافة تصل إلى 30 كيلومترا.
إلى جانب ذلك، تمكَّن حزب الله من امتلاك مسيرات ذات جودة عالية في أنظمة الاتصالات، مما يسمح بنقل البيانات في الوقت الفعلي إلى مراكز قيادة حزب الله، وبالتبعية فإن ضرب المسيرة بعد اكتشافها لا يمنع نقل البيانات، كما أن هذه القدرة حيوية لاتخاذ القرارات في الوقت المناسب، خاصة مع الضربات المنسقة.
كما قام حزب الله بتعديل المسيرات لزيادة مداها التشغيلي، مما يسمح لها بالوصول إلى عمق أراضي إسرائيل، وهذا ينطوي على تحسينات في كفاءة الوقود والديناميكا الهوائية الخاصة بالمسيرات، ومن خلال تحسين عمر البطارية وتخزين الوقود، يمكن لمسيرات حزب الله بدون طيار الآن البقاء في الهواء لفترات طويلة، وإجراء مهام مراقبة مطولة أو انتظار اللحظة المناسبة للضرب.
وإلى جانب قدرات المراقبة، يُركِّز حزب الله على تسليح مسيراته بالمتفجرات، وتحويلها إلى مسيرات انتحارية يمكن توجيهها نحو هدف وتفجيرها عند الاصطدام به، مما يتسبب في أضرار جسيمة، خاصة أن المسيرات الأحدث لديها أنظمة توجيه محسنة، مما يسمح بضربات أدق على أهداف محددة، وهو أمر مفيد خصوصا في الحرب غير المتكافئة، تلك التي يستهدف من خلالها حزب الله إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر على إسرائيل مقابل أقل قدر ممكن من التكاليف.
حاليا، يمتلك حزب الله مجموعة متنوعة من المسيرات، بما في ذلك مرصاد-1 مداها 200 كيلومتر، وأيوب معدلة من شاهد-129 الإيرانية بمدى يزيد على 1600 كيلومتر، كما يمتلك حزب الله مسيرات انتحارية استخدمها في الهجمات المتتالية على إسرائيل، ومن المحتمل أن يطغى إطلاق عدد كبير منها على قدرات القبة الحديدية والمنظومات الدفاعية الإسرائيلية.
ويبدو أن حزب الله يقترب من تلك النقطة، حيث قدَّر مركز ألما للأبحاث الإسرائيلي عام 2021 أن حزب الله يمتلك ما يزيد على 2000 من الطائرات المسيرة متعددة المهام. وفقا للتقرير، كان حزب الله يمتلك 200 مسيرة في عام 2013، وبمساعدة من إيران زاد حزب الله من أسطوله بشكل كبير، سواء عبر استخدام مسيرات إيرانية مباشرة، أو إطلاق نسخ جديدة مستوحاة منها، أو تطوير التكنولوجيا الخاصة بالمسيرات داخليا.
إسرائيل على الجانب الآخر لم تتجهز بالشكل المناسب لهذا التسارع كما يبدو، كما تشير موجة العمليات الأخيرة وأهمها استهداف لواء غولاني ومنزل نتنياهو. وتعليقا على ذلك قال فابيان هينز، زميل الأبحاث في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، إن قدرة حزب الله على استخدام المسيرات تُعد تهديدا يجب أن يؤخذ على محمل الجد، وفي حين بَنَت إسرائيل أنظمة دفاع جوي، بما في ذلك القبة الحديدية ومقلاع داود للحماية من ترسانة حزب الله من الصواريخ والقذائف، كان هناك تركيز أقل على تهديد الطائرات بدون طيار.
في السياق ذاته، قال تقرير صادر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي إن هجمات حزب الله تُظهِر تحسُّنا في الدقة والقدرة على التهرب من الدفاعات الجوية الإسرائيلية، ومنذ بدء القتال في أكتوبرتشرين الأول 2023، استخدم حزب الله المسيرات بشكل أكبر لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية وضرب مواقعها العسكرية على طول الحدود، وكذلك في عمق إسرائيل.
في دراسة صدرت في 2022، يوضح جيمس روجرز، أستاذ الدراسات الحربية بجامعة جنوب الدنمارك، أنه حتى في حال التمكُّن من إيقاف هجمات المسيرات الآن، فإنه في مرحلة ما، سيكون من الصعب جدا إن لم يكن من المستحيل مواجهة تلك الهجمات.
هذا بالضبط هو أحد أهم الأسباب التي دفعت حزب الله منذ البداية للتركيز على حرب المسيرات، فالفرصة لتطويرها مفتوحة تماما مع زيادة توافر تكنولوجيا المسيرات التجارية، ومنظومات تحديد الموقع الجغرافي، وتطبيقات التحكم في نشر المسيرات، وأجهزة إرسال واستقبال التردد القابلة للتعديل.
يفتح ذلك الباب لاستيراد وتطوير تكنولوجيا، رخيصة نسبيا ويسهل الحصول عليها، باتت يوما بعد يوم تُمثِّل تحديا للتفوق الجوي للطائرات المقاتلة في حرب غير متكافئة ضد جيش متقدم في العدد والعتاد.
بالنسبة لجماعات مثل حزب الله، فإن هدف الاستثمار في المسيرات مختلف عن قدرات الجيوش التقليدية، فالأخيرة تستثمر في المسيرات بوصفها جزءا من سلاحها الجوي الذي تُمثِّل المقاتلات قمة هرمه، أما بالنسبة للجماعات غير النظامية فإن المسيرات هي قمة سلاحها الجوي، ومن ثم فإنها تعمل على تطويره بكل السبل الممكنة، واستخدامه بأكثر الأساليب فاعلية.
ويوضح روجرز في دراسته أن ذلك ليس إلا خطوة أولى، فيوما بعد يوم ستزيد مرونة أنظمة المسيرات وقابليتها للأتمتة، أي أن تصبح مستقلة وقادرة على التعامل بشكل منفصل عن وحدة التحكم البشرية بصورة كاملة أو شبه كاملة، ويعتقد روجرز أنه بحلول عام 2040 فإن الجماعات مثل حزب الله أو الحوثيين أو غيرها ستتمكن من أتمتة مسيراتها، بالنظر إلى التطور المحتمل للذكاء الاصطناعي وخوارزميات التعلم الآلي.
الأمر الذي يفتح الباب بدوره لمرحلة تهديدات المسيرات كاملة الطيف، ما يعني أن الأجهزة المسيرة غير المأهولة التي تمتلكها جماعات كتلك لن تكون جوية فقط، بل أرضية وبحرية.
يعي المخططون العسكريون في حزب الله وجماعة الحوثي والمقاومة الفلسطينية هذه الحقيقة على ما يبدو، وكلٌّ منهم يستخدم ما هو متاح من تكنولوجيا وأدوات، سواء بالابتكار المحلي أو الاستيراد من الأصدقاء، ليحقق أقصى استفادة ممكنة من سلاح المسيرات. في المقابل، سوف تعاني الجيوش النظامية لتطوير تقنيات دفاعية قادرة على التعامل مع التطور الهائل في هذه التقنية المفتوحة على مصراعيها. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/10/31/%d8%a3%d8%ac%d9%84-%d8%b2%d9%81%d8%a7%d9%81-%d9%86%d8%ac%d9%84%d9%87-%d8%a8%d8%b3%d8%a8%d8%a8%d9%87%d8%a7-%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d9%8a%d8%ae%d8%a7%d9%81 | 2024-10-31T20:38:59 | 2024-11-01T10:16:42 | أبعاد |
|
162 | أطفال غزة.. عن الصدمات النفسية التي يحدثها العدوان الإسرائيلي | نتطرق إلى الصدمة النفسية والأثر الذي تُحدثه الحرب على أطفال غزة، ونعرض لشهادات ودراسات لما يعنيه أن يشهد الطفل في عمر مبكر لا حربا واحدة، بل حروبا متعاقبة تسلب طفولته وبراءته. | بعد أن أعلن الاحتلال حربا جديدة على غزة. شنّ منذ بدئها في السابع من أكتوبرتشرين الأول غارات وقصفا مستمرا راح ضحيته حتى لحظة قراءتك هذا المقال أكثر من 700 طفل من بين العدد الكلّي للضحايا. لكن هذا التقرير لا يتحدث اليوم عن هؤلاء الأطفال الشهداء، وإنما عن الضحايا الأحياء منهم. في هذا المقال، نتطرق إلى الصدمة النفسية والأثر الذي تُحدثه الحرب على الأطفال، وبالتحديد أطفال غزة، ونعرض لشهادات ودراسات لما يعنيه أن يشهد الطفل في عمر مبكر لا حربا واحدة، بل حروبا متعاقبة تسلب طفولته وبراءته، وفي كثير من الأحيان حياته.
قبل عامين أيضًا شهد عدوان عام 2021 الذي شنّه الاحتلال على قطاع غزة استشهاد ستين طفلا. خبرٌ قد يبدو للوهلة الأولى أنه لا يحتمل تفاصيل موجعة أخرى، بيد أن المجلس النرويجي للاجئين صرّح لاحقا أن اثنا عشر طفلا من ضمن هؤلاء الستين كانوا يتلقون علاجا نفسيا يقدمه المجلس، ويساعدهم على التعامل مع صدمات حروب سابقة، ينتهي هنا الخبر1. إن هذا العدوان ليس الأول من نوعه على غزة، فقد شهدت منذ أكثر من 20 عاما حتى اليوم خمس حروب، لم يتخللها سوى محاولات التعافي من الحرب التي سبقت، وخوف غير منقطع من حرب تالية، وما بينهما تصعيدات مستمرة بين الحين والآخر. فأصبح اليوم العادي في حياة أطفال القطاع لا يخلو من دخان وانفجارات وتدمير منازل ومنشآت مدنية. أما الأيام الهادئة، فهي أيام استثنائية.
يعتمد الأطفال بشكل أساسي على دعم ورعاية البالغين ممن حولهم، وهو ما ينقطع بشكل مفاجئ في الحروب نتيجة فقدانهم لمَن يقدم لهم الرعاية الوالدين بشكل أساسي، أو حتى الغياب العاطفي للوالدين نتيجة للبيئة التي تفرضها الحرب بطبيعة الحال من خوف وتوتر وتمحور التركيز حول غريزة البقاء وتوفير الحماية. إن غياب ذلك كلّه، بالإضافة إلى صدمات الحرب المتمثلة بالإصابة الجسدية المباشرة التي غالبا ما يصحبها إصابات نفسية، والتعرض المباشر لمشاهد الموت والقتل وغيرها، يترك آثارا نفسية تعيش معهم طوال حياتهم، من أهمها اضطراب كرب ما بعد الصدمة Post-traumatic Stress Disorder، وذلك بوصفه أحد أكثر الاضطرابات شيوعا لدى الأطفال الذين يعيشون في مناطق معرضة للحروب أو يتعرضون لها. إضافة إلى اضطرابات القلق والاكتئاب، والتغيرات النفسية المتمثلة بالانسحاب العاطفي Emotional Withdrawal، ونوبات الغضب والسلوك العدواني الذي يُحاكي إلى حدٍّ ما العنف أو الأذى الذي يختبره الطفل 3 2.
في قطاع غزة المحاصر، يُشكِّل الأطفال كل مَن يبلغ من العمر أقل من 18 عاما ما يُقارب نصف السكان البالغ عددهم أكثر من مليونَيْ فرد. لا يُستثنى هؤلاء الأطفال من الحروب والعدوان الذي يشهده القطاع منذ فرض الحصار عليه، وهم إن تفادوا قتل غارات الاحتلال الإسرائيلي لهم، فلا يمكن أن يفروا من مواجهة مباشرة مع الدمار والموت والرعب الذي يُفضي إلى كل الآثار النفسية التي ذكرناها. ولعل السبب الأوضح والأكثر مباشرة هو القصف الذي يتعرض له القطاع بشكل مستمر، ويزداد زخمه خلال الحروب المُعلنة. يطول هذا القصف البيوت الآمنة، والمدارس، والمساجد، وحتى المشافي وأماكن تقديم الرعاية الصحية. لا يشعر الطفل الغزّي بالأمان في أي مكان كان، وهو مُعرَّضٌ لأن يغادر مسكنه في أي لحظة ليعود فيجد أنه قد سُوي بالأرض، وهي مأساة لا تغيب عن معظم أطفال القطاع الذين عايشوا حتى ولو حربا واحدة على الأقل. وجدت دراسة أُجريت بعد مرور ستة أشهر على حرب 2014 أن الغالبية العظمى منهم تعرضت منازلهم للقصف والتدمير الجزئي أو الكامل. وهنا تخبرنا دراسات عديدة عمّا يعنيه أن تفقد منزلك وملاذك الآمن، حيث تتشارك في نتيجة واحدة مفادها أن الأطفال الذين يفقدون منازلهم نتيجة تدميرها أو حتى يشهدون قصفا لمنازل غيرهم، يُظهِرون أعراضا نفسية سلبية عديدة، منها فقدان القدرة على التركيز، ومشكلات وصعوبات في النوم، والرعب الليلي، وحِدّة الطبع والمزاج، حيث كانت هذه النسب أعلى بشكل واضح عند مقارنتها بالأطفال الآخرين 4 5.
إضافة إلى الدمار وفقدان المنازل الذي يُحدثه القصف، فإن أصوات القنابل والانفجارات والرصاص المفاجئ الذي لا يعرف موعدا يضع الأطفال في حالة مستمرة من الخوف الدائم والرهبة والقلق. ذلك أن تلك الأصوات ترتبط بشكل مباشر إما بفقدانهم لمنازلهم، وإما معايشتهم لفقدان أفراد العائلة والأصدقاء المحيطين بهم. يضعهم ذلك في حالة ترقب وخوف في كل وقت، ويرفع من مستويات التوتر، وهو ما يصحبه آثار نفسية سلبية على المدى البعيد. في هذا السياق، يتحدث أخصائي الطب النفسي ياسر أبو جامع عن تجربته بصفته طبيبا مقيما في مستشفى ناصر الذي يقع في الجزء الغربي من مدينة خانيونس، عن أمهات كن يُحضرن أطفالهن في منتصف الليل بسبب صراخهم المفاجئ والمستمر بلا سبب عضوي واضح. إن تلك المنطقة -كما يشير أبو جامع- قريبة من المستوطنات الإسرائيلية التي كان يُسمع بوضوح منها أصوات إطلاق الرصاص ليلا، الذي يصيب بعضه جدران منازل الفلسطينيين. يقول أبو جامع اعتدنا نحن الكبار على هذه التجربة، وبالطبع كان يتعين على الأطفال أن يتعايشوا معها، حتى الصغار جدا منهم 6.
لاحقا في عام 2016 -الذي شهد هدوءا نسبيا مقارنة بالأعوام السابقة واللاحقة- قامت إحدى الدراسات بالنظر في العلاقة بين معايشة الحروب ومدى شيوع الاضطرابات نفسية التي ذُكرت سابقا لدى أطفال غزة. أُجريت مقابلات عديدة مع ما مجموعه 251 طفلا تتراوح أعمارهم بين 6-16 سنة، وخلصت النتائج إلى أن أكثر الأحداث تأثيرا على الأطفال كانت سماع أصوات القصف المدفعي والطائرات المُقاتلة، وأصوات إطلاق النار، بالإضافة إلى تذكرهم مشاهدة الأشلاء البشرية لضحايا الحرب. من بين مَن تمت مقابلتهم، أظهر 148 طفلا أي ما تُشكِّل نسبته 59 الأعراض السريرية لاضطراب كرب ما بعد الصدمة، وعانى 22 منهم من اضطرابات القلق، و51 منهم من اضطرابات الاكتئاب 7. نستعرض تاليا شهادات لأطفال ودراسات أُجريت بُعيد كل حرب عاشها أطفال غزة منذ عدوان عام 2008 وحتى اليوم.
بعد مرور شهر ونصف على انتهاء حرب عام 2008 في غزة، أُجريت دراسة على ما مجموعه 445 طالبا وطالبة في الصف الثالث الابتدائي بهدف معرفة مدى تأثير العدوان عليهم. طُلب فيها منهم أن يرسموا أي شيء يرغبون به دون أن يتدخل الباحثون في مضمونه أو يُقدموا لهم إرشادات معينة. ووجدوا أن غالبيتهم قاموا برسم مشاهد مما عاشوه خلال الحرب، ابتداء بالطائرات -على اختلاف أنواعها، فبعضهم كما أشارت الدراسة قاموا بكتابة أسماء الطائرات بجانب الصورة- والصواريخ والقنابل، وانتهاء بالبيوت والمساجد التي هُدمت والشهداء الذين قضوا، وفي هذه الحرب تحديدا، قام بعض الطلاب برسم دقيق وواضح للقنابل الفسفورية التي تبدأ بنقطة واضحة تنبعث منها خطوط متفرعة، رغم أن الكبار أنفسهم لم يكونوا على علم مسبق بماهية وكيفية انفجار القنابل الفسفورية. إن كل هذا، كما أشار الباحثان، دلالة واضحة على أن الحرب تشغل حيزا كبيرا من حياة الأطفال وتفكيرهم، وتؤثر على مجريات حياتهم حتى بعد انتهائها 8.
في دراسة أُجريت بعد نهاية العدوان الإسرائيلي الذي استمر لمدة 8 أيام في نوفمبرتشرين الثاني عام 2012، وذلك بهدف قياس الآثار طويلة الأجل للعدوان على الأطفال، خلص الباحثون بعد إجراء مقابلات مع الأطفال إلى أن ما يقارب 30 منهم ممن تعرض لمستويات عالية من صدمات الحرب قد أظهر أعراضا واضحة لاضطراب كرب ما بعد الصدمة، مع زيادة في احتمالية ظهور أعراض أخرى مصاحبة له مثل زيادة الانفعالات العاطفية وارتفاع في العصابية Neuroticism التي تُعرف على أنها سمة من سمات الشخصية الخمس حسب نموذج العوامل الخمس الكبرى للشخصية The Big Five، حيثُ يُظهر الأشخاص الذين يسجلون نسبة عالية في هذه السمة أعراضا انفعالية بشكل أعلى من غيرهم، كما يميلون للاستجابة بسلبية عالية للصدمات وضغوط الحياة بمختلف أشكالها 9.
حرب 2014 الحرب الأطول والأقسى
نجت الطفلة لمى أبو حصيرة من القصف في حرب عام 2014، لكن أختها استشهدت في قصف على منزلهما، تقول قريبتها صدمة استشهاد أختها وإصابتها هي غيّرتها تماما، فبعد أن كانت طفلة هادئة، أصبحت أكثر عدائية، تصرخ في وجه الآخرين حتى عند طلب كأس من الماء. بينما تقول والدة الطفلين أحمد ومحمد أبو دقّس أنها تشتاق لسماع صوت طفليها، حتى مشاجرتهما على ألعابهما وملابسهما، فبعد إصابتهما في القصف، توقف الطفلان عن الكلام تماما، وتضيف أحيانا يهمس أحمد لي أنه يريد الطعام. في تقريرها الصادر بعد هذه الحرب، قدَّرت الأمم المتحدة أن ما لا يقل عن 373 ألف طفل يحتاجون إلى دعم نفسي واجتماعي متخصص لمساعدتهم على التعامل مع ما خلَّفته من اضطرابات نفسية ومخاوف مستمرة 10.
بعد ستة أشهر من هذا العدوان الذي استمر 51 يوما، جُمعت بيانات 1850 طفلا من غزة أعمارهم تتراوح ما بين 8-15 سنة، بهدف قياس مدى انتشار اضطرابات أو أعراض الصدمات. وبتحليل البيانات وإجراء المقابلات وُجد أن الغالبية العُظمى منهم شهدوا قصف المنازل والأحياء السكنية بأكملها، واضطروا في أحيان عديدة إلى البقاء قسرا داخل منازلهم جراء ظروف الحرب. كما شاهد أكثر من نصفهم جثامين الشهداء بأعينهم، وعانى بعضهم حرمانا من الماء والطعام لفترة ما، وغيرها من الظروف والأحداث الصادمة حتى للبالغين أنفسهم. وعند قياس أعراض اضطراب كرب ما بعد الصدمة وفق اختبارات القياس العالمية التي تشمل أسئلة حول أعراض مثل الكوابيس المؤلمة والذكريات السيئة، وصعوبات النوم، وغيرها، وُجد أن 275 طفلا وطفلة تنطبق عليهم معايير وأعراض الاضطراب بشكل واضح أكثر من غيرهم.
من المهم أن نُذكِّر ختاما أن الأطفال الذين تذكرهم التقارير والدراسات ليسوا مجرد أرقام فحسب، بل هي أحلام وذكريات ومستقبل سرقته الحرب من بين أيديهم. وفي حين قد يبدو الحديث عن الآثار والعوارض النفسية رفاهية للبعض عند أخذ الوضع العام بعين الاعتبار، فإن المستقبل أمام أطفال غزة ليس واضحا في معالمه ولا سهلا في طريقه. يستيقظ الطفل العاديّ في عالمنا وجلّ ما يشغله هو إنهاء واجباته المدرسية والاستمتاع باللعب أو قضاء الوقت مع أقرانه. أما الطفل الغزّي، فإن النجاة من الموت باتت كل ما يؤرقه، يعقبها انتزاع اعتراف من العالم بأنه كان يصارع الموت في المقام الأول، ثم الاستعداد لخوض حرب قادمة قد ينجو منها وقد لا ينجو. وفي خضم ذلك كلّه، يغدو التعافي من الحرب وصدماتها وأثرها النفسي حقا مضمونا للجميع، باستثنائه.
____________________________________________________________
المراجع | https://www.aljazeera.net/sukoon/2023/10/17/%d8%a3%d8%b7%d9%81%d8%a7%d9%84-%d8%ba%d8%b2%d8%a9-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%af%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%8a | 2023-10-17T10:41:00 | 2024-05-29T10:31:57 | أبعاد |
|
163 | لماذا راهن إيلون ماسك على فوز ترامب بكل قوته؟ | تحوّل إيلون ماسك، البطل الخارق كما يرى نفسه، من معارض إلى داعم أسطوري لترامب لينفق أكثر من 130 مليون دولار لدعم حملته، وهو ما يثير التساؤل عن أسبابه، وعن الذي سيجنيه في مقابل هذا الدعم. | في وقت سابق من أكتوبرتشرين الأول الماضي، وفي أحد التجمعات الانتخابية بولاية بنسلفانيا الأميركية، ضم المسرح رجلين لم يكن من المتوقع أن يظهرا بصحبة بعضهما بعضا بكل هذا الحماس. دونالد ترامب، الرئيس المنتخب العائد إلى البيت الأبيض مجددا مطلع العام المقبل، وإيلون ماسك إمبراطور التكنولوجيا وأغنى رجل في العالم.
ارتدى ماسك في ذلك اليوم قميصا يحمل شعار احتلوا المريخ، مع قبعة سوداء تحمل شعار ماغا MAGA، وهو اختصار لعبارة لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى، الترنيمة الأيقونية لحملة ترامب الانتخابية.
وأمام الجماهير، هتف إيلون ماسك على طريقة الأبطال الخارقين قائلا أنا لست ماغا.. أنا ماغا الظلام مقتبسا أحد الميمات الأيقونية لأنصار ترامب من أقصى اليمين. لسنوات، أحب إيلون ماسك أن يرى نفسه بطلا خارقا قادما من عوالم مارفل السينمائية، يشبه الرجل الحديدي Iron Man توني ستارك، الذي سينقذ البشرية من أعظم التهديدات التي تواجهها.
لعله لذلك ارتدى ملابس الأبطال الخارقين في عيد الهالوين، كما أنه شبه نفسه ذات مرة بالرجل الوطواط Batman في تغريدة على تويتر. وقد أطلق عليه الإعلام مرارا لقب الرجل الحديدي الحقيقي بعد ظهوره في فيلم الرجل الحديدي 2، مستمتعا بإسهامه في صناعة بطل خارق.
لكن إيلون ماسك ليس البطل الحقيقي في قصة اليوم، وهو في أفضل الأحوال أحد الرجال الذين يقفون خلف بطل بمواصفات لم تنسجم أبدا مع طموحات الرجل الحديدي. فحتى وقت قريب، لم يكن ماسك والرئيس المنتخب ترامب مغرمين ببعضهما بعضا، إذ سبق أن هاجم أغنى رجل في العالم ترامب في يوليوتموز 2022 من خلال حسابه على منصة تويتر -التي استحوذ عليها لاحقا وغير اسمها إلى إكس- قائلا لا أكره الرجل، لكن حان الوقت لترامب لكي يرتدي قبعته ويبحر مع شمس الغروب، وقال أيضا إنه ينبغي للمنتمين للحزب الديمقراطي التوقف عن الهجوم على ترامب، لأن هجومهم عليه وجعله مثيرا للجدل ووضعه في محور النقاش العام هو ما يجعله يستعيد القدرة على البقاء في دائرة الضوء.
جاء هجوم ماسك على ترامب ردا على تعليقات أدلى بها الرئيس المنتخب آنذاك خلال تجمع في ولاية ألاسكا اتهم خلالها رجل الأعمال البارز بإثارة الفوضى، وشكك في نيته شراء تويتر، وهي الصفقة التي كانت محل جدل وتجاذب واسعين آنذاك. من جانبه، لم يتردد ماسك في التعريض بترامب الذي رأى أنه أكبر سنّا من أن يصلح ليكون رئيسا لمجلس إدارة أي شركة، فضلا عن أن يكون رئيسا للولايات المتحدة.
ووسط تبادل اللكمات الخطابية المحتدمة بين الرجلين، لم يكن لأحد أن يتوقع أنه بعد مرور أقل من عامين، سوف يتحول إيلون ماسك إلى واحد من أشرس مؤيدي ترامب، فضلا عن أن يصل هذا التأييد إلى مرحلة لم يصل إليها من قبل أي رئيس لشركة تكنولوجيا في دعمه العلني لمرشح سياسي بعينه.
فقد أصبح أغنى رجل في العالم جزءا أساسيّا من الحملة الانتخابية لترامب، ووصل به الأمر إلى حد الإعلان يوم 20 أكتوبرتشرين الأول الماضي التبرع بمبلغ مليون دولار يوميا من خلال مخطط يانصيب، حتى موعد إجراء الانتخابات الرئاسية الأميركية في الخامس من نوفمبرتشرين الثاني الجاري، لأي ناخب مسجل في الولايات المتأرجحة يوقع على عريضة تدعم التعديلين الأول والثاني للدستور اللذين ينصان على حرية التعبير وحق حمل الأسلحة وهي الحقوق التي يشدد عليها الجمهوريون وأنصار ترامب.
وذلك بغرض حشد المؤيدين خلف الرئيس المنتخب وحسم التنافس في الولايات المتأرجحة، وهو ما أثار كثيرا من الانتقادات لماسك باعتبار أنه يقدم رشاوى مقنعة للناخبين، لدرجة أن المدعي العام لمنطقة فيلادلفيا حرك دعوة قضائية ضده بسبب هذا السلوك.
هذا التحول الكبير في موقف الرجل الأغنى في العالم، والذي لا يقل إثارة للجدل عن المرشح الذي يدعمه، يثير عديدا من التساؤلات حول الأسباب التي دفعته إلى سلوك هذا الاتجاه.
ونحن لا نتحدث هنا عن مجرد رجل أعمال قرر تغيير موقفه أو دعم مرشح بعينه، فلطالما دعم رجال المال مرشحيهم الرئاسيين المفضلين، ودائما ما يتركون بابا مفتوحا مع المنافسين تحسبا لظروف السياسة وتقلباتها، لكن ماسك رمى بيضه كله في سلة واحدة، حتى إنه أجاب مازحا عن سؤال حول عدد السنوات التي سيقضيها في السجن إذا ما فازت كامالا هاريس، بأنه سينتهي أمره أو سيكون في ورطة، بعدما أحرق كل السفن ولم يترك طريقا للعودة إذا ما فاز الحزب الديمقراطي.
المفاجأة أن ماسك لم يكن في أي يوم داعما للجمهوريين، فقد اعتاد أن يصوّت بشكل حصري للديمقراطيين منذ أن أصبح مواطنا أميركيّا عام 2002 إلى حد أنه كان مقربا من الرئيس الأسبق باراك أوباما والتقى به مرات عدة، ثم في عام 2023 أعلن أنه لن يصوت لجو بايدن مرة أخرى، لكنه تحفظ على التصويت لترامب، واعتبر ذلك خيارا صعبا جدا، كما أنه دعم رون ديسانتيس المنافس الرئيسي للرئيس المنتخب ترامب في أثناء المنافسة على الحصول على ترشيح الحزب الجمهوري لخوض السباق الرئاسي 2024.
كل هذا قبل أن يتحول فجأة إلى داعم أسطوري لترامب، منفقا أكثر من 130 مليون دولار لدعمه وفق تقديرات سي إن إن، ومشكلا لجنة عمل سياسي باسم America PAC وظيفتها حشد التأييد لترامب، ودعوة الناخبين للتصويت له، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل عن أسباب هذا الدعم الكبير، وما الذي سيجنيه إيلون ماسك في المقابل.
عندما نتحدث عن إيلون ماسك، فنحن نتحدث عن رجل أعمال متمرس يعاير خطواته لخدمة مصالحه، وليس ناخبا عاديا تحركه الوعود الانتخابية أو الخطابات المشحونة بالعواطف. ربما يفسر ذلك جزئيا سر انحياز إيلون ماسك تاريخيا للديمقراطيين بوصفه مؤسسا ومديرا تنفيذيا لعملاق صناعة السيارات الكهربائية تِسلا.
فالديمقراطيون، المهتمون تقليديا بقضايا البيئة والمناخ، يأتون في طليعة المهتمين بشراء السيارات الكهربائية بفارق شاسع عن نظرائهم الجمهوريين. فبحسب استطلاع أجرته مؤسسة غالوب عام 2023، فإن حوالي 71 من الجمهوريين أكدوا أنهم لا يفكرون في شراء سيارة كهربائية، مقابل 17 فقط من الديمقراطيين.
وأكثر من ذلك، فإن ترامب نفسه كان حتى وقت قريب يُعد من أشد مناهضي السيارات الكهربائية، وأكد في السابق أنه سيتراجع عن أي سياسات داعمة للصناعة مثل برنامج الائتمان الضريبي لشراء السيارات الكهربائية، وهو ما ينطبق -بمستويات مختلفة- على معظم سياسيي الحزب الجمهوري البارزين. وفي الواقع، لم يبدأ ترامب في تغيير لهجته المضادة للسيارات الكهربائية إلا في الأسابيع الأخيرة، مصرحا بأن دعم إيلون ماسك له هو السبب الأساسي لهذا التغيير.
لكن بعيدا عن المنافع المباشرة المتعلقة بدعم السيارات الكهربائية، يبدو أن إيلون ماسك وغيره من عمالقة وادي السيليكون أصبحوا يميلون نحو اليمين شيئا فشيئا، نفورا من السياسات الاقتصادية التي يتبناها الحزب الديمقراطي مثل قوانين مكافحة الاحتكار وضريبة المليارديرات التي اقترح جو بايدن تحصيلها من الأثرياء، وهو ما يضعهم على مسار مشترك مع السياسيين الجمهوريين.
إضافة لذلك، بدأ هؤلاء الأثرياء يطورون نزعات معادية للديمقراطية التي لم يعودوا يرون أنها صديقة لأعمالهم، لذا فقد باتوا يشعرون بوفاق أكبر مع نزعات ترامب السلطوية وميله لامتداح الحكام الدكتاتوريين في العالم.
من هؤلاء مثلا الملياردير من أقصى اليمين بيتر ثيل، المؤسس المشارك في شركة بالانتير الذي كتب عام 2009 أنه لم يعد يعتقد أن الحرية والديمقراطية متوافقتان، وشريكه جو لونسديل، إضافة إلى أسماء مثل مارك أندريسن وبن هورويتز الشريكين المؤسسين لشركة رأس المال المغامر أندريسن-هورويتز التي تدير أصولا بقيمة 42 مليار دولار، رغم أن هورويتز حوّل دعمه أخيرا إلى المرشحة الديمقراطية الخاسرة كامالا هاريس دون التخلّي عن انتقادات لإدارة بايدن التي يعتبرها مدمرة بشكل استثنائي في ما يتعلق بسياسات التكنولوجيا.
بالعودة إلى إيلون ماسك، أشعلت تدخلات الهيئات التنظيمية ومراقبتها الدقيقة لأعماله غضب أغنى رجل في العالم ضد إدارة جو بايدن، إذ خضعت شركاته للتحقيق والغرامات من قبل الوكالات الحكومية المختلفة، مثل لجنة الأوراق المالية والبورصات وإدارة السلامة والصحة المهنية وحتى وزارة النقل. وشأنه شأن كثير من رواد الأعمال، يرغب ماسك في تخفيف سيطرة الدولة وتدخلاتها في مجال الأعمال، إذ يرى أنها غالبا ما تكون خرقاء وبيروقراطية وتعطل عجلة الإنتاج.
تعد مسألة تحرير الحكومة إذن من الأسباب المهمة التي دفعت إيلون ماسك إلى أحضان ترامب، وفي هذه النقطة تحديدا يبدو أن عين إيلون ماسك منصبة على مجال استكشاف الفضاء الذي ينوي الاستثمار فيه بقوة خلال المرحلة المقابلة، فماسك هو المؤسس والمدير التنفيذي لشركة سبيس إكس لتصنيع المركبات الفضائية وإطلاق البعثات إلى الفضاء، وهو يرغب في تخفيف يد الحكومة عن التدخل في هذا المجال، لأنه يراها تعوق الابتكار.
لا عجب إذن أن أطلق ماسك شعاره أن التصويت لترامب هو التصويت للمريخ، معربا عن قناعته أن البيروقراطية الحكومية التي تدعمها الإدارات الديمقراطية سوف تعطل حلمه بالتحول إلى حضارة متعددة الكواكب.
فرغم أن شركة سبيس إكس فازت في عهد بايدن بعقود بمليارات الدولارات، فإن مشاجراتها مع السلطات الفدرالية لم تتوقف أبدا، ومن ضمنها جهات حماية العمال والثروة السمكية والحياة البرية الأميركية التي أشارت إلى انتهاكات ماسك في مجالات العمال والبيئة بما يشمل التخلص غير الآمن من مياه الصرف الصحي. هذا بالإضافة إلى اشتباك ماسك مع لجنة الاتصالات الفدرالية بسبب إلغاء صفقة ستارلينك للإنترنت الفضائي التي تبلغ قيمتها 900 مليون دولار عام 2022 بسبب التشكيك في وعوده بشأن السرعة والموثوقية.
يأمل إيلون ماسك أن يذلل فوز ترامب كثيرا من تلك العقبات التي تواجه أعماله، خاصة إذا استجاب ترامب لاقتراحه بتشكيل لجنة كفاءة للحكومة لقطع أيادي التدخلات التي لا طائل منها في عالم الأعمال، وقد وعد ترامب إيلون ماسك بأن يرأس هو تلك اللجنة. وبحسب الموقع الإخباري الأميركي فوكس Vox، فإن الظاهر هو أن مثل تلك اللجنة ستعمل على خفض ميزانية عديد من الهيئات التنظيمية لعالم الأعمال بهدف رفع كفاءة الحكومة، لكن الواقع أن هذه وسيلة لماسك للتخلص من الهيئات التي كانت تلاحق شركته، في ما يبدو أنه تحالف بين ترامب والأباطرة والشركات ضد مصالح العمال والمستهلكين.
وحسب نيوزويك، فإن هذا التنظيم الجديد ربما يعود على إيلون ماسك في النهاية بعشرات المليارات من الدولارات من الإعفاءات الضريبية التي تتسق مع سياسات ترامب لتقليص الضرائب على الأثرياء والشركات. والأهم من ذلك أن منصبه المنتظر في لجنة كفاءة الحكومة سوف يمكنه من قلب الطاولة على الوكالات التي كانت تراقبه وتقيده وتشرف عليه، ليتحول هو إلى مشرف عليها ومتحكم في ميزانياتها، وهي مسألة من المرجح أن تكون مشوبة بكثير من شبهات تضارب المصالح بحكم أن الهيئات التنظيمية التي سيشرف عليها إيلون ماسك سوف تكون معنية بالإشراف على شركاته.
وذلك فضلا عن العلاقة المعقدة لهذه الشركات مع الوكالات الفدرالية، مثل وكالة ناسا ووزارة الدفاع وغيرها من الجهات الحكومية التي تدفع مليارات الدولارات سنويا إلى شركات إيلون ماسك، وعلى رأسها تسلا وسبيس إكس اللتان تمتلكان ما لا يقل عن 15.4 مليار دولار من العقود الحكومية.
لكن هذه الأسباب الاقتصادية على أهميتها ووجاهتها ربما لا تكون كافية لتفسير التحول الكبير في موقف إيلون ماسك الذي اعتاد ممارسة أعماله في مختلف الظروف وتحت مختلف الإدارات، وطالما استفاد من البيروقراطية الأميركية على كل حال. وحتى إن استطاع الاقتصاد تفسير ميل ماسك إلى ترامب، فإنه لا يفسر قراره بحرق أشرعته مع الديمقراطيين، وذلك يوحي أن هناك أبعادا أخرى لقرارات رجل الأعمال المثير للجدل.
بحسب سفير الولايات المتحدة السابق في النمسا تريفور تراينا، وهو مؤيد لدونالد ترامب، فإن تفسير تأييد ماسك لترامب من منظور المصالح التجارية ليس صائبا، فماسك هو أغنى رجل في العالم، ومن ثم هو لا يحتاج لأي شيء مادي، مرجحا أن تكون الأسباب ثقافية وشخصية أكثر من أي شيء آخر.
حتى عام 2018 كان إيلون ماسك واحدا من الأشخاص الذين ربما سيميل اليمينيون التقليديون في الولايات المتحدة لانتقاده، فقد كانت شركاته تروّج لرموز المثلية الجنسية وأعلامها، لكن تدريجيّا بدأ ماسك خلال الفترة الأخيرة يتحول إلى صفوف اليمين المحافظ أكثر وأكثر، ويعتقد أن هناك حادثة في حياته الشخصية مثلت اللحظة الفارقة في رؤيته للأمور.
الحادثة الأولى وقعت خلال أزمة الوباء، حين أغلقت الإدارة الديمقراطية في ولاية كاليفورنيا مصنع شركة تسلا في فيرمونت. وفي تحد لقراراتها، أعاد ماسك فتح المصنع وغرد قائلا إذا أرادوا القبض على شخص، فمن المفترض أن يكون أنا فقط. كان إيلون ماسك يعلم أن أحدا لن يلقي بأغنى رجل في العالم في السجن، لذا فإنه قرر استخدام نفوذه لمواجهة مسؤولي الولاية الذين كانوا يملون عليه ما يمكنه أو لا يمكنه فعله بمصانعه، وهو ما اعتبره إهانة لاستقلاليته وبقاء أعماله.
كانت تلك غالبا هي اللحظة التي بدأ عندها إيلون ماسك في نبذ الأفكار اليسارية التي رأى أنها تعطل أعماله، وتعوق طموحاته. لاحقا، جاءت اللحظة المفصلية الثانية والأهم، وهي تقدم ابنته المتحولة جنسيّا من ذكر إلى أنثى بطلب رسمي لتحويل جنسها وتغيير كنيتها من ماسك إلى ويلسون، لتقطع أي رابط مع والدها، معلنة أنها لم تعد تسكن معه ولا ترغب في الارتباط باسمه على أي نحو.
وقبل شهور قليلة وفي لقاء مصور مع عالم النفس الكندي المحافظ جوردان بيترسون، عبّر إيلون ماسك نفسه عن الأمر أكثر إذ أوضح أن ناشري الأفكار اليسارية والتقدمية قد قضوا على ابنه بعدما خدعوه وأقنعوه بتغيير جنسه وتحويله إلى أنثى مشوهة عقيمة من دون أن يشرح الأطباء ما الذي سينتج عن الهرمونات التي سيعطونها لابنه، على حد تعبيره، وحكى ماسك بتأثر أن الأطباء الذين يشجعون على تغيير جنس الأطفال أشرار وينشرون الجهل ويستغلون خوف الآباء من انتحار أبنائهم.
وبنظر ماسك، فإن الأفكار التي يدعمها الديمقراطيون هي التي أهلكت ابنه وفرقت بينهما، لذا فإنه بات يرى هذه الأفكار فيروسا يتغلغل في العقل البشري ويدمره في النهاية تماما، كما حدث من وجهة نظره مع ابنه الذي يعتقد أنه فقده. ومن ثم، فإن دونالد ترامب، والجمهوريين بشكل عام، صاروا يمثلون له الحصن ضد انتشار هذه الأفكار التي تهدد المجتمع، خاصة أن ترامب له تصريحات ومواقف عديدة معارضة بشدة للتحول الجنسي ولأفكار الهويات الجنسية.
فقد كان الرئيس المنتخب قد تعهد بأنه سيلغي التوسعات التي قامت بها إدارة بايدن في ما يتعلق بإعطاء الطلاب المتحولين جنسيّا الحق في استخدام حمامات وغرف تبديل الملابس التي تتوافق مع الهوية الجنسية التي يريدونها لأنفسهم، كما أنه تعهد بفرض حظر على التدخل الطبي المؤدلج على القاصرين الساعي لتغيير هويتهم الجنسية.
وفي المجمل، يبدو أن مزيجا من العوامل الاقتصادية والثقافية والشخصية تضافرت لجعل ترامب مخلّصا يستحق كل هذا الدعم المتحمس من وجهة نظر ماسك. وبنظر أغنى رجل في العالم، فإن الأمر يستحق المخاطرة حتى إن خسر ترامب وفازت هاريس. ولكن بعد أن أظهرت النتائج الأولية فوز ترامب، يتطلع أغنى رجل في العالم لحصد ثمار مغامراته الرابحة على المستوى الاقتصادي، بينما يستمتع بثأره الشخصي من التقدميين الذي لم يكتفوا بتعطيل أعماله، ولكنهم دمروا أسرته وحياته الشخصية أيضا. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/11/6/%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d8%b1%d9%82-%d9%8a%d8%ba%d9%8a%d8%b1-%d8%ac%d9%84%d8%af%d9%87-%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%86 | 2024-11-06T14:55:32 | 2024-11-06T19:13:06 | أبعاد |
|
164 | الكتاب الأكثر إثارة للجدل.. هل حقا كتب البوني شمس المعارف الكبرى؟ | نحن نتحدث عن أحد الكتب التي بلغت شهرتها الآفاق، وتباينت حولها الآراء، تباينا لم يقتصر على الكتاب فقط ولكنه مس مؤلّفه بطبيعة الحال؛ فالبعض رآه ساحرا، فيما صنّفه آخرون صوفيا زاهدا. | عادة ما يثير ذكر هذا الكتاب الكثير من القلق والرهبة مع التحذير من أن قراءته تُدخل صاحبها في نطاق المحظور المُحرم شرعا، خاصة مع الموقف الحاسم لعلماء المسلمين تجاه قراءة الكتب التي تندرج تحت أبواب السحر أو الشعوذة. ولكن على الجانب الآخر، كثيرا ما يثير الكتاب في الوقت ذاته شيئا من الفضول ومحبة الاستطلاع، وإذا ما قررت المُضي والبحث عن طبيعته عبر صفحات الإنترنت، فسوف تجد كمًّا مهولا من الحكايات الأسطورية المختلقة والمعلومات المغلوطة.
لِمَ لا ونحن نتحدث عن أحد الكتب التي بلغت شهرتها الآفاق، وتباينت حولها الآراء، تباينا لم يقتصر على الكتاب فقط ولكنه مس مؤلّفه بطبيعة الحال؛ فالبعض رآه ساحرا فاسقا، تزوره المردة في الجبال وتُملي عليه الشياطين، فيما صنّفه آخرون صوفيا زاهدا، لدرجة الحديث عمّا له من كرامات، مثل مخاطبة الحروف له، واختفائه عن الناس فجأة متى أراد، نتحدث هنا عن كتاب شمس المعارف الكبرى، المنسوب إلى أحمد بن علي البوني.
الغموض والشائعات لا يقفان عند هذا الحد؛ إذ يُقال إن البوني كان مولعا بحضارة مصر القديمة، وخلال زيارته أحد المعابد في صعيد مصر، عثر على برديات تحتوي على وصفات سحرية، استخدمها قدماء المصريين في تسخير الجان، فقام بجمعها في كتابه، وهذا مثال واحد فقط على التفسيرات الشعبية المتداولة حول مصادر هذا الكتاب الغامض.
هو شرف الدين أو شهاب الدين أحمد بن علي بن يوسف البوني، يُكنى بأبي العباس، ويُنسب إلى مدينة بونة، عنابة حاليا في دولة الجزائر. سنة مولده غير معروفة، بينما ترجح أغلب الآراء أن وفاته كانت عام 622هـ، ما يوافق القرن الثالث عشر الميلادي. قال عنه الزركلي في كتابه الأعلام أبو العباس البوني صاحب المصنفات في علم الحروف متصوف مغربي الأصل، نسبته بونة بأفريقية على الساحل.
المعروف عن حياة البوني قليل وغير مؤكد، لكن من المؤرخين مَن يرجح أن الرجل تعلم قراءات القرآن الكريم في تونس، وتفنن في علوم النحو والمنطق والبلاغة، كذلك علوم الأسماء والإشارات. وبالإمكان رصد أثر علوم اللغة والإشارات تلك على منتجه الفكري، الذي جاء أغلبه متبحرا في أسرار الحروف وخواصها، على حد قول الزركلي.
تشير الروايات الراجحة إلى أن البوني تفقه على مذهب الإمام مالك، لكن ذلك الأمر، شأنه شأن كل ما يتعلق بالبوني، لم يخلُ من تشكيك. يذكر المؤرخ حاجي خليفة في كتابه سلم الوصول إلى طبقات الفحول أن البوني كان شافعيا، ويقال إنه كان كثير التنقل؛ أقام بالقاهرة ورحل إلى مكة حاجًّا، ثم إلى بيت المقدس حيث التقى بالحافظ ابن عساكر، ثم إلى بغداد وهناك التقى بابن الجوزي، ومنها إلى مصر فأقام بها مدة، ثم إلى تونس حيث عمل بالتدريس والوعظ، قبل العودة أخيرا إلى مصر والوفاة بها.
ويُذكر أنه كان ورعا شغوفا بالعبادات والصوم، يؤثر العزلة على مخالطة الناس، وكان يخرج بانتظام كي يُقيم في جبل ماكوض على البحر شرقي تونس، ولم يكن له أولاد ولا أتباع لإعراضه عن ذلك.
والواضح أن البوني كان غزير الإنتاج، إذ يذكر إبراهيم باشا البغدادي في كتابه هدية العارفين نحو 37 مصنّفا من تأليف البوني، ومن ضمن المؤلفات التي يذكرها البغدادي إظهار الرموز وإبداء الكنوز، تنزيل الأرواح في قوالب الأشباح، التوسلات الكتابية والتوجهات العطائية، جواهر الأسرار في نواهر الأنوار، خصائص سر الكريم في فضائل بسم الله الرحمن الرحيم، وغيرها.
غير أن معظم تلك المؤلفات مفقود، بل ثمة آراء تشكك في صحة النُّسخ المتوفرة حاليا من مؤلفاته، وعلى الأخص أشهرها شمس المعارف الكبرى ولطائف العوارف. وتعود الطبعة المشهورة والمتداولة حاليا من الكتاب إلى عام 1986، وهي طبعة المطبعة الشعبية في بيروت، وتتكون من أربعة أجزاء في مجلد واحد نحو 600 صفحة، مقسّمة على 40 فصلا، وتورد على البوني في افتتاحيتها ويشمل هذا القانون القويم والطريق المستقيم أربعين فصلا، كل فصل يشتمل على معانٍ وإشارات ورموز خفيات وظاهرات، فتدبره بعقلك وتأمله بفكرك.
وبالإمكان تقسيم تلك الفصول حسب محتواها إلى 4 أنواع؛ فصول ذات محتوى فلكي ورياضي، مثل فصل في أحكام منازل القمر، وفصول تناقش مسائل لغوية وعلوم أسرار الحروف، مثل في اسم الله الأعظم وما له من التصريفات الخفية، وفصول أخرى ذات صبغة صوفية وروحية، مثل في الخلوة وأرباب الاعتكاف الموصلة للعلويات، وأخيرا فصول تنطوي على طلاسم وأسحار غامضة، مثل في خواص بعض الطلسمات النافعة.
اهتمت العديد من المؤلفات والدراسات بكتاب شمس المعارف وسعت إلى تتبع أصوله، وقد خلص الكثير منها إ إحدي هذه الدراسات هي القراءة البحثية المعنونة المعرفة المحرمة.. ملاحظات حول إنتاج، ونقل، واستقبال أعمال أحمد البوني التي أشرف عليها نوح غاردنر، الباحث في قسم دراسات الشرق الأدنى بجامعة ميتشجن الأميركية، يرى غاردنر أن العمل الذي اشتهر من خلاله اسم البوني، وهو كتاب شمس المعارف الكبرى، أُنتج خلال القرن الـ11 الهجريالقرن الـ17 الميلادي، أي إن المخطوطة المتوفرة مكتوبة بعد وفاة البوني بنحو 5 قرون كاملة.
وفي معرض تفسيره لطريقة انتقال تعاليم البوني خلال القرون التي تلت وفاته، يستطرد غاردنر قائلا إن تعليقات عبد الرحمن البسطامي الأنطاكي على كتاب آخر للبوني، وهو كتاب اللمعة النورانية، ساهمت في تسهيل استمرار شعبية مؤلفات البوني. والبسطامي، هو زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن علي، متصوف ومؤرخ، من أهل القرن التاسع الهجري، أي بعد ميلاد البوني بنحو 3 قرون، وُلد في أنطاكية وتعلم بالقاهرة وتوفي في بروسة بورصة التركية حاليا.
المثير للاهتمام أن غاردنر يتعرّض إلى مجموعة من الأسانيد المذكورة في خاتمة كتاب شمس المعارف، التي يذكرها البوني تحت عنوان خاتمة في ذكر سند مشايخنا رحمهم الله تعالى وقدس أرواحهم، بوصفها أسماء مرشديه ومعلميه في علم الحروف ومجالات المعرفة الأخرى، والمفارقة تكمن في وجود أشخاص أصغر سِنًّا بكثير من البوني، ويعقب غاردنر بالإمكان ملاحظة أن اثنين على الأقل من تلك الأسانيد منسوخة عن عبد الرحمن البسطامي، وأحد الأمثلة الواضحة تلك التي تنسب أصول معرفة البوني بعلم الحروف إلى الحسن البصري.
هذا الإسناد المزعوم يوضحه البوني بقوله وأيضا سندي بعلم الحروف إلى الشيخ الإمام أبي الحسن البصري، الذي أخذ عنه حبيب العجمي... وهو لقن الشيخ العارف الفاضل أصيل الدين الشيرازي، وهو لقن الشيخ عبد الله البلياني...، ويستكمل البوني سرد أسماء المشايخ إلى أن يصل إلى سنده المباشر وهو الشيخ عبد الله الأصفهاني.
بينما يذكر إسماعيل البغدادي في هدية العارفين أن أصيل الدين الشيرازي توفي عام 883هـ، بعد أكثر من قرنين على وفاة البوني، وأيضا الشيخ عبد الله البلياني الذي توفي عام 686هـ، أي بعد مرور نحو 60 عاما على وفاة البوني، أما معلمه المباشر الشيخ الأصفهاني فهو من مواليد 616هـ، وله من العمر 6 سنوات عند وفاة البوني
وعن وصول اسم البوني إلى المجتمع الأكاديمي الغربي، يقول غاردنر إن ذلك كان في أواخر القرن التاسع عشر، وأن المستشرق الألماني وليم آلورد هو الذي أوضح تفاصيل مخطوطة شمس المعارف الكبرى المحفوظة في برلين، التي ظهرت منذ ذلك الوقت في عدد من الطبعات التجارية بالشرق الأوسط.
وفي دراسة أخرى أشرفت عليها جامعة بنسلفانيا الأميركية، تحت عنوان السحر والعرافة في عصور الإسلام المبكرة، يسوق الرأي ذاته روبرت جراهام إيروين، الكاتب والأكاديمي الإنجليزي المتخصص في دراسات العصر المملوكي، الذي يرى أنه من المرجح أن إسناد الكتابات إلى البوني كان يهدف إلى اقتراح طبيعة محتوياتها بدلا من الإشارة إلى تأليفها الفعلي، وأن البوني مثل جابر بن حيان، استُخدما علامةً على نوع غامض من المؤلفات، وأن كتابات هذين الشخصين شبه الأسطوريين أُنتِجت بشكل شبه مؤكد من قِبَل العديد من المؤلفين المجهولين. وبمعنى آخر، يرى إيروين أن اسم البوني صار مثل ملصق يمكن وضعه على أي كتابة تختص بالسحر، مثل حكايات ألف ليلة وليلة، التي اكتسبت قوامها عبر أجيال.
في السياق ذاته، يرى المستشرق الهولندي المتخصص في دراسة المخطوطات في جامعة لايدن، جان جست ويتكام، أن مجموعة مؤلفات البوني متعددة التأليف ونتاج عمل عدة أجيال من السحرة الممارسين، الذين رتبوا عمل البوني وفكره وأضافوا ، ويضيف جان أن هذا العمل ربما امتزج بعناصر من أعمالهم الخاصة. ويصوغ جان حول ذلك مصطلحا جديرا بالتأمل وهو جسد البونيين corpus Bunianum، في إشارة إلى الثروة الفوضوية لمواد البوني الموجودة في المخطوطات، وإلى أن محتوى تلك المؤلفات ينتمي إلى عدة بونيين وليس بونيا واحدا على حد قوله.
يأخذنا الجدل الدائر حول كتاب شمس المعارف وأصوله إلى شخص البوني نفسه. فمثلا، يُرجع الباحث الجزائري عبديش براهيم ندرة ورود اسم البوني في مصادر التاريخ إلى أن أغلب كتب الطبقات ورجال المالكية أغفلوا ذكره، لاختلافهم في امتهانه صنعة السحر والشعوذة والكتابة فيها، رغم وجود تصانيف منسوبة إليه في التفسير ومنها تحفة الأحباب ومنية الأنجاب في سر بسم الله وفاتحة الكتاب، وكتابه فصول في التفسير.
وتُعَدُّ هذه إحدى الإشكاليات في دراسة البوني، حيث إن اسمه غائب عن معظم كتب السير الذاتية، باستثناء ترجمة وحيدة في كتاب تقي الدين المقريزي. بينما يذكر شيخ المؤرخين الجزائريين الدكتور أبو القاسم سعد الله في موسوعة تاريخ الجزائر الثقافي اسم بوني آخر، هو أحمد بن قاسم ساسي البوني، المولود أيضا في عنابة لكن في القرن الـ11 الهجري،و الذي كان أيضا متصوفا ومن أسرة ذات نفوذ روحي في تلك الأنحاء. ولا يتوقف تشابه الأسماء عند ذلك الحدّ، فثمة بوني ثالث كذلك هو عبد الملك مروان بن علي البوني صاحب كتاب تفسير الموطأ الذي يشرح مُسند الإمام مالك بن أنس، وكثيرا ما يحدث خلط بين مؤلفات البوني الأخير هذا وصاحب شمس المعارف.
المعنى ذاته حاضر في كتاب العبر لابن خلدون، حيث يورد في الفصل الـ28، وتحت عنوان في علوم السحر والطلسمات ما يلي ولما كانت هذه العلوم مهجورة عند الشرائع لما فيها من الضرر ولما يشترط فيها من الوجهة إلى غير الله من كوكب أو غيره، كانت كتبها كالمفقودة بين الناس. اللافت للنظر أن ابن خلدون يشير في الفصل ذاته إلى الكيميائي العربي جابر بن حيان ويصفه بكبير السحرة في هذه الملّة، وأن علومه من قبيل السحر، كذلك يَرِد ذكر الرياضي الفلكي مسلمة بن أحمد المجريطي في أكثر من موضع، قبل أن يرد اسم البوني في الفصل التالي علم أسرار الحروف مرتفقا وشيخ المتصوفة الشهير محيي الدين بن عربي، ويصفهما ابن خلدون بـالغلاة من المتصوفة الذين يجنحون إلى كشف حجاب الحس.
يمكننا أن نعزو رأي ابن خلدون هذا إلى غياب الحدود الفاصلة آنذاك بين السحر وبين الكيمياء القديمة التي شابتها نزعة باطنية كانت مختلفة إلى حد كبير عن الكيمياء الحديثة المعنية بالتحليل الكمي والنوعي للمواد الموجودة في الطبيعة. يمكن فهم الأمر أكثر من خلال الإشارة إلى مصطلح العلم الزائف للأنثروبولوجي الإنجليزي إدوارد تايلور، الذي استخدمه للإشارة إلى السحر بوصفه طريقة لتفسير العلاقة السببية بين الأشياء، وهو ذاته ما أورده تلميذه الأسكتلندي جيمس فريزر في دراسته الشهيرة الغصن الذهبي من أن السحر إذا ما ثبت يوما أنه فعال، فهو ليس بسحر وإنما علم. بمعنى آخر أن الالتباس بين علم جديد في ذلك الوقت، كعلم الكيمياء، وبين السحر كان أمرا وارد الحدوث.
لكن بغض النظر عن هذا التعقد والتداخل التاريخي بين السحر والكيمياء، فإن ما يدعو إلى الدهشة والتساؤل هو ذكر ابن خلدون لجابر ومسيلمة في فصل السحر والطلسمات دون ذكر البوني، الذي يرد اسمه في فصل السيميا أو علم أسرار الحروف، رغم أن كتاب البوني المتوافر بين أيدينا يحتوي صراحة على طلسمات من ذلك النوع، وبالتالي كان جديرا بابن خلدون أن يحشره مع زمرة السحرة لا أن يُرفقه مع متصوف مثل محيي الدين بن عربي، إلا إذا كان محتوى كتابات البوني التي اطلع عليها ابن خلدون في ذلك الوقت مختلفا عن المحتوى المتوفر بين أيدينا.
وبناء على ذلك، من المرجح أن النسخة المتوفرة حاليا من كتاب شمس المعارف الكبرى بعيدة تماما عن النسخة التي خطّها البوني في القرن السابع الهجري، خاصة إذا ما وضعنا شكوك غاردنر حول أسانيد الكتاب ومصطلح جسد البونيين بجانب نظرة ابن خلدون إلى البوني مؤلف الكتاب بوصفه أحد الباحثين في علم الحروف، وليس رجلا مشهورا بالطلاسم والأعمال السحرية.
يعني ذلك ببساطة أن النسخة الأصلية من الكتاب، في حال ما إذا كانت موجودة في مكان ما، لن تكون -على الأغلب- لكتاب يحمل وصفات سحرية، وربما تكون على غرار كتب البوني الأخرى، التي تناولت تفسير حروف القرآن الكريم فقط، بينما البقية هي إضافات متنوعة أُرفقت بالكتاب على مدى الزمن من مصادر متنوعة جدا. | https://www.aljazeera.net/culture/2023/6/13/%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%83%d8%ab%d8%b1-%d8%a5%d8%ab%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%ac%d8%af%d9%84-%d9%87%d9%84-%d8%ad%d9%82%d8%a7-%d9%83%d8%aa%d8%a8 | 2023-06-13T09:27:55 | 2024-07-02T09:10:23 | أبعاد |
|
165 | الملل يقتل العلاقة الزوجية.. فهل هناك وسيلة لعلاجه؟ إليك هذه الخطوات | الملل له آثار عميقة في استمرارية أي علاقة عاطفية، وما أن يطغى الملل، حتى تتكرر أفكار مثل: “ربما تزوجت الشخص الخطأ”، وغيرها. لكن، هل هناك وسيلة للعلاج؟ في هذا التقرير نقدم لك مجموعة من النصائح النفسية. |
لا وجود لزواج لا تتخلله الخلافات من حين إلى آخر، ولا تخبو فيه المشاعر المتأججة. إلا أن الخطر الحقيقي يظهر حينما تتبدل السعادة إلى حالة من السأم المستمر، هنا لا يعود الضجر شيئا بإمكاننا غض الطرف عنه ببساطة، وإنما علامة يجب أن نمنحها قدرا عاليا من الاهتمام.
قبل عشرة أعوام كانت مجموعة من الجهات الإعلامية مثل هافينغتون بوست وريدرز دايجست في خضم دراسة عن العلاقات الرومانسية، عُنونت بـThe Normal Bar وأُجريت على أكثر من 100 ألف شخص، أُثبت فيها أن الملل كان دافع 71 من الرجال و49 من النساء للخيانة الزوجية.1
نعم، تأتي الدراسة السابقة في سياق ثقافي واجتماعي مختلف، لكن ما نستطيع الاتفاق عليه هو أن الملل له آثار عديدة على مستقبل أي علاقة. في هذا السياق، تخبرنا الطبيبة النفسية هارييت ليرنر أن ملل العلاقة الزوجية الذي يعتري أحد طرفَيِ العلاقة أحيانا هو أمر طبيعي، لكنه ليس النهاية، إذ إن استعادة الرضا في الزواج هو أمر قابل للتحقق بكل تأكيد، لكن المشكلة الحقيقية هي ما يجتذبه الشعور بالملل من أفكار سلبية تطرأ على أحدهما أو كليهما، مثل ربما تزوجت الشخص الخطأ، أو يبدو أن الحب بيننا انتهى، أوليس لدينا أي شيء مشترك.2
توضح إيستر بيريل، معالجة العلاقات الزوجية، أننا في هذا العصر أصبحنا في بحث مستمر عن التجديد والتواصل والغموض، وأن الأجيال الحالية باتت توقعاتها مرتفعة تجاه زيجاتهم من حيث الإشباع العاطفي والجسدي. فالزواج لم يعد مؤسسة تضمن لك شراكة مدى الحياة وأطفالا وحياة اجتماعية ورفقة فحسب،3 بل رابطة عاطفية يبحث فيها الإنسان عن الصداقة الدافئة بموازاة الحب أيضا.
هنا يجب التركيز قليلا، فجوهر الزواج الناجح هو التوفيق بين احتياجات الإنسان الأساسية، شقّها الأول الشعور بالأمان والانتماء، الثقة والاستمرارية، لتكون ركائز يستند عليها الزوجان عند خوضهم لتجارب الحياة اليومية. وشقّها الآخر الحاجة المهمة للمرأة والرجل إلى الحرية والمغامرة وخوض الأمور التي تمثل مساحة الشغف الخاص لكلٍّ منهما.4 من هنا، فإنّ افتقاد إحدى الرغبات القابعة في الشقّ الآخر، قد يُبيح للملل النفاذ بصورة دخيلة على الحياة الزوجية. لكن العلاقات السوية هي التي تقوم على التوفيق بين الشقين.
كلما طالت العلاقة زادت احتمالية الدخول في حياة رتيبة تتكرّر معها الأشياء ذاتها، هذا أمر بديهيّ. من رحم تلك الإعادات يُخلق الروتين. تلك الكلمة التي ما إن يؤتى ذكرها حتى يراها الكثيرون باعثا على الملل. نعم، يأتي عصر التقنية ومواقع التواصل لتزرع في وعينا بريق التغير المستمر، لترتفع بذلك المعايير غير الواقعية وتصوّراتنا المغلوطة تجاه أنفسنا والآخر.
وعلى خلاف ما نتصور، فإن الروتين يُعد أحد العناصر المهمة للنجاح على المستويات كافة، ويمتد ذلك إلى العلاقات. هنا تتطرق إيستر بيريل إلى الفكرة ذاتها بالإشارة إلى أن الروتين يخلق عنصرين مهمّين، وهما الاستمرارية والنظام. بهذا يصبح للعلاقة طقوسها، نعني بذلك الأفعال الروتينية التي يرددها الزوجان تجاه أشياء بعينها مرارا، وهي السلوكات التي تُنشئ بينهما رابطة ومعنى.5 على سبيل المثال، احتساء كوب من القهوة في الخارج بشكل دوريّ هو أمر روتيني، لكن اختيار مقهى مفضل لدى كلا الطرفين والاعتياد على الذهاب إليه معا هو طقس. الروتين يولد ألفة وحميمية، والطقس يولد المتعة. لذلك فالمشكلة ليست في الروتين، بل في فقدان المتعة والمعنى تجاه ما يقوم به الطرفان.
وإذا أردنا تعداد بواعث ملل العلاقة الزوجية وأسبابه، فيمكننا الإشارة إليها سريعا في الإنفوجراف التالي
أولا حدد مفهومك عن الملل
لكل شخص فكرته الخاصة عمّا هو ممل. وُجدت دراسة نُشرت عام 2013 في مجلة العلاقات الاجتماعية والشخصية أنه من المهم تحديد شكل ومكمن الملل في العلاقة بوضوح.6 إذ هل يمكن أن يكون شعورك بالسأم لا علاقة له بالحياة الزوجية، بل يتّصل بحياتك المهنية أو حالتك النفسية؟ إذا كان الأمر كذلك فعليك التركيز على أفكار تجعلك أكثر رضا عن نفسك. إن الوعي بمصدر الضجر هو البوابة التي يمكنك عبرها صرف ذلك الشعور المزعج من حياتك.
ثانيا تخلَّ عن توقعاتك غير الواقعية
لا يجب أن تتوقع أن يكون كل يوم رومانسيا وجميلا. في معظم أوقات الحياة اليومية ستجلس في البيت وتتناول وجبات بسيطة مع شريكك. وللعلم، هذا ليسَ أمرا مملا. لديك بالتأكيد توقعاتك من شريك حياتك، والعكس صحيح، يحدث ألا يتمكن شركاؤنا دائما من منحنا ما نعتقد أنه يجب علينا الحصول عليه. لذا، وقبل أن تُلقي باللائمة على الطرف الآخر، عليك أن تسأل نفسك أولا هل تصوّراتي عن العلاقة الزوجية زائفة؟
بصيغةٍ أخرى، بمرور الوقت، ستستقر وتيرة العواطف وتهدأ لتحل المودة محل الافتتان وشغف البدايات، تلك التقلبات هي جزء صحي واعتياديّ في مشوار الحياة الزوجية، لتستقر على علاقة أعمق وأكثر ثراء وهدوءا.
ثالثا مارس أنشطة أو هوايات جديدة مع شريكك
جرب هواية أو مهارة جديدة مع الطرف الآخر، كطهي وجبة طعام معا. فبحسب الدكتور آرثر آرون، الذي عُنِي بتأليف كتاب الأسئلة الـ36 التي ستجعلك تقع في الحب، فإن تجربة أشياء جديدة معا هي السبيل للحفاظ على حيوية علاقتك. في دراسة أجريت عام 993، طُلب من 53 من الأزواج تقييم جودة علاقتهم قبل تقسيمهم إلى ثلاث مجموعات. أوكل لإحدى المجموعات نشاط جديد للقيام به معا لمدة 90 دقيقة في الأسبوع، ولمجموعة أخرى القيام بأنشطة ممتعة وروتينية معا بنفس عدد الدقائق السابقة أسبوعيا، بينما طُلب من المجموعة الثالثة عدم فعل أي شيء طوال العشرة أسابيع.
بعد انقضاء المدة الزمنية، تبين أن الأزواج الذين جرّبوا أشياء جديدة معا هم الأكثر رضا في علاقاتهم بشكل عام، يليهم الأزواج الذين داوموا على ممارسات روتينية. إذن، فإن مجرد بذل مجهود لفعل شيء معا، خاصة إن كان بعيدا عن الروتين المعتاد، قد يضع حدّا للضجر في علاقتك.
رابعا استحضر طقوسكما الخاصة
هل تذكر المقهى الذي اعتدتما ارتياده، زاويتكما الخاصة فيه ومشروبكما المفضل، الأماكن التي أحببتما التجوال فيها، كل الأشياء التي شكلتما منها رمزا وصنعت بينكما لغة لا يتحدثها سواكم؟ لِمَ لا تعيدا إحياء إحدى تلك العادات؟ خصّصا بعض الوقت لقضائه معا بالخارج، كأن تذهبا لتناول الغداء أو العشاء أو لزيارة إحدى الأماكن معا في يوم متفق عليه تتطلعان إلى قدومه، أو شاهدا فيلما معا.
في كتابه استَعِدْ زواجك البقاء معا في عالم يفصلنا عن بعضنا بعضا، يجزم ويليام دوهرتي بقوله إننا نقع في الحب من خلال الطقوس، هذه التفاصيل الصغيرة سابقة الذكر، والمحادثات اليومية أو شبه اليومية وتبادل الهدايا. نعم، الطقوس قلب العلاقة وما يُعرّفها.
خامسا عبِّر عن امتنانك للطرف الآخر
أحد أسباب فشل الناس في الحب أنهم يتوقفون عن التعبير يوميا عن حبهم وتقديرهم وامتنانهم لبعضهم بعضا، يُفصحون بذلك في بداية الزواج، لكنهم يتناسون ذلك في السنوات اللاحقة. لذا، لا تتردد في الإفصاح عن حبك دوما، وتعلم لغة الحب الخاصة بالطرف الآخر.
في دراسة نُشرت عام 2016 في مجلة العلاقات الشخصية، ظهر أن الامتنان هو المفتاح لتقوية الروابط. لاحظ الباحثون محادثات 47 زوجا تتراوح أعمارهم بين 24 و40 عاما، طُلب من الأزواج إما مناقشة تفاصيل اليوم السابق أو التعبير عن الامتنان تجاه بعضهم بعضا لمدة 30 يوما. وجد الباحثون أن الأزواج الذين عبروا عن امتنانهم أصبحت علاقتهم أقوى بعد شهر، على النقيض من الأزواج الذين لم يفعلوا ذلك. وفقا للباحثين، فإن إظهار الامتنان، حتى لأصغر الأشياء، يساعد الأشخاص على الشعور بالحب والتواصل. وبشعور الناس بالارتباط بشركائهم يكونوا أقل عرضة للسأم من العلاقة. يقودنا هذا إلى ألا تأخذ علاقتك كأمر مسَلّم به لمجرد أنك متزوج، وأن تبذل جهدا من أجل الشخص الذي قررت الارتباط به.
سادسا لا تكفَّ عن الضحك مع شريك الحياة
نشرت Science Daily نتائج دراسة أجرتها جامعة نورث كارولينا تقول إن الضحك المشترك هو طريقة أخرى لتقوية الروابط بين الأزواج. دوَّن الباحثون آراء 77 ثنائيا متزوجا، وصف فيها كل منهما كيف التقيا لأول مرة، وسجلوا كيفية ضحك الزوجين معا وبشكل فردي، فوجدوا أن الأشخاص الذين أمضوا وقتا أطول في الضحك مع شركائهم شعروا بارتباط أقوى، وانتابهم إحساس أنهم أكثر شبها وانسجاما مع شركائهم، وازداد شعورهم بأنهم مدعومون من الشخص الآخر. لذا، لا تتردد في الضحك مع شريك الحياة، وانتهز منه ابتسامة، فالشركاء الذين يضحكون معا يستمتعون برفقة بعضهم بعضا، إذ كيف تشعر بالملل من شخص تستمتع حقا بوقتك معه؟
أسئلة
الأسئلة الـ36 التي طوّرها عالم النفس آرثر آرون لإعادة إحياء الحب، التي تتبّعها آرثر وزملاؤه عبر سلسلة من الدراسات ووجدوا أنّها فعّالة في خلق المشاعر الحميمية وتقويتها. وتقوم فكرة هذه الأسئلة على الانفتاح للآخر، أيّ أن تكون قادرا على الإفصاح عن نفسك، عن ضعفك وعن مخاوفك وآمالك وتطلّعاتك أمام شريكك دون الشعور بالحرج. تناول أنتَ وزوجك سؤالين يوميا، وحاول أن تكون بالترتيب، حيث إنّ الأسئلة مرتّبة بحسب درجة الإفصاح، وحاولَا أن تمنحا نفسيكما أكثر وقت ممكن في الإجابة، وأن تستوضحا عن كلّ إجابة بالمزيد من الأسئلة، مثل لماذا؟ وكيف؟ ومنذ متى؟
المجموعة الأولى
المجموعة الثانية
المجموعة الثالثة
فيديو
النحت في تركيبة الزواج العاطفي، وتقصِّي شعور الإنسان عندما يحب، وأسرار الشغف في علاقة طويلة الأمد كالزواج، هو فيض مما تحاول إيستر بيريل تغطيته في هذا الحديث، في الرابط أدناه على موقع TED
The secret to desire in a long-term relationship
كتاب
يعالج ويليام دوهرتي قضية ملل العلاقة الزوجية في كتابه استعد زواجك البقاء معا في عالم يفصلنا عن بعضنا بعضا TAKE BACK YOUR MARRIAGE- STICKING TOGETHER IN A WORLD THAT PULLS US APART، يضع القضية في بؤرة استكشافه، ويعنى بتحليلها واستعراض حلول للتعاطي معها لا تتوفر ترجمة للكتاب إلى الآن.
____________________________________________________________________
1 Can this marriage be saved, American Psychological Association. Anna Miller
2 Why do People Get Bored With Their Partner Harrlet Lerner
3 The Secret to desire in a long -term relationship. Esther Perel
4 How Researching Boredom Prepared Me for Marriage.Mary Mann
5 Rituals for Your Relationships Letters from Esther Perel 6 The 7 Most Effective Ways To Prevent Boredom In Your Relationship. Kristine Fellize. | https://www.aljazeera.net/sukoon/2021/8/1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d9%84-%d9%8a%d9%82%d8%aa%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%88%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%87%d9%84-%d9%87%d9%86%d8%a7%d9%83 | 2021-08-01T09:03:28 | 2024-06-06T11:44:03 | أبعاد |
|
166 | ما الذي تكشفه آثار أقدام البشر في العصر الحجري عن حياتهم اليومية؟ | أصبحت دراسة آثار الأقدام حاليا هي الأمل الذي نستضيء بنوره لاكتشاف خبايا الماضي، وذلك بقدرتها على تقديم صورة مُفصلَّة ومثيرة للدهشة عن الماضي. | أحد المشكلات التي يواجهها علم الآثار في مجتمعاتنا العربية هي أنه غير قريب للناس، وبالتالي فهم لا يعرفون كيف يعمل، إذ قد يسأل سائل ما الذي أدرى العلماء بعواطف شخص عاش قبل مئات الآلاف من السنوات؟ في هذه المادة من نيوساينتست يشرح كولين باراس إحدى طرق العلماء للإجابة عن أسئلة كهذه، عبر تتبع آثار أقدام البشر الذين عاشوا في زمن سحيق، وكيف يمكن لتلك الآثار أن تعطي معلومات جمة عن هذا العالم البعيد.
تظهر امرأة شابة تواصل سعيها متلمسة طريقها بصعوبة بالغة عبر سهول موحلة وهي تحمل طفلا عمره ثلاث سنوات على جانبها الأيسر. وما إن تضع الطفل أرضًا لتستريح قليلًا، حتى تستشعر خطرًا ربما يكون نابعًا من استبطانها المرجح للموت إذا توقفت مدّة أطول. تبدو المرأة والطفل وحيدين تماما وهدفا سهلا للقطط البرية ذات الأنياب السيفية المتوحشة التي قد تكمن في مكان قريب لرصدهما. ينحصر تفكير المرأة في النجاة فتحمل الطفل مرة أخرى وتستأنف مسيرها بسرعة إلى أن تختفي بعيدًا. لبرهة من الوقت، تبدو الأمور هادئة إلى أن يندفع كسلان أرضي عملاق ليشق طريقه عبر المسار الذي سلكته المرأة منذ قليل. وما إن يلتقط الحيوان رائحة المرأة حتى يغدو في حالة تأهب، ويبدأ فحص المكان تحسبا لوجود صيادين من الجنس البشري.
كيف كان شكل الحياة في العصر الحجري؟ لا بد أن حياة هؤلاء الأشخاص الذين عاشوا على الأرض منذ عشرات الآلاف من السنين تخللتها لحظات من الفرح والخوف والحب والألم وربما الدهشة. ومع ذلك، فالعواطف لا تتحجر أو تتحول إلى أحافير مع الزمن، وبالتالي يتعذر علينا فهم هذه اللحظات التي تفصلنا عنها هوة زمنية سحيقة. وعلى الرغم من أننا قد نجد العديد من العظام والأدوات التي تعود إلى تلك الحقبة، فإنها لن تخبرنا عن التجارب الحياتية التي خاض غمارها أسلافنا القدماء.
لهذا، قد تكون دراسة آثار أقدام البشر في العصور القديمة نافذة جديدة تطل على حياتهم وممارساتهم اليومية في تلك الحقبة الزمنية. والمثير للانتباه أن هؤلاء البشر سجلوا سلوكهم بطريقة فريدة من نوعها، فآثار أقدامهم توضح كل شيء، بدءًا من حركاتهم المضطربة التي تشي بالخوف أو التوتر، وصولًا إلى الركض بقوة وإصرار دون تردد. وبجانب ذلك كله، تحمل هذه الآثار تسلسلًا معينًا؛ مما يتيح فهم الأحداث كما لو كانت قصة متسلسلة. وأقرب مثال على ذلك هو قصة المرأة والطفل والكسلان العملاق التي تعتبر مثالا حيا وجدناه مكتوبًا في الآثار القديمة، ومع ذلك لا يمكن اعتبارها القصة الوحيدة بالتأكيد، فالاكتشافات المتزايدة المتعلِّقة بآثار الأقدام تفصح عن صورة جديدة للماضي، بدايةً من توزيع العمل بين الجنسين وصولا إلى سلوك الحيوانات المنقرضة منذ آمادٍ بعيدة.
تشكَّلت نقاط ثِقل إدراكية لدى العلماء منذ عقود اتجاه إمكانية تحول آثار الأقدام إلى حفريات. في عام 1976 -على سبيل المثال- اكتشف فريق بحث آثار أقدام عمرها 3.7 ملايين سنة في لاتولي، وهو موقع أثري في تنزانيا. في ذلك الوقت، تعامل المتخصصون مع آثار الأقدام بوصفها مصدرا هاما للأدلة على الحقائق التشريحية الأساسية للأنواع. ومع ذلك، لم يؤدِّ الاكتشاف في موقع لاتولي إلى إثارة حماس العلماء للبحث عن مزيد من آثار الأقدام.
فسّر ماثيو بينيت من جامعة بورنموث بالمملكة المتحدة سبب ذلك بقوله كان يُعتقد أن آثار الأقدام نادرة حقًّا. إذ يرى أن عدم إبداء الباحثين اهتماما كافيا بآثار الأقدام كان أمرًا مؤسفًا، لأنها ببساطة شائعة بالفعل وموجودة بكميات هائلة قد تصل إلى مليون خطوة لكل شخص سنويًّا، لذلك حتى وإن انتهت نسبة صغيرة فحسب بوصفها حفريات، فسيظل هذا العدد ضخمًا. وعن ذلك، يقول كيفن هاتالا من جامعة تشاتام في بيتسبرغ، بنسلفانيا تملك عظامي فرصة واحدة لإدراجها ضمن السجل الأحفوري، في حين أن جميع الخطوات التي أخطوها يوميا تُمثل فرصة هائلة لأن تتحول فيما بعد إلى بقايا يمكن أن تُحفَظ في السجل الأحفوري.
على الجانب الآخر، يرى الباحثون أن من أجدى السبل التي يمكن من خلالها الحفاظ على آثار الأقدام أن يسير الشخص فوق طبقة من الرماد الناجم عن ثوران بركاني، ستتصلب بعد ذلك بصورة مشابهة للخرسانة السريعة الجفاف بمجرد تعرضها للرطوبة. هذه هي الطريقة التي تحجرت بها آثار الأقدام في موقع لاتولي. ومع ذلك، لا تزال هذه عملية نادرة الحدوث لأن الأكثر شيوعا هو أن تُغطَّى آثار الأقدام في الرمال الرطبة أو الطين سريعا بطبقة من الرمل الجاف والغبار المتناثر جراء العواصف.
وعندئذٍ تُدفَن وتتحجر ثم تتعرض لعمليات جيولوجية قد تدفعها إلى السطح مرة أخرى. وعلى الرغم من أن آثار الأقدام القديمة لم تحظَ بأولوية أثرية لعقود من الزمن، فقد تغيرت الأمور أخيرًا. خلال العقود العشرين الماضية، شهدنا طفرة في عدد مواقع آثار الأقدام القديمة. فقد أصبح من السهل العثور عليها حاليا في كل ركن من أركان العالم تقريبًا في أفريقيا، و أوروبا، وشبه الجزيرة العربية، وأستراليا والأميركتين.
أصبحت دراسة آثار الأقدام حاليا هي الأمل الذي نستضيء بنوره لاكتشاف خبايا الماضي، وذلك بقدرتها على تقديم صورة مُفصلَّة ومثيرة للدهشة عن الماضي. فعلى سبيل المثال، أكَّدت التجارب المعملية أن حجم وشكل قدم شخص ما يمكن أن يُنبِئ نسبيا بحجم جسمه بدقة. ونظرًا إلى أن حجم الجسم يختلف عموما بين الجنسين، فقد نتمكن من تقدير جنس الفرد من آثار أقدامه. ومن المعروف أيضًا أن طول القدم يبلغ حوالي 15 من الارتفاع الكلي للفرد، في حين أن المسافة بين آثار القدم نفسها تسمح لك بتقدير سرعة مشي هذا الفرد أو جريه. تأكيدًا لذلك، تقول عالمة الآثار آشلي وايزمان من جامعة كامبريدج يمكن لآثار الأقدام أن تعكس طولك، وعمرك، وجنسك، وربما حتى وزنك.
في إحدى الدراسات التي أُجريت عام 2020 على أكثر من 400 أثر قدم في موقع في تنزانيا يسمى إنجاري سيرو Engare Sero، استعان هاتالا وزملاؤه بالاستنتاجات السابقة لإعادة بناء مشهد يرجع تاريخه إلى ما يقرب من 12,000 سنة. وتوصلوا إلى أن هذه الآثار تعود إلى ما لا يقل عن 17 شخصًا من جنسنا البشري، مما يجعلها أكبر مجموعة من آثار الأقدام البشرية القديمة التي عُثر عليها في أفريقيا. استنتج الباحثون في النهاية أن هذه المجموعة ربما تألفت من 14 امرأة ورجلين وشاب يافع، إضافة إلى أن جميع أفراد المجموعة كانوا يسيرون بوتيرة واحدة تتراوح بين 1.2 و1.5 متر في الثانية، وهو ما يوحي بأنهم كانوا يسافرون معًا.
وبفضل هذا النوع من الأدلة، قد نتمكن من تقديم تخمينات مدروسة حول ما كان يقوم به هؤلاء الأشخاص. فمثلا، في المجتمعات الحديثة للصيادين وجامعي الثمار، غالبا ما تتعاون النساء معًا للبحث عن الطعام، ولعل هذا ما كان يحدث أيضا في مجتمعات الصيد القديمة. وإذا كان الأمر كذلك، فإنه يخبرنا شيئًا عن تقسيم العمل بين الجنسين في نهاية العصر الحجري. وعن ذلك، يقول هاتالا لا أعرف كيف يمكن لأدلة أثرية أخرى أن توفر مستوى من الفهم والتحليل للديناميكية الاجتماعية كما توفره آثار الأقدام. أما أكثر الأشياء التي أثارت فينا شعورا بالدهشة فهي آثار أقدام عُثر عليها في موقع يسمى حديقة وايت ساندز الوطنية في ولاية نيو مكسيكو الأميركية. تحيط بهذه المنطقة النائية مجموعة من المناطق العسكرية، كما تحتوي على كثبان رملية ومسطحات ملحية رائعة كفيلة بجذب صنَّاع الأفلام.
يضم الموقع بحيرات مجففة ضخمة شهدت لفترة طويلة آثار أقدام متحجرة لحيوانات منقرضة. وفي عام 2017، عثر ديفيد بوستوس -الذي يعمل في خدمات حديقة وايت ساندز الوطنية- على آثار أقدام بشرية. بعد ذلك بفترة وجيزة، سافر ماثيو بينيت من جامعة بورنموث بالمملكة المتحدة إلى هناك للبحث عن مزيد من آثار الأقدام. ومنذ ذلك الحين، بدأ الاستقصاء عن ذلك بصورة مكثفة. يقول بينيت تضم معظم الطرقات في وايت ساندز زوجين من البالغين ومجموعة من الأطفال. تُظهر آثار الأقدام حركة تجول عائلية عادية عبر المناظر الطبيعية، وهو نوع من المشاهد التي تتوقعها من عائلة تتجول بعد ظهر يوم الأحد.
ومع ذلك، عثر بينيت وبوستوس وزملاؤهم على مجموعة مختلفة من آثار الأقدام. فقد اكتشفوا آثار أقدام لشخص واحد يسير في خط مستقيم، واتضح أن هذه هي الآثار التي كشفت قصة الشابة والطفل وحيوان الكسلان التي تحدثنا عنها سابقا. لكن بينيت وبوستوس لم يعلما ذلك عندما قررا البدء في متابعة الدرب لاكتشاف آثار الأقدام. وسرعان ما أدرك الباحثان انقسام آثار الأقدام إلى اتجاهين، إذ يسير بعض أصحاب تلك الآثار نحو الشمال مسافة لا تقل عن 1.5 كيلومتر، في حين يسلك الآخرون المسار ذاته اتجاه الجنوب. وقد استنتجا أن آثار الأقدام التي كانت تتجه شمالًا جاءت أولًا لأنها تقاطعت مع آثار حيوانين كبيرين ومنقرضين الآن، وهما الماموث والكسلان الأرضي العملاق، في حين تقع الآثار البشرية المتجهة جنوبًا -في المقابل- فوق آثار أقدام الحيوانات. وهذا التقاطع والتشوه جزئيًّا يدل على أن البصمات البشرية جاءت بعد الحيوانات.
لم يُظهِر التحليل الإحصائي أي اختلاف واضح في حجم وشكل آثار الأقدام الموجودة في الاتجاهين الشمالي والجنوبي، لذا فعلى الأرجح أن يكون قد تركها شخص واحد. يقول بينيت إن حقيقة عدم انحراف هذا الشخص عن مساره في أي من الرحلتين تترك لنا الكثير مما يجدر بنا تأمله، إذ توحي في الغالب بأنه كان في مهمة ما. أما فيما يتعلق بهوية الشخص الذي ترك هذه البصمات، فأكَّد بينيت وفريقه أن آثار الأقدام هذه تركها شخص نحيل، وأنه على الأرجح امرأة شابة. ومن الواضح أيضا أنها كانت في عجلة من أمرها. وبحساب الأرقام، سُجلتْ سرعتها بمعدل 1.7 متر في الثانية، وهو أسرع من متوسط سرعة المشي الحديثة، وهو ما يُعتبر أمرا مُدهشا نظرا إلى ضراوة الطريق وصعوبة السير في تلك الظروف، إذ تُظهر آثار الأقدام الكثير من الأدلة على أن المرأة انزلقت وهي مسرعة في طريقها. وعن ذلك يقول بينيت على الأغلب كانت هناك حاجة ملحة للتحرك.
تزيح آثار أقدام هذه الشابة الستار عن المهمة الموكلة إليها. فخلال رحلتها إلى الشمال، تُظهِر بعض آثار قدمها اليسرى انزلاقًا دورانيًّا في الطين الناعم، مما يمنحها شكل الموزة. ويشتبه بينيت في أنها كانت غير متوازنة من جانبها الأيسر لحملها عبئًا على هذا الجانب. بعد ذلك بقليل تتضح لنا ماهية هذا العبء. فعلى طول المسار الشمالي، تظهر مجموعة لآثار أقدام طفل لا يزيد عمره على 3 سنوات. ويبدو أن المرأة كانت تحمله ثم تضعه بين الحين والآخر، ربما لتستريح هي أو ليستريح الطفل. لكننا لا نعرف الوجهة التي تتخذها المرأة بالضبط، فآثار أقدامها تختفي تدريجيا في الاتجاه الشمالي، تحديدًا في النطاق العسكري المحيط بحديقة وايت ساندز، وهي منطقة محظورة لا يمكن الوصول إليها للتحقيق. ومع ذلك، لا يوجد حتى الآن ما يشير إلى أن المرأة استمرت في حمل الطفل أثناء اتجاهها جنوبًا. ويمكن تفسير ذلك على أن مهمتها كانت تتمحور حول تسليم الطفل لشخص ما. وسواء نجحت في ذلك أم لا، فقد عادت وحدها في كلتا الحالتين.
قصص كهذه تعني الكثير لكيم تشارلي وبوني لينو، وهما من قبيلة أكوما التي تقع بالقرب من ألباكركي في نيو مكسيكو، وهي واحدة من عدة مجموعات من شعوب البويبلو سكان أميركا الأصليين في جنوب غرب الولايات المتحدة الذين يشعرون بآصرة روحية تربطهم بحديقة وايت ساندز الوطنية. تُعتبر تشارلي عضوًا في اللجنة التنفيذية للمكتب الإقليمي لحفظ التراث التاريخي القبلي، في حين أن شقيقتها لينو تعمل مراقبة قبلية معتمدة، مما يعني أنها تتعاون مع العلماء لمشاركة معرفتها بالمنطقة. زارت كلتاهما وايت ساندز لرؤية علماء الآثار أثناء عملهم. وتعليقا على ذلك، تقول تشارلي ما يحدث في الحقيقة هو أمر مدهش، لا توجد كلمات يمكنها وصف ما تشعر به عندما تكون هناك بالفعل. اكتشفتْ لينو بعض آثار الأقدام بنفسها خلال زيارتها، بما في ذلك آثار أقدام بشرية بالقرب من آثار حيوان الكسلان العملاق. وبفضل معرفتها بالمنطقة، تتمتع لينو بمعرفة جيدة بأماكن إقامة الناس في الماضي ومسارات سفرهم، وتقول يمكنك أن تقول إننا نرى أشياء تتجاوز نطاق رؤية علماء الآثار، ربما لأن هؤلاء كانوا أسلافنا.
وعلى الجانب الآخر يحذِّر بينيت من أخطار تضخيم نتائج تحليل آثار الأقدام من أجل صياغة قصة جذابة. فمن المغري افتراض أن المرأة سارعت لأنها كانت تخشى القطط ذات الأنياب السيفية، لكننا لن نعرف الحقيقة أبدًا. ومع ذلك، فإن آثار الأقدام تقربنا أكثر من أي وقت مضى من فهم مشاعر هؤلاء البشر في تلك الحقبة الزمنية. تشير الأدلة إلى أن الخوف كان حاضرًا بقوة في ذلك اليوم ويخيِّم على أنواع مختلفة من الكائنات الحية. أظهر الكسلان العملاق سلوكًا غريبًا عندما عبر المسارات التي اتخذتها المرأة اتجاه الشمال، وتشير آثار أقدامه إلى أنه وقف على قدميه الخلفيتين وتحرك بصورة دائرية.
وفقًا لبينيت، فإن هذا الحيوان التقط رائحة المرأة وسرعان ما اعتراه قلق من وجود صيادين محتملين، لهذا استمر في فحص المكان المحيط به. يرى بينيت أن سلوك حيوان الكسلان كان في ذلك الوقت سلوكًا طبيعيًّا ويوضح ذلك قائلًا توجد العديد من آثار أقدام الكسلان العملاق في أماكن أخرى في وايت ساندز التي توضح أن هذه المخلوقات عادة ما تتحرك في خط مستقيم تقريبا، لكن في بعض الأحيان تتخذ مسارات مختلفة، إذ فجأة تتغير آثار الأقدام متخذةً اتجاها مختلفا. وما إن ننظر إلى تغيير المسار هذا، حتى نعثر على آثار أقدام بشرية. وهو ما يعتبر دليلا على تداخل بين آثار أقدام الإنسان وحيوان الكسلان في هذه المنطقة، مما يشير إلى تفاعل بين البشر والحيوانات في ذلك الوقت.
في عام 2018، أجرى بينيت وزملاؤه دراسة صوروا فيها عملية صيد البشر لحيوان الكسلان عن طريق تتبع آثار أقدامه قبل الهجوم. وبخلاف حيوان الكسلان الذي كان يخشى البشر، تبنت حيوانات أخرى موقفا مختلفًا، إذ لاحظ فريق البحث أن آثار أقدام الماموث وحتى الإبل لا تغيّر مسارها عندما تجد آثار أقدام بشرية وهو ما يخبرنا عن شعورها بالسلام وعدم التوتر إزاء الأميركيين الأوائل. وعن ذلك يقول بينيت تساهم هذه الدراسات والاكتشافات في إعادة إحياء تاريخ وسلوك الحيوانات القديمة.
لا تتعلق آثار الأقدام في وايت ساندز بالصراع الشاق من أجل البقاء، بل ثمة لحظات من الفرح الخالص اكتشفها بينيت وفريقه في أبحاث غير منشورة لهم. عثر الفريق على آثار أقدام متناثرة بفوضوية لمجموعة من الأطفال، أكبرهم لا يتجاوز عمره 6 سنوات. تتركز آثار أقدامهم الصغيرة فوق آثار كبيرة تركها كسلان عملاق وراءه. يرى بينيت أن الاستنتاج المنطقي من ذلك هو أن الأطفال كانوا يرقصون ويركضون في البرك الموحلة التي تركتها آثار أقدام الكسلان العميقة. يقول بينيت لطالما أحب الأطفال القفز في البرك، وقصص كهذه يمكنها أن تربط الناس بالماضي.
وبغض النظر عن الحكايات الجميلة، فلا تزال آثار الأقدام تتمتع بقدرة على إثارة المفاجآت حول التاريخ العظيم للبشرية، فقد يؤدي موقع وايت ساندز دورًا محوريًّا للإجابة عن بعض الأسئلة المثيرة للجدل على غرار متى بدأ البشر استيطان أميركا الشمالية لأول مرة؟ لعقود من الزمن، كان من المفترض أن المستوطنين الأوائل مرتبطين بثقافة كلوفيس، التي تعود إلى العصر الحجري، وتعتبر واحدة من أولى الثقافات التي عرفتها أميركا الشمالية، وتشتهر بأدواتها الحجرية المتقنة، خاصةً رؤوس الرماح والأدوات الحادة المستخدمة في الصيد. لكن ثمة إجماع حاليا على أن هذه الثقافة التي يبلغ عمرها 13,000 عام ليست أقدم دليل على النشاط البشري في الأميركتين، بل تشير الأدلة الأثرية والجينية إلى أن الناس بدؤوا حياتهم هناك قبل حوالي 15,000 عام. ومع ذلك، لا تزال هناك شكوك تدور على غير هدى حول ما إذا كانت هذه هي النتيجة النهائية، فقد عثر عدد من علماء الآثار على أدلة تشير إلى وجود البشر في أميركا الشمالية قبل آلاف السنين -أي في ذروة العصر الجليدي- إلا أن هناك من يشككون في صحة هذه الأدلة.
في أحد الأيام، عثر بينيت وزملاؤه في متنزّه وايت ساندز على مجموعة من آثار الأقدام البشرية التي تمتد عبر تربة طينية إلى أن تختفي تحت تلة صغيرة، وهو ما يوحي بأن آثار الأقدام هذه أقدم من التلة نفسها. وبصورة حاسمة، تمكن الباحثون من اختبار افتراضهم لأن التربة المحيطة بالآثار تحتوي على بذور عشب يمكن تأريخها بالكربون المشع. جميع الكائنات الحية تمتص الكربون من الغلاف الجوي، بما في ذلك الكربون-14 الذي يُعتبر نظيرا غير مستقر يضمحل بمعدل معروف. وعندما تموت النباتات أو الحيوانات، فإنها تتوقف عن امتصاص الكربون، ويضمحل الكربون المشع المتراكم بالفعل.
ويمكن تحديد عمر المادة من خلال الكمية الموجودة من الكربون-14، وتُستخدم هذه الطريقة على نطاق واسع في علم الآثار وعلم الجيولوجيا لتحديد أعمار الأشياء العضوية القديمة مثل العظام والنباتات والأخشاب. وفي سبتمبرأيلول 2021، أعلنوا أن آثار الأقدام البشرية التي بلغ عددها 61 أثرا، تعود إلى ما بين 21,000 و23,000 عام. وهو ما اعتبروه دليلا قاطعًا حتى الآن على أن استيطان أميركا قد حدث في وقت أبكر بكثير مما كنا نعتقد.
في السياق ذاته، يقول الباحث سيبريان أرديليان من جامعة زاكاتيكاس المستقلة في المكسيك، الذي توصل أيضًا إلى أدلة أثرية تشير إلى وجود البشر في الأميركتين قبل 20,000 عام تُعدُّ منطقة وايت ساندز اكتشافا رائعًا. لكنه في الوقت ذاته لا يعتقد أن الاكتشافات المتعلِّقة بآثار الأقدام ينبغي أن تقلل من أهمية علم الآثار التقليدي الذي يعتمد على القطع الأثرية مثل الأدوات والمباني والآثار الأخرى. ومع ذلك، فقد رأى أن موقع وايت ساندز قد يكون محوريا في فهم تاريخ الأميركيين الأوائل، وبالتالي كتابة القصة التاريخية لهذه الفترة الزمنية الهامة.
يأمل بينيت أن يشجع العمل في وايت ساندز علماء الآثار الآخرين على البحث عن آثار الأقدام في مناطق أخرى من العالم، لأن الجزء الأكثر أهمية في هذه القصة هو احتمال ألا تكون وايت ساندز بهذه الأهمية والاستثنائية بالنسبة لبقية المناطق في العالم. تأكيدا على ذلك، يقول بينيت يوجد العديد من الأحواض الجافة الأخرى في جنوب غرب الولايات المتحدة. وقد تحتوي أيضًا على آثار أقدام بشرية متحجرة في انتظار أن يسرد أحد قصصها القديمة وكيف كانت الحياة في الماضي السحيق.
لأكثر من قرن من الزمان، ظل علماء الآثار في حيرة من أمرهم بشأن آثار أقدام بشرية يبلغ عمرها 17,000 عام تقريبا عثُر عليها في أحد الكهوف بجنوب فرنسا. صُنعت العديد من آثار الأقدام هذه باستخدام كعب القدم فقط، وهو ما أفضى إلى احتمال كونها دليلا على وجود بعض الطقوس الدينية المرتبطة بنحت تمثالين من البيسون الثور الأميركي مشابهين للواقع في هذا الكهف. في عام 2013، دعا فريق أوروبي ثلاثة أفراد من قبيلة جو هوانسي في ناميبيا لامتلاكهم مهارات متميزة في تتبع أثر الحيوانات والتحرك في البيئة البرية، وجلبوهم لإلقاء نظرة على آثار الأقدام التي اكتشفوها في هذا الكهف. يقول دام ديبي، وهو أحد متتبعي الأثر من قبيلة جو هوانسي وأحد أفراد الفريق أخبروني أن الأمر يمثل تحديًا. وبالفعل اكتشفنا أن آثار الأقدام كانت أقدم بكثير من تلك التي يصادفها المتتبعون عادةً.
ومع ذلك، توصل الفريق إلى تفسير جديد للأحداث التي وقعت في الكهف منذ آلاف السنين. اتضح أن آثار الأقدام كانت لمراهق ورجل في الثلاثينيات من عمره انشغلا بجمع الطين من حفرة صغيرة في أرضية الكهف لصنع تمثال البيسون. وبالتالي يبقى السؤال الأهم هنا لماذا ساروا على كعبيهم؟ وفقا لفريق المتتبعين، يمكن لأي شخص مطلّع أن يتعرف على أفراد شعبه بتتبع الأثر الكامل لقدمه. صحيح أن المشي على كعوب القدم أمر غير مريح، إلا أنه وسيلة فعالة لإخفاء هوية شخص ما، وهو الأمر الذي ربما كان مهمًّا للنحاتين إذا ارتبط العمل الفني بطقوس دينية. ربما كان إخفاء الهوية جزءًا من الأسرار والممارسات الدينية التي تعزز القدسية والغموض المحيط بالطقوس.
______________________
إضافة من المترجم
هذه المادة مترجمة عن موقع نيوساينتست ولا تعبر بالضرورة عن الجزيرة نت | https://www.aljazeera.net/science/2024/8/22/%d9%85%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%8a-%d8%aa%d9%83%d8%b4%d9%81%d9%87-%d8%a2%d8%ab%d8%a7%d8%b1-%d8%a3%d9%82%d8%af%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b4%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b5%d8%b1 | 2024-08-22T04:13:39 | 2024-10-15T02:16:03 | أبعاد |
|
167 | لا أستطيع التوقّف عن التفكير.. كيف أتخلّص من التفكير الزائد؟ | هل شعرتَ من قبل بأنّك تدور في حلقات مُفرَغة من الأفكار التي لا تفيدك في حلّ المشكلات بل تزيد من القلق الذي تعاني منه وتمنعك من التركيز في أي شيء آخر؟ في هذا المقال نقدم لك أهمّ الخطوات التي قد تساعدك. | هل تشعر أحيانًا بأنّ رأسك على وشك الانفجار من كمّ التفكير؟ هل شعرتَ من قبل بأنّك تدور في حلقات مُفرَغة من الأفكار التي لا تفيدك في حلّ المشكلات بل تزيد من القلق الذي تعاني منه وتمنعك من التركيز في أي شيء آخر؟ هل أحسستَ يومًا بأنّك لا تستطيع النوم بسبب التفكير الزائد، أو أنّ جسدك جاهز للنوم ولكن عقلك لا يهدأ ولا يسمح بذلك؟
لماذا نغرق أحيانًا في سيناريوهات الـماذا لو؟ فتحتلّ عقولنا أفكار متكرّرة ولا نستطيع الفكاك منها بسهولة؟ ولماذا نأسى على ما فات بشكل مفرط، ونندم ونؤنّب أنفسَنا باستمرار على مواقف حدثت في الماضي رغم أنّ تأثيرها الواقعي على حياتنا أصبح محدودًا أو غير موجود أصلًا؟
في هذا المقال سنحاول الإجابة عن هذه الأسئلة بالحديث عن ظاهرة التفكير الزائد، أو ما يُدعى بالإنجليزية بالـOverthinking. وسنحاول الاستعانة بأقرب المفاهيم والمصطلحات العلمية لهذه الظاهرة، والدراسات التي أجريت عليها. ولأنّه من السّهل الشعور بأنّه لا فائدة من أي شيء في مجابهة التفكير الزائد، سنستعرض أهمّ الخطوات التي قد تساعد على التغلّب عليه والحدّ مما يرافقه من أعراض وأعباء نفسية سلبية، فهناك مهارات وعادات يستطيع أيّ شخص أن يتعلّمها ويطبّقها للتحرّر من أسرِ هذه المشكلة.
من المهمّ التنويهُ بدايةً بأنّ التفكير الزائد ليس مَرَضًا بحدّ ذاته، بل هو تجربة بشرية سنمرّ بها جميعًا -نحن البشر- يومًا ما على الأقل. ورغم أنّه أحد أكثر الشكاوى النفسية شيوعًا على مستوى العالم، فإنّه ليس مصطلحًا علميًّا، بل مفهوم عامٌّ وغامض بعض الشيء وقد يعني الكثير من الأمور، لذلك لن نجده في أيّ مراجع علمية متخصصة، لكنّ المصطلح العلمي الأكثر قُربًا من المقصد في معظم الحالات والأكثر تداولًا في أبحاث علم النفس هو الاجترار بالإنجليزية Rumination. والاجترار لُغَويًّا هو إعادة الكلام نفسه في كل مرة، أو إعادة ما في البطن ومضغه مرة ثانية ولذلك هناك متلازمة مَرَضية تتعلق بالجهاز الهضمي في الطب اسمها متلازمة الاجترار. واجترارُ الفكرة هو إجالتها في الذهن وإعادتها وإدارتها1.
وفي علم النفس، يُعرّف الاجترار -مع بعض الاختلافات بين المراجع المختلفة- على أنّه شكلٌ من أشكال الاستجابة للضغط النفسي، ويتمثّل بالتركيز بشكل متكرّر وتلقائي على التفكير بأسباب وعواقب حدَث أو مشكلة ما وعلى المشاعر الحاضرة والمتولّدة عن ذلك. ويتميّز الاجترار بأنّه لا يقود إلى حالة من التفكير الفعّال لحل مشكلة ما، بل على العكس، يظلّ الشخص أسيرًا للمشكلات والمشاعر دون أخذ زمام المبادرة على صعيد السلوك والفعل. وغالبًا ما يكون الاجترار مرتبطًا بالماضي، وهذا أحد الأوجه التي تميّزه عن القلق الذي يرتبط بالمستقبل، كما أنّ القلق أكثر ارتباطًا بالسلوك والفعل من الاجترار، وغالبًا ما يسعى القَلِق لتجنّب شيء ما، بينما يتمثّل هدف الاجترار في محاولة الفهم أو لا يكون هناك هدف معيّن سوى الاجترار بحد ذاته. على أيّ حال، يُعتبر القلق والاجترار شكلين من أشكال التفكير السلبي المتكرّر، وقد يتقاطعان في بعض الأحيان23.
إذن، قد يقصد البعض بالتفكير الزائد القلق وليس الاجترار، لكنّنا سنركّز هنا على مفهوم الاجترار؛ لأنه الأكثر شيوعًا وما يقصده معظم الناس عند الحديث عن التفكير الزائد.
لكن في الحقيقة، هذا تبسيط مُخِلٌّ للأشياء. فالتفكير الزائد والقلق والاجترار ليست ظواهر يمكن التعامل معها بهذه البساطة.
قد يدرك الإنسان أن التفكير الزائد ليس جيّدًا، ولكن هذا الإدراك لا يُجدي نفعًا بالضرورة. فالتفكير الزائد والاجترار لا يأتيان بقصدٍ منّا، بل بشكل تلقائي وكأنّه عادةٌ متأصّلة فينا ويصعب الفكاك منها رغم ما تسبّبه من ضيق.
كما أنّنا لا نفكّر بالأشياء بشكل مفرط لأسباب اعتباطية دائمًا، بل قد تكون هذه مؤشّرات لوجود مشاعر دفينة تجاه قضايا أو حوادث معينة لا نستطيع تجاوزها بالطرق المعتادة، فيكون تجاهلها إهمالًا لفرصة لفهم الذات بشكل أفضل.
بالإضافة لذلك، قد يشتّتنا التفكير عن الشعور المباشر بالألم، ويمنحنا بالمقابل شعورًا بالسيطرة على الأشياء طالما أنّها داخل نطاق إدراكنا وأنّنا أكثر قدرةً على التعامل مع المستقبل ما دُمنا نفكر كثيرًا في الماضي بجوانبه المختلفة.
هذا كلّه يساعدنا لكي نفهم الظاهرة على مستوى أعمق، ونتجاوزها في نهاية المطاف.
لا يمكن حصر العوامل التي تلعب دورًا في زيادة حدوث التفكير الزائد أو الاجترار لدى الشخص، فهي كثيرة ومتنوعة، إلّا أنّ من أهمّها الجينات، ونمط الشخصية العُصابيّ أي التي تمتاز باتزان انفعالي أقل، والتعرّض للصدمات، ونمط الشخصية الكمالية Perfectionist، ووجود بعض الاضطرابات النفسية مثل اضطرابات القلق والاكتئاب، بالإضافة إلى جنس الشخص، فقد وُجد أن النّساء عمومًا أكثر ميلًا للتفكير الزائد والاجترار456.
هناك ارتباطٌ أساسيٌّ بين الاجترار والعديد من التشوّهات الإدراكية وأنماط التفكير السلبية مثل فقدان الأمل، التفكير بطريقة أبيض-أسود، جَلد الذات، التشاؤم والانحياز نحو السوداوية والسلبية. غالبًا ما يركّز الإنسان عند ممارسته للتفكير الزائد أو الاجترار على الإخفاقات وعلى جوانب القصور ومظاهر الضعف والأخطاء والسلبيات. ومن الجدير بالذكر أنّ هذه السلبيات قد لا تكون حقيقية، بل متخيّلة، أو أن لها أساسًا في الحقيقة لكنه يضخّمها بشكل كبير مثال أنا إنسان سيئ بالكامل، أو ليس هناك أي أمل بعد اليوم. وبحسب نظرية أشكال الاستجابة Response Styles Theory، يلعب الاجترار دورًا محوريًّا في التسبّب بالاكتئاب والضغط النفسي وفي إطالة مدّته7.
وقد درست العديد من الأبحاث اللاحقة علاقة الاجترار بالاكتئاب، واستطاعت صياغة نماذج قوية مدعومة تجريبيًّا تفسّر وساطة الاجترار ما بين سِمة العُصابية Neuroticism لدى الشخص وحدوث الاكتئاب لديه، أي أن الأشخاص ذوي النسب الأعلى في سمة العصابية أكثر عُرضة بكثير للاكتئاب في حال اجترارهم من عدمه وكأنها السبب الرئيسي الذي يسبّب الاكتئاب لديهم8.
على صعيد آخر، لم تكتفِ الدراسات ببحث الرابط بين الاجترار والاكتئاب، بل امتدّت حتى وجدت العديد من العلاقات القوية ما بينه وبين اضطرابات الأكل والنوم والإدمان والأفكار الانتحارية وعلوّ نسب هرمون الكورتيزول المرتبط بالضغط النفسي وأمراض القلب ومقاومة الإنسولين9101112.
ومن المثير للانتباه هنا أنّ الاجترار كان مرتبطًا بمشكلات في النوم حتى في حال عدم وجود مشاعر أو أفكار سلبية لدى الشخص13. وفي بحث مهمٍّ اتّبع منهج التحليل التّلوي Meta-analysis، والذي يُعدّ أقوى منهج في عالم الأبحاث العلمية، وجد الباحثون أن الاجترار كان أكثر وسيلة إدارة انفعالات وعواطف سلبيةً من حيث ارتباطها بالاضطرابات النفسية، لدى مقارنتها بوسائل الكبت والتجنّب وحل المشكلة والتقبّل وإعادة التأطيرReappraisal14.
إذن، من المهمّ هنا إدراك أنّ الاجترار لم يكن مؤشّرًا فقط على الاضطرابات والمشكلات النفسية أو نتيجةً عنها، بل أيضًا متنبّئًا بها في بعض الأبحاث وهذا ما دفع بعض علماء النفس حديثًا لتسليط الضوء عليه بشكل أكبر، ومحاولة إيجاد حلول وتوصيات للحدّ منه على أنّه نمط سلبي من التفكير، قبل أن يصل إلى مرحلة تسبُّبه بمشكلات مَرَضية حقيقية15.
كالعادة، في المجال النفسي، تكمن بداية حل المشكلة في الوعي بها وتسميتها بالاسم الصحيح أوّلًا. وعيك بها وبأوقات حدوثها سيجعلك أكثر توجّهًا لإدراك جذورها الحقيقية ومن ثمّ مواجهتها، فحين تعرف مثلًا أنّ تفكيرك الزائد متركّز على مواقف اجتماعية تشعر بالحرج منها، وأنّ هذا لا يحدث إلّا قبل النوم، سيقودك هذا إلى حصر المشكلة في سياق معين.
من المهم أيضًا التفريق بين التفكير الزائد والاجترار من جهة، وإستراتيجيات التخطيط وحل المشكلات من جهة أخرى، فالأخيرة هي وسائل تأقلم إيجابية وفعّالة، بينما يكتفي الاجترار بالتحليل والتفكير الزائد بالمواقف المسبقة دون المبادرة بالفعل؛ ما يوقعك فيما يُدعى بشلل التحليل Analysis Paralysis، والمشكلة أنّك كلما بذلتَ المزيد من الجهد في التحليل والتفكير سيزداد حضوره وعمقه.
من الإستراتيجيات الجيدة هنا هي الكتابة، لأنّ الكتابة تفعّل إرادتك الحرّة جيّدًا، وتساعدك على نقل الأشياء والأفكار من اندفاعات غير إرادية مصدرها اللاوعي إلى حيّز خارجي، فتستطيع التعامل معها بموضوعية أكثر. ومن الممكن أن تساعدك بعض تقنيات العلاج المعرفي السلوكي مثل سجل الأفكار Thought Record.
ثانيًا حافظ على روتين يومي صحي
إنّ المحافظة على أركان الحياة الصحّية بشكل جيّد تقلّل من احتمالات حدوث تفكير زائد أو اجترار للأفكار، وتقلّل من شدّته في حال حدوثه. فمن المثبت في الأبحاث العلمية المختلفة أن عادات النوم والغذاء الصحية والرياضة تُبقي الحالة النفسية كلّها متّزنة بشكل جيد، وأنّها أيضًا تساعد على تخطّي حالات الضغط النفسي التي لم تتطوّر بعدُ إلى اضطرابات نفسية، كما أنّها تستخدم بوصفها عاملًا مساعدًا في علاج عدد من الاضطرابات النفسية منها القلق والاكتئاب.
يمكن أن تجد أحد مفاتيح التعامل مع التفكير الزائد والاجترار في تحويل التركيز من العالم الداخلي إلى الحيّز الخارجي، ومن عالم الأفكار المجرّد إلى حيّز الفعل الواقعي. قد يخلق العملُ انفعالات ومشاعر إيجابية جديدة. وهذا ما تؤكّده دراسات تجريبية كثيرة التشتّت بالانشغال الإيجابي يساعد على التغلّب على المزاجات والمشاعر وطرق التفكير السلبية16.
من الجدير بالذّكر أن التشتّت الإيجابي المقصود هو الانشغال بما ينفع ويفيد الإنسان أو الآخرين. فالانشغال بتصفح الهاتف أو السوشيال ميديا قد يؤدي إلى نتائج عكسية، كما قد يسبّب مشكلات أخرى تعزّز الاجترار على المدى البعيد، مثل الشعور بالخواء والمقارنة السلبية مع الآخرين.
ولتتذكر المقولة الأثيرة لا تأسَ على ما فات، إلا لتجتهد فيما هو آت.
يساعدك التأمل على إيقاف دوائر التفكير الزائد والقلق والاجترار بالتركيز على التجربة الراهنة، وكأنّك تستريح بعض الشيء من مركزية الحرب مع عقلك. وقد أجريت تجارب لتختبر قدرة برامج التأمّل الموجّه على الخفض من مستويات الاجترار، واستنتجت فعاليّتها في تحقيق ذلك فعلًا1718. بل وجدت دراسة بحثيّة أن التأمّل -تحديدًا- أكثر قدرة على تخفيف الاجترار من ممارسات أخرى مثل الاسترخاء الجسديSomatic Relaxation19.
ولا بأسَ أيضًا في الاعتماد على الممارسات والعبادات الدينية والروحانية التي تؤمن بها وترتاح لها للتخفيف من التفكير الزائد والاجترار. ما زالت الأبحاث التي تختبر العلاقة بين العبادات الدينية والاجترار قليلة، لكننا نجدها في السياق الغربي وخصوصًا في السنوات الأخيرة20، والتي تشير إلى أنّ الصلاة والتعبّد ذات أثر نفسي إيجابي يُساعد المتديّن على تخطّي المحن وعلى تجاوز مخاوفه وأحزانه.
وجود الدعم الاجتماعي مهمّ جدًّا في أيّ نوع من المعاناة النفسية. وشعور الإنسان بوجود مَن يدعمه ويقف بجانبه لا يمكن تعويضه بأي شيء آخر. ومن هنا، يكون الحديث مع الأصدقاء أو العائلة أو المقرّبين -في حال الوثوق بهم- وسيلة من وسائل التعامل مع التفكير الزائد بشكل أفضل. لكن من المهمّ أن يكون هذا الحديث بصيغة التنفيس أو الحديث البنّاء، لأنّه قد يتحول إلى اجترار مشترك Co-rumination، وهو ما يجعل الأمر أسوأ، لأنّه بمثابة التذمّر المعزّز من قبل طرف آخر؛ ما يؤجّج من المشاعر السلبية والتفكير الزائد21.
من مشكلات الاجترار أنّه يعزّز جلدَ المرء لنفسه وشعوره بالذنب والتقليل من قيمة نفسه. ويحدث هذا بشكل أكبر لدى مَن يمتلكون ميولًا كمالية Perfectionist في شخصياتهم. لذلك، من المهم محاولة الخروج من الاشتباك مع الذات من خلال رؤية النفس كغير Self-compassion with self as other، أو أن تحاسب نفسك إذا أردتَ وكأنّك شخصٌ آخر، فقد وجدت بعض الأبحاث أن التعاطف مع الذات عامل وسيط مهم ما بين الاجترار والضغط النفسي، ومن ثَمّ قد تكسر الحلقة السلبية بأن تتعاطف مع نفسك كما تتعاطف مع غيرك22
حسنًا، لعلّك تعتقد أنّ التنفّس مجرّد تقنية عادية لا فائدة لها سوى البقاء على قيد الحياة، لكنّ تقنيات التنفّس واحدة من أكثر التقنيات المثبتة علميًا بأثرها المباشر على الجانب النفسي والانفعالات النفسية وأثرها على الصحّة النفسية. لا يكتفي التنفّس العميق بخفض معدّل ضربات القلب وضغط الدم فحسب، بل بإمكانه أن يُساعدك على تخطّي نوبة هلع كاملة وضبط نفسك والسيطرة على انفعالاتك قبل حدوث أيّ انهيار عصبي. يساعدك تطبيق نَفَس وتطبيقات التنفّس البطني على مقاومة استجابات الجسم للتوتر ويقلل من شعورك بالخوف والهلع. بإمكانك تحميل تطبيق نَفَس من متجر أبل أو من متجر بلاي ستور للأندرويد.
يساعد التأمّل العلاجي في تخفيف القلق الزائد وتهدئته والتقليل من آثاره، ويهدف Headspace إلى تخليصك من الحلقات المفرغة للتفكير التخميني والتفكير عن طريق التساؤل ماذا لو؟ وهو ما يزيد من هلعك وخوفك وذعرك، فيساعدك هذا التطبيق على تعلّم كيفية التأمل ، وسيمكّنك من تحويل التأمّل إلى ممارسة منتظمة. يمكن لأي شخص التسجيل للحصول على الإصدار المجاني للتحقق من ذلك. وإذا كنت عاطلاً عن العمل فإنّ Headspace ستمنحك عامًا مجانيًا للاستفادة من خدماته.
_______________________________________
المصادر والمراجع | https://www.aljazeera.net/sukoon/2022/8/20/%d9%84%d8%a7-%d8%a3%d8%b3%d8%aa%d8%b7%d9%8a%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d9%82%d9%91%d9%81-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d9%83%d9%8a%d8%b1-%d9%83%d9%8a%d9%81 | 2022-08-20T06:58:14 | 2024-05-27T12:11:39 | أبعاد |
|
168 | إسرائيل والسلاح المحرم.. تعرف على سحابة الموت والقنابل الغبية | الفسفور الأبيض ليس السلاح “المحرم” الوحيد الذي تستخدمه إسرائيل، فثمة طبقات لا تنتهي يجري اكتشافها تباعا من توحش دولة الاحتلال في استخدام هذه الأنواع من الأسلحة. | في حروب إسرائيل ضد لبنان وقطاع غزة المتكررة منذ قرابة عقدين، ظهرت مؤشرات عديدة على استخدامها أنواعا من الأسلحة التي توصف بأنها محرمة دوليا لكونها تُحدث أضرارا بالغة بين المدنيين، والتي بات من غير المقبول دوليًا استخدامها في الحروب الحديثة، مهما كانت شدة الحرب وضراوتها.
لكن توحش إسرائيل كان دائما مختلفا، فعلى سبيل المثال؛ في الفترة ما بين ديسمبركانون الأول 2008 وينايركانون الثاني 2009، أثناء العملية العسكرية في قطاع غزة، التي أسمتها إسرائيل الرصاص المصبوب، رُصدت ميدانيا العديد من الإصابات غير المعتادة، مثل الجثث المتفحمة حرقا على نحو يشير إلى إصابتها بأسلحة غير تقليدية، وأطراف مقطوعة تاركة جروحا تشبه الحروق، يَعرف الأطباء والمتخصصون أنها ليست ناتجة عن إصابات عادية. على إثر ذلك، اتهمت مؤسسات دولية جيش الاحتلال الإسرائيلي باستخدام أسلحة محرمة دولياً ضد المدنيين في القطاع.
وبشكل خاص، عادة ما يتم التركيز على القنابل الفسفورية كأداة تستخدمها القوات الإسرائيلية بكثافة في معاركها الأخيرة، وهي أسلحة حارقة تحتوي على الفسفور الأبيض كحمولة أساسية، جرى تصميمها لتوليد حرارة شديدة تبلغ قرابة 1000 درجة مئوية، إلى جانب قوتها التدميرية.
بيد أن هذا ليس السلاح المحرم الوحيد الذي تستخدمه إسرائيل، فثمة طبقات لا تنتهي يجري اكتشافها تباعا من توحش دولة الاحتلال في استخدام هذه الأنواع من الأسلحة، مما يستدعي التساؤل حول أنواع الأسلحة المحرمة دوليا التي استخدمتها إسرائيل بالفعل، بما فيها الفسفور الأبيض، ومتى ظهرت مؤشرات استخدامها؟
يسبب الفسفور الأبيض حروقاً مؤلمة جداً قد تكون من الدرجة الثانية إلى الدرجة الثالثة، خاصة أنه يذوب بسهولة في الدهون السطحية، وقد يُمتص مباشرة عبر الجلد، ومن ثم ينتشر في باقي الجسد، حيث يُلحق أضرارا خطيرة بالكلى والكبد والقلب، يمكن أن تؤدي إلى الوفاة.
تخيّل معنا المشهد التالي؛ عندما تنفجر القنبلة في الجو، يُطلِق نظام الإشعال حمولة الفسفور الأبيض إلى خارجها، فتنتشر الحمولة ويتفاعل الفسفور بسرعة مع الأكسجين الموجود في الهواء ويبدأ في الاحتراق بشدة.
ينتج عن ذلك سحابة كثيفة من الدخان والجزيئات المشتعلة تُمطر على مساحة من الأرض تبلغ عدة مئات من الأمتار المربعة، وتحدث دمارا هائلا عند ملامستها أي مواد قابلة للاحتراق، ومنها أجساد البشر والمركبات والنباتات والحيوانات. وبالإضافة إلى خصائصه الحارقة، ينتج الفسفور الأبيض دخانًا كثيفًا، عادة ما يُستخدم لأغراض تكتيكية، مثل حجب الرؤية.
مما سبق، يمكنك أن تفهم لماذا هو محرم دوليًا، فهو أداة عمياء، والآثار الناتجة عن هذه القنابل لن تفرق بين عسكريين ومدنيين، ولا نساء أو أطفال أو رجال، وهذا بالفعل ما يحصل في حالة غزة.
في يونيوحزيران الماضي، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن القوات الإسرائيلية استخدمت ذخائر الفسفور الأبيض في 17 بلدة على الأقل في جنوب لبنان منذ أكتوبرتشرين الأول 2023، بما فيها 5 بلدات استخدمت فيها ذخائر تنفجر في الهواء بشكل غير قانوني فوق مناطق سكنية مأهولة.
كان هذا بعدما استخدم الجيش الإسرائيلي الفسفور الأبيض ضد الفلسطينيين في غزة أيضا، فبحسب منظمة العفو الدولية في تقريرها الصادر يوم 15 أكتوبرتشرين الأول 2023، أكد مختبر الأدلة أن الوحدات العسكرية الإسرائيلية المشاركة في الحرب على القطاع كانت مجهزة بقذائف مدفعية تحتوي على الفسفور الأبيض.
وبحلول نوفمبرتشرين الثاني 2023، رصد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أن جيش الاحتلال شنّ أكثر من 1000 قصف مدفعي على مناطق مكتظة بالسكان، وبشكل عشوائي. كما كشفت الشهادات التي تلقاها فريق المرصد، أنه في غضون 40 دقيقة فقط، تلقت ساحة سكنية مكتظة في بلدة بيت لاهيا شمالي غزة؛ أكثر من 300 قصف بالفسفور الأبيض في 15 نوفمبرتشرين الثاني.
ليس الفسفور الأبيض فقط.. إليك واحدة أخرى من صور التوحش الإسرائيلي.. المرصد السابق نفسه وثق في أبريلنيسان 2024 مستوى جديدا مروعا من القتل في قطاع غزة.. ضحايا يبدو أن أجسادهم تبخرت أو ذابت نتيجة قصف إسرائيلي للمنازل السكنية. هذه الملاحظات دفعت المرصد للقول بأنه يجب إطلاق تحقيق دولي في استخدام إسرائيل المحتمل للأسلحة المحظورة دوليًا، بما فيها القنابل الفراغية. فما هي القنبلة الفراغية؟
هي نوع من المتفجرات يُحدث انفجارًا عالي الحرارة والضغط، ويولد قوة اندفاعية عالية تصل إلى مساحة كبيرة. وعلى عكس المتفجرات التقليدية التي تعتمد على تفاعل كيميائي لإحداث الانفجار، تعمل الأسلحة الحرارية عبر إطلاق سحابة من جزيئات الوقود ثم إشعالها. وينتج عن هذا موجةُ انفجار شديدة وكمية كبيرة من الحرارة، يمكن أن يكون لها آثار مدمرة في الأماكن الضيقة.
تبدأ هذه القنابل بتفجير أولي يوزع سحابة من الوقود عادةً في صورة قطرات سائلة أو مسحوق ناعم على مساحة كبيرة، وتختلط بالأكسجين في الهواء قبل التفجير، ثم تحترق هذه السحابة بسرعة، مما يخلق ضغطًا هائلاً وحرارة بالغة الشدة يمكن أن تصل إلى 3000 درجة مئوية.
وفقًا للكاتب في ذا وار زون، توماس نيوديك، فإن صورة نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي للقوات الجوية الإسرائيلية تُبيّن ذخيرة محمولة على إحدى طائرات الأباتشي تحتوي على شرائط حمراء، بما يشير -بحسب شفرة الذخائر الأميركية- أنها كانت نسخة فراغية من صواريخ هيلفاير، ولاحقا أزال جيش الاحتلال الصورة بعد تصاعد الجدل حول احتمالية استخدام تلك القنابل في غزة.
يحتوي صاروخ هيلفاير من نوع أي.جي.أم-114 أن على رأس حربي حراري، مصمم خصيصًا لزيادة القوة القاتلة في الأماكن الضيقة، مثل المخابئ والكهوف والبيئات الحضرية. وعلى عكس الرؤوس الحربية التقليدية التي تعتمد فقط على الانفجار والتفتت، فإن صاروخ هيلفاير الحراري يخلق موجة ضغط شديدة ودرجات حرارة عالية لزيادة الضرر إلى أقصى حد داخل منطقة مغلقة.
ويَستخدم هذا الصاروخ شحنة معدنية متفجرة معززة، تشتت مزيج الوقود والهواء ثم تشعله. وينتج عن هذا انفجار ثانوي أكبر يعزز بشكل كبير من الضغط والتأثيرات الحرارية.
في النهاية، لم تكن تلك هي المرة الأولى ولا الأخيرة التي يُشتبه فيها في استخدام إسرائيل أسلحة من هذا النوع، ففي حملتها ضد حزب الله عام 2006، ورد أن إسرائيل استخدمت قنابل فراغية في لبنان، وانتقدت منظمة العفو الدولية استخدام القنابل الحرارية، مشيرة إلى أن القدرات التدميرية الكبيرة لهذه الأسلحة تثير مخاوف من أنها تؤدي غالبا إلى القتل العشوائي.
ومن الأمثلة المروعة على الخسائر التي لحقت بالمدنيين بسبب هذه الأسلحة، هو ما حصل في عام 1982، بحسب المنظمة، أثناء حصار الجيش الإسرائيلي لبيروت. فقد أسقطت القوات الجوية الإسرائيلية قنبلة فراغية على مبنى سكني اعتقدوا أنه كان يختبئ فيه ياسر عرفات. وقيل إن نحو 200 شخص لقوا حتفهم في ذلك الهجوم.
إلى جانب ذلك، وجدت عدة تقارير أن إسرائيل استخدمت أيضا ما يسمى المتفجرات المعدنية الخاملة الكثيفة في غزة، سواء بإسقاطها جوا عبر الطائرات المسيرة أو تركيبها كرأس حربي للصواريخ. والمتفجرات المعدنية الخاملة الكثيفة تُحدث انفجارا نصفُ قطره محدود نسبيًا، لكنه فعال وقاتل للغاية.
وتُصنع تلك المتفجرات عن طريق ضبط خليط متجانس من مادة متفجرة مع جزيئات صغيرة من مادة خاملة كيميائيا مثل تنغستن Tungsten، الذي يضاف إلى المواد المتفجرة لتصنع شظايا دقيقة لا يمكن أن تنتشر إلا لبضعة أمتار، لذلك أُطلق على بعض أنواع هذه القنابل اسم الذخيرة المميتة المركزة FLM.
تتسبب هذه النوعية من القنابل في تمزيق الأنسجة البشرية بشكل مختلف تمامًا عن الشظايا المعروفة بشكل عادة ما يؤدي إلى بتر الأطراف السفلية، وكان عدد من العلماء الإيطاليين المنتسبين إلى لجنة مراقبة أبحاث الأسلحة الجديدة قد أعلنوا أن جروح هذه النوعية من القنابل غير قابلة للعلاج، لأن مسحوق تنغستن لا يمكن إزالته جراحيًا.
كل هذا ولم نتحدث عن التأثيرات المسببة للسرطان لسبائك تنغستن المعدنية الثقيلة، حيث وجدت دراسة أجرتها وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأميركية عام 2005، أن هذه الشظايا تُحفز بسرعة الساركوما العضلية المخططة في فئران المختبر، وهي نوع نادر من أنواع السرطانات. ويكفيك أن تعرف أن أكبر استخدامين معروفين عالميًا لهذه القنابل كانا في غزة خلال حرب عام 2006، وحرب 2008-2009.
ولا تقف المسألة عند كون السلاح محرما بسبب طبيعته، بل يمكن أن يُستخدم سلاح قانوني في الحرب لكن بشكل لا يُميّز، مما يزيد قدرته على الفتك والتدمير.
فمثلا ووفقًا لتقييم استخباراتي أميركي صدر في ديسمبركانون الأول 2023، فإن قرابة نصف الذخائر الجوية التي استخدمتها إسرائيل في قطاع غزة، والتي بلغ عددها نحو 29 ألف قطعة، كانت من نوعية القنابل الغبية، تلك التي تفتقر إلى الدقة لأنها لا تمتلك أجهزة توجيه، مثل الذخائر الذكية التي توجّه عبر قطع تقنية دقيقة كالاعتماد على الليزر أو نظام التوجيه العالمي جي.بي.إس.
تعتمد تلك القنابل فقط على الجاذبية وتوجيه الطائرة، وبالتالي فهي في الأساس قنابل سقوط حر تتبع مسارا قوسيا بعد إطلاقها، وأقل دقة من الذخائر الموجهة الحديثة، خاصة عند إسقاطها من ارتفاعات عالية.
ولمزيد من فهم الآثار التدميرية لهذا النمط من استخدام القنابل، دعنا نقارن بين احتمالات سقوط قنبلة غير موجهة على منطقة ما، وأخرى موجهة. في الحالة الأولى يمكن أن تدمر القنبلة أي مكان تقع عليه ضمن منطقة مساحتها تصل إلى 125 ألف متر مربع، بما يساوي مساحة حوالي 18 ملعب كرة قدم، بينما تنخفض تلك المساحة مع القنابل الذكية لتصل إلى 314 مترا مربعا.
إلى جانب ذلك، تمتلك تلك القنابل أوزانا متنوعة، فتبدأ من 250 كلغ وصولا إلى 1000 أو 2000 كلغ. ونظرا لافتقارها إلى تكنولوجيا التوجيه المتطورة فإن إنتاج القنابل الغبية أرخص من القنابل الموجهة، مما يغري بعض الدول باستخدامها بكثافة، وخاصة إذا كان استهداف المدنيين مقصودًا لذاته.
الجدير بالذكر هنا، أن الأمر لا يقف عند القنابل الغبية، فاستخدام القنابل الذكية أحيانا بصورة لا تتفق مع المعايير الأخلاقية للحروب الحديثة قد ينتج آثارا أشد توحشا وهمجية. فمثلا في يونيوحزيران الماضي، نشر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تقييماً عن 6 هجمات افتراضية من قبل الجيش الإسرائيلي على غزة باستخدام قنابل ثقيلة مثل جي.بي.يو-31 بوزن 1000 كلغ، وجي.بي.يو-32 بوزن 500 كلغ، في محاكاة لأحداث حقيقية حصلت خلال الأشهر الأولى من قصف إسرائيل لقطاع غزة.
وخلص التقرير إلى أن هذه القنابل وإن كانت موجهة، فإن ثقلها الشديد مع استخدامها في مناطق مكدسة بالسكان، ينتهك -بحسب المنظمة- المبادئ الأساسية لقوانين الحرب. ففي إحدى الهجمات الإسرائيلية، بحسب التقرير، تسببت الضربات على حي الشجاعية في مدينة غزة يوم 2 ديسمبركانون الأول 2023، في تدمير مساحة يبلغ قطرها نحو 130 مترًا، مما أدى إلى تدمير 15 مبنى وإلحاق أضرار بما لا يقل عن 14 مبنى آخر.
وأضاف أن مدى الضرر والحفر المرئية من خلال صور الأقمار الصناعية تشير إلى استخدام ما يقرب من 9 قنابل جي.بي.يو-31، وتلقى المكتب الأممي لحقوق الإنسان معلومات تفيد بمقتل ما لا يقل عن 60 شخصًا.
في الغالب، تُستخدم القنابل من هذا النوع لاختراق عدة طوابق من الخرسانة، ويمكنها تدمير الهياكل الشاهقة. وخلص التقرير إلى أنه نظرًا للكثافة السكانية في المناطق المستهدفة، فإن استخدام سلاح متفجر بمثل هذه التأثيرات الواسعة النطاق، سيرقى -على الأرجح- إلى مستوى الهجوم العشوائي المحظور.
لم يتوقف سجل إسرائيل في انتهاكات قوانين الحرب عند كل ما سبق، بل ثمة صور أخرى من التوحش لا تقل قتامة وسوءا، فترسانة السلاح المحرم في إسرائيل تتوسع كما يبدو. يُذكر أنه في عام 1983 أشار تقرير صادر عن وكالة المخابرات المركزية الأميركية إلى أن إسرائيل نفذت برنامجًا للحرب الكيميائية.
ويوضح التقرير أن أقمارا صناعية أميركية للتجسس رصدت منشأة محتملة لإنتاج غاز الأعصاب في منطقة التخزين الحساسة في ديمونة جنوبي فلسطين المحتلة، ويعتقد الخبراء في هذا المجال أن إسرائيل لم تتوقف عند استخدام غاز الأعصاب فقط، بل تعمل على استكمال ترسانتها النووية بأسلحة بيولوجية وكيميائية متطورة.
وفي عام 1998، ورغم زعم إسرائيل أن المواد الكيميائية التي كانت تحملها طائرة الشحن العال التي اصطدمت بمبنى سكني في العاصمة الهولندية أمستردام عام 1992؛ كانت غير سامة، فإنها قالت بعد ذلك إن الطائرة كانت تحمل 190 لترًا من ثنائي ميثيل فوسفونيت، بحسب إذاعة البي.بي.سي، وهي مادة كيميائية مدرجة في جدول اتفاقية الأسلحة الكيميائية تُستخدم في تصنيع غاز الأعصاب سارين.
وغازات الأعصاب مثل السارين وغيره، تكون في صورة سائل أو رذاذ أو بخار أو غبار، وتصيب بشكل مباشر الرئتين والجلد، وما إن يحدث ذلك حتى يصاب الشخص بتشنجات شديدة، مع فقدان السيطرة على الجسم وشلل جميع العضلات بما فيها عضلة القلب والحجاب الحاجز.
الآثار الضارة لكل هذه العوامل توصف بأنها غير محكومة، لأنها يمكن أن تتركز في مكان دون آخر الأماكن المغلقة على سبيل المثال، وهنا يمكن أن تؤدي جميعها إلى الوفاة المباشرة. أضف إلى ذلك أنها عشوائية، بمعنى أن الرصاص العادي غالبًا ما يستخدم ضد جنود محددين من أعداء يحاربونك ونقول هنا غالبًا بنوع من التحفظ، لكن السلاح الكيميائي بقدراته الغازية على الانتشار، عشوائي تمامًا، يمر بين جنبات البيوت والحواري الضيقة، فيقتل من يقابل بلا تمييز.
لم ننته بعد، فإليك طبقة جديدة من طبقات التوحش الإسرائيلي، في عام 2008 أفادت خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي أن إسرائيل تمتلك بعض القدرات في مجال الأسلحة البيولوجية، واستشهدت صحيفة صنداي تايمز في عام 1998 بمصدر عسكري إسرائيلي أفاد بأن أطقم طائرات إف-16 الإسرائيلية تلقت تدريبًا على تحميل رؤوس حربية كيميائية وبيولوجية نشطة على طائراتهم.
والأسلحة البيولوجية إما كائنات حية مثل الفيروسات أو البكتيريا أو الفطريات، أو مواد سامة تنتجها كائنات حية، يجري إنتاجها وإطلاقها عمدا لتسبب المرض والموت للإنسان أو الحيوان أو النبات. ويمكن للعوامل البيولوجية أن تشكل تحديًا صعبًا على الصحة العامة بحسب منظمة الصحة العالمية، حيث تتسبب في أعداد كبيرة من الوفيات في فترة زمنية قصيرة، ودون تمييز.
ورغم التكتم الشديد من ناحية دولة الاحتلال الإسرائيلي حول مشروعاتها للأسلحة البيولوجية، فإن علماءها ينشرون أبحاثا علمية تكشف أنهم يجرون تجارب في نطاق أبحاث الاستخدام المزدوج المثيرة للقلق.
وركزت منشورات مركز أبحاث دفاعي سري للغاية يديره ويموله قسم الأبحاث بوزارة الدفاع الإسرائيلية؛ على بكتيريا الجمرة الخبيثة وبكتيريا الطاعون، وكلاهما سلاح بيولوجي معروف جرى استخدامه من قبل، على سبيل المثال في هجمات الجمرة الخبيثة عام 2001 بالولايات المتحدة.
تنتقل الجمرة الخبيثة في الهواء ولا يمكن اكتشافها بسهولة، حيث يبلغ قطرها فقط عدة ميكرونات الميكرون أو الميكرومتر يساوي جزءا من مليون جزء من المتر، وهي قادرة على الوصول إلى عمق الرئتين عند استنشاقها، وبمجرد وصولها إلى الدم تصبح قادرة على التكاثر والسفر إلى العقد الليمفاوية، وإنتاج السموم التي تؤدي إلى الوفاة.
في أحد النماذج الرياضية، ظهر أن إلقاء قنبلة تحوي كيلوغرامًا واحدًا من هذه المادة على مدينة بها 10 ملايين نسمة، سيقتل في وقت قصير حوالي 100 ألف شخص.
كما رأيت، فإن كل ما سبق من مستويات توحش استثنائية وقدرات انتقامية، لا تفرق بين حجر أو بشر، فضلا عن مدني ومحارب، قد اكتشفت كلها بمحض الصدفة، أو عبر دراسات استقصائية لا تستطيع بطبيعة الحال اكتشاف كل جوانب الحقيقة. ويظل كل هذا القدر المكشوف، على ما فيه من نزعة إجرامية وسلوك مخالف لما استقر العمل به دوليا من قوانين الحرب الحديثة، بمثابة جبل ليس من الجليد، وإنما من نيران ملتهبة يزداد توحشها يوما بعد يوم. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/10/30/%d9%85%d8%a7-%d9%87%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d9%84%d8%ad%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d8%b1%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%8a-%d8%aa%d9%85%d8%aa%d9%84%d9%83%d9%87%d8%a7 | 2024-10-29T23:12:33 | 2024-10-30T10:40:17 | أبعاد |
|
169 | جغرافيا اليأس.. هوس البناء في ظل الأزمات الاقتصادية | يبدو وكأن العالم الحديث يشهد ثورة عمرانية جديدة، لكن إذا كان الهدف من مثل هذه القفزات التمدينية هو استيعاب فائض العمالة واستعادة القدرة على التشغيل تجنُّبا للانهيار الاجتماعي، فبأي كلفة يتم ذلك؟ | لقد انتهى هذا المكان، كما كان. ما يهم من الآن فصاعدا ليس الحقول، ولا الجبال، بل الطريق. لن تكون هناك قرية كمكان قائم بذاته. سيكون هناك اسم تمر به فحسب؛ منازل على طول الطريق. وهذا هو المكان الذي ستعيش فيه، أيها العقل، على جانب الطريق.
المُنظِّر الثقافي ريموند وليامز في روايته شعب الجبال السوداء
في أيامنا هذه يمكنك أن تصادف المشروعات العملاقة في كل مكان، وتسمع بأخبارها من كل صوب، فيبدو الأمر وكأن العالم الحديث يشهد ثورة عمرانية جديدة تستهدف استيعاب السكان وتوفير الخدمات اللازمة لاحتواء تزايد أعداد المواطنين. ليس الأمر جديدا، فقد أفادت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، المنوطة بمتابعة تلك الأشياء، أن الصين استهلكت 6651 مليون طن من الأسمنت بين عامي 2011-2013، مقارنة بـ 4405 مليون طن استخدمتها الولايات المتحدة في الفترة بين عامي 1900-1999. ويبدو أن الصينيين يسكبون الخرسانة والحديد في كل شبر من أرضهم، لكن كيف نفهم أسباب مثل هذا الحدث المذهل؟ لنطلع أولا على السياق التاريخي لتطور هذه الممارسة، ثم نحاول أن نؤسس إطارا لفهمها وفهم تبعاتها المباشرة وغير المباشرة على السياسة والاجتماع المعاصرين.
لقد واجه الاقتصاد الصيني أزمة خطيرة عام 2008، وواجهت صناعاته التصديرية أوقاتا عصيبة إبَّان الأزمة العالمية التي ضربت الاقتصاد العالمي حينئذ، حيث فقد 30 مليون صيني على الأقل وظائفهم بسبب هبوط الطلب على السلع الصينية في أكبر أسواقها سوق الولايات المتحدة. ومن جهة أخرى، فقدت ملايين الأسر في الولايات المتحدة منازلها أو هُدِّدَت بفقدانها بسبب الحجز العقاري، ومن ثمَّ لم يتسابق أيٌّ منهم إلى مراكز التسوق لشراء السلع الاستهلاكية كما اعتادوا.
يقول المُنظِّر الجغرافي ديفيد هارفي إن الحزب الشيوعي الصيني أدرك أنه واقع بين خيارين إما إعادة العاطلين إلى العمل، وإما مواجهة خطر حدوث اضطرابات اجتماعية هائلة. فبحلول نهاية عام 2009، قدَّرت دراسة مشتركة مفصلة لصندوق النقد الدولي ومنظمة العمل الدولية أن صافي فقدان الوظائف في الصين نتيجة للأزمة بلغ نحو 3 ملايين، بالمقارنة مع 7 ملايين في الولايات المتحدة. ثم حدث أن تمكَّن الحزب الشيوعي الصيني من خلق 27 مليون فرصة عمل في عام واحد، وهو أداء استثنائي، بل غير مسبوق. فماذا فعل الصينيون إذن وكيف؟
لقد صمَّم الصينيون موجة ضخمة من الاستثمار في البنى التحتية المادية، التي صُمِّمَت جزئيا لدمج الاقتصاد الصيني مكانيا عبر إنشاء روابط اتصال بين المناطق الصناعية النابضة بالحياة في الساحل الشرقي، مع المناطق الداخلية المتخلفة إلى حدٍّ كبير، فضلا عن تحسين الاتصال بين الأسواق الصناعية والاستهلاكية الجنوبية والشمالية، التي كانت حتى تلك اللحظة معزولة إلى حدٍّ ما بعضها عن بعض. واقترن ذلك ببرنامج واسع للتمدُّن الإجباري، وبناء مدن جديدة كاملة، بالإضافة إلى توسيع وإعادة بناء المدن المتقدمة الموجودة بالفعل.
ليست هذه الطريقة في الاستجابة للضغوط الاقتصادية بجديدة، فقد سبق إليها نابليون الثالث وجلب جورج يوجين هوسمان إلى باريس عام 1852 لاستعادة الوظائف من خلال إعادة بناء المدينة بعد الانهيار الاقتصادي والحركة الثورية التي جرت عام 1848. وفعلت الولايات المتحدة الشيء نفسه بعد عام 1945 عندما وزَّعت الكثير من إنتاجيتها المتزايدة وفائضها النقدي لبناء الضواحي والأحياء الكبرى على طريقة المعماري والمُخطِّط الحضري روبرت موزس في جميع المدن الكبرى، مع دمج الجنوب والغرب في الاقتصاد الوطني عن طريق بناء نظام الطرق السريعة بين الولايات. وكان الهدف في الحالتين الفرنسية والأميركية التوظيف شبه التام للفوائض في رأس المال والعمالة، ومن ثمَّ ضمان الاستقرار الاجتماعي.
لقد فعل الصينيون الشيء نفسه بعد عام 2008، وهو الأمر نفسه الذي نراه في المشروعات العملاقة التي نفَّذتها إمارة دبي بالإمارات العربية المتحدة مع نهضة نموذج المدينة الدولة ومشروع بناء دبي لتصبح مركزا عقاريا وتجاريا عالميا، كما نراه في مشروع بناء العاصمة الإدارية الجديدة في مصر والإنفاق المذهل فيها بتمويل من الديون قصيرة وطويلة الأجل لمد الطرق السريعة والمحاور وشبكات البنى التحتية وخطة النقل شبه التام للمباني الحكومية إلى شرق القاهرة، وكذلك في مشروع نيوم السعودي، وفي توسُّعات مدينة إسطنبول التركية، وهي نماذج تُمثِّل الاستجابة لأزمات اقتصادية وسياسية داخلية.
أما الصينيون فلا يكفيهم مضاعفة حجم مدينة فحسب، إذ استهلكت الصين الكثير من المواد الخام في قفزتها التمدينية، مما أدى إلى تسريع الطلب على المواد الخام، حتى إن جميع البلدان الموردة للمعادن والزيوت والمنتجات الزراعية الأخشاب وفول الصويا والجلود والقطن، إلخ سرعان ما تخلصت من آثار انهيار 2007-2008 وشهدت نموا سريعا أستراليا وتشيلي والبرازيل والأرجنتين والإكوادور، كما ازدهرت ألمانيا، التي زودت الصينيين بأدوات آلية عالية الجودة على عكس فرنسا التي لم تفعل ذلك. لقد تجسَّدت حلول الأزمة في المكان، ومن هنا ظهر التحوُّل في جغرافيا التطور اللا متكافئ. لا شك أن الصين أنقذت الرأسمالية العالمية من آثار كارثة 2008 عن طريق توسعها الحضري الهائل واستثماراتها الضخمة في البناء والبنية التحتية.
كيف فعل الصينيون ذلك؟ الجواب الأساسي بسيط التمويل بالديون. لقد طلبت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي القروض من البنوك مهما كانت المخاطر. وطُلب من البلديات والإدارات الإقليمية والمحلية القروية تعظيم مبادراتها التنموية، في حين خُفِّفَت شروط الاقتراض للمستثمرين والمستهلكين لشراء شقق، إما للعيش وإما للاستثمار فيها. ونتيجة لذلك، نما الدين الصيني نموا مذهلا، إذ بلغ زهاء الضِّعْف منذ عام 2008. وتُعَدُّ نسبة الديون مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي في الصين واحدة من الأعلى في العالم، لكن على عكس أثينا والقاهرة وإسطنبول، فإن الدين مستحق بعملة الرنمينبي وليس بالدولار أو اليورو، ولدى البنك المركزي الصيني الكثير من الاحتياطيات الأجنبية لتغطية الديون إذا لزم الأمر، ويمكنه طباعة أمواله الخاصة متى شاء. لقد طبَّق الصينيون رؤية رونالد ريغان -المفاجئة- التي تذهب إلى أن العجز والديون مسائل غير ذات أهمية.
ولكن بحلول عام 2014، أفلست معظم البلديات في الصين، ونشأ نظام الظل المصرفي لإخفاء التوسع الإجمالي للإقراض المصرفي للمشاريع التي لا تُدِر أرباحا، وصار سوق العقارات بمنزلة صالة قمار حقيقية لتقلبات المضاربة. وبدأت المخاطر المتمثلة في انخفاض قيمة العقارات والتراكم المفرط لرأس المال في الظهور بحلول عام 2012، وبلغت ذروتها عام 2015. باختصار، عانت الصين من مشكلة يمكن التنبؤ بها تتعلق بالاستثمار المفرط في البناء كما حدث لباريس عام 1867 ولنيويورك عام 1975.
لقد كان من المفترض أن تؤدي الموجة الهائلة من الاستثمار الرأسمالي في الأصول إلى زيادة الإنتاجية والكفاءة في الاقتصاد الصيني كله كما حدث مع نظام الطرق السريعة بين الولايات في الولايات المتحدة في الستينيات. غير أن استثمار نصف نمو الناتج المحلي الإجمالي في رأس المال الثابت الأصول الذي ينتج عنه معدلات نمو متناقصة ليس اقتراحا جيدا دائما. وقد انقلبت الآثار الإيجابية للنمو الصيني على أعقابها بعدئذ، فمع تباطؤ النمو في الصين تراجعت أسعار السلع، مما أدخل اقتصادات البرازيل وتشيلي والإكوادور وأستراليا وغيرها في حالة من التيه بسبب اعتمادها على تصدير الموارد الطبيعية إلى الصين.
إن هذه القصة عظيمة الدلالة، لأنها تشبه الخطة الجاهزة التي يمكن أن تُطبَّق في كل مكان. كيف فكَّر الصينيون مثلا في مواجهة الأزمة المترتبة على الاقتراض غير المحدود لمشروعات البنية التحتية؟ الإجابة بسيطة أيضا الحل هو المزيد من التمدين، حيث يخطط الصينيون هذه الأيام لبناء مدينة واحدة لإيواء 130 مليون شخص ما يعادل مجموع سكان بريطانيا وفرنسا، بحيث تتخذ هذه المدينة من العاصمة بكين مركزا لها، وترتبط أحياؤها بواسطة شبكة نقل واتصالات فائقة السرعة شبكة من شأنها أن تُفني المسافة عبر الزمان، كما قال المُنظِّر الاجتماعي الشهير كارل ماركس ذات مرة.
لقد صُمِّم هذا المشروع المُموَّل من الديون لاستيعاب فوائض رأس المال والعمالة في المستقبل، ولنتخيَّل كمية الأسمنت المذهلة المطلوبة لهذا المشروع. لم تكتفِ الصين بهذا القدر، بل خططت لمشروع كوني على المنوال نفسه سمع به الجميع، وهو إعادة إحياء طريق الحرير الذي ربط الصين بأوروبا الغربية عبر آسيا الوسطى في العصور الوسطى، تحت اسم مبادرة الحزام والطريق. ولكن إذا كان الهدف من مثل هذه القفزات التمدينية هو استيعاب فائض العمالة واستعادة القدرة على التشغيل تجنُّبا للانهيار الاجتماعي، فبأي كلفة يتم ذلك؟
إن الاستثمار في التوسع المديني لتصبح المدن أشبه بتجمعات عمرانية على أطراف الصحاري هو شيء مطمئن حقا بالنسبة للسلطة. فبالإضافة إلى الفكرة الاقتصادية الكامنة وراء التوسع، وهي استعادة القدرة على استثمار فائض رأس المال وفائض قوة العمل، ثمَّة جانب آخر لاحظته فيلسوفة السياسة الألمانية حنّا آرندت في تاريخ السياسات النازية؛ حيث قالت إن النظم الشمولية ترى في التكتلات الاجتماعية الكبرى تهديدا ومصدر خطر محتمل دائما، مما يدفعها إلى الاستثمار في تباعد المسافات بين المدن وبناء الطرق السريعة التي لا يقدر على تحمُّل تكلفة السفر المتكرر عبرها إلا القليل من المواطنين، مما يؤدي إلى تفتيت التكتلات الاجتماعية وتقليل فرص تكوين الحركات الاجتماعية.
الأمر اللافت للنظر أن آرندت لاحظت أن تفتيت التكتلات الاجتماعية يُعَدُّ خطوة أولى في زيادة العنف الاجتماعي، مما يعني مبررات أكثر لمصادرة الدولة للحياة السياسية والعامة، وقصرها على إدارة العنف البوليسي. فلطالما كان منع العنف الاجتماعي أكبر فزاعة تستخدمها الدولة لفرض سلطتها بالعنف بحجة نزع العنف، أو كما يسميها عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر مهمة احتكار العنف الشرعي.
الأهم إلى جوار ما لاحظته آرندت بخصوص مساهمة تباعد المسافات بين المدن في زيادة العنف الاجتماعي، أن العنف وإدارة العنف المتصل بالمسافات عنصر تأسيسي في معنى السياسة الحديثة. لقد تغيرت مفاهيم العالم الحديث وبناه الاجتماعية بسبب تطور طرق الاتصال والنقل، فكلما تزايدت سرعة وسائل الاتصال تغير مفهوم المكان والانتماء والزمان والهجرة وغيرها، بل إن أهم عنصر تأثر بهذا التطور هو السياسة وعلاقة الدولة بمواطنيها.
فعلى مدار التاريخ الحديث كان الأسرع والأقدر على تجاوز ظرفَيْ المكان والزمان هو الأكثر سلطة. والسرعة هنا تولِّد السلطة والثروة التي ترتكز عليها الدولة في ممارسة سلطتها. وستصبح الدولة ههنا، كما يسميها الفيلسوف الفرنسي بول فيريليو، مُنظِّمة لحركة المرور، مما يعني تداخل مفاهيم السلطة والسرعة والثروة، وهو تداخل لم يكن حاضرا من قبل إلا في وظيفة الحرب، مما يعني أن السلطة السياسية وإدارة السرعة أصبحتا في حالة حرب دائمة داخل البلد.
بحسب فيريليو، مرَّت ظاهرة الحرب بثلاث مراحل رئيسية على مدار التاريخ الإنساني. كانت المرحلة البدائية من الحروب متصلة بالتكتيك؛ إدارة المعارك التي يواجه فيها جيش من الرجال جيشا آخر وجها لوجه. لكن مع ظهور المدينة وتطور وسائل الاتصال انتقلت الحرب من عصر التكتيك إلى عصر الإستراتيجية، أي مرحلة الفكر العسكري والإعداد المسبق للمعارك. ومع وصول نازية هتلر إلى السلطة في ألمانيا وبداية الحرب العالمية الأولى وتأثيراتها؛ تحوَّل العالم بأكمله إلى اقتصاد الحرب وسياسات الحرب، أي السياسات التي تستهدف التخطيط للحرب أولا وقبل كل شيء. وشيئا فشيئا، تخلَّى جهاز الدولة تدريجيا عن وظيفته التنظيمية، وتراجع مفهوم الدولة التنموية على مدار السنوات القليلة التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية، فباتت الحرب المهمة الأولى للدولة.
أما المرحلة الثالثة من تاريخ الحرب فظهرت مع تطور الأسلحة النووية العابرة للقارات، الأمر الذي أدى إلى إحالة الإستراتيجية العسكرية إلى التقاعد، إذ جعلت قدرة تلك الأسلحة على طي الزمان والمكان من الإستراتيجية أمرا بلا معنى أو غاية. ويسمي فيريليو هذه المرحلة بـمرحلة اللوجستيات، أي قدرة الدول على الإمداد والتموين والنقل لأغراض الحرب. وأدى هذا التطور في حالة الحرب المستمرة إلى تغير كبير القدر في مفهوم المكان لدى التكتلات الاجتماعية من جانب، وإلى زيادة سلطة السرعة ومن ثم تشديد خناق السلطة السياسية من جانب آخر، رغم أنها لم تعد تعتمد على الوجود داخل مركز مُحدَّد تُدير منه بقية جسد الدولة على غرار العواصم التقليدية.
لقد بدأت هذه المرحلة بـالحق في امتلاك المكان، فقد سعى جهاز الدولة إلى الهيمنة على الطريق والشارع والمدينة، وأصبح مَن يملك المكان هو الوحيد المؤهل لأن يكون موضوعا للحق؛ فامتلِك المكان تمتلِك حقوقا. ثم توسع الحق في المكان إلى الحق في السيادة على البر بأكمله، ثم الحق في السيطرة على البحر ثم على الجو. والواضح من هذا التتابع أن الدولة انخرطت تماما في وظيفة الحرب، وأن التقنيات العسكرية صارت سيدة الموقف، وانتقلت خبرات الميادين القتالية إلى شوارع المدن، وانتقل التخوف من العدو الخارجي إلى التخوف من احتمالية وجود مجتمع قادر على فرض إرادته.
ومن ثم آلت هذه المرحلة من الحق في المكان إلى الحق في الجريمة، أي التوسع غير المسبوق في حرب الدولة الداخلية على المجتمع وترسيخ تقسيماتها الطائفية فيه. والحق أن إضفاء الطابع المديني أول وأهم أداة للتقسيم العنصري، إذا أخذنا في اعتبارنا أن كل مشاريع التقسيم العنصري في تاريخنا الحديث اتصلت ببناء الجدران الفاصلة بين المواطنين القادرين والمستحقين للحركة من جانب، وجغرافيا اليأس والتيه والبطء من جانب آخر.
لقد اتصل عصرنا بشكل أساسي بتقويض مهمة السياسة، إذا فهمنا السياسة بوصفها مجالا يجمع بين عالمين متناقضين من المصالح يقوم فيه فعل السياسة بمحاولة إنصاف الطرف الأضعف، وهو تعريف الديمقراطية أيضا. كما اتصل عصرنا بعملية التقسيم الطائفي السابق ذكرها، إما عن طريق إقامة الحدود والأسلاك والجدران الفاصلة، وإما عن طريق التنمية غير المتكافئة التي تعني مباشرة عنفا بنيويا موجَّها بشكل حصري ناحية الطرف الأضعف أو عن طريق البناء بالسلب، أي اتخاذ أماكن جديدة محددة لتكون موضوعا للتنمية، تستوعب فائض قوة العمل، وفي الوقت نفسه لا تصب في صالح الفئات الأضعف في المستقبل. كل هذه الممارسات يمكن أن نراها بحذافيرها وفي لوحة تلخيصية باهرة في مشاريع العواصم الجديدة ومشروعات الطرق والبنية التحتية العملاقة التي تستهدف تمكين فئات معينة من المجتمع من الحركة والسرعة وإمكانية الوصول. إن البناء مشروع كتابة على جسد المجتمع؛ خطه البنايات والأسلاك والأنابيب والمقابر والمساحات الفارغة والطرق السريعة الطويلة.
لن تجد ثورة على مدار التاريخ الحديث مرتبطة بأي مكان مثل ارتباطها بالطريق والشارع، حتى الثورات العمالية وكومونة باريس في القرن التاسع عشر احتلت الشوارع وكان شعارها سوف نبقى هنا، وكان رمزها المتاريس القاطعة للطرق والمعكرة لصفو حركة البرجوازية الأوروبية التي كانت تجوب الشوارع الرئيسية بسياراتها فيما يعيشون في المناطق الريفية ذات الهواء النقي بحثا عن ملاذ من إيذاء الأحياء البروليتارية لأعينهم. ولذا توفَّر الأمن في المجتمعات الهشة بمنع الحركة، كما أن خطط التمدين المعاصرة ترجو الابتعاد بمؤسسات الدولة ومواطنيها المفضلين عن عشوائية المدينة القديمة، وتنسب الذنب إلي ثقافة المجتمع وتصمه بانعدام القدرة علي التنظيم. وهذه الفكرة قائمة علي الفصل العنصري حقا وليس أقل من ذلك. فنظام الفصل العنصري ليس حالة مقصورة على تجربة جنوب أفريقيا، بل هو بمنزلة نموذج تأسيسي تتبعه الدول السلطوية في علاقتها مع المجتمع. | https://www.aljazeera.net/ebusiness/2022/11/8/%d8%ac%d8%ba%d8%b1%d8%a7%d9%81%d9%8a%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a3%d8%b3-%d9%87%d9%88%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d9%81%d9%8a-%d8%b8%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b2%d9%85%d8%a7%d8%aa | 2022-11-08T11:02:56 | 2024-10-15T10:51:23 | أبعاد |
|
170 | هل ينتصر حزب الله إذا اندلعت حرب مع إسرائيل بعد أحداث الجولان؟ | رغم التفوق العسكري الإسرائيلي من حيث العتاد، فإن حزب الله يمتلك من المقومات العسكرية والتكتيكية ما يجعله قادرا على أن يكون خطرا محدقا بجيش الاحتلال الإسرائيلي، فما هي تلك المقومات؟ | أعلنت وسائل إعلام إسرائيلية اليوم السبت مقتل 10 أشخاص جراء سقوط صاروخ أطلق من لبنان بمنطقة مجدل شمس في الجولان السوري المحتل، كما تحدثت عن سقوط عشرات المصابين، وبينما نفى حزب الله مسؤوليته عن الهجوم، توعده الاحتلال برد قاس ودراماتيكي. وفي أول تعليقات رسمية على الهجوم، قال المتحدث العسكري الإسرائيلي دانيال هاغاري إن ما حدث في مجدل شمس خطير جدا وسوف نرد بما يتوافق، مضيفا نجهز ردا ضد حزب الله.
منذ الثامن من أكتوبرتشرين الأول 2023، كانت الأمور على شفا الحرب، حيث شهدت الأشهر التسعة بعد انطلاق عملية طوفان الأقصى ما يزيد على أربعة آلاف اشتباك بين حزب الله اللبناني وجيش الاحتلال الإسرائيلي. تسببت الاشتباكات والمناوشات في قتل وإصابة العشرات على جانبي الحدود، كما أُجبر عشرات الآلاف من الإسرائيليين على النزوح من أماكن سكناهم في الأراضي المحتلة بسبب صواريخ حزب الله. وإلى اليوم، تتصاعد وتيرة الهجمات؛ مما يؤشر إلى تزايد احتمالية أن نكون على مرمى حجر من حرب فعلية. حرب التصريحات التي بدأت بالتزامن مع بدء الاشتباكات، ازدادت سخونتها لنصل إلى تهديدات مباشرة من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي هرتسي هاليفي الذي قال إن الحكومة تقترب من نقطة القرار بشأن الحرب، ومن قبله حرض وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير على إحراق لبنان.
يعد الجيش الإسرائيلي، نظرًا لعدته وعتاده ودعم أميركا له ماليا وتقنيا، أحد أقوى الجيوش في العالم. فهو من هذه الناحية، يتفوق قطعًا على حزب الله، لكن الأخير، من الناحية العسكرية، يعد بحسب خبراء عسكريين أحد أقوى القوات المسلحة غير النظامية في العالم. فما الذي يحدث إذا التقت قوتان بهذا الاختلاف والتفاوت في أرض المعركة؟
قد تظن أن فارق العتاد وحده يكفي لتحديد المنتصر، لكن الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك. حرب لبنان في عام 2006 كانت كفيلة بإظهار خطأ تلك الفكرة. ويمكن أن تلحظ ذلك في تحليل قدمه الخبير الأمني الإسرائيلي بواز جانور الذي أوضح أنه في غضون 34 يومًا فقط من الحرب غير المتكافئة ضد إسرائيل، أظهر حزب الله مرونة تنظيمية، وقدرة على البقاء، واستخدام أشكال متعددة ومبتكرة من القوة النارية.
بل ورأى بعض الخبراء في هذا النطاق، مثل باحث الدفاع الأميركي فرانك هوفمان، أن حزب الله أثبت أن الجهات غير النظامية قادرة على دراسة وتفكيك نقاط الضعف في الجيوش ذات النمط الغربي واستنباط التدابير المضادة المناسبة. السبب في ذلك لم يكن تحديدًا القوة العسكرية، ولكن ما يصفه المتخصصون باعتباره نوعًا مختلفًا من الحروب يعد حزب الله أحد أفضل نماذج تطبيقه، وقد سُمِّيت هذه الحروب الحروب الهجينة.
لا تمتلك الحرب الهجينة تعريفًا عسكريًّا محددًا حتى الآن، ولا يزال ثمة جدل حول طبيعتها. لكن يمكن القول إنها إستراتيجية تمزج بين الحرب التقليدية والحرب غير النظامية، فتكون هناك قوات نظامية مسلحة تقليدية الطابع ذات تكتيكات ومعدات عسكرية قياسية، إلى جانب أسلحة مثل الدبابات والمدفعية والطائرات، إلى جانب تكتيكات الحرب غير النظامية، مثل استخدام وحدات أو خلايا صغيرة متنقلة وتكتيكات الكرّ والفرّ والكمائن وعمليات تخريب بنى العدو التحتية.
إلى جانب ذلك تستخدم تكتيكات أخرى غير معهودة مثل هجمات القرصنة وحجب الخدمة وغيرها من أشكال العدوان السيبراني سلاحًا رئيسيًّا يهدف إلى تعطيل أو إتلاف البنية التحتية الرقمية للخصم، والدعاية المعلوماتية التي تؤثر في الرأي العام والروح المعنوية لدى الخصم، وتكتيكات للتأثير في عواطف ودوافع وسلوك الأفراد والجماعات والحكومات.
في هذا السياق تأتي مجموعة من الخصائص التي تميز إدارة هذا النوع من الإستراتيجيات على مستوى العمليات والتكتيكات، منها مثلا الاستجابة المرنة والسريعة. فحينما تبدأ حملة قصف جوي لمنطقة ما، تتمكن القوات المدافعة ولتكن حزب الله في هذه الحالة من التخفيض السريع لحركات القوات على الأرض ومعدلات استخدام الهواتف المحمولة.
ما سبق يمكن اعتباره نقطة قوة حزب الله جيشًا وجماعةً. إنها القدرة على التكيف. فهيكلية قواته تمكنه من التكيف بسرعة مع الظروف المتغيرة، واستخدام أشكال مختلفة من الحرب حسب الحاجة وليس طبقا لتشكيلات القوات النظامية، وفي نفس الوقت تظل هناك وحدات مدربة بشكل معتدل ومنضبط، تصل إلى حجم كتيبة، مع هيكل قيادة وسيطرة مركزية شبيه بهياكل الجيوش النظامية، وهو أمر ضروري لتنسيق إستراتيجية الحرب الهجينة.
مؤخرا أعلنت جهات في جيش الاحتلال أنها تقوم بدراسة ضم مدفع أم 61 إلى ترسانتها لمواجهة هجوم المسيّرات القادم من جنوبي لبنان، وهو مدفع دوار قوي ومتعدد الاستخدامات، وقد كان عنصرًا أساسيًّا في تسليح الطائرات العسكرية منذ طرحه، حيث يعمل باستخدام محرك كهربائي لتدوير الأنابيب؛ مما يسمح بمعدلات إطلاق نار عالية للغاية تصل إلى 6 آلاف في الدقيقة. وأفادت وسائل الإعلام المحلية أن الجيش الإسرائيلي يقول إن السلاح سيوضع فوق ناقلات جند مدرعة منتشرة على طول الحدود الشمالية بشكل خاص.
وضع الجيش الإسرائيلي أنظمة لكشف المسيّرات عبر الحدود لتحسين وقت الاستجابة ودقة الاعتراضات، وأنشأ الجيش وحدة مخصصة لاستهداف المسيّرات، ومع ذلك تمكنت المسيّرات القادمة من جنوبي لبنان من اختراق المجال الجوي الإسرائيلي أكثر من مرة؛ مما دفع الجيش إلى البحث عن حلول إضافية منها هذا المدفع.
ويوضح ذلك أن إسرائيل، حتى مع عدم خوض معارك ضد حزب الله لا تزال تعاني من استخدام الحزب لواحدة من أهم أدوات هذا النوع من الحروب، حيث تتمكن المسيّرات من توفير قدرات لا مثيل لها للمراقبة والاستطلاع مع كفاءة تشغيلية عالية الدقة والقدرة على البقاء أعلى منطقة ما لفترة طويلة نسبيا؛ مما يسمح بجمع المعلومات الاستخبارية في الوقت الحقيقي دون المخاطرة بحياة البشر، وفي هذا النوع من الحروب تؤدي المعلومات الاستخباراتية دورًا حاسمًا. فالقوات غير النظامية لا تتحرك لبناء الكمائن على سبيل المثال لا الحصر إلا في سياق معلومات مؤكدة تمكّنها من العمل في نطاقات ضيقة حسب الطلب.
أضف إلى ذلك أن المسيّرات تتوافق تماما مع سمات المرونة في هذا النوع من الحروب، حيث يمكن تخصيصها للعمل في نطاقات مختلفة من الهجوم للدفاع وبحمولات مختلفة، بما في ذلك أجهزة الاستشعار والكاميرات والأسلحة، وهذا التنوع يجعلها مناسبة لمجموعة واسعة من التطبيقات، إضافة إلى أنها فعالة من ناحية التكلفة بالمقارنة مع الطائرات المأهولة التقليدية، وهذا مهم في سياق فارق الموارد الهائل حينما نقارن حزب الله بجيش دولة الاحتلال، وبالتالي تزداد أولوية الاستثمار في أفضل سلاح ممكن للمعركة بأقل تكلفة.
كل هذا ولم نتحدث عن التأثير النفسي للمسيّرات، فوجودها بالأعلى يترك انطباعًا مرعبًا في نفوس الجنود على الأرض، ويعدّ ذلك من النقاط التي يحرص عليها خائضو الحروب الهجينة، لإيجاد حالة من عدم اليقين والخوف المستمر.
وهذا مجرّد مثال لكيفية استثمار القوى الأضعف من حيث العتاد في أسلحة توفر لها ميزات إستراتيجية في الحرب الهجينة، ويجري ذلك على أشياء أخرى مثل الاستثمار في القذائف رخيصة الثمن المضادة للدبابات، فقد أطلق حزب الله في حرب لبنان عام 2006 أكثر من 1000 صاروخ مضاد للدبابات، وبسبب ذلك أصيبت العديد من الدبابات والعربات المدرعة الإسرائيلية بأعطاب مختلفة.
أسس ذلك لمرحلة جديدة من أشكال الصراع مع الدبابات في هذه المنطقة، ضد دولة الاحتلال التي تفوقت بشكل أساسي في معارك الدبابات. كان هذا هو الكورنيت، الصاروخ الروسيّ الموجه والمخصص للاستخدام ضد دبابات القتال الرئيسية الأثقل في ترسانة الحرب البرية المزودة بدروع تفاعلية متفجرة، هذه الإستراتيجية طورتها فيما بعد كتائب القسام بتطوير الياسين 105 المحلي الصنع، الذي أوقف عددا كبيرا من آليات الاحتلال عن العمل، وقتل وأصاب من كانوا داخل تلك الآليات.
الأمر بالنسبة لحزب الله لا يقف عند حدود القدرات في المعارك غير النظامية. ففي عام 2006، كانت المفاجأة التي واجهتها دولة الاحتلال هي أن حزب الله كان مسلحًا بأدوات مثل الصواريخ الموجهة بدقة التي تستخدمها الدول عادة، كما استخدم مقاتلوه المسيّرات لجمع المعلومات الاستخبارية، وتواصلوا عبر الهواتف المحمولة المشفرة، وراقبوا تحركات القوات الإسرائيلية باستخدام معدات الرؤية الليلية الحرارية، وهذا ينقل جانبا من تكتيكاتهم العملياتية إلى مستوى الجيوش.
منذ ذلك الحين، حاول حزب الله دعم ترسانته بأسلحة أكثر تعقيدًا تخدم الجانب النظامي في حربه الهجينة. في 6 يونيوحزيران الحالي، أعلن حزب الله أنه أطلق صواريخ مضادة للطائرات على طائرات حربية إسرائيلية بشكل أجبرها على التراجع، ولا نمتلك تأكيدا على صحة هذا التصريح لكننا نعرف أن حزب الله يمتلك بالفعل صواريخ أرض جو من طراز صياد تتمتع بالقدرة على الاشتباك مع أهداف على مدى يصل إلى 100 كيلومتر وارتفاعات تصل إلى 30 كيلومترًا.
نعرف كذلك أن أجهزة الاستخبارات الأميركية أعلنت قبل عدة أشهر أن روسيا تنوي إرسال نظام دفاع جوي متقدم سمي أس أيه- 22 بشكل غير مباشر إلى حزب الله، وهو نظام دفاع جوي مضاد للطائرات ذات الأجنحة الثابتة والمروحيات وصواريخ كروز والمسيّرات يمكنه العمل بشكل مستقل أو ضمن بطارية تصل إلى ست مركبات إطلاق.
وباستخدام رادار مخصص، يستطيع نظام أس أيه- 22 تتبع ما يصل إلى 20 هدفًا تكتيكيًّا في آن واحد على مدى يتراوح بين 32 و36 كيلومترًا، وقد تم تجهيزه بما يصل إلى اثني عشر صاروخًا من طراز 57 أيه 6 بتوجيه لاسلكي ورأس حربي متشظٍّ، ومدفعين من فئة 30 ملم 2 أيه 38 أم؛ مما يسمح له بالاشتباك مع ما يصل إلى أربعة أهداف في وقت واحد. يعد أس أيه 22 نسخة أحدث من سابقيه مثل أس أيه-8 و أس أيه-17 اللذين يمتلكهما حزب الله بالفعل، وهي قدرات لا تمتلكها عادة الجهات غير النظامية، مصحوبةً بفرق من الجنود المدربة على التعامل معها وتشغيلها.
ما ذكرناه حتى اللحظة لا يشمل ترسانة صواريخ حزب الله، حيث تشير عدد من التقديرات أنه يمتلك ما بين 120 و200 ألف صاروخ، تتنوع في مداها وقدراتها، لكن المهم في هذا السياق أن تلك الترسانة تشمل مئات الصواريخ الدقيقة ذات القدرة التدميرية العالية، التي يمكنها ضرب أهداف دقيقة في الداخل الإسرائيلي وبشكل خاص مراكز البنية التحتية العسكرية الأساسية، وهنا ستضطر دولة الاحتلال إلى تكريس منظومتها الدفاعية لحزب الله فقط إذا ما قامت الحرب.
يعمل حزب الله حاليًّا على إضافة أنظمة توجيه إلى الصواريخ غير الموجهة التي يمتلك منها عشرات الآلاف من القطع، وهذا من أجل تحويلها إلى صواريخ دقيقة، ويمثل ذلك في حد ذاته نقلة متقدمة في ترسانة حزب الله، ويعزز من وضعه بوصفه قوة هجينة، تمتلك أساليب قتالية تنتمي إلى نطاق الحرب غير النظامية، وأسلحة دقيقة متقدمة مع هيكلة مركزية تضعه في جانب الحرب النظامية، وبتفعيل الجانبين معًا تنشأ الحرب الهجينة.
في كتابه عن الحرب يقول كارل فون كلاوزفيتز إن لكل عصر نوعًا خاصًّا به من الحرب، له شروطه المقيدة، وتصوراته المسبقة الخاصة. ويرى بعض المحللين أن الأمر لا يتوقف فقط عند حزب الله، حيث يبدو أن الإستراتيجية الهجينة قادمة لتصبح شكلا أساسيا من الحروب، إذ تجد مثلا أن دولا مثل روسيا أصبحت بالفعل تستخدم هذا النمط من الحرب.
على مدى قرابة 20 سنة مثّل حزب الله نموذجًا في الحروب المرنة، ويُعتقد أنه أصبح الآن أكثر تطورا، وتمكنت قواته من بناء تكتيكات غير نظامية أدق. وهذا تحديدا ما يقلق الإسرائيليين، خاصة أنهم لم يحققوا أهدافهم المرجوة في غزة، فلا هم قضوا على المقاومة الفلسطينية أو أعادوا الأسرى، فما بالك بنزاع عسكري هجين، وفتح جبهة قتال ضارية أخرى؟ | https://www.aljazeera.net/politics/2024/6/13/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%ac%d9%8a%d9%86%d8%a9-%d9%87%d9%84-%d8%ad%d8%b2%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%a3%d9%82%d8%b1%d8%a8 | 2024-06-13T08:17:10 | 2024-07-28T06:04:24 | أبعاد |
|
171 | الفيلسوف إيمانويل تود الذي يتنبأ بهزيمة الغرب كما تنبأ بسقوط الاتحاد السوفياتي | بينما يحارب الغرب في أوكرانيا، ويساند إسرائيل في حربها ضد الشعب الفلسطيني، يأتي تود ويقول للغربيين إنهم في طريقهم إلى الهزيمة، ويبين لهم من خلال مؤشرات متعددة وبيانات هائلة أنهم على شفا الانهيار. | في عام 1976، وفي ذروة الحرب الباردة، كان الاتحاد السوفياتي قوة عظمى، تنافس الولايات المتحدة في كل المجالات، وتنشر جيوشها في كل الكتلة الشرقية، ويمتد تأثير سياستها إلى أغلب العالم الذي كان يوصف حينها بعالم القطبين.لكن في خريف نفس العام، نشر باحث فرنسي مغمور في مجال الدراسات الديمغرافية التاريخية علم دراسة خصائص السكان على مدى زمني طويل لم يكن قد تجاوز الخامسة والعشرين، كتابًا أسماه السقوط الأخير.
كان الطالب هو إيمانويل تود، وكان على وشك أن يناقش بحثه لنيل درجة الدكتوراة من جامعة كامبريدج في بريطانيا. بدت توقعات تود مضحكة، أو شديدة الغرابة في أحسن الأحوال، بالنظر إلى القوة التي ظهر عليها الاتحاد السوفياتي حينها. لكن تمر السنون، وتتحقق نبوءة تود بدقة مذهلة.
فبدلًا من دراسة أوضاع البلاد باستخدام أدوات التحليل السياسي التقليدية، استطاع تود من خلال الدراسات الديمغرافية، أن يشرّح المجتمع السوفياتي، وأن يصل إلى استنتاجات ثبتت صحتها خلال ثلاثة عشر عامًا، وجعلت منه أحد أبرز فلاسفة وعلماء عصره.
والديمغرافيا فرع من علم الاجتماع والجغرافيا البشرية، يقوم على دراسة علمية لخصائص السكان المتمثلة في الحجم والتوزيع والكثافة والتركيب والأعراق ومكونات النمو مثل معدلات المواليد والوفيات والهجرة، ونسب الأمراض، والظروف الاقتصادية والاجتماعية، ومتوسط الأعمار والجنس، ومستوى الدخل، وغير ذلك.
وفي الدراسات الديمغرافية، يستخدم الباحثون، مثل تود، أدوات رياضية وإحصائية ومعادلات جبرية يمكن من خلالها توقع مستقبل الشعوب بالنظر إلى حاضرها وماضيها. ولهذا السبب تحديدًا يعتبر إيمانويل تود أن الديموغرافيا هو الفرع الوحيد من بين العلوم الاجتماعية الذي يمكن اعتباره علمًا بالتعريف.
اليوم، يعود تود الذي أصبح مؤرخًا مرموقًا وعالم أنثروبولوجيا واجتماع طبقت شهرته الآفاق، بنظرية أكثر إثارة للجدل وضعها في كتاب عنوانه هزيمة الغرب
سمح صدق نبوءة تود الأولى للرجل بأن يكتسب قدرًا من النجومية في العالم البحثي، لكنه ظل موضعًا لإثارة الجدل، فتنبؤاته وتحليلاته غالبًا ما تكون صادمة لجمهور القراء في فرنسا والغرب، وآخر تلك النبوءات هي أن هزيمة الغرب الوشيكة.
تود مثقف غير تقليدي إطلاقًا وآراؤه غير تقليدية أيضًا، فيمكن أن يقرأ له باحثٌ رأيًا في مسألة ويظن أنه من أقصى اليسار، ثم يقرأ له في صفحة لاحقة تحليلًا لظاهرة أخرى فيظن أنه ينتمي لا محالة لأقصى اليمين، وهذا الأمر هو ما جعله دائمًا موضع اتهامات متعددة.
فمن ناحية هو المفكر الذي يهاجم النيوليبرالية والعولمة والسياسات الاقتصادية التي تعمق التفاوت الطبقي، بينما يدعم سياسات دولة الرفاه والتدخل الاقتصادي للدولة من أجل إعادة التوزيع وضمان أساسيات العدالة الاجتماعية، وهو المنتقد الشهير للإمبريالية الأميركية بل وسياسات الاتحاد الأوروبي الاقتصادية، وهو الرجل الذي وقف بعد أحداث شارلي إيبدو ليكتب وينتقد بجرأة التطرف العلماني الفرنسي، وهي كلها أمور قد تجعله محسوبًا على اليسار.
لكن على جانب آخر يتمسك إيمانويل تود بالمحافظة على التقاليد الثقافية والدينية، وقد أفرد مساحات كبيرة من كتاباته لتوضيح كيف يؤثر التخلي عن القيم الدينية والانصياع التام على سبيل المثال لأيديولوجيا الهويات الجنسية بشكل سلبي في مستقبل الحضارة الغربية، وكيف يمكن أن ينهار الغرب بانهيار البروتستانتية التي قامت عليها حضارته، بل ويجد أن ازدياد أعداد اليهود والكاثوليك في صدارة المشهد السياسي في الولايات المتحدة يؤشر إلى اضمحلال ما، وهي كلها آراء يمكن أن يضع من خلالها القارئُ تود في خانة المثقف اليميني إذا ما قرأها بمعزل عن سياقها. لكن لنفهم ذلك ينبغي أن نتعرّف أكثر على الفيلسوف.
فإيمانويل تود الذي ولد لأسرة ذات رأسمال ثقافي كبير في ضواحي باريس عام 1951، قد تخرج في معهد باريس للدراسات السياسية وحصل على درجة الدكتوراة في التاريخ من جامعة كامبريدج البريطانية، ولعل خلفيته المتنوعة تلك هي التي تفسر استخدامه مناهج متعددة المشارب لتفسير الظواهر التي يدرسها. فهو يستخدم الاقتصاد والبيانات الديمغرافية المعمقة كثيرًا في تحليله، إضافة إلى الأدوات البحثية الخاصة بعلم الاجتماع والعلوم السياسية.
ويعطي تود الدين اهتمامًا كبيرًا في تناوله للظواهر، وهو مؤرخ ينتمي إلى ما يعرف بمدرسة المدى الطويل، بمعنى أنه لا يدرس الظواهر في صورها الضيقة وتفاصيلها الدقيقة المباشرة وإنما يدرس الحقب التاريخية والظواهر الممتدة.
وكتاب هزيمة الغرب الذي صدر في بداية العام الجاري يمكن اعتباره من أهم أعمال تود، وعلى الرغم من أنه لم يترجم بعدُ ولو إلى اللغة الإنجليزية فإنه أثار الكثير من الجدل في العالم الغربي، وتناولته الصحف والمنصات المختلفة من الولايات المتحدة الأميركية إلى شرق أوروبا.
والسبب ليس فقط أن تنبؤات تود تحققت بالفعل في السابق، ولكن أيضًا لتوقيت الكتاب، فبينما يحارب الغرب في أوكرانيا، ويساند إسرائيل في حربها الإبادية ضد الشعب الفلسطيني، يأتي تود ويقول للغربيين إنهم في طريقهم إلى الهزيمة، ويبين لهم من خلال مؤشرات متعددة وبيانات هائلة أنهم على شفا الانهيار. ويقول تود إنه حاول في هذا الكتاب أن يتحرر تمامًا من الخوف من الأحكام الأخلاقية وأن يقرأ المشهد بشكل علمي غير مؤدلج.
قبل الدخول إلى أطروحته الأساسية، من المهم أن نلقي نظرة واسعة على آراء تود التي شكلت منظاره المستقل المثير للجدل في العالم، وعلى إحدى الأفكار الهامة التي شكلت فرادته، وهي نظرته إلى ملفات السياسة الدولية بعيدًا عن الرواية الغربية الكلية.
على سبيل المثال، نبه إيمانويل تود منذ تسعينيات القرن الماضي، إلى أن ظلم الغرب للفلسطينيين وتجاهله لمحنتهم لا بد أن يتم تقويمه، وأنه لا يمكن أن يعيش الغرب على ذكريات الحرب العالمية الثانية ألف عام، فهذا العيش على الذكرى هو ما يجعل الغرب متعاميًا عن الظلم الواقع على الفلسطينيين، ويجعله مساندًا لجيش الاحتلال على طول الخط. هذه الرؤية للملف الفلسطيني لم ولن تمكن أوروبا -بحسب وجهة نظر تود- من أن تصبح لها كلمة ذات وزن لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
كذلك يصل تود إلى درجة القول بأن إيران ينبغي أن تمتلك سلاحًا نوويًّا؛ لأن هذا هو الحل الوحيد لكي يسود السلام في المنطقة ويتوقف جيش الاحتلال الإسرائيلي عن طغيانه. بالنسبة لتود فإن امتلاك الأسلحة النووية بالتساوي هو السبيل الأمثل للسلام، وليس أن تمتلكه بعض الدول فقط؛ فهو يرى مثلا أن امتلاك الاتحاد السوفياتي لأسلحة نووية هو ما منع الولايات المتحدة الأمريكية من استخدام أسلحتها ضد الأراضي السوفياتية، عكس ما فعلت مع اليابان في الحرب العالمية الثانية، وكذلك إذا امتلكت إيران القنبلة النووية فستتوقف إسرائيل عن القتل والتشريد دون حساب.
على جانب آخر وبعيدًا عن آراء تود التي خالفت الرواية الغربية السائدة عادةً في السياسة الدولية، فإن أهم مرتكز في فلسفته هو الأدوات التي يعتمدها في تحليله وتنبؤاته؛ فبينما يركز المحللون عادةً على البنى الاقتصادية والثقافية ليبنوا تحليلاتهم وتوقعاتهم ورؤاهم التاريخية، يتجه تود إلى وحدات أصغر في الصورة ليحللها مثل الهياكل الأسرية في المجتمع هل هي نووية أم ممتدة أم طائفية، وهل ما زال الناس مترابطين أسريًّا في مجتمع ما أم لا وبأية صورة، وبعد جمع تلك البيانات الصغيرة يربطها تود بشكل الأنظمة الذي يمكن أن يستقر في هذا المجتمع سواء أنظمة استبدادية أو ديمقراطية ليبرالية، فإذا ما تزايدت أعداد الأسر النووية في مجتمع ما فربما سيهدد ذلك نظامًا استبداديًّا به على المدى الطويل.
وبشكل عام فإن ما يميز تحليلات تود هو استخدامه الواسع لعلم السكان والبيانات الديمغرافية ومعدلات المواليد ومستويات التعليم، ليتوقع التغييرات السياسية والاجتماعية التي يمكن أن تشهدها منطقة ما، وحين توقع تود عام 1976 في كتابه السقوط الأخير انهيار الاتحاد السوفياتي قريبًا، قام بذلك انطلاقًا من دراسة بيانات لا تمتّ إلى السياسة بصلة مباشرة مثل إحصائيات معدلات وفيات الأطفال الرضّع في الاتحاد السوفياتي، فضلًا عن انخفاض نسبة المواليد.
في البداية لم تأخذ طريقة تود في التحليل والتأريخ اهتمامًا يذكر، لكن حين حدث ما حدث وسقط الاتحاد السوفياتي بدأت طريقته التي تعتمد أساسًا على البيانات السكانية تأخذ اهتمامًا كبيرًا.
وربما يكون أكثر تحليلات المفكر الفرنسي إثارة للجدل، هو تحليله للمسيرات الفرنسية التي انطلقت للتنديد بالهجوم المسلح على صحيفة شارلي إيبدو بعد نشر المجلة رسومًا مسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم. بعد أحداث شارلي إيبدو انطلقت مسيرات في فرنسا للتنديد بما حدث وللتأكيد على إيمان فرنسا بما يصفونه حرية الاعتقاد وبقيم التنوير، وبوحدة الشعب الفرنسي أمام الإرهاب الديني، وقد نُظر إلى تلك المسيرات التي انطلقت في يوم الحادي عشر من ينايركانون الثاني 2015 باعتبارها مقدسة ورمزًا وطنيًّا في حد ذاتها، وأصبحت كلمة روح الحادي عشر من يناير تعبيرًا يستخدمه الكتاب والمفكرون في فرنسا لوصف روح فرنسا التي لا تقهر والتي تجلت في هذا اليوم.
لكن تود أتى فجأة لينسف كل ذلك ويقول إن شارلي إيبدو مجلة سيئة، وإن هذه المسيرات نضحت بالفاشية، وإنها مسيرات لا تثير الإعجاب قادها زومبي الكاثوليك كما وصفهم، فهي انطلقت من أكثر أحياء فرنسا كاثوليكيةً وأكثرها كراهيةً للإسلام، وهي تحديدًا مناطق الغرب الفرنسي وليون التي لا يمارس الناس -الذين وصفهم بالزومبي الكاثوليك- فيها الكاثوليكية لكنهم مازالوا مشبعين بالأفكار الكاثوليكية اجتماعيًّا وأسريًّا ومحافظين على نفس الهياكل الهرمية الكاثوليكية وأبعد ما يكونون عن العلمانية، وهم بحسب تعبيره مجموعة من المنحرفين المسنّين الذين تمت تربيتهم اجتماعيًّا على الدين الذي تخلوا عنه بحسب تعبيره.
بالنسبة لتود فإن المظاهرات لم تكن تدافع فقط عن حرية الاعتقاد والتعبير وهي الحرية التي يتفق معها بالطبع، بل كانت أيضًا مظاهرات لا مكان فيها لهؤلاء الذين يرفضون العمل الإرهابي، لكنهم مع ذلك يعترضون على الرسوم المستفزّة ولا يشجعونها ويرون أنها كانت حمقاء حدّ تعبيره.
كانت المسيرات من وجهة نظره فرصة لاستعراض القوة والبصق على الأقلية المستضعفة وهي مسلمو فرنسا الذين يمثلهم أساسًا أبناء المهاجرين والعمال. كما كانت استعراضًا لكراهية تلك الأقلية، والذي لم يحضره أبناء الطبقة العاملة، وإنما فقط الكاثوليك.
تسبب رأي إيمانويل تود حينها في موجة عاصفة من الانتقادات ووصفته الصحافة الفرنسية بأنه مثقّف مزعج، ومجدّف ضد 11 يناير، وسخيف وكاذب ومتواطئ مع الإرهابيين. وقد عقّب تود حينذاك بأنه من المفارقة أن الداعين إلى تلك المسيرات قد انطلقوا للدفاع عن حرية التعبير وبعد ذلك أرادوا إسكات كل من اختلف معهم في الرأي، وقال أيضًا إن السخرية من الدين في فرنسا لم تعد حقًّا فقط، بل أصبحت واجبًا؛ إذ يتم دفع المسلمين على وسائل الإعلام إلى القول إنهم مؤيدون للرسوم المسيئة لنبيهم حتى يُظهروا أنهم فرنسيون حقًّا.
بعد سنوات من تنبُّئِه الناجح بانهيار الاتحاد السوفياتي، عاد تود ليستخدم نفس الأدوات الإحصائية بشكل أساسي ليقدم نبوءة جديدة، ونبوءتُه هذه المرة هي هزيمة الغرب. وذلك في الكتاب الذي صدر عن دار غاليمار للنشر في بداية هذا العام 2024، ومن خلال هذا الكتاب ومادته العلمية الوفيرة يبرهن تود على العجز الصناعي في الولايات المتحدة الأميركية وانحدار التعليم بها منذ الستينيات، ويبرهن أيضًا على السقوط الروحاني والديني وتفكك الروابط العائلية وتفضيل دول من العالم لنموذج الدول المعادية للغرب، ومن خلال هذه الأشياء يرسم صورة قاتمة لمستقبل الغرب.
تمامًا كما نظر في الماضي إلى الإحصاءات السكانية الصغيرة التي توقع من خلالها أن الفساد قد استشرى في الاتحاد السوفياتي إلى حد يهدد بانهياره، يعود الآن وينظر إلى نفس الإحصاءات في روسيا فيجد الأمر قد تغير تمامًا، ففي حكم بوتين انخفض معدل الوفيات نتيجة إدمان الكحول في روسيا من 25.6 من كل 100 ألف نسمة إلى 8.4 من كل 100 ألف نسمة، وانخفضت حالات الانتحار من 56,934 حالة إلى 20,278 حالة، وانخفضت جرائم القتل من 41,090 جريمة إلى 9,048 جريمة قتل، كما انخفض معدل الوفيات السنوية بين الرضع من 19 من كل 1000 طفل في عام 2000 إلى 4.4 في عام 2020، وأهمية هذا الرقم بالنسبة لتود أنه أقل من المعدل الأمريكي البالغ 5.4.
بالنسبة لتود فإن مؤشرات مثل تلك أهم بكثير من المؤشرات الغربية السيّئة السمعة بحسبه حول الفساد وما إلى ذلك، التي يرى أنها مفتقرة إلى المعايير الموضوعية؛ فبينما تُظهِر تلك المؤشرات الغربية أن الغرب متفوق بفارق كبير على خصومه، يُظهِر الفرق بين عدد وفيات الأطفال الرضع في روسيا والولايات المتحدة الأميركية أن الولايات المتحدة أصبحت أكثر فسادًا من روسيا.
يبين تود -الذي يتهمه الكثيرون في الغرب حاليًّا بأنه صار بوقًا لتلميع روسيا- بالأرقام كيف تقدمت روسيا وتخلفت الولايات المتحدة الأميركية؛ فقد صارت الولايات المتحدة تنتج من السيارات ومن القمح أقل مما كانت تنتجه في ثمانينيات القرن الماضي، بل إنها أصبحت تُكوّن مهندسين أقل ممن تُكوّنهم روسيا، وهذا ليس قياسًا بعدد السكان فحسب، بل وفق الأرقام المطلقة، هذا فضلًا عن النقص الحاد في شهادات الدكتوراة التي حصل عليها الأميركيون في مجال الهندسة في العقود الأخيرة.
وبينما يتجه الروس إلى الوظائف التي تتقدم بها الأمم يتجه الأميركيون أكثر فأكثر إلى وظائف قطاع الخدمات والقانون والتمويل، وهي الوظائف التي لا تُوجِد القيمة وإنما تنقلها فقط داخل الاقتصاد، وقد تقضي عليها في بعض الأحيان. وبشكل عام يرى تود أنه بينما كانت الحكومات الغربية المنتخبة تركز دائمًا على تحقيق أهداف قصيرة المدى توفر لها إعادة انتخابها مرّة قادمة، كانت حكومات الدول المنافسة للغرب تتمتع بخطط أطول مدى جعلتها تحقق تقدمًا ملحوظًا في بلادها، وعلى الصعيد الدولي.
من وجهة نظر تود ينبغي لنا أن نتأمل بعمق حقيقة أن روسيا استطاعت أن تصمد في وجه العقوبات الاقتصادية بعد الحرب على أوكرانيا دون أن تركع أو تتأثر بشكل حاد؛ وذلك لأن روسيا استطاعت أن تبني دولتها المستقلة بحسبه، وقد استعدت لاستقلالها الاقتصادي والتكنولوجي منذ سنوات، والمدهش هنا وفقا له أن الغرب لم يكن قادرًا على تأمين احتياجات أوكرانيا من القذائف في الحرب، على الرغم من أنه قبل الحرب مباشرة كان الناتج المحلي الإجمالي لروسيا وبيلاروسيا لا يمثل إلا 3.3 من الناتج المحلي الإجمالي الذي يتمتع به الغرب، لكن رغم ذلك استطاعت روسيا أن تنتج أسلحة أكثر من العالم الغربي، ومن هنا يخلص تود إلى أن علم الاقتصاد السياسي الغربي الزائف قد انكشف في تلك الحرب وأن مفهوم الناتج المحلي الإجمالي لم يعد قادرًا على تفسير الحقيقة.
يخلص تود إلى أن الوضع المتعلق بالاقتصاد والتعليم والفساد يشير إلى أن الغرب على شفا حفرة من الهزيمة أمام خصومه، كما أن تود يولي مساحة أخرى اهتمامًا كبيرًا ليستخلص من خلالها اقتراب هزيمة الغرب، وهي مساحة العلاقات الأسرية والحياة الروحية والدين. يرى تود كما رأى الكثير من الفلاسفة من قبل أن الإصلاح الديني البروتستانتي كان العمود الأساسي الذي بنى عليه الغرب نهضته التعليمية والاقتصادية، إذ أعلت البروتستانتية من قيم العمل والتعليم، والآن يلاحظ تود أمرين أساسين
أولهما أن النخبة البروتستانتية التي بُنيَت على أكتافها سابقًا الحضارة الغربية من خلال قيم العمل والعلم، تحولت الآن لتصبح عصابات حاكمة في العواصم الغربية مشبعة تمامًا بأفكار النيوليبرالية والجشع، بل إنها قد فقدت وجودها في واجهة الحكم في الولايات المتحدة الأميركية على سبيل المثال، فلأول مرة في الحكومة الأميركية الأخيرة حكومة جو بايدن لم يعد هناك وجه بروتستانتي أبيض، بل صار اليهود يسودون الوظائف الحكومية العليا، وهو يؤكد حين يشير إلى تلك الملحوظة أنه هو نفسه ينتمي لسلالة يهودية، لكنه يحاول أن يوضح كيف يؤثر الأمر في السياسة.
والآخر هو ما يسميه تود الوصول إلى الصفر الديني في الغرب بقطبيه الكاثوليكي والبروتستانتي؛ مما أنتج فوضى في القيم والمعايير وتغييب معنى الحياة، فلم تعد المجتمعات الغربية تعاني فقط من الافتقار إلى الروحانية والقيم والمعاني، بل وصل فيها الاقتناع الديني إلى الصفر، وهو ما جعل القيم الغربية غير جذابة لبقية العالم بعكس الماضي؛ إذ صار الغرب عنوانًا للعدمية، وأصبح نموذج الأسرة الغربية -بعد شهد نظامها القائم على الأب تدميرًا كبيرًا في العقد الأخير- نموذجًا يهدد الحياة الاجتماعية فضلًا عن كونه لا يجذب الاحترام في عيون العالم. | https://www.aljazeera.net/culture/2024/10/21/%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%8a%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%81-%d8%a5%d9%8a%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%88%d9%8a%d9%84-%d8%aa%d9%88%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%8a-%d9%8a%d8%aa%d9%86%d8%a8%d8%a3 | 2024-10-21T00:22:42 | 2024-10-21T00:22:42 | أبعاد |
|
172 | يوم اتحد السُّنة والشيعة في العراق لقتال الإنجليز | ثورة العشرين أسهمت في تعزيز الهُوية الوطنية العراقية وجمعت مختلف الطوائف والمجموعات العرقية والدينية تحت راية مقاومة الاستعمار، وكانت نواة لبناء الدولة العراقية الحديثة. | في تاريخ العراق الحديث صفحات ناصعة من تاريخ تلاحم الشعب في مواجهة المخاطر الخارجية، وكانت أولى التحديات التي وقف فيها السُّنة والشيعة صفًا واحدة كانت في مواجهة المحتل البريطاني الذي دخل العراق لا يُفرق بين مكوناته، فقد عامل الجميع معاملة السيد للعبد، وأرادَ أن يسومهم الضيم، ويستولي على أنفسهم وبلدهم ومكتسباتهم التي حصلوا عليها طوال قرون.
ففي السنوات الأولى من القرن العشرين كان العراق لا يزال يمثّل جزءًا من الدولة العثمانية التي حكمت أجزاء واسعة من العالم الإسلامي لقرون، كانت تعيش آخر أيامها، ولا سيما فيما بعد الأحداث الداخلية والاضطرابات التي تلت سقوط السلطان عبد الحميد الثاني واعتلاء ضباط الاتحاد والترقي، والدخول في أتون صراعات البلقان والشرق الأوسط، واندلاع الحرب العالمية الأولى 1914-1918.
ومما يُلاحظ أنه في بداية الحرب العالمية الأولى أصبح العراق سريعًا في قلب الصراع بين القوى العالمية الكبرى، لأنه كان يحمل أهمية إستراتيجية كبيرة بفضل موقعه الجغرافي وثرواته الطبيعية.
وخصوصًا أن النفط كان قد أكُتشف في الجارة إيران وهو يمثّل مصدر الطاقة الأهم للقوى الاستعمارية وعلى رأسها بريطانيا، والتي رأت في احتلال العراق حماية للهند درة التاج ومصدر الثروات الأكبر للندن، ولهذا السبب اعتبرت العراقَ ممرًا إستراتيجيًا لحماية مصالحها في الهند، وضمان وصولها إلى موارد النفط الحيوية.
ومع اندلاع الحرب انضمت الدولة العثمانية إلى جانب دول المحور ألمانيا والنمسا والمجر، مما جعلها في مواجهة مباشرة مع بريطانيا وحلفائها، وهكذا أصبح العراق ساحة معركة رئيسية بين القوى العالمية المتصارعة.
في نوفمبرتشرين الثاني 1914، وبعد أسابيع قليلة من دخول الدولة العثمانية الحرب، قررت بريطانيا شن حملة عسكرية على العراق، واستطاعت قواتها القادمة من الهند والبحرين إجراء عملية بحرية وبرية ناجحة في الفاو وهو ميناء صغير يقع عند مدخل شط العرب جنوب البلاد، وكان الهدف الأول للبريطانيين هو السيطرة على البصرة، وهي المدينة الإستراتيجية في جنوب العراق.
في المقابل كانت القوات العثمانية في البصرة ضعيفة ومنهكة بسبب الحرب، وقلة الإمدادات، ولهذا السبب واجهت صعوبة في مقاومة الهجوم البريطاني، ومن ثم وبعد معركة قصيرة، تمكنت القوات البريطانية من دخول البصرة في ديسمبركانون الأول 1914، واستولت عليها بالكامل.
بعد السيطرة على البصرة، لم تكتفِ بريطانيا بمناطق الجنوب فقط، إذ أدركوا أن السيطرة على بغداد، عاصمة العراق، ستمنحهم الهيمنة على كامل المنطقة، وفي عام 1915، بدأت القوات البريطانية بالتحرك شمالًا على طول نهر دجلة باتجاه بغداد، بيد أن الطريق لم يكن ميسورًا أمامهم.
وفي البداية تقدَّمت القوات البريطانية بسرعة نسبية، ووصلت إلى منطقة سلمان باك وفيها تعرضت لهزيمة كبيرة من قبل القوات العثمانية مما اضطرها إلى العودة إلى مدينة الكوت التي تقع على نهر دجلة وعلى بُعد 160 كيلومترا جنوب شرق بغداد التي اتخذتها حصنا لها من الهجوم العثماني العشائري المقابل.
ولهذا السبب وجدت القواتُ البريطانية نفسها محاصرة في كوت العمارة، وقد استمرَّ الحصارُ لمدة 5 أشهر، من ديسمبركانون الأول 1915 حتى أبريلنيسان 1916، ولما كانت الظروف داخل المدينة صعبة للغاية فقد نفدت المؤن والطعام، وبدأ الجنود يموتون من الجوع والعطش، وعبثًا حاول البريطانيون إرسال تعزيزات لكسر الحصار العثماني والعشائري، ولكن جميع محاولاتهم باءت بالفشل.
في نهاية المطاف في أبريلنيسان 1916، اضطر الجنرال تاونسند إلى الاستسلام للقوات العثمانية، مما شكل هزيمة مذلة للبريطانيين، وفي هذه الهزيمة تم أسر حوالي 13 ألف جندي بريطاني وهندي، وكانت هذه الهزيمة أكبر استسلام للقوات البريطانية في تاريخها حتى ذلك الوقت.
رغم هذه الهزيمة الكبيرة، لم تتراجع بريطانيا عن هدفها في السيطرة على بغداد، ففي عام 1917، قامت من جديد بإعادة تنظيم قواتها وتعيين الجنرال ستانلي مود لقيادة الحملة الجديدة، وكانت هذه الحملة أكثر تنظيمًا وإحكاما من ذي قبل، حيث تلقت القوات البريطانية تعزيزات وإمدادات كبيرة.
وفي مارسأذار 1917، بدأت القوات البريطانية بالتحرك من جديد صوبَ بغداد، وفي هذه المرة كانت القيادة العثمانية ضعيفة ومنهكة بسبب طول أمد الحرب، وفشلها في تنظيم دفاع قوي عن العاصمة العراقية، وفي 11 مارسآذار 1917، دخلت القوات البريطانية بغداد دون مقاومة تُذكر.
وحين دخل الجنرال مود المدينة ألقى خطابًا شهيرًا أمام الشعب العراقي، حاول فيه تهدئتهم بإعلانه نحن جئنا كأصدقاء ومُحرّرين، ولسنا محتلين لبلادكم. لكن هذا الخطاب لم يخدع العراقيين لفترة طويلة، حيث كانت الأفعال البريطانية التالية دليلا على نيتهم المبيّتة لاحتلال العراق لأطول فترة ممكنة.
وقد قام البريطانيون بعد سقوط بغداد بإنشاء إدارة عسكرية لحكم البلاد، وعينوا مسؤولين متنفّذين في المناصب الرئيسية والمفصلية، كما شرعوا في فرض ضرائب جديدة على عامة الناس، واستغلوا الأراضي الزراعية لتمويل قواتهم، وقد زاد هذا من معاناة الفلاحين والمزارعين الذين كانوا بالفعل يعانون من آثار الحرب.
ولم يكن من المستغرب أنه في السنوات التي تلت الاحتلال بدأت بوادر المقاومة العراقية تظهر شيئًا فشيئًا، فلم يكن العراقيون راضين عن الوجود البريطاني، وبدأت القبائل والعشائر في الجنوب ومنطقة الفرات الأوسط بتنظيم حركات مقاومة سرية، ولكن في البداية كانت هذه الحركات متناثرة وغير منظمة.
وفي عام 1919، وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى تم عقد مؤتمر فرساي لتقسيم الأراضي التي كانت تحت سيطرة الإمبراطورية العثمانية، وبناءً على اتفاقية سايكس بيكو التي عُقدت بين بريطانيا وفرنسا سنة 1916م، تم وضع العراق تحت الانتداب البريطاني، وهو نظام استعماري غير مباشر يتيح لبريطانيا التحكم في شؤون العراق.
وقد أثار هذا الانتداب استياء العراقيين بشكل كبير، إذ كانوا يأملون في الحصول على استقلالهم بعد الحرب العالمية الأولى، ولكنهم وجدوا أنفسهم تحت سيطرة قوة استعمارية عاتية.
قامت السلطات البريطانية بفرض سلسلة من السياسات القمعية والضرائب الثقيلة على الفلاحين والمزارعين، مما أثقل كاهل الشعب وزاد من معاناته الاقتصادية.
كما أن البريطانيين تدخلوا بشكل سافر في تنظيم حياة العراقيين الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وحاولوا فرض نظام جديد يتناسب مع مصالحهم الاستعمارية وعلى رأسه فرض الضرائب الثقيلة على عموم الشعب، مما زاد من توتر العلاقة بين الشعب العراقي والمحتلين.
بل حاول البريطانيون نزع السلاح من الأهالي، فقد كانت العشائر العراقية تعتمد على السلاح كجزء من ثقافتها القبلية وأسلوبها في الحياة، وكان السلاح يعتبر ضمانًا للأمن والاستقلال، ولم يكتفِ البريطانيون بمحاولة نزع السلاح من العشائر فقط، بل وسعوا لفرض التجنيد الإجباري على الشباب العراقيين، مما أثار غضب القبائل ودفعها نحو المقاومة.
يقول الدكتور علي الوردي في كتاب اللمحات انه عندما حصلت ثورة_العشرين إستمرت عشائر السماوة والرميثة تقاتل الانكليز لوحدها لأكثر من أسبوعين من دون مساعدة اي عشيرة وقبل إصدار اي فتوى دينية.وهذا دليل تاريخي على ان العراقيين يضحون من اجل ارضهم و وطنهم بوجود او عدم وجود فتوى دينية. pic.twitter.comvcfjKHrAwO
Hasanain Qays hasanain_qays June 29, 2022
وقد لعب رجال الدين والمراجع دورًا كبيرًا في تحفيز العراقيين على الثورة، ففي مدينة كربلاء كان يعيش الشيخ محمد تقي الشيرازي، وهو واحد من أبرز علماء الدين الشيعة في ذلك الوقت، وكانت مكانة الشيرازي الروحية كبيرة بين الشيعة العراقيين، وقد أزعجه التدخل البريطاني في شؤون البلاد، ولما رأى الشيرازي هذه المظالم المتنامية من الاحتلال أصدر في عام 1920، فتوى تاريخية دعا فيها إلى الجهاد ضد المحتل، واعتبر أن مقاومة الاحتلال واجب ديني وشرعي.
كانت هذه الفتوى بجوار حادثة الرميثة الشرارة التي أشعلت الثورة، إذ انتشرت بسرعة بين الناس والعشائر، وأصبحت بمنزلة النداء المقدس الذي يجب تلبيته، وقد بدأت القبائل تتجمع وتتسلح استعدادًا لمواجهة القوات البريطانية.
وفي يونيوحزيران من عام 1920، وقعت حادثة في بلدة الرميثة التي كانت تقع على خطّ السكك الحديدية الذي يربط بغداد بالبصرة، كما كانت الرميثة واحدة من أهم مراكز العشائر الجنوبية، والتي كانت تعاني من القمع البريطاني، وفيها قامت القوات البريطانية باعتقال الشيخ شعلان أبو الجون زعيم عشيرة الظوالم بتهمة التحريض على التمرد، ولكن عشيرته لم تتركه يذهب دون مقاومة، حيث هاجم رجال العشيرة القافلة البريطانية التي كانت تنقله، ونجحوا في تحريره.
كانت هذه الحادثة الشرارة العملية القوية التي أشعلت الثورة، فبعدها مباشرة، اندلعت الانتفاضة في العديد من المدن والقُرى الأخرى، وخاصة في مناطق الفرات الأوسط وجنوب العراق، إذ انضم إليها رجال القبائل والعشائر، ثم بدأت المدن الأخرى تشهدُ مواجهاتٍ عنيفة بين الثوار والقوات البريطانية.
بعد حادثة الرميثة، امتدت الثورة بسرعة لافتة في مناطق الفرات الأوسط، وكانت هذه المناطق تعج بالعشائر التي تعاني من السياسات البريطانية الظالمة، وكانت تنتظر الفرصة المناسبة للانتفاض ضد الاحتلال.
ففي مدينة النجف، التي تعتبر واحدة من أهم المراكز الدينية في العراق، تجمّعَ رجال الدين والعشائر لدعم الثورة، وفيها قاد الشيخ عبد الكريم الجزائري والشيخ محمد جواد الجواهري وغيرهم من علماء الشيعة المظاهرات والمسيرات، وكان لهم ولغيرهم دور كبير في توجيه الناس نحو المقاومة المسلحة.
وفي مدينة كربلاء أيضًا، تجمع الآلاف من الناس في المساجد والحسينيات، وأعلنوا دعمهم للثورة، وكانت كربلاء معقلًا هامًا للثوار، حيث كانت الفتاوى الصادرة من علماء الدين تحفز الناس على الجهاد ضد البريطانيين.
ولقد اشتعلت الثورة أيضًا في مراكز السنة في العراق ووقفوا جنبا إلى جنب مع إخوانهم الشيعة في مواجهة المحتل، ففي الأنبار قاد الشيخ ضاري المحمود زعيم عشيرة زوبع هجماتٍ كبيرةً ومؤثرة ضد القوات البريطانية، وفي إحدى أشهر هذه الهجمات، نصبَ الشيخ ضاري كمينًا لقافلة بريطانية كان يقودها الضابط جيرارد ليجمان، وقتل ليجمان في المعركة، هذه العملية كانت واحدة من أكثر العمليات جرأة، وقد وأثارت قلق القوات البريطانية بشكل كبير.
بل لم يتوقف الشيخ ضاري عند هذا الحد فقد اتفق مع أبناء قبيلته زوبع وقسم من بني تميم بزعامة علي المعيدي وعقدوا اجتماعا في دار الشيخ مشوح الجاسم أحد شيوخ عشيرة الجميلة وعزموا على قطع السكة الحديدية بين بغداد وسامراء لقطع إمدادات الجيش البريطاني المتوالية بين الموصل وبغداد، واستطاعوا أن يعيدوا تحرير العديد من المدن في تلك المنطقة، وأنزلوا بالبريطانيين خسائر فادحة.
أدت هذه المقاومة العنيفة التي قادها الشيخ ضاري بن محمود الزوبعي إلى انتشار الثورة والمقاومة في جميع أنحاء مناطق غرب ووسط العراق، وعلى الرغم من قمع الثورة فيما بعد فإن الشيخ ضاري رفض الانصياع بصورة مطلقة للاحتلال البريطاني، مما أدّى إلى القبض عليه وسجنه ووفاته في السجن عام 1928م، وكانت بريطانيا تريد أخذ جثمانه ودفنه في لندن لكنها خافت من عاقبة ذلك.
ومن نافلة القول إن الشيخ المقاوم ضاري المحمود كان خال كل من الرئيسينِ العراقيينِ السابقين عبد السلام عارف 1963- 1965 وعبد الرحمن عارف 1965- 1968م، كما أنه جدّ الشيخ حارث الضاري الرئيس السابق لهيئة علماء المسلمين في العراق.
استخدم الثوار العراقيون في مقاومتهم المسلحة ضد الإنجليز أسلوب حرب العصابات لإنزال أكبر قدر ممكن من الخسائر في العدو، وقد أدركت بريطانيا أن الثورة العراقية خرجت عن السيطرة، وأنه لا سبيل أمامها إلا أن تَردّ بشكل قوي عنيف، فاستخدم البريطانيون الطائرات لقصف المدن والقرى العراقية في واحدة من أوائل المرات التي تُستخدم فيها الطائرات لقمع ثورة شعبية عفوية، وكانت الطائرات تقصف المناطق الريفية التي يسيطر عليها الثوار، مما أدى إلى تدمير العديد من القرى وتشريد ونزوح الآلاف من الناس.
كما استعانت بريطانيا بقوات إضافية قادمة من الهند، واستخدمت المدفعية الثقيلة ضد الثوار، ورغم التفوق العسكري البريطاني فإن الثوار واصلوا المقاومة بشجاعة، معتمدين على معرفتهم بالأرض ودعم العشائر المحلية، واستمر القمع البريطاني الذي اتخذ أشكالا أخرى منها عزل المناطق الثائرة والانقضاض عليها رغم التوافق الكبير في الأهداف والتكتيكات بين السنة والشيعة في مواجهة الإنجليز.
وأمام هذه القوة العسكرية الباطشة، والفارق الكبير بين الثوار والبريطانيين، وعدم وجود قيادة ثورية موّحدة، أعادت بريطانيا السير بيرسي كوكس الذي كان قد أسهم من قبل في احتلال بلاده للعراق وابتعد عن المشهد، وكان كوكس قادرا على قراءة الأحداث، فحرص على التفاوض مع ثوار الرميثة قلعة الثورة، وأبرم معهم اتفاقًا في 20 نوفمبرتشرين الثاني 1920م.
وفي هذا الاتفاق تعهد فيه الإنجليز بأن تكون للعراق حكومة عربية مستقلة وهذا لم يتحقق عمليا إلا عام 1932م وبصورة منقوصة، وكذلك عدم مطالبة الثوار بالخسائر التي لحقت بالبريطانيين، مع الإعفاء من الضرائب لسنة الثورة، على أن يتعهد الثائرون بحفظ الأمن والنظام والمحافظة على السكة الحديدية التي تمر في مناطقهم، فضلا عن تسليمهم الحكومة البريطانية 2400 بندقية.
والحق أن الثورة العراقية سنة 1920م كبدت بريطانيا الكثير من الخسائر المادية والبشرية، فقد قدّر قائد القوات البريطانية في العراق الجنرال هالدن الخسائر المالية بحوالي 40 مليون جنيه إسترليني مما دفع الرأي العام البريطاني والصحافة إلى المطالبة بالانسحاب من العراق، إذ كان هذا المبلغ قرابة ضعف ما كان ينفقه الإنجليز على قواتهم في العراق في سنة كاملة.
وكان من أبرز نتائج هذه الثورة تسريع إنشاء المملكة العراقية، نتيجة لضغط الثورة والاضطرابات المستمرة، حيث اضطرت بريطانيا إلى تغيير نهجها من الحكم المباشر إلى طريقة غير مباشرة، ففي عام 1921، استدعت بريطانيا الملك فيصل بن الحسين لحكم العراق، وكان مدعومًا من البريطانيين منذ الثورة ضد العثمانيين، فقد حكمَ سوريا من قبل ولكن الفرنسيين عزلوه بعد احتلالهم البلاد، فجيء به إلى العراق ليكون بديلا عن الحكم المباشر للإنجليز.
وقد أدى إعلان الملكية في العراق إلى تأسيس الجيش العراقي بهدف تقليص الحاجة إلى استخدام القوات البريطانية، وكان هدفهم المباشر من وراء ذلك قمع الثورات المحلية التي قد تندلع مستقبلا، وفيما بعد تم توقيع اتفاقية عام 1922م بين بريطانيا والحكومة العراقية التي أنشأتها، والتي نصَّت على منح العراق حكمًا ذاتيًا جزئيًا تحت إشراف بريطاني مستمر.
ولا شك أن الثورة قد أسهمت في تعزيز الهُوية الوطنية العراقية وجمعت مختلف الطوائف والمجموعات العرقية والدينية تحت راية مقاومة الاستعمار، ويعتبر كثير من المؤرخين العراقيين مثل علي الوردي وجعفر حميدي وعبد الرزاق الحسيني وغيرهم أن هذه الثورة كانت نواة لبناء الدولة العراقية الحديثة. | https://www.aljazeera.net/culture/2024/9/20/%d9%8a%d9%88%d9%85-%d8%a7%d8%aa%d8%ad%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%b9%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d9%82 | 2024-09-20T02:00:09 | 2024-10-15T00:16:31 | أبعاد |
|
173 | كيف أحدد هدفي في الحياة؟ | الأهداف طموحات شخصية؛ لذا تتخذ أشكالا مختلفة وتتطلب فترات متفاوتة لتحقيقها حسب أولويات كل فرد وظروفه. لكن الأهداف مهمة؛ لأنها بوصلة تحدد اتجاهاتنا في الحياة، وتحمِّلنا مسؤولية تحقيق سعادتنا. | ليس ثمة تعريف محدد وصارم للهدف، لكنه ببساطةٍ يُساعدنا على تحديد التجارب التي نود خوضها على ضوء قيمنا التي نسير على نهجها، أي تحرِّك أهداف حياتنا سلوكياتنا. الأهداف طموحات شخصية؛ لذا تتخذ أشكالا مختلفة وتتطلب فترات متفاوتة لتحقيقها حسب أولويات كل فرد وظروفه. لكن الأهداف مهمة؛ لأنها بوصلة تحدد اتجاهاتنا في الحياة، وتحمِّلنا مسؤولية تحقيق سعادتنا وراحتنا لعيش أفضل حياة ممكنة.
مَن منا ليس لديه أحلام وتصورات عامة عن حياته، عما قد يُسعده، عن التجارب التي يود خوضها؟ وربما -بعضنا- لديه فكرة عامة عن كيفية تحقيقها. لكن تحديد أهداف واضحة وممكنة وواقعية أمر غاية في الأهمية؛ لأننا -بدايةً- سننتقل من أتمنى لو أتعلم الإسبانية إلى كيف سأتعلم الإسبانية؟، هذا هو الهدف، قفزة من الحلم إلى التخطيط، أو كما قال عالم النفس المجري الأميركي، ميهالي كسيسنتميهالي، تحوِّلُ الأهداف المشي العادي إلى هرولة1.
في الستينيات، وضع عالم النفس الأميركي، إدوين لوك، مبادئ تحقيق الأهداف حتى يجد المرء حافزا لتنفيذها وتوجيه سلوكياته بناء عليها وأيضا رفع من ثقته بنفسه والإيمان بإمكانية تحقيقها. لماذا عليك أن تحدد أهدافك؟ لتكوِّن صورة واضحة عن مسارك في الحياة، الوضوح يؤدي إلى إيجاد دافع مستمر يغذي رغبتك في الالتزام، كذلك لتفرض على نفسك تحديا يحثك على الاستيقاظ كل صباح والتقدم نحوه، حتى تتمكن من تقييم ذاتك كل فترة، أو نيل تقييمات من الآخرين إن كان الهدف لا يشملك وحدك، مثل أن تترقى في عملك أو تنجح في دراستك. تُساعدنا آراء الآخرين على ضبط بوصلتنا، وتفرز أدمغتنا الدوبامين حين نتلقى ردود فعل إيجابية ومُرضِية. أيضا تحديد الأهداف بعيدة المدى سيتطلب فهما ووعيا بالأهداف قصيرة المدى التي تكوِّن الهدف النهائي، فتتفهم طبيعة الوقت وتعقيد عملية تحقيق الأهداف، فلا تُحمِّل ذاتك فوق طاقتها.
يقول عالم النفس الأميركي، مارتن سيليغمان، إن سعادة الفرد ورضاه عن حياته يتحقق بـ5 متطلبات، جمَعَها في نموذج بيرما PERMA المشاعر الإيجابية، والانخراط في التجارب، والعلاقات الإنسانية بشتى أشكالها، ومعنى يكرِّس المرء حياته له، وإنجازات مستمدة من كل ما سبق. بمعنى آخر، أهداف الحياة هي ما يمنحنا المقدرة على تحمل المنغصات اليومية والروتين الممل، والاستمتاع بشعور الإنجاز مع كل خطوة نحو الهدف، حتى السعي نحو حياة أفضل يؤدي في بعض الأحيان إلى السعادة التي نتوق إليها1.
يحدد ملايين الناس قوائم طويلة في بداية كل عام جديد أو في أعياد ميلادهم، لكن البعض لا ينجح في تحقيق ربعها حتى، والسبب هو طريقة التخطيط من الأساس، إذ نضع أهدافنا في زخم اللحظة ونشوتها، ونتوقع أن نُحقق المستحيل دفعة واحدة دون تروٍّ، لهذا السبب تغيير المرء سلوكه نحو أهدافه أمر شاق، ثمة الكثير من الطرق لتطويع حماس الأهداف، وأن نسجلها ونحن فعلا مدركون أن هذه حياتنا المتخيلة. يسير الهدف الذكي ينبع ذكاء الهدف من طريقة التخطيط له وتنظيمه، وليس من فحواه وفق نظرية تُختصَر بـ5 حروف SMART، التي تعني ذكي بالإنجليزية، وهي أنجح الطرق وأشهرها، حيث تمكنك هذه الطريقة من دمج النظري بالعملي خلال تفكيرك في المستقبل، إضافة إلى إبقائك على أرض الواقع حين تقيس بها أهدافك، وكلما اتضح المسار سَهُل البدء فيه والاستمرار عليه.
من هذا المنطلق، لا تقل أريد أن أخفض وزني، هذا هدف غامض، يمكن تسويفه إلى ما لا نهاية، بل قل أود ممارسة المشي لمدة نصف ساعة ثلاث مرات في الأسبوع، أيام الأحد والثلاثاء والخميس، لمدة شهر، هكذا اتضحت صورة خطوات الهدف، وأصبحت قادرا على رؤية ما يمكنك فعله الآن وتطبيقه على الفور2.
الهدف، كما ذكرنا، نية تشكِّل سلوكياتنا، لذا معنى تصميم الأهداف أن يكون ذا نهاية واضحة، نقطة منها نقيس تقدمنا والتزامنا من خلال تفاصيل واضحة. خلال عملية التفكير في الهدف يجب أن نظل واقعيين، أن تكون ثمة طريقة لتحقيق ما نريد، لنركز بسهولة على التقدم الإيجابي نحو إنجازنا بدلا من تجاهله أو الهرب من أي نتائج سلبية أو عثرات.
كذلك علينا أن نراعي تقسيمه إلى أهداف أصغر وأصغر في حالة الضرورة، أولا حتى نفرِّق بين الهدف النهائي والأهداف الصغيرة قصيرة المدى الذي يتكون منها، ولنتمكَّن من الاحتفال بنجاحاتنا خلال الرحلة كلها. قد يُقسَّم الهدف، حسب طبيعته والمسار الذي تقرره، على أساس أسبوعي أو شهري، توضّح الأبحاث ضرورة التقسيم والاحتفال من أجل الحفاظ على الحماس والتحفيز المستمر.
في هذه المرحلة، سجِّل كل الطرق المتاحة لتحقيق هدفك، بداية من خلال كتابة كل الطرق التي تخطر ببالك بغض النظر عن صعوبتها أو العراقيل فيها، إذ في هذه المرحلة لا توجد أفكار سيئة، بل أفكارنا تقرِّبنا وتوضح لنا الممكن والمتاح. في هذه الخطوة قد تستفيد من استشارة الآخرين، أصدقائك أو عائلتك أو من هم أكثر خبرة منك في العمل، في توليد المزيد من الأفكار عن كيفية تحقيق هدفك. بعدها تسجِّل أيا ما تحتاج إليه لتسلك كل طريق كتبته الوقت المطلوب، المتطلبات المادية، الأدوات التي قد تحتاجها؛ تستكشف في هذه الخطوة توقعاتك من نفسك بشكل واقعي ومعقول، وقتها يمكنك حذف بعض الاختيارات التي لا تتناسب مع طبيعة حياتك أو ظروفك1.
قد يأخذنا التفكير في مسارات أهدافنا إلى أفكار عظيمة وغير محدودة، النظر في العوائق المحتملة التي قد تنشأ أمامنا لن يعيدنا إلى أرض الواقع فحسب، بل سيهيئنا لكل مرحلة على حدة، وسنتمكن من الاستعداد نفسيا لأي طارئ مُقبِل. إدراك أننا سنتلقّى رسائل رفض، أو سنشعر بضجر غير مبرر، أو نمُرّ بعوائق مالية، أو ضيق في الوقت؛ بنفس أهمية التخطيط للهدف ذاته؛ لأن التعثر جزء من الرحلة، وإلا ما كان تحقيق الأهداف صعبا ويحتاج إلى إعداد.
أي شيء قد يحول بينك وبين هدفك؟ كيف ستجتازه؟ هل ثمة مسارات بديلة لم تستكشفها؟ هل يمكنك استشارة أحد؟ هل أنت مندفع وفي حالة من العجلة لتحقيق هدفك؟ ينبغي عليك الإجابة عن تلك الأسئلة حسب طبيعة الهدف والعائق المتوقع. قد تكون المرونة هدفا في حد ذاتها؛ لأنها مهارة تنشأ بالتعلم ولا نولد بها، إنها القدرة على المثابرة والاستمرار رغم كل شيء، إنها تقبُّل الهزيمة الحتمية، وستستفيد من الاستعداد لها والتدرب عليها على مدار حياتك1.
حين نقول كلمة هدف نتصور أمورا عملية لها علاقة بمستقبلنا الوظيفي أو الدراسي، لكن الحياة أوسع من العمل. أحد أهم العوامل التي أثّرت على صحتنا النفسية خلال الوباء كان محدودية الأنشطة -أو انقطاعها التام- التي كانت تُشعرنا بالسعادة والاسترخاء والرضا عن أنفسنا، مثل لقاء الأصدقاء أو حضور الحفلات أو حتى تناول الطعام في مطاعمنا المفضلة. تلك الأنشطة، على بساطتها، أساسية في حياتنا، وأدرك بعضنا حين حُرمنا منها أن بعضها مهمٌّ أهمية وظائفنا نفسها. سنظلم أنفسنا ظلما فادحا حين نقرر أن أهدافنا ينبغي أن تسهم بشكل مباشر في معدلات إنتاجيتنا.
حين تضع لنفسك أهدافا خارج نطاق العمل فأنت بهذا تُسهم في مقاومة الثقافة المُلحّة على عيش حياة سريعة وهائلة واستثنائية، التي أحيانا تقودنا إلى الجنون. قد يكون هدفك تعلُّم مهارة أو لغة جديدة، أو هواية بسيطة، أو حتى زيارة أماكن مميزة كل شهر، قد يكون الهدف ثريّا، مثل التعمُّق في القراءة عن ديانتك، أو البدء في ممارسة رياضة جديدة، أو دراسة شيء تشعر بالفضول نحوه، أو قد يكون الهدف ببساطة الحدّ من استخدام الهاتف. يُمكنك أن تضع هدفا لتحسين علاقتك بعائلتك وتخصيص وقت معين للعب لعبة جماعية أو وضع خطة للسفر سويا.
اسأل نفسك الأسئلة الآتية لتحدد أهدافك بشكل أفضل أي أنشطة -خارج نطاق العمل برمته- أستمتع بأدائها دون توقع إنجاز أو تلقي مديح عليها؟ أي أمكنة تُثير فضولي؟ مَن في حياتي أودّ لو أعمِّق علاقتي به؟ أي اهتمامات أو هوايات كانت تُسعدني سعادة خالصة لكن سقطت من خانة أولوياتي؟ من تلك الأسئلة ستستنبط أهدافا ومتعا كثيرة مجزية كانت قد غابت عنك3.
إن سألنا بعضنا عن أهدافنا سنجد اختلافات هائلة بيننا، وهذا أمر طبيعي ومتوقع؛ لأن رحلات حياتنا فردية، لكن ثمة هدف واحد من دونه سيصعب تحقيق، أو حتى تحديد، أهدافنا الأخرى أن يعرف المرء نفسه حق المعرفة ويفهمها. ليس أن تعرف ما تحب وما تكره فحسب، بل أن تفهم محفزاتك وأسباب ردود فعلك في مواقف بعينها، أن تعرف مواطن ضعفك وقوتك. مع الأسف الشديد، لا نعيش حياتنا وفق كتيب إرشادي، ولهذا نحتاج إلى كتابة واحد خاص بنا حتى لا نسير في الحياة بأعين معصوبة.
كيف نتعرّف إلى أنفسنا؟ ينصحنا الكاتب والطبيب بروس واي لي أنه كلما تعثرنا في خطوة ما أو لم يسر شيء ما كما خططنا عليه، علينا أن نسأل أنفسنا عما فعلناه خطوة خطوة حتى نصل إلى تلك النتيجة وماذا تعلمنا منها. لا أدري أو لم أفعل شيئا ليست إجابة أبدا؛ لأن سلسلة من القرارات التي اتخذتها بنفسك هي ما أدت لذاك الموقف. في إمكاننا أن نرثي حالنا فحسب حين نفشل، أو -بعد الانتهاء من الرثاء- أن نستغل تجاربنا السيئة لنتغيَّر ونتكيف ونحسِّن سلوكياتنا في المستقبل.
قد يصل المرء إلى السبعينيات من عمره وهو ما يزال جاهلا الكثير عن نفسه رغم كل الإنجازات التي حققها، يحاول فَهْم أسباب فشل علاقاته السابقة دون أن يحدد ما يبحث عنه لأنه لم يستكشف ذاته من الأساس. علينا أيضا أن نُعرِّض أنفسنا لمختلف التجارب والمواقف والأشخاص، ولا نكتفي بهذا فحسب، بل نتأمل فيما يحدث لنا حتى نتعلم. معرفة الذات ليست مهمة تُزيلها من قائمة مهامك اليومية، بل رحلة تمتد طوال حياتك، لن تأتي لحظة تشعر فيها بأنك تفهم نفسك، قد تكتشف أشياء وتغيب عنك أخرى لأننا نتغير باستمرار، مهمتك هي مراقبة هذا التغيّر وفهمه قدر المستطاع حتى يسهل عليك اتخاذ قراراتك وتحديد أهدافك وفهم دوافعك والتحرّك على أساسها كل يوم4.
تعاون كلٌّ من الكاتبة كارولين ميلر والطبيب مايكل فريش، مدرب علم النفس الإيجابي وطبيب نفسي إكلينيكي في جامعة بايلور، في كتابة كل خبراتهما عن الأهداف والإنجاز المستقاة من الأبحاث والدراسات العلمية. في الكتاب الكثير من التمارين التفاعلية والاختبارات القصيرة التي ستساعد القارئ على تحديد احتياجاته وطموحاته ورغباته وتحقيقها لعيش الحياة على نحو منتج وواعٍ وسعيد.
| https://www.aljazeera.net/sukoon/2022/12/17/%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%a3%d8%ad%d8%af%d8%af-%d9%87%d8%af%d9%81%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%a9%d8%9f | 2022-12-17T10:48:29 | 2024-06-06T11:54:15 | أبعاد |
|
174 | رجال الرب في المكتب البيضاوي.. كيف تؤثر الكنيسة على الانتخابات الأميركية؟ | يقف رجال الدين بالولايات المتحدة مثل رمانة الميزان، يساعدون المرشحين، ويصادقون الرؤساء، ويعظونهم بالحفاظ على مصالح الأمة الأميركية. فهل يمكن وصف أميركا بأنها دولة “علمانية” حقًا؟ | أنا فخور بأن أعلن اليوم أن حملتنا الانتخابية قد حظيت بتأييد القساوسة ورجال الدين في كل من المقاطعات الـ99 للولاية. أعتقد أن هذا أمر غير مسبوق.
تصفيق
شكرا جزيلا لكم. الرب معنا، أليس كذلك؟
دونالد ترامب، خلال تجمع لحملته الانتخابية في سيوكس سنتر بولاية أيوا في ينايركانون الثاني الماضي
في الثالث عشر من يوليوتموز الجاري، وأثناء مؤتمر انتخابي في ولاية بنسلفانيا، أطلق شاب أبيض في العشرين من عمره النار على الرئيس الأميركي السابق، ومرشح الرئاسة الحالي عن الحزب الجمهوري، دونالد ترامب. يقول المختصون إن ثلاثة أعشار من الثانية فصلت ترامب عن الموت، وإن الرصاصة لو انحرفت بضعة مليمترات لأصابته في مقتل، ولكانت أميركا قد انحرفت إلى كارثة ربما تصل إلى الاقتتال الأهلي. أما العديد من رجال ونساء الكنيسة في الولايات المتحدة، فلم يروا المسافة ولا التوقيت، لكنهم رأوا يد الله تحمي مرشحه وتبارك مساعيه.
فبعد ساعات من إطلاق النار الذي بدأت السلطات الأميركية في التعامل معه باعتباره محاولة اغتيال، نشرت بولا وايت، وهي داعية إنجيلية ومستشارة سابقة لترامب، منشورًا على منصة إكس مع صورة ترامب يحميه المسيح، قالت فيه لقد كذبوا بشأنه، وافتروا عليه، حاولوا عزله، وحاولوا سجنه، والآن يحاولون قتله. لكن الله معه ادعوا من أجل الرئيس دونالد ترامب وعائلته.
httpsx.comPaula_Whitestatus1812280224379519277
قبل أسبوعين من ذلك الوقت، وبينما كان الرئيس الأميركي جو بايدن يتحضر للمناظرة التلفزيونية أمام ترامب في 27 يونيوحزيران، جمعت بولا وايت عددًا من كبار القساوسة ورجال الدين في مكالمة طارئة مدتها أربعون دقيقة للدعاء من أجل أن ينصر الله ترامب على عدوهما بايدن. لكن المفارقة أن ترامب ليس السياسي الأميركي الوحيد الذي يستفيد من دعم رجال الدين، فقد سبق لبايدن نفسه عدو الله من وجهة نظر أنصار ترامب المتدينين أن استفاد من الدعم المعلن لـ1600 قس ورجل دين خلال انتخابات عام 2020 التي فاز خلالها بالرئاسة مقصيا ترامب من البيت الأبيض، فيما وُصف بأنه أكبر مبادرة دينية لدعم مرشح ديمقراطي في التاريخ الأميركي الحديث.
وسط سجالات الديمقراطيين والجمهوريين ومنافسات الساسة والمرشحين، يقف رجال الدين إذن مثل رمانة الميزان، يساعدون المرشحين، ويصادقون الرؤساء، ويعظونهم ليس فقط للحفاظ على مصالح الأمة الأميركية، التي يقول قَسَم الولاء لها الذي يردده الجميع، بداية من طلاب المدارس حتى رؤساء الجمهورية، إنها أمة واحدة تحت عين الله، بل لمصالحهم هم أنفسهم كذلك في كثير من الأحيان. وهو ما يدفعنا إلى تسليط الضوء على طبيعة التفاعل بين الدولة والدين في أميركا، من أجل الجواب عن سؤال مهم هو هل يمكن وصف الولايات المتحدة بأنها دولة علمانية حقًّا؟
أقدر بشدة الإلهام والإرشاد الروحي الذي قدمته لي. وبالإضافة إلى ذلك، كانت نصائحك السياسية حكيمة أكثر من أي رجل آخر أعرفه. لقد أخبرت أصدقائي مرارا أنك عندما انخرطت في خدمة المسيحية، فقدت السياسة أحد أعظم مُمارسيها المحتملين
المرشح الجمهوري الأسبق والرئيس لاحقا ريتشارد نيكسون، في رسالة إلى القس بيلي غراهام عقب هزيمته أمام جون كينيدي في الانتخابات الرئاسية عام 1960
خلال السنوات الأخيرة، ساعد تأييد القساوسة المرشحين لرئاسة الولايات المتحدة وغيرها من المناصب التنفيذية والتشريعية على بناء جسور مع شرائح مختلفة من الناخبين، خاصة أولئك الذين يعتبرون الدين جزءا لا يتجزأ من حياتهم اليومية. ويدرك كبار الساسة الأميركيون أن تأييد القساوسة ورجال الدين لأي مرشح ليس مجرد إعلان رمزي، بل هو تأكيد على أن القيم والمبادئ التي يمثلها المرشح تتماشى مع تلك التي تهم المتدينين في المجتمع. كما أن دعم القساوسة يمكن أن يعزز مصداقية المرشح ويضفي طابعا أخلاقيا ودينيا على حملته؛ مما يعزز جاذبيته للناخبين المتدينين. لذلك، غالبا ما يأخذ السياسيون الأميركيون بعين الاعتبار التوجهات الدينية لناخبيهم؛ فيسعون إلى كسب دعم القادة الدينيين وتأمين تأييد الجماعات الدينية، إلا أن الأمور لم تكن على هذا النحو في البداية.
صحيح أن من يسمّيهم التاريخ الأميركي بـ الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، مثل جورج واشنطن وتوماس جيفرسون، كانوا متأثرين بالمبادئ الدينية، لكنهم حاولوا الحفاظ على الفصل بين الكنيسة والدولة. كان واشنطن عضوا في الكنيسة الإنجليكانية وكان يتردد على الكنيسة بانتظام، وكان جيفرسون من أتباع الربوبية، إذ كان يؤمن بوجود خالق ولكنه رفض الإيمان بالمعجزات في المسيحية والأديان عمومًا.
وعلى الرغم من اختلافاتهما الدينية، اتفق الرجلان على الدفاع بقوة عن الفصل بين الكنيسة والدولة. ويتضح ذلك في دعمهما للتعديل الأول الذي يضمن حرية الدين. ولكن في القرن التاسع عشر، وبدءًا بالرئيس أبراهام لينكولن، اتخذت الأمور منحى آخر، حيث كان لينكولن من أوائل الرؤساء الذين طلبوا الإرشاد الروحي في أوقات الأزمات رغم علاقته المعقدة مع الدين من حيث كونه نظامًا تراتبيًّا. وقد سار على نهج لينكولن رؤساء آخرون مثل فرانكلين روزفلت ثم رونالد ريغان وجورج دبليو بوش، فتحدّثوا عن إيمانهم ومعتقداتهم علنًا باعتبارهما جزءًا من شخصياتهم العامة، وغالبا ما كانوا يطلبون المشورة من القيادات الدينيين.
على الرغم من أن الدستور الأميركي يفصل بين الكنيسة والدولة، فإنه لم يفصل الدين عن السياسة. بل على العكس من ذلك -بحسب المؤرخ الأميركي غاري سميث- مثّل الدين جزءًا لا يتجزأ من الحياة السياسية الأميركية؛ لذا كان الفصل بين الدين والسياسة شبه معدوم عمليا في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من إقرار تعديل جونسون عام 1954، الذي يحظر على الكنائس والمؤسسات الدينية الأخرى المشاركة في الأنشطة السياسية أو القيام بحملات انتخابية لمرشحين سياسيين، فإن التعديل لم يحظر على القساوسة المشاركة السياسية بكافة أشكالها باعتبارهم ممثلين لأنفسهم وليس لكنائسهم. لا عجب إذن أن هناك قائمة طويلة من رجال الدين البارزين ممن طبعوا بصمة واضحة على مسيرة أميركا السياسية، وفي مقدمتهم القس الإنجيلي بيلي غراهام.
كان غراهام من أكثر الشخصيات الدينية الأميركية تأثيرا في القرن العشرين، ليس فقط في المجال الديني، ولكن أيضا في الساحة السياسية. وُلد غراهام في السابع من نوفمبرتشرين الثاني 1918، وبدأ حياته المهنية واعظا متجولا في سنّ مبكرة. ومع مرور الوقت، اكتسب شعبية هائلة من خلال البرامج الإذاعية والتلفزيونية، التي بشر عبرها بالقيم المسيحية، ليصبح فيما بعد أحد أبرز وجوه الحركة الإنجيلية.
اشتهر غراهام بعلاقته الجيدة مع مختلف الرؤساء الأميركيين، من هاري ترومان إلى دونالد ترامب، حيث كان يقدم لهم الإرشاد الروحي والنصائح السياسية. وعلى الرغم من ادعائه عدم الانخراط في السياسة، فإن حضوره السياسي أوضح من أن يُنكر، ولننظر مثلا إلى دوره إبان حملة الانتخابات الرئاسية لعام 1960، ودعمه للمرشح الجمهوري ريتشارد نيكسون ضد منافسه الديمقراطي جون كينيدي. وقتها، التقى غراهام مع نورمان فنسنت بيل وقادة بروتستانت آخرين في سويسرا لوضع إستراتيجية لإفشال حملة كينيدي من أجل ضمان انتخاب نيكسون ومنع كاثوليكي روماني كينيدي من أن يصبح رئيسا للولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن علاقة غراهام بكينيدي أصبحت أفضل بعد فوزه، فإن نيكسون ظل السياسي المفضل لديه. وفي عام 1972، أيد غراهام حملة نيكسون للفوز بولاية ثانية حصل نيكسون على ولايته الأولى بعد فوزه في انتخابات عام 1968 في الانتخابات الرئاسية ضد منافسه جورج ماكغفرن.
لم يكن غراهام مجرد جملة اعتراضية أو نغمة شاذة في تاريخ التفاعل الديني السياسي في الولايات المتحدة، فهناك قائمة طويلة من رجال الدين الذين أدّوا دورا سياسيا وأيدوا مرشحيهم المفضلين عبر توظيف الخطاب الديني. فعلى سبيل المثال، قام القس الإنجيلي والمبشر التلفزيوني بات روبرتسون بدعم رودولف جولياني في الانتخابات الرئاسية التمهيدية للحزب الجمهوري لعام 2007. وقد مثل ذلك الدعم صدمة للجمهور؛ إذ كان جولياني وهو كاثوليكي روماني من أشد الداعمين لحقوق الإجهاض وقضايا المثليين، وهو موقف مناقض تماما لموقف المسيحيين المحافظين ومن ضمنهم روبرتسون. غير أن هذا القس الذي هو مؤسس ورئيس شبكة الإذاعة المسيحية، برر تأييده لجولياني قائلا إنه يعتقد أن القضية الأساسية هي الدفاع عن شعبنا ضد شهوة الدم لدى الإرهابيين الإسلاميين، مشيدا بجولياني باعتباره محافظا ماليا حقيقيا، وفقا لصحيفة نيويورك تايمز.
وكذلك، دعم روبرتسون دونالد ترامب في السباق الرئاسي عام 2016 ضد هيلاري كلينتون، وحتى بعد فضيحة تسريب أكسيس هوليوود الذي حوى تعبيرات بذيئة من ترامب اتجاه النساء في أكتوبرتشرين الأول من العام نفسه، ظل روبرتسون وفيا لدعمه للمرشح الجمهوري. وعلى نطاق أوسع، يمكن اعتبار القس روبرتسون أحد المهندسين الرئيسيين للقاعدة الجماهيرية للحزب الجمهوري حاليًّا، حيث قاد الكثير من الإنجيليين البيض المحافظين إلى تحويل بوصلتهم من الحزب الديمقراطي نحو الحزب الجمهوري، وفق روبرت جونز، مؤسس معهد أبحاث الدين العام، ومؤلف كتاب نهاية أميركا المسيحية البيضاء الصادر عام 2016.
في الحقيقة، كان لدى روبرتسون، وهو للمفارقة نجل سيناتور ديمقراطي من ولاية فرجينيا، تطلع لأداء دور سياسي أكبر بكثير مما حققه بالفعل. وفي أعقاب نشاطه البارز في دعم حملة المرشح الجمهوري رونالد ريغان ضد الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر عام 1980، خاص القس الطموح بنفسه الانتخابات الرئاسية التمهيدية للجمهوريين عام 1988، إلا أن مسيرته السياسية الشخصية لم يُكتب لها النجاح. ووفقا لتقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، لم يتمكن روبرتسون من إقناع أتباعه المسيحيين الملتزمين بدعمه بالقدر الكافي لإحداث تأثير في قرار المؤتمر الجمهوري في ذلك العام. ويقول روبرت جونز، في تصريحات لـسي إن إن، إن القس روبرتسون بالتأكيد يمثل حقبة شديدة الأهمية في السياسة الأميركية الحديثة، حيث استطاع المساهمة في دمج المحافظين الإنجيليين البيض مع الحزب الجمهوري.
مثال آخر على انخراط رجال الدين في السياسة الأميركية هو القس الإنجيلي جون هاغي، مؤسس منظمة مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل. لطالما ارتبط اسم هاغي باليمين الأميركي المؤيد للصهيونية، وقد أثنى على سلسلة من المرشحين الجمهوريين للرئاسة وأيدهم، بمن فيهم دونالد ترامب في عام 2020. ويدعم هاغي إسرائيل بشدة، وكان من أوائل الحاضرين عندما نقلت السفارة الأميركية إلى القدس عام 2018. ولكن هاغي نأى نسبيا بنفسه عن ترامب، مفضلا إلقاء صلاة في حفل إطلاق حملة نيكي هيلي منافسة ترامب على ترشيح الحزب الجمهوري. وفي عشية الانتخابات التمهيدية للحزب في نيو هامبشاير، نشر هاغي مقالا في صحيفة كريستيان بوست يتضمن انتقادات ضمنية لترامب من دون ذكره بالاسم.
ليس من نافلة القول التأكيد على أن الانخراط السياسي للقساوسة الأميركيين لم يقتصر على الإنجيليين البيض فقط، فقد كانت الكنائس السوداء أو الكنائس الأفروأميركية وهي كنائس بروتستانتية عادية لكنها تميزت على أساس عرقي سباقة في الاشتباك السياسي دفاعا عن حقوق السود في زمان الفصل العنصري.
كانت الكنيسة السوداء هي المكان الوحيد الذي يمكن للسود أن يحشدوا فيه الناس وينظموا أنفسهم ويشعروا بأن لديهم شيئا من القوة والتأثير. بالطبع، لا يمكن المرور على هذه الحقبة دون ذكر مارتن لوثر كينغ الابن، أبرز قادة حركة الحقوق المدنية منذ منتصف الخمسينيات وحتى اغتياله عام 1968، وهو في الأصل قس وابن قس، وزعيم لكنيسة سوداء. وفي الوقت الحالي، لم تعد كنائس الأميركيين من ذوي البشرة السمراء دورا للعبادة فقط، بل أصبحت مراكز سياسية للديمقراطيين، إذ أيد معظم القساوسة السود المرشحين الديمقراطيين على مدى العقود الماضية.
أكثر من ذلك، حاول العديد من القساوسة السود خوض غمار السياسة بأنفسهم لكن الرياح لم تأت غالبا بما تشتهي سفنهم. وكانت أبرز التجارب في ذلك من نصيب القس جيسي جاكسون الذي حاول الفوز ببطاقة الترشح الرئاسي عن الحزب الديمقراطي عامي 1984 و1988، لكنه فشل في كلا المرتين. وقد كثف جاكسون جهوده لتسجيل المزيد من الناخبين السود وزيادة تمثيل الأقليات واتُّهم في غضون ذلك بتحويل خطب الأحد إلى تجمعات انتخابية واستخدام كنائس السود لجمع الأموال. ورغم إخفاقه السياسي، اكتسب جاكسون شهرة باعتباره أحد أفضل الخطباء المؤثرين في السياسة الأميركية.
بحسب مقال للكاتبين جيريمي شوارتز وجيسيكا بريست، فإن بعض الجماعات المحافظة ترى أن كنائس السود أكثر نشاطا سياسيا من نظيراتها لدى الإنجيليين البيض، ولكنها لا تخضع للتدقيق الشديد بموجب تعديل جونسون. وللمفارقة، كان الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن، أبرز أولئك الذين استفادوا من حشد السود الديني في حملته الرئاسية، حيث كانت أصواتهم حاسمة لفوزه في الانتخابات التمهيدية في ولاية جنوب كارولينا وإحياء ترشحه في هذا الوقت. وفي فترة لاحقة، استفاد بايدن من دعم 350 من رجال الدين الذين حشدوا أصوات أنصارهم لتأييده ونائبته كامالا هاريس بحثا عن قيادة أكثر أخلاقية من إدارة ترامب الحاكمة آنذاك.
من المؤكد أن تأكيد القادة الدينيين للمرشحين السياسيين لا يأتي بدون ثمن. وفي معظم الحالات، لا بد أن يوافق رجل الدين على سياسة المرشح ومواقفه، وربما يطالبه ببعض المواقف أو التصريحات من أجل تأييده علانية، وفي المقابل، يجلب القساوسة العديد من رعاياهم وأتباعهم، ليصبحوا بعد ذلك قاعدة جماهيرية للتصويت للمرشحين المدعومين. ومثلما شهدنا في حالة هاجي، يمكن في بعض الأحيان أن يغير رجال الدين مواقفهم من المرشحين الذين دعموهم سابقا بسبب تغير المصالح، وتبدل الأحوال.
لقد أراد ترامب بصدق أن يسمع ماذا يقول الرب... أن يجعل أميركا عظيمة حقا هو أمر حقيقي بالنسبة له، وليس مجرد شعار
الداعية الإنجيلية بولا وايت، خلال لقاء مع صحيفة الغارديان عام 2019.
قبل المناظرة الرئاسية الأولى بين ترامب وبايدن في 27 يونيوحزيران الماضي، اجتمع عدد من الشخصيات الإنجيلية البارزة في مؤتمر هاتفي طارئ للصلاة من أجل ترامب. وقد رتبت الداعية الإنجيلية بولا وايت، مستشارة ترامب السابقة، اجتماع الصلاة من خلال مجلسها الاستشاري الوطني للإيمان. وقد نشرت منظمة شفعاء من أجل أميركا على منصة إكس تسجيلا صوتيا للمكالمة التي استمرت 40 دقيقة. وكان من بين القادة الدينيين الذين صلوا خلال المؤتمر الهاتفي جاك غراهام، راعي كنيسة بريستونوود المعمدانية في تكساس، وجنتزن فرانكلين، راعي كنيسة فري تشابل في غينسفيل في جورجيا. كما تحدث أيضا الحاخام بنحاس تايلور، المدير التنفيذي لتحالف الإيمان الأميركي.
تعد بولا وايت، أو بولا ميشيل وايت-كاين، تحديدا من الأسماء التي لا يمكن تجاهلها في الدائرة الداعمة لدونالد ترامب، وهي داعية تلفزيونية أميركية مؤيدة لما يُعرف بـلاهوت الرخاء، وهو اعتقاد مثير للجدل ينظر إلى الإيمان على أنه وسيلة لتحقيق الأمان والرخاء. التحقت وايت في وقت مبكر بمدرسة الكتاب المقدس في كنيسة الرب الوطنية في فورت واشنطن بولاية ماريلاند. وعلى الرغم من أنها لم تتخرج، إلا أنها رُسّمت كاهنة غير طائفية من قبل زعيم الكنيسة تي إل لوري.
سياسيا، شغلت وايت منصب رئيسة المجلس الاستشاري الإنجيلي لحملة دونالد ترامب الانتخابية لعام 2016، وألقت خطاب الدعوة في حفل تنصيبه في 20 ينايركانون الثاني 2017، وهي أول قسيسة تؤدي الصلاة في حفل تنصيب رئيس أميركي. وعلى الرغم من أنه لم يكن لدى وايت أي لقب أو منصب رسمي في البيت الأبيض، فإنها أدّت عدة أدوار مهمة. فبعد أن ساعدت على تشكيل مجلس إنجيلي لترامب خلال الحملة الانتخابية، أصبحت الرئيسة الفعلية لمجموعة تضم حوالي 35 قسا إنجيليا وناشطا ورؤساء منظمات مسيحية يقدمون المشورة لترامب.
أبعد من ذلك، كانت علاقة وايت بعائلة ترامب جيدة للغاية. فبحسب صحيفة واشنطن بوست، قال إريك ترامب، نجل ترامب، إن بولا امرأة رائعة وصديقة رائعة للعائلة، وإنها مصدر إلهام لكل من يعرفها. وعندما وقعت محاولة اغتيال ترامب في 13 يوليوتموز الحالي، كتبت النص الذي أشرنا له في بداية التقرير.
يستفيد ترامب أيضا من دعم القس روبرت جيفريس أحد أبرز قساوسة الكنيسة المعمدانية التاريخية في تكساس، وهي كنيسة تضم 14 ألف عضو، تعرضت لحريق مؤخرا. وبعيدا عن تأثيره في رواد كنيسته، فإن جيفريس مبشر تلفزيوني تبث برامجه ومواعظه في مئات المحطات التلفزيونية والإذاعية داخل الولايات المتحدة وخارجها.
كان جيفريس من أوائل القادة الإنجيليين الذين دعموا ترامب خلال انتخابات عام 2016، وحث القس المسيحيين على التصويت له قائلا لا يوجد مرشحون مثاليون، ولكننا نصوّت حسب السياسات. وإذا أخذنا نظرة للعالم، أعتقد أننا سنعرف كيف نصوت. وفي تصريحات لوكالة أسوشيتد برس العام الماضي، أوضح القس أن المسيحيين المحافظين يواصلون دعم ترامب بشكل كبير بسبب سياساته التي تتماشى مع تعاليم الكتاب المقدس.
وعندما سئل جيفريس عام 2018 عن الادعاءات المتعلقة بسوء السلوك الجنسي الموجهة ضد ترامب الذي يُزعم أنه دفع أموالا طائلة لإبقاء تلك القصص بعيدة عن أنظار الصحافة، أجاب جيفريس بأنه حتى وإن كانت الادعاءات صحيحة، فذلك لا يغير من دعمه لسياسات ترامب. قبل ذلك في العام نفسه، كان جيفريس من أبرز المتحدثين في افتتاح السفارة الأميركية لدى إسرائيل في القدس مؤكدا أن ترامب يقف على الجانب الصحيح من التعاليم الإلهية فيما يتعلق بإسرائيل. وفي أعقاب محاولة اغتيال ترامب مؤخرا، نسب جيفريس نجاة الرئيس السابق خلال التجمع الحاشد في بنسلفانيا إلى عناية الإله.
إنها حقا معركة بين الخير والشر. هناك شيء ما على الرئيس ترامب يخشاه العدو يُدعى المسحة.
القس هانك كونمان، أثناء حديثه في برنامج فلاش بوينت الإخباري عن التهم الجنائية التي يواجهها ترامب، الصيف الماضي.
إذا أردنا أن نشير إلى جميع القساوسة الذين دعموا ترامب خلال فترة رئاسته الأولى أو أولئك الذين يدعمونه خلال حملته الحالية، فسوف نحتاج إلى ما هو أطول بكثير من هذا التقرير، لكن القس هانك كونمان أحد الأسماء التي لا يمكن تجاهلها بكل تأكيد. كان كونمان من أبرز الأصوات التي استمرت في ترديد مزاعم ترامب بشأن تزوير نتائج انتخابات عام 2020 التي فاز بها جو بايدن على الرغم من دحض هذه الادعاءات من قبل مجموعة واسعة من القضاة ومسؤولي الانتخابات في الولايات والأجهزة الاستخبارية وحتى بعض المقربين من ترامب نفسه. وفي العام الماضي 2023 شاركت مجموعة المراقبة رايت وينج ووتش Right Wing Watch مقطعا على منصة إكس من حديث لكونمان حول الانتخابات، اقترح فيه على متابعيه أن يعيدوا التفكير في إيمانهم الشخصي personal theology إذا كانوا يثقون في النتائج ويعتقدون أن بايدن فاز بنزاهة. وجاءت تصريحات كونمان ردا على الحجج التي ادعى أنه سمعها والتي تقول إن رجال الدين الذين توقعوا فترة رئاسية ثانية لترامب كانوا مخطئين.
هانك كونمان هو كبير قساوسة كنيسة رب المضيفين في أوماها، نبراسكا، ومؤسس خدمات صوت واحد One Voice Ministries وهي منظمة غير ربحية مخصصة لتلقين التعاليم المسيحية يديرها مع زوجته بريندا، وهو أيضا كاتب ومقدم برامج تلفزيونية. ويدّعي القس الإنجيلي أنه يتلقى نبوءات إلهية ومن أشهر نبوءاته، التي تصدرت عناوين الصحف، فوز ترامب على بايدن في انتخابات 2020. ولكن حتى مع خسارة ترامب، لم يتوقف كونمان عن الاعتقاد بأنه سيستعيد منصب رئاسة الولايات المتحدة، مدعيا أن الرب سعيد تنصيبه. وكشف أيضا أنه رأى حلما عن جو بايدن وهو يحتفل بفوزه، وأنه رأى الشيطان مع بايدن في ذلك الحلم.
غالبا ما يصوّر كونمان الأحداث الجارية، داخليا وخارجيا، على أنها مظاهر لمعركة روحية بين الخير والشر، وتؤثر نظرته هذه في تفسيره للقضايا السياسية والاجتماعية، بما في ذلك التحديات القانونية التي يواجهها ترامب حيث يرى أن ترامب هو الخير المرسل من الرب للشعب الأميركي، لمحاربة الشر. وتعكس تصريحات كونمان نظرة بعض الدوائر الإنجيلية إلى الأحداث السياسية من خلال عدسة الحرب الروحية.
وإذا مددنا الخط على استقامته، يظهر اسم القس والمبشر التلفزيوني مارك بيرنز الذي وصفه ترامب نفسه بأنه كان رفيقه منذ بداية حركة لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى. لا عجب إذن أن بيرنز حظي بدعم ترامب خلال الانتخابات التمهيدية لاختيار مرشح الحزب الجمهوري لمقعد مجلس النواب عن المنطقة الثالثة في ولاية جنوب كارولينا في يونيوحزيران الماضي رغم أن هذا الدعم لم يؤهله للفوز، لتصبح تلك الضربة الثالثة لحلمه بالوصول إلى الكونغرس بعد فشله في انتخابات عامي 2018 و2022.
كان بيرنز من أوائل المؤيدين لترامب خلال الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2016، وبحلول عام 2023، أصبح عضوا في مجلس إدارة قساوسة من أجل ترامب، وهي مجموعة إنجيلية مؤيدة للمرشح الجمهوري. وقد وصفت مجلة تايم بيرنز بأنه قس دونالد ترامب الأبرز، واختارته مجلة ياهو نيوز ضمن 16 شخصا شكلوا نتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2016.
ولكونه من أصحاب البشرة السمراء، غالبا ما يوصف بيرنز بأنه مبعوث ترامب إلى مجتمع السود في أميركا، وقد منحه تأييده لترامب مكانة دينية وسياسية لم يحظ بها في أي وقت سابق. ولكن بعيدا عن هذه العلاقة النفعية، سبق لبيرنز أن أكد أن موقف ترامب المدافع عن العقيدة المسيحية التي تتعرض للهجوم هو ما جعله يعجب به ويدافع عنه، في مواجهة الاتهامات بالكراهية والتمييز.
يشعر القادة الدينيون السود بخيبة أمل كبيرة في إدارة بايدن بشأن هذه القضية الحرب الإسرائيلية على غزة.
القس تيموثي ماكدونالد، كبير قساوسة كنيسة فيرست أيكونيوم المعمدانية في أتلانتا، خلال حديثه مع صحيفة نيويورك تايمز.
من المؤكد أن النصيب الأكبر من التجييش الديني في الحياة السياسية الأميركية هو من نصيب الإنجيليين البيض المؤيدين عادة للحزب الجمهوري وتوجهاته المحافظة، لكن ذلك لا يعني أن الديمقراطيين لا يحظون بنصيبهم الخاص من الداعمين الدينيين. وسبق أن أشرنا إلى الدور الذي أداه رجال الدين والكنائس السوداء في دعم بايدن ضد ترامب خلال انتخابات عام 2020، لكن هذا الدعم لم يعد على حاله كما يبدو.
السبب الرئيسي وراء ذلك -على الأرجح- هو موقف بايدن من الحرب الإسرائيلية على غزة، ودعمه للإبادة، وهو ما أفقده الكثير من التعاطف في صفوف الديمقراطيين بما يشمل رجال الدين ذوي البشرة السوداء. وقد ذكرت صحيفة نيويورك تايمز في وقت سابق من هذا العام أن تحالفا من القادة الدينيين السود بدأ الضغط على إدارة بايدن من أجل الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار -وهي حملة حفزها جزئيا أبناء رعيتهم الذين يشعرون بالأسى المتزايد بسبب معاناة الفلسطينيين، وينتقدون استجابة الرئيس لها. وقد أصدر أكثر من 1000 قس أسود، بالنيابة عن مئات الآلاف من المصلين في جميع أنحاء البلاد، بيانا يطالب بوقف العدوان الإسرائيلي على القطاع، وفي اجتماعات مع مسؤولين في البيت الأبيض، قدم القساوسة حججا أخلاقية لبايدن وإدارته للضغط على إسرائيل لوقف عملياتها العدوانية في غزة، التي قتلت آلاف المدنيين.
بالتزامن مع ذلك، قام مئات القساوسة بإرسال رسائل مفتوحة إلى السياسيين الديمقراطيين، ونشروا إعلانات على صفحات كاملة في الصحف الوطنية مثل نيويورك تايمز، للضغط من أجل وقف إطلاق النار لأسباب إنسانية والمطالبة بإطلاق سراح جميع الرهائن المحتجزين في غزة. وكان القس تيموثي ماكدونالد من جورجيا، إحدى الولايات المتأرجحة الرئيسية، من أوائل القساوسة الذين وقعوا على الرسالة المفتوحة لوقف إطلاق النار. وأشار ماكدونالد إلى أنه سيكون من الصعب إقناع الشعب بالعودة إلى صناديق الاقتراع والتصويت لبايدن بسبب سياسته اتجاه الحرب.
وكما تشير استطلاعات الرأي، واجه بايدن علامات لتراجع الدعم بين الناخبين السود، الذين كانوا على مدى أجيال القاعدة الانتخابية الأكثر ولاءً للديمقراطيين، وهو ما انعكس على أدائه في استطلاعات الرأي أمام ترامب، وساهم -ضمن عوامل عديدة- في الضغوط التي مورست عليه للانسحاب من السباق الرئاسي المرجح أن تخوضه الآن نيابة عن الديمقراطيين نائبته كمالا هاريس. وفضلًا عن رغبة الحزب الديمقراطي في طرح وجه أكثر حيوية قادر على الاشتباك مع ترامب أكثر من بايدن الذي تحوم الكثير من الشكوك حول قدراته العقلية، فإنه يأمل أن هاريس، أو أي مرشح ديمقراطي آخر، سوف يكون قادرا على استعادة دعم الناخبين المستائين خاصة من السود والمسلمين قبل الذهاب إلى الاقتراع الحاسم في نوفمبرتشرين الثاني المقبل. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/7/29/%d8%b1%d8%ac%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a8-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%83%d8%aa%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%8a%d8%b6%d8%a7%d9%88%d9%8a-%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%aa%d8%a4%d8%ab%d8%b1 | 2024-07-29T10:29:26 | 2024-10-16T00:49:57 | أبعاد |
|
175 | يدعم إسرائيل ويزدري العرب والمسلمين.. قراءة نقدية في كتاب النظام العالمي لهنري كيسنجر | كان هنري كيسنجر رجلا ماكرا كجُل الساسة في العالم، ولكن أكثر ما أشيع عنه ما هو إلا أساطير، ساهم في تعزيزها السياق التاريخي أكثر بكثير مما فعله ذكاؤه ودهاؤه. | في التاسع والعشرين من نوفمبرتشرين الثاني 2023، تُوفّي هنري كيسنجر، أشهر وزير خارجية في العالم، بعد إتمامه عامه المئة، وتعميره قرنا من الزمن أفناه في الترويج للولايات المتحدة ومبادئها الديمقراطية والتنظير لخطٍّ دبلوماسي مستوحى من القرن التاسع عشر، قرن العِبَر في نظره.
وتَبِعَ الإعلان عن وفاته سيلٌ من التعليقات والمقالات التي تراوحت بين الهجاء الصارخ، والتقييم الجدّي لتجربته السياسية والفكرية. لكن ظهر إجماعٌ عابرٌ للاصطفاف على حدّة ذكائه ودهائه كما في مقال كيسنجر المجرم... كيسنجر العبقري المنقذ لسمير التقي، مما يدفع المرء إلى التساؤل عن أسباب هذا الصيت رغم مرور عقود على الحقبة التي لعب فيها أهم أدواره التاريخية، لا سيّما أن هذا الانطباع غير مُقتصر على أصحاب الاطلاع المحدود، بل هو ممتد لقطاع عريض في الأوساط الأكاديمية التي ترى الرجل صاحب أفكار أصيلة وقلم لا تشوبه شائبة.
ولكن هل من أساس لصحة تلك الصور الذهنية عن كيسنجر؟ هذا ما نحاول معالجته في هذه المقالة، والمراجعة النقدية لكتابه النظام العالمي تأملات حول طلائع الأمم ومسار التاريخ، الذي صدر بالعربية عام 2014 بترجمة أنيقة لفاضل جتكر، هذا الكتاب الذي ينزع تدريجيا الصورة المتخيلة عن هذه الشخصية، إلى جانب عدد من النقاط التي تستوقف القارئ أثناء متابعته لمسيرته السياسية وسياقها التاريخي.
ثمة أربعة أسباب أوّلية تقف خلف تلك الصورة المتخيلة، أولها انبهار البيت الأبيض ذاته بكيسنجر والترويج له بوصفه عرّاب إدارة علاقات السلطة وتوازن القوى بين الساسة الأميركيين، وهذا صحيح نسبيا، فهو انتهازي منقطع النظير، غير أن هذه الانتهازية لم تُترجَم إلى إرث حقيقي في السياسة الخارجية حتى يتشكّل كل هذا التصور عنه، هو انطباع داخليّ رسّخ صورته بوصفه سياسيا ماكرا، لكنه أنتج صنميّة عابرة للحدود في التعامل معه بوصفه ذكيا في كل ما يفعل.
ربما يرى البعض تحاملا في تقييم السياسة الخارجية لكيسنجر على أنها ليست بهذا القدر من الذكاء، ولكن بالنظر لأحداث محددة كان كيسنجر صانعها وظلّت مترسخة في الأذهان بوصفها فتوحات عبقرية، يمكن القول إن كيسنجر تمتع بالعديد من المبالغات التي عززت من صورته عبقريا، فمثلا هل يمكن اعتبار مشهد تطبيع العلاقات الإسرائيلية المصرية بعد حرب أكتوبر 1973 دليلا على الذكاء السياسي؟ الإجابة المختصرة لا. والدليل على ذلك أن المفاوضات التي أدارها كيسنجر مع الرئيس المصري الراحل أنور السادات لم تكن هي الحاسمة في ذلك التطبيع.
كان العامل الحاسم في العلاقات الدولية في حينه -كما في كل حين- هو رغبة الأطراف بالاتفاق لا طبيعة إدارة التفاوض، فالتفاوض أيًّا كانت فهلويّة مَن يديره لا يمكن أن يُفضي إلى شيء إذا غابت القابليّة المُسبقة للاتفاق، وهذه القابليّة كانت لدى السادات وإسرائيل معا بمعزل عن كيسنجر.
فمثلا، أثناء المفاوضات التي قادها كيسنجر مع السادات، كانت غولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل يومها قد أرسلت ست نقاط حتى تقبل إسرائيل بالسلام، وقد نقل كيسنجر تلك النقاط إلى السادات وانتهى الاجتماع بقبوله لها، وعندما سأل مراسل مجلة نيويورك كيسنجر كيف استطاع في ثلاث ساعات فقط أن يُقنع السادات بقبول نقاط جولدا مائير، كان جواب كيسنجر إنني لم أبذل أي مجهود، فما كدت أدخل، حتى وجدت الرئيس السادات جالسا على حِجري.
أما في العلاقات الأميركيّة الصينية فلم تنجح مساعي كيسنجر على مدار سنوات في احتواء الصين وجعلها دولة قانعة بدورٍ لا يُبلورها بوصفها نِدًّا للولايات المتحدة، بل جاوَزت الصين كل ما كان يخشاه ثعلب السياسة الخارجية، وها هي تُحرز القفزة بعد القفرة في النظام الدولي دون أن يتخلى المواطن الأميركي العادي عن شعوره بالتفوق، مما وَجَّهَ الولايات المتحدة للعمل على تصفية ملفاتها في عدد من المناطق في العالم للتفرغ للتنين الصيني القادم، فإذا كان التطبيع العربي مع إسرائيل هو نجاح كيسنجر الأكبر، الذي لم يكن له فيه يد عليا، فإن صعود الصين هو فشله المقيم، هذا إذا سلّمنا أصلا أنه كان العراب الحقيقي للعلاقات الصينية الأميركية. وقد أظهرت الوثائق حجم الكذبة الكبرى التي رددها كيسنجر عن نفسه بوصفه عرّابا لهذه العلاقات، كما يروي تفاصيلها الصحفي الأميركي جيمس مان في مقاله الذي نُشر مؤخرا في موقع بوليتيكو، بعنوان الأساطير الستة التي صنعها كيسنجر حول نفسه وكيف وقع الجميع في شِراكها.
إن انبهار البيت الأبيض ذاته بكيسنجر هو الذي لمّع صورته الخارجية، ولهذا قصة مثيرة تكشف طبيعة النظام الأميركي كما تكشف عن الطبيعة الشخصية لكيسنجر. ففي عام 1968، رسم كيسنجر للمرشح الرئاسي نيلسون روكفلر برنامجا انتخابيا للسياسة الخارجية أمام منافسه ريتشارد نيكسون، وخسر روكفلر في الانتخابات ونجح نيكسون، وأعجب ببرنامج السياسة الخارجية الذي أعدّه كيسنجر فعرض عليه منصب مستشار الأمن القومي، ولم يتردد كيسنجر في ذلك، ولكن بعد أن قبض من روكفلر ثمن البرنامج 50 ألف دولار انطلقت هجمة إعلامية ضد كيسنجر تصفه بالانتهازي، وما كان منه إلا أن يرد على ذلك في كتابه عالم أُعيد بناؤه بالقول إن كل سياسي يريد أن يوجِّه الأحداث لا بد له من قسطٍ من الانتهازيّة.
أما ثاني الأسباب التي يمكن عزو صورة كيسنجر العبقري إليها فهي ضعف الرئيسين الأميركيّين ريتشارد نيكسون 1969-1974 وجيرالد فورد 1974-1977 اللذين كان كيسنجر عضوا في إدارتيهما مستشارا للأمن القومي ووزيرا للخارجية، كان الأول مشغولا ومتورطا في السياسات الداخلية الأميركية فيما عُرف لاحقا بفضيحة ووترجيت، والثاني معطّلا ومتخبّطا، على حد تعبير الصحفي المصري الكبير محمد حسنين هيكل، نتيجة قلة خبرته السياسية، مما يعني أن ملء كيسنجر لهذا الفراغ كان قوّة مستمدة من ضعف الآخرين بتكليف وظيفي ضمني من هؤلاء الآخرين لا قوة خالصة، ولا بدّ هنا من الإشارة إلى ازدرائه لمرؤوسيه تحديدا حين وصف نيكسون بأنه رجل صغير تافه لا يمكن له أن يكون موضع ثقة من أحد، وهو كفيل بأن يقود الولايات المتحدة إلى كارثة، وبالتالي نفهم من ذلك سعيه الجنوني والناقم في الوقت ذاته للحصول على نفوذ أكبر في البيت الأبيض.
ونتيجة لخفوت شخصية الرئيس الرسمي في منعطفات تاريخية مثل حرب فيتنام وهزيمة الولايات المتحدة وحرب أكتوبر والفضائح الداخلية الأميركية، كان من الطبيعي أن يتصدر كيسنجر كل المساحات الإعلامية، وكان من الطبيعي أيضا في ضوء ذلك أن يراه الناس رئيسا فعليا لا دبلوماسيا أو وزير خارجية.
ويمكن إرجاع سبب الشهرة الفائقة التي حازها كيسنجر في العالم العربي إلى ما روّجه عنه الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل الذي كان ينظر إلى المرآة ويرى نفسه كيسنجر، فكلاهما مثقفان كبيران ومستشاران يعبّدان الطريق في الخفاء لخطوات الرؤساء، وكلاهما واقعان في غرام التاريخ الأوروبي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. هكذا وصف هيكل كيسنجر في كتابه الحل والحرب المشحون بعاطفية جيّاشة في التعاطي مع الرجل. فمثلا، قال كيسنجر لهيكل مرة إن كلًّا منا يمر بثلاثة أطوار فكرية ونفسية، وهي أن يعد الواحد نفسه لدور ما، ثم أن يكون عنده ما يقوله حين يمسك بفرصته، وأخيرا يكون التحدي الذي يواجهه هو كيف يؤدي دوره؟ وبأي أسلوب ضمن معطيات الواقع وظروفه؟. وحاول هيكل على امتداد عشرات الصفحات أن يشرح كيف أعد كيسنجر نفسه لدوره، وكيف استعد لما قاله حين أمسك بفرصته، وكيف أدى دوره وبأي أسلوب. وتتبع هيكل كل تفصيلة في حياة كيسنجر، إلى درجة أنه تتبع الدفاتر الأصلية لبعض طلبة كيسنجر في جامعة هارفارد، ودرسها ليخرج منها بتصور كيف أصبح أستاذ مادة إدارة الأزمات السياسية في هارفارد مديرا للأزمات السياسية في العالم، بحسب وصف هيكل.
والجدير بالذكر أن تصور هيكل عن تشابه كيسنجر معه ليس تصوّره وحده، بل إن دونالد كاندال، رئيس مجلس إدارة شركة بيبسي كولا، والصديق الشخصي للرئيس الأميركي نيكسون، كان يرى أن هناك أوجه تشابه بين هيكل وكيسنجر، وحين سعى لجمع الاثنين مع بعضهما قال إن كيسنجر كان شغوفا بلقاء هيكل بتأثير ما قرأ له وما سمع من أنهما لهما طريقة التفكير نفسها، مما يدفعنا للتفكير في أن الدافع الشخصي لهيكل بتعظيم صورة كيسنجر متعلق أيضا بتعظيم تلك المُشتَرَكات وبالتالي تعظيم النفس، حيث إنه استدعى الصورة العبقرية لكيسنجر في خضم صراعه مع الرئيس أنور السادات، بعد حرب أكتوبر 1973 وصولا إلى خريف الغضب 1983، ليُظهر تلك الصورة الهزلية والكاريكاتورية عن السادات مقابل رجل السياسة الداهية والأسطوري كيسنجر. بكلماتٍ أخرى؛ كان ذلك نوعا من تصفية الحساب والانتصار للمكانة، كان هيكل يمتدح نفسه مختبئا خلف كيسنجر، وأدّت مبالغاته لتضخّم التخيلات عن الرجل في الصحافة العربية، هكذا ورثنا الأساطير.
أما بين الأوساط الأكاديميّة فإن نجاح كيسنجر في جذب المعجبين كان بسبب إيمان الكثير من المشتغلين في الحقول المعرفية للعلوم الاجتماعية والإنسانية بأن الأكاديمي الفطن هو الذي يكون في الوقت ذاته صانعا للسياسة وقريبا من السلطة للتأثير فيها ولإقرار أفكاره لتكون واقعا والعكس، أي اكتساب الخبرة من التجربة لجَسر الهُوّة ورَدم الفجوة بين المعرفة والواقع، خاصة في حقل العلاقات الدولية.
وقد كان كيسنجر مثالا معقولا لذلك، فهو أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة هارفارد، ولاحقا مستشار الأمن القومي ووزير للخارجية، وفي هذا السياق كان هذا الرجل يقول إن حَمَلة الأفكار عليهم أن يسعوا إلى حَمَلة السلطة، وإذا اقتنع هؤلاء فالفكرة تصبح حياة وحقيقة، وبدون اقتناعهم فالفكرة مجرد سحاب أو سراب، وقد دغدغت تلك التجربة مشاعر وطموح الكثيرين من الأكاديميين في العالم العربي كما في العالم كله. ولكن هل بالفعل كيسنجر أكاديمي وباحث مهم؟ هذا ما سنحاول البحث فيه من خلال الاطّلاع على بعض ما ورد في كتابه النظام العالمي سالف الذكر.
سعى هنري كيسنجر في كتابه إلى تقييم النظام العالمي الحالي وتقييم كل المناطق الجغرافية التي تمتلك منظومة قيم مناهضة للنظام العالمي الوستفالي، الذي يُنسب إلى معاهدة ويستفاليا التي أنهت حرب الثلاثين عاما في الإمبراطورية الرومانية، التي طحنت أوروبا ودفعت كل الأطراف في نهاية المطاف إلى مخرج من حرب الكل ضد الكل بلغة الفيلسوف توماس هوبز، ومن خلال تقييم تلك المنظومات سعى للإجابة عن سؤال عما إذا كانت هذه المنظومات تهدد النظام العالمي فعلا، وطرح الخيارات الواجب اتخاذها من الدول الغربية، تحديدا الولايات المتحدة الأميركية، لوأد هذه المنظومات. وقد لخص كيسنجر بنية هذا النظام منذ وستفاليا 1648 وصولا لأيامنا عبر سرد تاريخي للأحداث والوقائع المفصلية التي شكّلت عالم اليوم، مُقدِّما قراءة ثقافية لكل تلك المناطق والبلدان، كالصين وثقافتها واليابان والهند وروسيا والعالم الإسلامي والدول الأوروبية.
والنظام الوستفالي كما يشرحه وزير الخارجية الأسبق يقوم على عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى الداخلية وعدم جواز انتهاك الحدود، وسيادة الدول، وتشجيع القانون الدولي ودعمه، ويرى أن شروط النظام العالمي المعاصر هي التالي وحدات سياسية متعددة ليس فيها واحدة ذات قوة كافية لدحر الأخرى، وكثرة منها متبنّية لفلسفات وممارسات داخلية متناقضة، بحثا عن قواعد محايدة لضبط سلوكها والتخفيف من الصراع، والطريف في الأمر أن كيسنجر يرى الأهمية الكونية الشاملة للنظام الوستفالي كامنة في طبيعته الإجرائية وهي حياديته إزاء القيم، فهو قائم على مبدأ توازن القوى، ولا أدري كيف لعبارة كهذه أن تخرج من فم العبقري كيسنجر، فأي أهمية وديمومة لنظام لا يملك منظومة قيم؟
كما أن عددا من منظري المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية التي ينتمي إليها كيسنجر، كروبرت ستروز هربيه Robert Strausz-Hupé، يرون ضرورة بناء وتطوير منظومة القيم الغربية حتى يكون هناك توازن فكري في النظام العالمي بين الدفاع عن القيم والدفاع عن الحياة في عصر أصبح فيه البقاء العضوي مصدر قلق لكثير من الأفراد. إضافة إلى مسألة القيم، هناك نقد طويل على منظري الواقعية في ندرة تحديدهم لمفهوم توازن القوى في كتاباتهم، فأنيس كلود Inis Claude وإيرنست هاس Ernst Bernard Haas يرون أن هذا المفهوم يحمل ما لا يقل عن ستة معانٍ عند الواقعيين، وأن فائدة هذا المفهوم تصبح محدودة ما لم يحدد الكاتب مسبقا مفهومه لتوازن القوى، وكيسنجر في الكتاب الذي بين يدينا لا يحدد ما يقصده بهذا المفهوم على وجه التحديد، وبالتالي تصبح العبارة أقل أهمية في ظل غموضها. وفي نقد النظرية الواقعية يمكن العودة لكتاب النظريات المتضاربة في العلاقات الدولية لجيمس دورتي وروبرت بالستغراف.
يوضح كيسنجر في كتابه أن هناك أربعة مشاريع أساسية كبرى في العالم الأول هو المشروع الأوروبي الذي نتج عن التصارع والقبول القسري بالتعددية الناتجة عن توازن القوى، والثاني هو الإسلام الذي يقوم على علاقة مباشرة مع السماء عبر القرآن الكريم، والثالث هو الصين من خلال إرثها الثقافي الإمبراطوري، والرابع هو المشروع الأميركي الذي لم يقبل فقط باحتضان نظام القوى الأوروبي، بل استند إلى بلوغ السلام عبر نشر المبادئ الديمقراطية والحرية، نتحدّث عن تصنيف دقيق ولافت؛ ثلاثة مشاريع أرضية مقابل مشروع سماوي.
في القسم الثالث من الكتاب يستعرض كيسنجر السياق التاريخي لظهور الإسلام وتمكن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من توحيد الجزيرة العربية المشتتة والمتصارعة، في ظل إمبراطوريتي الفرس والروم، ويُبدي اندهاشه من روح الإسلام وتوسعه اللاحق بوتيرة سريعة في نظره، وكذلك ديمومته وتمسُّك معتنقيه بقيم دينهم ونشره، ومتطرّقا باستفاضة لامتلاك الإسلام رؤية كونية وتفصيلية للعالم حتى قال إن التاريخ لم يأتِ على ذكر أي مشروع سياسي آخر انتشر بمثل هذه النتائج العنيدة غير الإسلام. وهذه الروح وهذا الفهم الذي أبداه كيسنجر حول الإسلام لافت، واللافت أكثر هو أنه تأثر بعمل مارشال هودجسون في ثلاثيته مغامرة الإسلام، هودجسون ذاته الذي قال في المجلد الثالث من موسوعته لو جاء زائر من المريخ إلى الأرض في القرن السادس عشر، فإنّه كان سيظنّ بأنّ الإسلام على وشك أن يسود عالم البشر بأكمله.
لكن كيسنجر وقع في إشكالية مقارنة بين الإسلام والمسيحية أظهرت تناقضا مع فهمه للإسلام، الذي أبداه في أول الفصل، وكشفت وجه الامتعاض من الإسلام وروحه، فقد عقد كيسنجر مقارنة هزيلة بين روح انتشار الإسلام وإصرار المسلمين على رؤيتهم الكونية في هداية البشرية جمعاء وبين روح الدعوة أي التبشير والحماسة في نشر المسيحية في حقبة الحروب الصليبية، ومن ثم اندثار هذه الروح وفرائضها الدينية بشكلها الدموي وتحوّلها للصيغة الكامنة والضّامرة في الحضارة الغربية اليوم على شكل مفاهيم علمانية وفلسفية وتاريخية لا موقع لها في صياغة الإستراتيجية العملياتية أو النظام الدولي، مشكلة هذا التصور أنه يقوم على افتراض أن حماسة المسلمين لدعوتهم ستتخذ المسار الذي اتخذته المسيحية من قبلها، وهذا نقيض ما شخّصه سابقا عن المسلمين ونقيض أشكال الوصاية في كلتا الديانتين، فقد تجاهل كيسنجر دور الكنيسة في عملية علمنة المسيحية، كما تجاهل النقطة الأهم أن المسلمين لم تخفت روح دعوتهم لدينهم طوال 1450 سنة، ونسي الأساس وهو ألا وصاية لأحد في الإسلام ليقوم بعلمنته، فالنص قائم وعلاقة المسلمين بربهم معزولة عن الأوصياء، وهي قائمة بين المسلم والقرآن الكريم، فمثلا هودجسون الذي يستند إليه كيسنجر، يرى في مجلده الأول أن التقليد الديني الإسلامي قد حافظ، مع كل تنوعاته وتشعباته، على درجة من الوحدة والتكاملية، بوضوح أكبر مما نراه مثلا في المسيحية والبوذية، ويستكمل أن الوحدة الدينية عند المسلمين قد نظمت في سلكها الكثير من مجالات الثقافة، فعلى أقل تقدير، يجب على جميع المسلمين أن يبقوا على صلةٍ وتفاهم ما مع القرآن.
ركز كيسنجر طوال فصله عن الإسلام في القرن العشرين على نقطة لا تحيد عن باله، وهي السعي المحموم من الاستعمار البريطاني والفرنسي لتغييب المجتمعات العربية المسلمة عن مفهوم دار الإسلام والمشروع الإسلامي العالمي، وإجبار المنطقة العربية على الدخول إلى النظام الوستفالي عبر اتفاقيات سايكس-بيكو ووعد بلفور ومعاهدة سيفر، فقد أعادت تلك المعاهدات، كما يقول، رؤية الشرق الأوسط كفسيفساء دول، هذا المفهوم الذي لم يسبق له أن كان جزءا من مفرداته السياسية ... وكانت كل هذه الكيانات مشتملة على عدد من الجماعات الطائفية والإثنية، لبعضها تاريخ صراع فيما بينها. أدى هذا إلى تمكين الانتداب البريطاني والفرنسي من الحكم عن طريق التلاعب بالتوترات، مُرسيا في الوقت نفسه الأساس المُفضي إلى حروب وصراعات أهلية لاحقة.
ومن ثم يرى كيسنجر أن الدولة الوطنية التي تشكَّلت في خضم الاستعمار، وفي حالات أخرى فور خروجه، تسلمت مهمة القوى الاستعمارية في إخضاع سكان المنطقة العربية للنموذج الوستفالي عبر تغليف مهمتهم الأساسية بمفاهيم عدة القومية والتحديث والتنمية والخطر الشيوعي السوفيتي، فقد راحت النخب التجارية والسياسية القائمة تعمل في إطار نظام وستفاليا واقتصاد العالم؛ مطالبةً بحق شعوبها في الالتحاق بالركب على قدم المساواة. كان مضمون هتاف التعبئة هو الاستقلال الناجز لوحدات سياسية قائمة، بل حتى لتلك المشكّلة حديثا، لا الإطاحة بنظام وستفاليا.
لكنه يرى أن هذه الروح الإسلامية لم تخفت تحت وطأة الاستعمار والدولة الوطنية، بل ازدادت إصرارا عبر كتابات حسن البنا وسيد قطب التي يراها نصوصا للتحرر من النظام الوستفالي، قائلا إلا أن الموروث الإسلامي سرعان ما عاد إلى تأكيد ذاته. ظهرت أحزاب إسلامية جامعة بين نوع من النقد لتجاوزات الحكام العلمانيين وإخفاقاتهم من ناحية، وبين جملة من الحجج الواردة في النصوص المقدسة حول الحاجة إلى أنظمة حكم تستمد شرعيتها من الدين تدعو إلى إقامة حكم إسلامي شامل بدلا من الدول الموجودة ... فالباحث سيد قطب ربما قام بمفصلة الطبعة الأعمق والأكثر نفوذا لنظرة حسن البنا. ألّف قطب معالم في الطريق، وهو بيان حرب على النظام العالمي القائم، ما لبث أن غدا نصا تأسيسيا للحركة الإسلامية الحديثة ... جاء رد فعل الحكام العسكريين قاسيا، قامعين الحركات السياسية الإسلامية واتهموها بتقويض عملية التحديث والوحدة الوطنية.
لكن كيسنجر يرى أن هذه الروح الإسلامية الكونية والمناهضة للغرب تتمثل اليوم في الدولة الإيرانية وفي الجماعات المسلحة في لبنان والعراق وسوريا جبهة النصرة وتنظيم الدولة وليبيا واليمن وأفغانستان طالبان وفي القاعدة وحماس وبوكو حرام وحزب التحرير في غرب أفريقيا، والعجيب أن كيسنجر يجمع كل تلك الجماعات في خندق واحد وفي جملة واحدة غير مُفرِّقٍ بين أيٍّ منها في تصورها عن الإسلام، بل يوحي كلامه أن كلهم إرهابيون لا يختلفون في شيء، ويبنون على آراء سيد قطب ودعواته للعنف، لا أدري كيف يمكن أن تخرج هذه التعميمات من رجل يُوصف بالعبقري رغم وضوح الفرق والبون الشاسع بين قيم ومبادئ كل جماعة من تلك الجماعات وأختها.
توحي أفكار كيسنجر إلى أن العالم لن يتغير إلا إذا تمكن أحد من كسر النظام الوستفالي الأوروبي، وغالبا ما يحظى الإسلام بأهمية قصوى في كتابه، حيث يقول إنه النظام الوحيد القادر على تقديم منظومة جديدة بديلة، وإن الإسلام يُمثل نظاما عالميا آخر متفوقا بامتياز على النظام الوستفالي وعلى قيم الأممية الليبرالية، وغير قابل للتناغم معها.
لعل هذا يُفسّر رهاب كيسنجر من الجماعات الإسلامية واعتقاده أن الإسلام بديل متفوق يجب الحد من تمدّده لأنه سيهيمن على العالم، ففي نهاية الفصل الرابع لا يتوارى كيسنجر عن التعبير عن حقده على النظام الإسلامي وخوفه من توسعه، داعيا الولايات المتحدة للإجهاز على كل تلك الجماعات حين قال ثمة عقائد تخويف وإرهاب بالعنف تتحدى الآمال المعقودة على إمكانية قيام نظام عالمي، غير أنه حين يتم الإجهاز على تلك التحديدات -ولا شيء غير الإجهاز عليها سيفيد- قد تحل لحظة شبيهة بتلك التي أفضت إلى الاختراقات الوارد ذكرها هنا، حين انتصرت الرؤية على الواقع، وهذه النقطة تستوقف المرء إذا تكلمنا عن الذكاء، هل هذا ذكاء أم أنه إجرام وكراهية للآخر؟
في الفصل الثامن من الكتاب وفي مواضع أخرى كثيرة حاول كيسنجر جرد الحسابات السياسية للولايات المتحدة في الحرب الكورية والفيتنامية والأفغانية والعراقية، وإظهار السعي الأميركي لنشر المبادئ الديمقراطية في العالم رغم الثمن الكبير الذي دفعته، ليقول ببجاحة يُحسد عليها أميركا هي أمة التمست النصر لا في السيطرة، بل في تقاسم ثمار الحرية، وإن الولايات المتحدة تجهد في تحديد العلاقة بين قوتها الهائلة وبين مبادئها، ويتوصل إلى أن هذه العلاقة لا تزال متوترة بين تأمين المصالح الإستراتيجية والأمنية الأميركية وبين نشرها للديمقراطية، وهذا التوتر هو لب المشروع الأميركي في نظره، وعليها أن تُبقي هذه التوترات متوازنة، ورغم أن الولايات المتحدة لا تترك مكانا في العالم إلا وحولته خرابا، فإنه يصر على مبادئ أميركا وأنها لا تزال تسعى لنشر الحرية، ولم يقدم أي مثال على هذه الحرية، ولكن كيسنجر ينسى بأن مبادئ المرء تقررها أفعاله لا أقواله.
يُغالي كيسنجر بحديثه عن شجاعة بوش الابن باتخاذ قرار إزاحة صدام وتأسيس ديمقراطية، وهنا يبدي اندهاشه كنوح فيلدمان الذي صاغ الدستور العراقي بعد الغزو من أن إسقاط الدكتاتور أسهل بكثير من بناء دولة ونظام ديمقراطي. هذا ويرمي كيسنجر اللوم على العراقيين والأطراف الخارجية التي أفشلت التوجه الأميركي. ويزعم كذلك في حديثه أن الولايات المتحدة كان هدفها في أفغانستان شبيها بما قامت به في ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية، أي بناء صرح ديمقراطي.
ويرى كيسنجر حتى تاريخ صدور الكتاب 2014 أن حروب العراق وأفغانستان لم تظهر نتائجها بعد، معلّلا ذلك بأن المستقبل يُخفي الكثير، ويكفي أن الولايات المتحدة اضطلعت بمهامها الإنسانية، ولا يجد مشكلة في أن يشدّد على خشيته من الدول التي لا تؤمن بالنظام الوستفالي، وأن يمتدح بالتزامن النموذج الأميركي الذي يناقض قواعد هذا النظام بالتدخل في شؤون الآخرين والقدوم من خلف البحار لتفكيك دول أخرى. بهذا التناقض الصارخ يعلن كيسنجر ضمنيا أن ما هو حلال لأميركا محرم على غيرها.
وفي حديثه عن الربيع العربي، يزعم كيسنجر أن الولايات المتحدة كانت متحمسة جدا للديمقراطية في العالم العربي مع عام 2011، ولكن تصوراتها الأمنية كانت متصادمة بحكم عدم ثقتها بالأطراف التي سوف تتسلم الحكم في تلك البلدان. وهو هنا لا يجد أي حرج لا في التصريح عن منظوره الوصائي والاستعماري للمنطقة، ولا في المكاشفة بأن أمن إسرائيل والحفاظ على مصالحها الحيوية هو أولوية إستراتيجية على ما يزعمه على مدار الكتاب من أن الديمقراطية ونشرها هي فلسفة المشروع الأميركي في العالم، ولكن لا عجب، فهو الذي كان يُنسب إليه القول الديمقراطية في الداخل لا الخارج.
ويَعتبر كيسنجر أن أفضل ما فعلته الولايات المتحدة مع الربيع العربي هو أنها أزاحت الحكومات السلطوية رغم أنها كانت حليفة لها، متغاضيا عن أن تلك كانت خطوة أعقَبَتها خطوات أخرى لـتربية الشعوب العربية كي لا تنتفض مرة أخرى عبر استقدام ودعم أنظمة أشد شراسة من سابقاتها.
وحول القضية الفلسطينية، يختزل كيسنجر رؤيته الوحيدة لكيفية إقامة السلام العربي مع إسرائيل بضرورة وقف الحملات الإعلامية والتعليمية العربية التي تصف إسرائيل بأنها دولة الاحتلال الإجرامية. يتجاهل هذا النص الأيديولوجي الانحيازي لإسرائيل كل ما تبثه دولة الاستعمار الاستيطاني من كراهية في مناهجها عن العرب، ومع ذلك فعلت الكثير من الأنظمة ذلك وشُطِبَ اسم فلسطين من مناهجها، ولكن هل حقق ذلك السلام؟ وهل المشكلة في العرب حقا أم في دولة لم تقدّم تنازلا واحدا عبر مسارات السلام؟ ولكن هذه العقلية الصهيونية، التي كان أعظم نماذجها كيسنجر، لا تزال تقدم نفسها بوصفها طرفا محايدا له اقتراحات تسوية للسلام مع إسرائيل بوصفه مفاوضا لا بوصفه سياسيا وأكاديميا ذا رأي كما أحب أن يظهر على طول الكتاب.
ليس مراد هذا المقال هو التسخيف من شخصية كيسنجر، ففي النهاية هو رجل غير عادي فعلا، وإلا لما وصل إلى ما وصل إليه. ولكن الهدف هو مساءلة معارفنا وما يدخل عقولنا ويرسَّخ فيها. لقد كان هنري كيسنجر رجلا ماكرا كجُل الساسة في العالم، ولكن أكثر ما أشيع عنه ما هو إلا أساطير، ساهم في تعزيزها السياق التاريخي أكثر بكثير مما فعله ذكاؤه ودهاؤه.
وأكاديميا، أين تكمن عبقرية النصوص المعرفية؟ لعلها تكمن في استمراريتها بالاستقراء ودقّة توصيفاتها للوقائع، الأمر الذي لا ينطبق على كتاب النظام العالمي الذي أراد كيسنجر له أن يتّخذ قالبا أكاديميا مُحكما، لكنه لم يفلح إلا في تقديم قناعته الشخصية المعبئة بالازدراء الضمني لكل ما هو غير أميركي على القراءة المعرفية والأكاديمية الجادة.
مع الإشارة إلى أن الكتاب لا شك أنه مقدم للإدارة الأميركية قبل أن يكون مقدما للجمهور، فهو يقدم توصياته للولايات المتحدة لحل معضلات العالم العربي وكل منطقة في العالم لتحافظ على موقعها بوصفها قائدة للنظام الدولي والشرطي فيه. هذه المدرسة القديمة التي لا يستحي فيها الأكاديميون الأميركيون عن دعم إمبريالية بلدهم مثلما فعل عالم السياسة الأميركي ومنظر صراع الحضارات صامويل هنتنغتون في عدد من أبحاثه وكتبه.
ونهاية، عند الحديث عن كسينجر، يجب عدم إغفال أن الرجل عراب حروب ودماء، فهو الذي قال للسادات يوما قبل حرب أكتوبر بسنوات إذا كنت تريد السلام مع إسرائيل والجلوس على طاولة المفاوضات، فعليك أن تريق الدماء في الشرق الأوسط بفتح جبهة حرب، حينها فقط يمكنني أن أساعدك، كما نقل ذلك جاك أوكونيل في مذكراته مستشار الملك. كما أنه انتهازي واضح بانحيازه الصارخ للصهيونية وازدرائه للعرب والإسلام، وتصرف بناء على ذلك وعلى قناعاته الأيديولوجية التي لم تخلُ من عنصرية. لكن لحُسن حظ الرجل، فقد توفرت له القوة والسلطة لترجمة أفعاله وأفكاره، فهل يُعَدُّ هذا ذكاء ودهاء حقا؟ أم أن هناك أوصافا أكثر دقة يستحقها العجوز الراحل المثير للجدل؟ | https://www.aljazeera.net/politics/2024/1/12/%d9%8a%d8%af%d8%b9%d9%85-%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84-%d9%88%d9%8a%d8%b2%d8%af%d8%b1%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%84%d9%85%d9%8a%d9%86 | 2024-01-12T12:21:14 | 2024-05-29T11:32:51 | أبعاد |
|
176 | تشعرين أنك أمٌّ سيئة وتلاحقك الأعباء النفسية فما الحل؟ | “ذنب الأمومة” مصطلح يُطلق على مشاعر الذنب والعار التي قد تشعر بها الأمهات عندما لا يرقين إلى مستوى توقعاتهن الشخصية أو توقعات الآخرين منهن فيما يتعلق بدورهن كأمهات في حياة الأبناء. | رُبما تكونين قد فقدت أعصابكِ للتوّ مع طفلكِ وصرختِ في وجهه.. يرفض طفلكِ أن يتناول الطعام الصحي الذي تستهلكين طاقتك ووقتك المحدود بالأساس لإعداده له، ولا يتوقف عن محاولات إيذاء نفسه، أو التخريب المستمر لأي شيء يقع في يديه.. هو الآن قادم إليكِ بعد أن تسبب في إحداث جرح عميق بقدمه، وعليكِ أن تأخذيه حالًا إلى الطبيب.
هذا وسط رسائل العمل التي لا تنتهي.. عليكِ تعديل هذه المهمة أو التحدث إلى عميل الأمس حول تعديلات بعض بنود العقد بينكما.. عليكِ أيضًا التنسيق مع زميلك، غير المتعاون بالأساس، من أجل أن يحل محلك في العمل غدًا لأنه موعد تطعيم طفلكِ.. هذا بالإضافة إلى أن زوجكِ الذي يأتي من عمله في وقت متأخر من الليل، وسيلقي بسهام اللوم عليكِ إن لم يجد طعامًا في المنزل، أو ملابس نظيفة ليرتديها في الغد.
في ظل كل هذا، يطلّ صوت ثقيل برأسه، ويهمس في أذنكِ مستنكرًا كيف تصرخين على طفلك؟ هل تريدين أن يكون طفلك مشوهًا نفسيًّا؟ هل ترغبين أن يكون ضعيف الشخصية؟ مؤكد أنه سيصبح كذلك بسبب صراخكِ هذا، ألم تقرئي منشورات الأبناء الذين يُجاهرون، عبر الفضاء الإلكتروني، بذكرياتهم السيئة والسلبية مع أمهاتهم المسيئات؟ هل ترغبين أن يُشارك طفلكِ في بلوغه، مع الغرباء القابعين خلف الشاشات، منشورًا مماثلًا لهذا؟.
لا يتوقف الصوت عن تأنيبك ويظل يؤكد لكِ أنكِ لستِ أمًّا جيدة، رغم أنكِ تدفعين يوميًّا احتياجاتك الخاصة إلى ذيل قائمة مهامكِ وأولوياتك، وعلى الأغلب لا تلبين أبدًا أيا من هذه الاحتياجات.
أنتِ لست وحدكِ، فشعور الأمهات بالذنب يميل إلى أن يكون لدى الكثير منهن، وهو شعور عابر للقارات والثقافات، حيث تشعر أغلب الأمهات من مختلف أنحاء العالم بهذا الشعور.
أما كون ذنب الأمومة شعورًا عالميًا، فهو تماما ما أظهرته المقابلات البحثية التي أجرتها كايتلين كولينز، من جامعة واشنطن في سانت لويس، قبل عام 2021. أوضحت كايتلين أنه بعد إجرائها مقابلات مع الأمهات العاملات في أنحاء مختلفة من العالم، منها السويد وألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة، توصلت إلى أن ذنب الأمومة يتجاوز السياقات الوطنية والثقافية والسياسية.
خلال هذه اللقاءات كان أحد الموضوعات التي برزت باستمرار هو الفكرة المجتمعية السائدة بأن الأمهات الصالحات بحاجة إلى التضحية باحتياجاتهن الخاصة من أجل أطفالهن، فالفكرة المجتمعية غير الواقعية عن الأم المثالية تساهم في شعور الأم بأنها لا ولن ترقى أبدًا لتصل إلى مستوى التوقعات.
تجربة الأمومة قد تكون مرتبطة في الأذهان بكثير من المشاعر الإيجابية الدافئة، والتي منها الشعور بالدفء والمودة والانتماء والترابط، جميعها قد تكون مشاعر إيجابية، لكن هل يمكن أن تتصور أن الأمهات يحملن في قلوبهن صخرة ضخمة، تنتج عنها ندبة في أرواحهن، وتجعل عقولهن مفرطة في العمل والتفكير باستمرار، هذه الصخرة الضخمة هي الشعور بالذنب.
ذنب الأمومة مصطلح يُطلق على مشاعر الذنب والعار التي قد تشعر بها الأمهات عندما لا يرقين إلى مستوى توقعاتهن الشخصية أو توقعات الآخرين منهن فيما يتعلق بدورهن كأمهات في حياة الأبناء. إن ذنب الأمومة هو بمثابة حوار داخلي يخبر الأم دومًا بأنها فاشلة كمقدمة رعاية.
يُعرّف الباحثون الشعور بالذنب بأنه عاطفة واعية بذاتها تتميز بتقييم قاسٍ أو شعور مؤلم تجاه فعل أو تصرف ما، وغالبًا ما يكون هذا الشعور مصحوبًا بالاستعداد لاتخاذ إجراء يهدف إلى التراجع عن خطأ ما أو محاولة إصلاحه.
يُعرَّف الشعور بالذنب أيضًا بأنه عاطفة أساسية تحكم السلوك الاجتماعي من خلال تعزيز الامتثال للمعايير الاجتماعية أو المعايير المفروضة ذاتيًا.
بمعنى آخر، هو نوع من المشاعر التي تُشجعنا على اتباع القواعد الاجتماعية الموضوعة، أو محاولة تلبية التوقعات الشخصية. وهذا قد يعني أننا، تجنبًا للشعور بالذنب، سنلتزم بالمعايير الثقافية والاجتماعية أو مُثُلنا الداخلية المتعلقة بما تفعله الأمهات الصالحات، سواء من وجهة نظرنا نحن أو من وجهة نظر المجتمع والأشخاص المحيطين بنا.
قد تشعر العديد من الأمهات أنهن لا يقمن بعمل جيد بما يكفي في تربية أطفالهن، وهو ما يؤدي إلى شعور الأم بالذنب، والذي ينتج عن شعورها بأنها لا تلبي احتياجات أطفالها أو لا تقوم بدورها كأم جيدة.
إذا كانت الأم تعمل خارج المنزل، فقد تشعر بالذنب لأنها لا تقضي وقتًا كافيًا برفقة أطفالها، وليس لديها الوقت الكافي لاصطحابهم إلى الأنشطة والتمارين التي تتمنى أن يتقنوها وتساهم في تشكيل شخصياتهم.
إذن، ماذا إذا كانت الأم متفرغة بالكامل لأطفالها ولا تعمل بالخارج، هنا لا يُغادرها الشعور بالذنب، لأنها بحكم كونها إنسانا له احتياجات ومتطلبات شخصية، بينما العناية بطفل أو عدّة أطفال من شأنها أن تعوق تلبية هذه الاحتياجات، فقد تشعر الأم بالضيق أو الملل، وهنا يطل الشعور بالذنب برأسه، فتلوم الأم نفسها ويسيطر عليها الشعور بالذنب لأنها شعرت بالضيق والملل من أطفالها، أو أنها رغبت في قضاء بعض الوقت بعيدًا عنهم.
صحيح أن بعضا من الشعور بالذنب قد يكون مقبولا، أو قد يكون مفيدًا أحيانًا لتحسين الأم من نفسها وتقديم أفضل ما لديها لأبنائها، والتراجع عن أي خطأ قد ترتكبه في التربية ومحاولة إصلاحه.
فمثلًا إذا كان الطفل يتناول الكثير من الوجبات السريعة طوال اليوم وكل يوم، وبدأت الأم تشعر بالذنب تجاه هذا الأمر، وأنه ليس الخيار الأفضل لطفلها، فقد يكون الشعور بالذنب هنا أمرا جيدا لأنه يكون بمثابة ضوء أحمر يُضيء لتعديل المسار أو تغييره بالكامل، أو لفت النظر إلى أمر يجب الانتباه إليه.
لكنْ عندما يكون الشعور بالذنب ضخمًا ومُسيطرًا فهنا يمكن أن يصبح مشكلة. تشرح إلين كولوميير، عالمة النفس السريري المرخصة في بلانتيشن بولاية فلوريدا، ما تتعرض له الأمهات اللاتي يُعانين من ذنب الأمومة، قائلة في نهاية المطاف، تنبع الكثير من المشاعر السلبية المتعلقة بالأمومة من اعتقاد الأمهات بأنهن لا يقمن بالأشياء التي عليهن القيام بها، بالإضافة إلى القلق بشأن مدى قدرتهن على اختيار أفضل الخيارات الممكنة للأبناء.
وتضيف نتلقى باستمرار كثيرا من الرسائل التي تحمل العديد من الأسئلة حول ما ينبغي أن نفعله، أو ما هي الاختيارات التي ينبغي علينا اختيارها.
كما سبق ذكره، قد ينشأ الشعور بالذنب أيضًا بسبب ما يعتقده المجتمع وما يضعه من معايير لتصنيف الأم أمًّا صالحة أو مثالية.
هنا توضح ميليسا يونغ، أخصائية الطب الوظيفي الحاصلة على درجة الدكتوراه في الطب، هذه النقطة قائلة هناك الكثير من المحفزات الخفية وغير الدقيقة في مجتمعنا، التي تضغط علينا للتفكير في أننا يجب أن نكون قادرين على القيام بكل شيء. إن شعور الأم بالذنب تجربة طبيعية جدًا عندما تنظر إلى جميع المسؤوليات والمهام والتوقعات التي تتنافس على طاقتنا ووقتنا في حياتنا، بينما لا تكون هناك ساعات كافية في اليوم للقيام بكل ما تعتقد أنه يجب عليك القيام به.
وتُكمل يونغ مثلًا، قد تلعب الأم عددًا من الأدوار في حياتها، وكلُّ واحد منها يأتي مصحوبًا بعدد معين من التوقعات. فبخلاف مسؤوليات الأم تجاه أطفالها، هناك مسؤوليات إضافية تجاه زوجها وأصدقائها وزملائها ووالديها وإخوتها وغيرهم. وفوق كل ذلك، هي في النهاية إنسان له احتياجاته الخاصة، فعندما تتنافس هذه الأدوار على المقدار المحدود لوقت الأم واهتمامها، فستكون مجبرة هنا على إعطاء الأولوية لدور واحد على آخر، فتتراكم كل تلك الواجبات، مما يخلق عاصفة من الاضطراب الداخلي.
للشعور بالذنب الزائد عن الحدّ الكثيرُ من الآثار السلبية على الأمهات، ومنها التقليل من ثقة الأم بنفسها ومدى رضاها عن حياتها، والتأثيرات السلبية على العلاقات مع الزوج والعائلة والأصدقاء، ورُبما حتى مع الأبناء أنفسهم.
مع تزايد الشعور بالذنب يتزايد التوتر أيضًا، والتوتر له عدة تأثيرات سلبية على الصحة الجسدية والعقلية. فاستجابةً للتوتر، يفرز الجسم الأدرينالين وهرمونات التوتر الأخرى، وهذا يحفزه ويُدخله في استجابة القتالالمواجهة أو الطيرانالهروب.
هذه الاستجابة قد تكون مفيدة للغاية إذا كنتَ تتنزه في غابة ووجدت نفسك في مواجهة أسد، وعليك اتخاذ قرار بشأن محاربته أو الهروب للنجاة بحياتك، أي أن هذه الاستجابة يجب أن تكون مخصصة للمواقف الخطيرة والمهددة للحياة حقًا. أما إذا كانت مستدامة ومستمرة على المدى الطويل، فإنها تمنع الجسم من الاسترخاء وتخلق شعورًا دائمًا بالضغط.
هنا توضح الدكتورة يونغ، أن العيش مع الشعور بالذنب والتوتر المزمن لا يمنح الجهاز العصبي فترة التوقف والحصول على الراحة والاسترخاء التي يحتاجها، إذ عندما يتم تحفيز الاستجابة للضغط النفسي لدى الشخص بشكل مستمر، فقد يؤدي ذلك إلى الإصابة بأمراض مزمنة ومخاوف تتعلق بالصحة العقلية، بما فيها القلق والاكتئاب وارتفاع ضغط الدم وزيادة معدل ضربات القلب.
وتؤكد يونغ، على أهمية التقليل من الشعور بالتوتر قائلة عندما تفكر في التأثيرات الطويلة المدى، تدرك أن إعفاء نفسك من الشعور بالذنب ليس ترفًا.. إنه ضرورة. هنا يمكن أن يساعد تعلم كيفية التعامل مع ذنب الأمومة على تحسين نوعية الحياة، وعيش حياة ذات معنى.
كطبيبة أطفال، أهتم في كثير من الأحيان، إلى جانب الاعتناء بالأطفال، برعاية أمهاتهم أيضًا.. أسأل عن كل شيء يخص وضع الأم الصحي سواء أكان بدنيًا أو عقليًا. وعلى مدى السنوات الأربع أو الخمس الماضية، رأيت زيادة في عدد الأمهات اللاتي يخبرنني بأنهن يشعرن بعدم الكفاءة كأم، ويرين أنهن لا يقمن بواجباتهن على النحو الصحيح، وكما كنت قد خمنت، فإن الكثير من هذه المشاعر يتعلق بمواقع التواصل الاجتماعي.
هكذا تقول طبيبة الأطفال ناتاشا سريرامان، في مقال نشرته عبر موقع المنظمة الدولية لدعم ما بعد الولادة، وهي منظمة تأسست عام 1987 في الولايات المتحدة بهدف زيادة الوعي في المجتمعات العامة والمهنية حول التغيرات العاطفية التي تمر بها المرأة أثناء مرحلة الحمل وما بعد الولادة.
تُضيف ناتاشا كانت لديّ طفلة في العيادة جاءت برفقة والديها.. كانت الطفلة مثالية من الناحية التنموية والتغذوية، كانت بالضبط حيث يفترض بها أن تكون، ومع ذلك، عندما نظرت إلى أمها، بدا لي أن هناك شيئًا ما غريبًا.. جلست إلى جانبها وسألتها إن كانت بخير، فإذا بها تشرع في البكاء.. أمسكت بيدها، لتُخبرني أنها تشعر بأنها ليست جيدة بما فيه الكفاية.
كانت الرضاعة الطبيعية صعبة عليها، وكانت طفلتها تبكي طوال الوقت، هذا بالإضافة إلى شعورها بالتقصير تجاه علاقتها بزوجها، وعندما سألتها إن كانت حاولت الحصول على بعض الدعم من خلال التحدث إلى صديقاتها اللاتي أنجبن للتوّ أطفالا جددًا، أجابت لا، لأنني أراهنّ دومًا على وسائل التواصل الاجتماعي، وهن يفعلن كل شيء بشكل صحيح.
توضح ناتاشا، أن هذه الأم بَنت فكرتها وتصوراتها عن الأمومة من خلال ما تراه عبر وسائل التواصل التي تتضمن فقط صورَ الحمل الاحترافية، وحفلة استقبال المولود الجديد، ولقطاتٍ بالغة الرقة والعذوبة تجمع الأم بطفلها.
ترى ناتاشا أن هذا بالطبع لم يهيئ هذه الأم لأي شيء مما ستواجهه واقعيًا خلال فترة ما بعد الولادة، وعندما واجهت الألمَ والقلق وبكاء الصغير المستمر، شعرت أن الخطأ منها هي، وأنها لا تدير الأمر بشكل صحيح.. هنا لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي داعمة بأي قدر، بل جعلت هذه الأم تشعر بمزيد من القلق والانزعاج وعدم الكفاءة.
هناك العديد من الأسباب والمواقف التي قد تؤدي إلى شعور الأم بالذنب، ولكن أكثرها انتشارًا الآن صار ببساطة هو متابعة مواقع التواصل الاجتماعي، تلك المتابعة التي تُمكنك من رؤية صور مجتزأة من سياق حياة الآخرين.
أنت لم تر كامل حياتهم، لم تر ما قبل هذه اللقطة أو ما بعدها، لكنك تقع أسيرًا للقطة ذاتها إذا كانت مميزة أو تبدو جميلة، وتُقارنها بما تفعل أنت في حياتك أو ما تواجهه من معاناة. يزداد الأمر سوءًا في حالة الأم، إذ ترى ببساطة أن الأخريات يفعلن لأبنائهن ما لم تتمكن هي من فعله.
من الأسباب التي تزيد من الشعور بالذنب، مقارنةُ الأم نفسَها بالأخريات.. المثال الذي يسوقه موقع هيلث لاين هنا، عن أم عاملة اتخذت قرارًا بفطام ابنها عن الرضاعة الطبيعية، والبدء في إطعامه لبنًا صناعيًا لعدة أسباب شخصية وأسرية، ثم تجد هذه الأم أثناء تصفحها لحساباتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إحدى صديقاتها تُشارك منشورًا حسن النية حول العلاقة العميقة التي أصبحت تربطها بطفلها بسبب الرضاعة الطبيعية، مع حديث مُطوّل عن الفوائد الطبية والعاطفية الواسعة للرضاعة الطبيعية، ورُبما ترفق هذه الصديقة منشورها بصورة سيلفي وابنُها في حضنها.
ترى الأم العاملة هذا المنشور في الوقت الذي تحاول فيه بالفعل بذل قصارى جهدها للتوفيق بين ابنها الرضيع واحتياجاته واحتياجات عملها والدخل الشهري للأسرة، فتنتابها مشاعر عميقة بالحزن بسبب قرار التوقف عن الرضاعة الطبيعية.. هنا تكون مثل هذه المنشورات، بالنسبة لهذه الأم، رغم عدم التشكيك في نوايا أصحابها، بمثابة هجوم يستهدفها على وجه التحديد.
كذلك، عندما ترى الأم عبر مواقع التواصل الاجتماعي صورًا ومشاركات لأمهات يتمكنّ من شغل أوقات أبنائهن بالأنشطة والرياضات المفيدة والأعمال اليدوية، بينما تترك هي أطفالها للشاشات، نظرًا لأن ظروف عملها أو وقتها أو حتى مقدار طاقتها لا تسمح لها بذلك.. هنا قد تشعر الأم أنها لا ترقى إلى مستوى الأمومة الذي تريده وتتمناه لأطفالها.
تؤكد ناتاشا، أنه مع استخدامنا المتزايد للتكنولوجيا وإمكانية الوصول إلى جميع تطبيقات الوسائط الاجتماعية في جميع الأوقات، فإن هجمة الصور والمشاركات لا تنتهي أبدًا، مضيفة أن الدراسات أظهرت أن التعرض لوسائل التواصل يمكن أن يزيد من القلق وأو الاكتئاب، ويمكن أن يؤثر ذلك بشكل مباشر على صحة الأم العقلية وعافيتها العاطفية، وهو ما يمكن أن يؤثر سلبًا أيضًا على الحصول على قسط كافٍ من النوم.
في ظل معاناة الأم من الحرمان من النوم، وهرمونات ما بعد الولادة، يكون أيُّ ضغط مهما كان بسيطًا بالغَ الثقل، وهنا لا يكون مستغربا أبدًا أن تجعل وسائل التواصل الاجتماعي حياة الأمهات الجديدات أكثر سوءًا. تقول ناتاشا جميع الصور تؤثر علينا، حتى لو كنا نعتقد أننا نتصفح فقط.. أخبرني أحد علماء النفس الذين أعمل معهم أن الصور التي نراها، وما نملأ عيوننا ورؤوسنا به، تؤثر بالطبع على أدمغتنا، حتى لو كنا نعتقد أننا لا نشارك بنشاط.
بخلاف عقد المقارنات، الذي يجعله استخدام مواقع التواصل الاجتماعي مكثفًا ومستمرًا، فقد يزيد من شعور الأمهات بالذنب تلك المنشوراتُ المنتشرة بكثرة عبر مواقع التواصل حول التربية الإيجابية، والتي يكون بعضها عبارة، في الواقع، عن مفاهيم مغلوطة، أو مفاهيم صحيحة لكن يتم الترويج لتنفيذها بشكل خاطئ.
قد تملأ الأم، من خلال هذه المنشورات، رأسها بمبادئ التربية الإيجابية وقواعدها، وتتمنى تطبيقها في تربية وتنشئة أطفالها، وتضع تصورًا حول كيفية تربية أبنائها والتعامل معهم، ثم يأتي واقع الحياة المعاشة ليقلب كل هذا رأسًا على عقب.
فظروف الحياة ومتطلباتها قد تفرض علينا أسلوبًا آخر، أو تجعلنا نقوم ببعض التصرفات في التربية قد تختلف تمامًا عن النهج الذي نميل إليه أو نتمناه.. هذا الاختلاف قد يكون قاسيًا للغاية، وقد يجعل الأم تشعر بالذنب لأنها لا تتمكن من القيام بما تتمناه لأبنائها.
ربما كانت أمهات الأمس يشعرن بالذنب حينما لا يحصل أبناؤهن على أعلى الدرجات الممكنة في الاختبارات المدرسية والأكاديمية، وربما يشعرن بالذنب عندما يمرض الأطفال، وقد يتهمن أنفسهن بأنهن قصّرن في تغذية الصغير على نحو جيد، أو وقايته من العدوى والأمراض. لكن صخرة الذنب الثقيلة بالأساس، تزداد ثقلًا مع مرور السنوات والعقود، فأصبحت صخرة الأمهات المعاصرات بالغة الضخامة وشديدة الثقل، ورُبما لا تستطيع قلوب الكثيرات حملها دون التعرّض لاضطرابات وأزمات نفسية.
الشعور بالذنب الدائم يُثقل الأمهات المعاصرات المشاركات على نحو متزايد في قوة العمل، واللاتي قد يكنّ مسؤولات عن توفير الدخل اللازم لتغطية نفقات الأسرة، سواء بشكل كلي أو جزئي، إلى جانب الموازنة بين الالتزامات الأسرية.
فالأم التي تُشارك في الإنفاق على المنزل، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، والتي قد تجعل من العسير أن يعول المنزلَ شخص واحد؛ قد تشعر بالذنب بسبب العودة إلى البيت في وقت متأخر بعد يوم طويل من العمل، وقد يُرهق قلبها أن ترى أبناءها جالسين بمفردهم في الحضانات أو مراكز الرعاية النهارية للأطفال لأن جميع زملائهم انصرفوا قبل ساعات، كما قد يزيد من شعورها بالذنب، أنها حتى بعد عودتها إلى المنزل لن تكون معهم بكامل تركيزها، لأن عليها أن تعدّ الغداء المتأخر، ثم تنظف الصحون وتلبي ما تقدر عليه من متطلبات المنزل من تنظيف وتجهيز ملابس اليوم التالي.
تلك الأم التي لم تأخذ 10 دقائق من يومها لنفسها، والتي تخرج من مهمة لتبدأ مهمة جديدة، قد تنام مُثقلة في نهاية اليوم بمشاعر ذنب قاسية، لأنها تشعر أنها لم تكن بالنسبة لأطفالها أمًّا جيدة بما يكفي. أطفالها الذين يُخبرها الجميع الآن أنه ليس من حقها أبدًا أن ترفع صوتها في وجوههم مهما انتهى صبرها أو نفدت طاقتها وقدرتها على التحمل، لأنها مسؤولة أيضًا عن السواء النفسي للأبناء، ويجب أن تتبع قواعد التربية الإيجابية، حتى لا يحمل أبناؤها تجاهها أو تجاه مرحلة طفولتهم مشاعر سلبية تجعلهم عُرضة للاضطرابات والأزمات النفسية.
في كتابها من امرأة وَلدت Of Woman Born، لخّصت أدريان ريتش، تجربة الأمومة ومفهومها بأنها الشعور بالذنب، فالشعور بالذنب، ثم الشعور الذنب. كما رصدت في صفحات الكتاب تجربتها مع الأمومة قائلة لكي يكون لدى جميع النساء خيارات حقيقية على طول الخط، نحتاج إلى أن نفهم بشكل كامل مشاعر القوة والعجز المتجسدة في الأمومة في ظل الثقافة الحالية.
وتوضح أن الثقافة الحالية هي التي تُحدد الحالة المؤسسية المتعلقة بالأمومة، وتفرضها بتنوعاتها المتعددة على جميع النساء في كل مكان.
تُشير أدريان إلى أن التوقعات غير الواقعية والتلاعب المستمر، والعبء العقلي الكبير الناتج عن الكثير من الأشياء التي تفرضها الحياة المعاصرة، والتي يجب على الأم تحقيق التوازن فيها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر القيام بمهام العمل خارج المنزل، والالتزام بالروتين اليومي والأسبوعي للأبناء، وشراء متطلبات المنزل، وتنظيم الوجبات اليومية، وتنظيف الملابس وكيّها، والإعداد للمناسبات الخاصة للأسرة والأبناء والتي منها الاحتفال بالأعياد وأعياد ميلاد الأطفال، بالإضافة إلى الأنشطة اللامنهجية التي يجب أن يمارسها الأطفال مثل التمرينات الرياضية أو التدريبات الفنية كالتدريب على الرسم أو آلة موسيقية، وأن تقوم بكل هذا وعلى وجهها ابتسامة هادئة حتى لا تنقل إلى الأبناء أيَّ توتر أو ضغط يؤثر سلبًا على سوائهم النفسي..
كل هذه الأمور وأكثر، تساهم في زيادة التوتر والشعور بالذنب، لأن الأم التي يُطلب منها تلبية كل هذا، هي في النهاية إنسان طاقتُه وقدراته وأوقاته محدودة، وعلى الأغلب لن تستطع الوفاء بكل هذه الالتزامات، رُبما تلبي بعضها أو جزءًا منها.. ماذا سيحدث إن لم يتم تلبية هذه المتطلبات جميعًا؟ بالضبط، يزداد الشعور بالذنب قسوة، وتزداد صخرته ضخامة، لعدم شعور الأمهات بأنهن حققن كل شيء لأجل أبنائهن.
في ظل ضغوط الحياة المعاصرة، لا يُستغرب إذن أن تجد الأبحاث الحديثة ومنها دراسة نُشرت نتائجها في عام 2021، أن الأمهات أصبحن يعانين من صراعات وتحديات كبيرة متعلقة بالصحة العقلية. وأوضحت الدراسة أن الأبحاث الأولية المقطعية أظهرت زيادات في مشكلات الصحة العقلية لدى الأمهات خلال فترة انتشار فيروس كورونا، مقارنة بتقديرات ما قبل جائحة كوفيد-19، فانتشرت أعراض الاكتئاب والقلق لدى الأمهات. مثلًا في كندا، زادت أعراض الاكتئاب بين الأمهات من 19 إلى 35.
كل ما سبق من مشاعر الذنب يحدث في ظل كون الأطفال أصحاء وينمون بشكل طبيعي، لكن، ماذا إذا كان لدى الطفل مشكلة صحية ما؟ هنا قد يُشير الجميع بأصابع الاتهام إلى الأم، فمؤكد أنها السبب الأول أو أنها المسؤولة الوحيدة عن كون طفلها يُصنفه المجتمع على أنه غير طبيعي في جانب ما.
كثير من أمهات الأطفال المصابين بالتوحد يُعانين من هذا الأمر، حيث يلومهن الجميع قائلين مؤكد أنكِ أهملت التحدث إلى طفلك، مؤكد أنك تركته بمفرده لساعات طويلة، مؤكد أنك تركته للشاشات حتى تتخلصي من الضوضاء التي يُسببها، وهنا تجد الأم نفسها متهمةً بإلحاق الضرر بطفلها، لتُعاني من آلام شعور حاد بالذنب قد يعوقها حتى عن السعي لتحسين حياة الطفل الذي يحتاج إلى رفيق طريق يتمتع بالصبر والعزم والمثابرة، وعلى الأغلب لن يكون هذا الرفيق إلا أمه.
تأتي هذه الاتهامات المجتمعية للأم، رغم كون الأطباء لا يستطيعون الجزم بسبب مُحدد قاطع يقف وراء الإصابة بالتوحد.
أوضحت دراسة نُشرت في مارسآذار 2023، وأُجريت على عينة بحث تكونت من 143 من آباء الأطفال المصابين بالتوحد، أن الشعور بالذنب والعار يفسر نسبة 23 من حدوث الإجهاد الأبوي. وفي دراسة أخرى نُشرت عام 2012، وكانت تسعى فقط لتحديد مشاعر أمهات الأطفال المصابين بالتوحد، وجد الباحثون أن هذه الفئة من الأمهات لديهن مستويات أعلى من التوتر المرتبط بالأمومة.
ومن خلال البيانات التي تم جمعها من 22 أمًّا لأطفال مصابين بالتوحد، كانت أكثر الموضوعات المطروحة في ذهن وحياة الأمهات صعوبة قبول التشخيص، والتأثير السلبي على العلاقات بين الوالدين، والموقف السلبي للمجتمع. أما الجوانب الإيجابية التي تم تحديدها في ردود الأمهات فكانت الأمل في تعافي أطفالهن، والتصميم على الكفاح من أجل مساعدتهم.
أيضًا، وفي كثير من الأحيان، يكون لدى أمهات الأطفال الذين يعانون من هذا الطيف؛ قراراتٌ مهمة يجب عليهن اتخاذها بشأن أطفالهن، ويمكن أن تكون المخاطر عالية جدًا إذا لم تُتخذ هذه القرارات بشكل صحيح وفي الوقت المناسب. مثلًا، تدعم الأبحاث أن التدخل المبكر لهذه المجموعة من الأمهات له أهمية قصوى، لذلك يمكن أن يكون لقرار مثل التدخل المبكر تأثير هائل على مستوى أداء الأطفال في المستقبل.
هذا الأمر يزيد من الشعور بالذنب الساحق، والسؤال المستمر هنا لا يكون فقط هل اتخذتُ القرارات الصحيحة لطفلي أم لا؟، بل يكون أيضًا هل اتخذت القرارات الصحيحة لطفلي في الوقت المناسب أم تأخرت؟، وهنا يمكن أن يكون الشعور بالذنب والشك بالنفس مرتفعًا للغاية بالنسبة لهذه المجموعة من الأمهات.
ليس التوحد فقط، بل حتى السمنة أيضا، تكون الأم مُدانة ومُذنبة فيها، ففي دراسة أجريت عام 2020 على الأمهات اللاتي لديهن أطفال يعانون من زيادة الوزن، قالت الأمهات إن أفراد الأسرة عادة ما يدلون بتعليقات سلبية أو حُكمية وينتقدون الوالدين. كما تشعر الأمهات أحيانًا بالعزلة عن الآخرين لأن أطفالهن يعانون من زيادة الوزن. وأضافت العديد منهن أن طبيب أطفالهن يساهم في شعورهن بالذنب، لأنه أيضًا قد يحكم عليهن.
في بعض الأحيان، يكون ذنب الأم مكثفًا للغاية لدرجة أنه قد يعيق قدرة الأم على تلبية احتياجات أبنائها ورعايتهم أو القيام بمسؤولياتها داخل المنزل وخارجه. فإذا كنتِ أمًّا وكان الشعور بالذنب يُسبب لكِ المعاناة من مستويات عالية من القلق، فمن المفيد أن تستشيري الطبيب النفسي، لأن ذلك قد يشير إلى حالة صحية عقلية أخطر، مثل قلق ما بعد الولادة أو الاكتئاب.
إن لم يشر الأمر إلى حالة صحية عقلية أخطر، فإن التعامل مع ذنب الأمومة، بالنسبة للعديد من الأمهات، قد لا يحتاج لأكثر من إيقاف المقارنات اللاواعية واستعادة الثقة في قراراتك الخاصة بعائلتك. إذا توقفت عن المقارنات، يمكنكِ حينها أن تشعري بالارتياح من كثرة التفكير في أنك لست أمًّا جيدة. تقول روندا ثورينغتون، المستشارة المهنية المرخصة ومدربة الآباء في مانشستر بولاية كونيتيكت الأميركية سيكون هناك دائمًا شخص ما تعتقدين أنه يفعل الأشياء بشكل أفضل وبسهولة أكبر. بالأساس، أن يكون شخص ما جيدًا أو غير جيد، ليس من شأنكِ ولا يخصكِ بأي درجة، وكل ما عليكِ فعله هو أن تكوني لطيفة مع نفسكِ، وأن تدركي أنكِ تقومين بما يتناسب مع ظروف حياتكِ وظروف عائلتك.
بالطبع، فإن الطريق الأمثل هنا للحدّ من إجرائكِ للمقارنات، هو الحدّ مما تتابعينه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فإلغاء متابعة الأمهات اللاتي ترينهنّ مثاليات، ويجعلنك تشعرين بالسوء تجاه نفسكِ يمثل الخطوة الأولى التي يمكنكِ البدء بها لتقليل المقارنات.
كذلك، مما يُمكنكِ فعله للتغلب على ذنب الأمومة؛ تحديد أسباب شعوركِ بالذنب، وذلك لأن التعمق في الأسباب الحقيقية لهذا الشعور هو المفتاح الذي سيُمكنك من التعامل الفعّال.
قد لا تعود هذه الأسباب إلى أيٍّ مما تفعلينه أو ترغبين في فعله خلال دورك كأمّ، وقد تعود ببساطة إلى طفولتك، إذ من الممكن أنك تُعانين من ذنب الأمومة لأنكِ تحاولين تحسين إستراتيجية الأبوة والأمومة التي اتبعها والداك معكِ والتي ترين بوضوح الآن أنها لم تكن جيدة بما يكفي، أو أنها سببت لك بعض المعاناة. كما يُمكن أيضًا أن يكون سبب شعوركِ بذنب الأمومة هو المعاناة من صدمة سابقة غير مُعالجة.
مفتاحكِ لتحديد الأسباب الجذرية التي قد تقف وراء شعوركِ بالذنب هو القيام بتدوين يومياتك أو تدوين ملاحظات سريعة على هاتفك تسردين فيها الموقف أو الظرف الذي سبّب لكِ الشعور بألم الذنب، ومع مرور الوقت ستتضح الأسباب التي تدفعكِ لهذا الشعور.
مثلًا، قد تلاحظين بعد التدوين أن معظم مشاعر الذنب تنتج عند سماع الأمهات الأخريات وهن يتحدثن عن مغامرات أطفالهن أو الأنشطة والرياضات التي يمارسونها، أو ربما تنتج هذه المشاعر عند التفكير في تغذية أطفالك وخيارات التغذية التي تتبعينها معهم، أو رُبما تنتج بسبب علاقة طفلك بالمدرسة والتعلم.. بمجرد أن تتمكني من تحديد الأسباب الأساسية التي تقف وراء شعوركِ بالذنب، يصبح من السهل مراقبة هذه المحفزات، وإجراء تغييرات بسيطة في الاتجاه الصحيح تساعد على تقليل الشعور بالذنب.
الخطوة الثانية بعد تحديد الأسباب، تتمثل في تحديد أولوياتك كأمّ، وأي الأشياء تحظى بالجانب الأكبر من اهتمامك. رُبما يكون أهم ما يشغلك أن يكون أطفالكِ سعداء ويكوّنوا الكثير من الذكريات السعيدة في مرحلة طفولتهم، لذا فأنتِ تهتمين أكثر بإعطائهم مساحة واسعة من اللعب الحر واللعب برفقة أقرانهم ورُبما التنزه والسفر والرحلات.
ورُبما يكون أكثر ما يشغلكِ أن يكون أطفالكِ أصحاء جسديًا، لذا فإن ما يستحوذ على اهتمامك أكثر هو أن يحصلوا على الطعام الصحي المتوازن وعلى قدر كاف من النوم الجيد العميق كل ليلة، وأن يمارسوا رياضة أو أكثر بانتظام. ورُبما تنشغلين أكثر بالجانب الأكاديمي، فتبذلين كامل جهدك ليصبح طفلكِ شخصا مميزا أكاديميًا ومثقفًا ويحصل على تعليم جيد، سواء من خلال المدرسة أو من خلال الأنشطة والتدريبات الخارجية التي توفرينها له.
حتى وإن كُنتِ تسعين لإحداث التوازن بين كل ما سبق، فمؤكد أن لديكِ أولوية مُحددة تحظى باهتمامك أكثر من غيرها، هنا يكون من شأن تحديد هذه الأولوية والالتزام بها أن يقلل من شعوركِ بذنب الأمومة.
هنا يجب أن تدركي أن أولوياتك قد لا تكون هامة إطلاقًا بالنسبة للعديد من الأشخاص الآخرين، فإذا سَفّهَ شخص ما الأولوياتِ التي تُولينها اهتمامك تجاه طفلكِ، فليس عليك أن تُعدلي من قيمك ولا من أولوياتك، ولا أن تضغطي على زرّ تنسين من خلاله ما تحلمين به لطفلكِ، بل كل ما عليكِ فعله هنا هو ألا تتفاجئي عندما يتحدى شخص ما اختيارك، وأن ترددي لنفسكِ أن الاختلاف أمر صحي ومقبول.
عندما تُرتبين ذهنكِ وتحددين قيمكِ وأولوياتكِ، فأنتِ هنا تُعيدين صياغة فكرتكِ عن الأم الصالحة، ببساطة ستصبحين أمام نفسكِ أمًّا صالحة عندما تتبعين ما تؤمنين به مع أطفالكِ، وهذا من شأنه أن يُقلل من شعوركِ بالذنب، بغض النظر عن تقييمات الآخرين، أو الفكرة التي يُكوّنها المجتمع عن الأم الصالحة.
تشرح إيمي ويب، وهي كاتبة مختصة في شؤون الأبوة والأمومة في ولاية كولورادو الأميركية، وحاصلة على درجة الدكتوراه في التنمية البشرية وعلوم الأسرة، هذا الأمر قائلة إذا كانت الأم تشعر بقوة كبيرة تجاه قيمها الحقيقية وأولوياتها كأم تجاه أطفالها، فيمكنها أن تختار بثقة ولا تشعر بالذنب.. لن تشعر بالذنب عندما تعلم أنها تتبع ما تؤمن به.
تتمثل الخطوة الثالثة في تكوين دائرة اجتماعية مقربة منكِ تكون آمنة وموثوقة. هنا يكون السؤال الذي يجب أن توجهيه لنفسكِ هل أنتِ محاطة بأشخاص بشبهونك في التفكير ويقدّرون قيمكِ ويسعون لمساعدتك ولا يبخلون عليك بمعلوماتهم وخبراتهم؟ إذا لم يكن الأمر كذلك، فسيكون عليك إعادة تعيين مجموعة الأشخاص المقربة منك، والذين يمكنكِ مناقشة القرارات المهمة معهم. يمكن أن تشمل هذه المجموعة زوجكِ أو أحدَ أفراد الأسرة الموثوق بهم، أو طبيب الأطفال الخاص بك، أو صديقا موثوقا به.
من المهم أيضًا لتجنب الشعور بذنب الأمومة أن تستمعي إلى أطفالكِ، فهم مصادر ممتازة للمعلومات حول ما إذا كانت قراراتك ناجحة أم لا، وما هي المجالات التي يجب عليك تحسينها أو إجراء تعديلات جذرية عليها.
إذا كان طفلكِ يطلب منك باستمرار أن تُشاركيه اللعب أثناء عملك، فليس عليكِ أن تتركي العمل، كل ما عليكِ هنا أن تحددي معه موعدا للعب في وقت لاحق، وأن تلتزمي بهذا الموعد تمامًا وتفي به حتى وإن لم يُذكّرك طفلك أو شعرت أنه قد نسي.
يجب أن تدركي أيضًا، أن إهمال الاهتمام بنفسكِ وعدم تلبية احتياجاتكِ الشخصية لن يجعلكِ أمًّا جيدة. في الواقع، هذا من شأنه أن يجعلكِ شخصًا قابلا للانفجار في أي لحظة، كما أنه يزيد من حدّة المشاعر السلبية داخل رأسكِ، والتي منها الشعور بالذنب تجاه أشياء قد لا تكون واقعية من الأساس، حتى وإن كانت واقعية فرُبما ترينها بشكل خاطئ أو من زاوية ضيقة تجعلكِ ترين الأمر بشكل بالغ السلبية.
لكي تتجنبي كل هذا، عليكِ الاعتناء بنفسك.. فكّري في التركيز عليها لفترة من الوقت والاعتماد على الآخرين للمساعدة في تقديم الرعاية لطفلكِ، إذا استطعت.. تذكري أن الرعاية الذاتية يمكن أن تساعدكِ في تطوير وتحسين قدراتك على بذل الجهد والعمل، بالإضافة إلى القدرة على التحلي بالصبر مع أطفالكِ لفترات أطول.
كذلك، يمكن للتحدث مع معالج أو مختص أن يكون وسيلة فعّالة للتغلب على مشاعركِ السلبية، إذ يمكن للطبيب النفسي أن يساعدك في تحديد محفزات الشعور بالذنب وتحديد إستراتيجيات للتكيف أو التعامل بفعالية.
وأخيرًا، لا تكوني أنتِ الأم التي تُشعر الأمهاتِ الأخريات بذنب الأمومة، وذلك لأن هذا الذنب كثيرًا ما يحدث ببساطة بسبب الأمهات الأخريات، فلا تكوني أنتِ تلك الأم في الحديقة التي تشعر باحتياجها إلى استنكار تصرف أمّ أخرى تسمح لأطفالها بتناول المثلجات أو المقرمشات، مع تقديم شرح عميق لمسألة أن الطفل الذي يحظى بنظام غذائي مكون من الخضراوات والفواكه ومنتجات الألبان تكون قدراته العقلية والبدنية أفضل من الذي يتناول المثلجات أحيانًا.. كوني حذرة أيضًا عندما تنشرين منشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي قد تبدو وكأنها تفاخر أو تحمل الاستنكار والذم لتصرفات أمهات أخريات. | https://www.aljazeera.net/sukoon/2024/9/30/%d8%aa%d8%b4%d8%b9%d8%b1%d9%8a%d9%86-%d8%a3%d9%86%d9%83-%d8%a3%d9%85-%d8%b3%d9%8a%d8%a6%d8%a9-%d9%88%d8%aa%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b9%d8%a8%d8%a7%d8%a1 | 2024-09-30T12:49:37 | 2024-09-30T12:59:25 | أبعاد |
|
177 | سنّة العراق.. كيف تعمّق الانقسام؟ | بعد تفكيك واستبدال مؤسسات الدولة العراقية بعد الغزو الأمريكي، يحتاج السنة العرب اليوم في العراق إلى استراحة لالتقاط الأنفاس، يعيدون فيها بناء نخبهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية | بعد تولي إدارة بوش الابن للحكم عام 2000، وسيطرة المحافظين الجدد على سياستها الخارجية، وجّه وزير الدفاع الأميركي رامسفيلد في 27 يوليوتموز 2001 مذكرة إلى مستشارة الأمن القومي كوندليزا رايس، يشير فيها إلى أن الإطاحة بنظام صدام حسين ستحسن من وضع الولايات المتحدة في المنطقة.
وبحسب ريتشارد كلارك، منسق الإدارة الأميركية لمكافحة الإرهاب في كتابه ضد كل الأعداء، فقد دارت مناقشات في واشنطن حول عدة مبررات لغزو العراق، من أبرزها تحسين موقف إسرائيل الإستراتيجي من خلال القضاء على جيش كبير معاد لها، وإيجاد مصدر آخر للنفط صديق للسوق الأميركي، وتقليل الاعتماد على النفط السعودي.
وعقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، روجت إدارة بوش لأكذوبة حيازة العراق أسلحة دمار شامل، ووجود علاقة بين نظام صدام حسين وتنظيم القاعدة، فغزت العراق مروجة رؤية مفادها أن الغالبية الشيعية في العراق تتطلع إلى نهاية سيطرة السنة على الحكم، وفق نص إفادة جورج تينيت مدير وكالة المخابرات المركزية أمام لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس الشيوخ.
لهذا، لم يشهد العراق استقرارا طوال القرن الأخير، بل مرّ بتقلبات عدّة طالت مكوناته الديموغرافية، وفي القلب منهم العرب السنة.
يعود العراق في صورته الحديثة إلى إعلان لندن عام 1921، بعد أن خاضت القوات البريطانية في الحرب العالمية الأولى قتالا ضاريا ضد العثمانيين على أراضي العراق، انتهى بتغلغلها وضم ثلاث ولايات عثمانية عام 1918 هي الموصل وبغداد والبصرة، وجعلِها مقاطعة تابعة للهند البريطانية.
بحسب توبي دودج في كتابه اختراع العراق، فإنّ البلد الوليد قد اقتصر -وفق اتفاق سايكس بيكو على ولايتي بغداد والبصرة، لكن الدبلوماسية البريطانية جيرترود بيل أصرت على ضم الموصل إليه بهدف تحقيق توازن طائفي يتيح منح حكم العراق لسياسيين من السنّة العرب، لتجنب أن يصبح دولة دينية بقيادة المراجع الشيعية في النجف. وذلك رغم أن ولاية الموصل، كانت أكثر ارتباطا بحلب في شمال سوريا وجنوب غرب تركيا من ارتباطها ببغداد، التي ظلت لقرون حاضرة الخلافة العباسية، ثم بؤرة تنافس صفوي عثماني، أما البصرة فارتبطت تجاريا بالخليج والهند.
وقد حكم البريطانيون العراق حتى عام 1932 عبر انتداب من عصبة الأمم، وشبكة من المستشارين في المؤسسات الحكومية، وسعوا لتأمين خطوط مواصلاتهم مع الهند، وتأمين إمدادات البحرية البريطانية من نفط فارس وجنوب العراق. وأسسوا أثناء الانتداب حكما ملكيا، اعتمد على العديد من الضباط السنة، ممن حاربوا العثمانيين في الثورة العربية في الحجاز، وقاتلوا رفقة فيصل بن الحسين، مثل نوري السعيد وجعفر العسكري وياسين الهاشمي، فضلا عن النخب السياسية التقليدية التي غلب عليها وصف الإقطاعيين واتسمت بنيل حظ وافر من التعليم في العهد العثماني.
استمر الحكم الملكي الهاشمي بين عامي 1921 و1958، ثم سقط بانقلاب عبد الكريم قاسم، لتدخل البلاد في دورة من الانقلابات المتكررة انتهت بسيطرة حزب البعث على السلطة.
وتخللت حقبة حكم البعث حرب دامية مع إيران 1980-1988، وغزو الكويت وما تلاه من حرب التحالف الدولي عام 1991، ثم حقبة الحصار التي انتهت بغزو أميركي ضمن تحالف من عدة دول اجتاح بغداد عام 2003، وأطاح بحكم صدام حسين، ليعيد تشكيل كافة مؤسسات الدولة وفق نظام محاصّة طائفية اعتمد بدرجة كبيرة على معارضة المنفى التي عادت رفقة الدبابات الأميركية.
انعكست تلك التطورات على بنية المجتمع العراقي وهويته، فبعد أن كان السنّة والشيعة يتزوج بعضهم بعضًا، أدى توزيع السلطة في حقبة ما بعد الاحتلال الأميركي عبر خطوط عرقية طائفية إلى تعميق الانقسام المجتمعي، وأدى إلى حدوث موجات من الاقتتال السني الشيعي، تخللها ظهور تنظيم الدولة الإسلامية وسيطرته على مساحة شاسعة من البلاد عام 2014؛ مما أدى إلى حرب دامية أخذت بعدا طائفيا لطرده من مناطق نفوذه.
اتسم حكم حزب البعث بالدكتاتورية، لكنه اعتبر الولاء معيارا لمنح المناصب والامتيازات دون النظر إلى الهوية الطائفية. ولذا وُجدت ضمن قيادات الحزب والوزراء كوادر شيعية، وعندما احتلت القوات الأميركية العراق ونشرت قائمة مطلوبين تضم 55 من قيادات نظام صدام حسين، كان من بينهم أكثر من ثلاثين شيعيا.
ولكن في ظل قلق صدام حسين من ظاهرة الانقلابات، عمل على بناء شبكة من الأجهزة الأمنية والوحدات العسكرية لضمان أمن النظام، مثل الحرس الجمهوري والأمن الخاص، واعتمد في قيادتها على ضباط من مدينته تكريت، ومن عشيرته البيكات.
لاحقًا، اندلعت الحرب مع إيران، وقد واكبها قتال عناصر المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق في صفوف القوات الإيرانية، وتجنيدهم للأسرى العراقيين الشيعة للقتال في صفوفهم تحت اسم التوابين، ليزيد ذلك مخاوف النظام من توظيف طهران للعامل الشيعي في إحداث قلاقل داخل العراق.
وعلى إثر الانتفاضة التي شهدها جنوب العراق عام 1991 خلال انسحاب الجيش العراقي من الكويت، تزايدت هذه الهواجس لدى صدام. ورغم أن محمد حمزة الزبيدي، القائد العسكري لمنطقة الفرات الأوسط الذي قمع الاحتجاجات، كان شيعيا، فإن القمع صُوّر على أنّه ضد انتفاضة شيعية من قبل نظام يقوده رئيس سني.
وقد تزامنت انتفاضة الجنوب مع انتفاضة الأكراد في شمال العراق، مما رسخ تصوير الغرب للنظام العراقي على أنه نظام يعتمد على قاعدة سنية عربية في مواجهة الشيعة والأكراد، رغم أن قمع النظام طال السنة العرب المعارضين له، مثلما طال غيرهم من معارضيه.
بدأت الولايات المتحدة حربها على العراق في مارسآذار 2003، ودخلت قواتها بغداد في الشهر التالي، ولم يلبث الرئيس بوش أن عين في مايوأيار بول بريمر رئيسا لسلطة الائتلاف المؤقت، وخوّله مسؤولية الأعمال التنفيذية والتشريعية والقضائية في العراق، والإشراف على 170 ألف جندي من قوات التحالف منتشرين في بلاد الرافدين.
جاء بريمر إلى بغداد بتصوّر مفاده أن العراق يتكون من ثلاث مكونات بشرية رئيسة تشمل الشيعة بنسبة 60، والأكراد بنسبة 20، والعرب السنة بنسبة 19، وفقا لما أورده في مذكراته عامٌ قضيته في العراق، فقد اعتبر أنه إذا كسب الشيعة والأكراد إلى صفه فسيضمن النجاح.
أصدر بريمر عدة قرارات سعت إلى تفكيك مؤسسات الدولة العراقية، بهدف إعادة بنائها وفق نمط الإحلال، بحيث يشغل أنصار واشنطن المناصب الرئيسة في المؤسسات الجديدة، ومن أبرز هذه القرارات اجتثاث البعث، وحل الجيش العراقي، وتعيين مجلس حكم مؤقت وفق محاصّة طائفية وعرقية تمهيدا لتشكيل لجنة تحضيرية للدستور، ومجلس وزراء مؤقت، ثم اعتماد دستور جديد، وكانت تفاصيل ذلك على النحو التالي
1- اجتثاث البعث
أصدر بريمر في 15 مايوأيار 2003 قراره الأول بحل حزب البعث، ومنع أعضائه في المستويات الأربعة التنظيمية القيادية من تولي مناصب حكومية، وهو ما أطاح عمليا بكبار الموظفين من كافة مؤسسات الدولة. وتولت لجنة اجتثاث البعث بقيادة أحمد الجلبي، المعارض الشيعي، فحص شاغلي المناصب في المستويات الإدارية العليا الثلاثة في أي وزارة أو مؤسسة حكومية بما فيها الجامعات والمستشفيات. وقد اتُّهمت اللجنة بغض الطرف عن الموظفين الشيعة، وإقصاء الموظفين السنة، ليصبح مصطلح اجتثاث البعث مرادفا لإقصاء السنة وفق طارق الهاشمي نائب رئيس العراق سابقا.
2- حل الجيش وأجهزة الأمن
على الرغم من أن الجيش يمثل مؤسسة لصهر المكونات الوطنية، فإن بريمر أورد في مذكراته أن القادة الشيعة والأكراد المعارضين لصدام اعترضوا على بقاء الجيش العراقي، فاتفق معهم على حل الجيش تمهيدا لإعادة بنائه عبر دمج عناصر مليشيات المعارضة في الجيش الجديد، بهدف التخلص من هيمنة السنة حسب تعبيره، وبنائه بشكل يعكس التركيبة الدينية والعِرقية للبلاد، أي بما يكفل هيمنة الشيعة والأكراد على الجيش الجديد، وكذلك على الأجهزة الأمنية.
وبجرة قلم من بريمر، صدر قرار بحل الجيش العراقي في 23 مايوأيار 2003، وأصبح نحو 350 ألف ضابط وجندي دون راتب أو معاش، وفقد العرب السنة المؤسسة التي اعتبروها بمثابة الحامي للبلاد منذ عقود، وتعرض العديد من الضباط السنة، وخاصة الطيارين خلال حقبة الحرب العراقية الإيرانية، لعمليات انتقام واغتيال على يد فيلق بدر الذي قاتل أثناء الحرب إلى جانب إيران.
3- تشكيل مجلس الحكم المؤقت
مع تصاعد المقاومة ضد الوجود الأميركي، وبالأخص في المناطق السنية، شكل بريمر في يوليوتموز 2003 مجلس الحكم الانتقالي وفق نظام محاصّة طائفية وعرقية، ليعمل كذراع لسلطة الائتلاف المؤقتة، وليشرف على إعادة بناء مؤسسات الدولة، بما فيها الجيش والشرطة، وبناء دستور مؤقت يتضمن الجدول الزمني للمرحلة الانتقالية، ضمن رؤية تعتبر أن العرب السنّة يشكلون معضلة ويجب تهميشهم عن مقاعد القيادة.
شكّل بريمر المجلس من 25 شخصا دون استفتاء أو نقاش مجتمعي، واعتمد على تكتلات المعارضة المنفية بالخارج في عهد صدام ممن ليست لهم شعبية داخل البلاد، بواقع 13 عضوا شيعيا، و6 أكراد، و4 من السنة العرب، وعضو أشوري، وآخر تركماني. ولم يكن للسنة يد في اختيار ممثليهم بالمجلس. وسرعان ما شكل مجلس الحكم حكومة مؤقتة في 1 سبتمبر 2003، وحصل فيها العرب السنة على 5 وزارات تشمل العدل والمالية والتعليم العالي وحقوق الإنسان والكهرباء. وعززت تلك الخطوات الانقسامات الطائفية والعرقية، وإحساس السنّة بالعزلة، وبأنهم يدفعون ثمن سياسات حزب البعث رغم أنه كان حزبا علمانيا وليس سنيا.
وممّا فاقم من أزمة العرب السنة في حقبة الاحتلال الأميركي، افتقادهم لمرجعية جامعة تماثل المرجعية الشيعية في النجف، وافتقادهم لبنية هرمية مستقلة عن الدولة؛ مما جعل تفكيك مؤسسات الدولة بمثابة إضعاف للسنة، في حين أن الجماعات والأحزاب الشيعية والكردية المعارضة حازت كيانات منفصلة عن الدولة أتاحت لها أداء دور في عراق ما بعد صدام.
وقد أدى غياب مرجعية سنية عربية جامعة إلى تنامي التوترات والخلافات البينية، وبالأخص تجاه ملفات مصيرية، من قبيل الموقف من الاحتلال الأميركي، إذ تشكلت فصائل مقاومة تتبنى رؤية أن قتال المحتل فرض عين، بينما اختار الحزب الإسلامي الانخراط في العملية السياسية تحت إشراف الاحتلال، ورغم أن رئيسه آنذاك الدكتور محسن عبد الحميد كردي، فإن أغلب أعضاء الحزب كانوا من العرب السنة.
كذلك برزت خلافات بين الجماعات التي اختارت نهج المقاومة المسلحة، بناء على اختلاف أيديولوجياتها، فبعض الجماعات تشكلت من عناصر عشائرية وضباط من بقايا جيش صدام وأفراد ذوي خلفيات إخوانية وسلفية، واتسم نهجهم بصبغة دينية وطنية، مثل الجيش الإسلامي وكتائب ثورة العشرين، في حين وفدت جماعات أخرى من خارج العراق محملة بأدبيات السلفية الجهادية، مثل جماعة التوحيد والجهاد بقيادة الأردني أبو مصعب الزرقاوي، وتحولت عام 2004 إلى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين. ومن أبرز القضايا الخلافية بين الجماعات المذكورة
وأدى تزايد الخلافات في نهاية المطاف إلى حدوث قتال بين جماعات المقاومة، وبالأخص بعد إعلان تنظيم القاعدة في العراق تأسيس مجلس شورى المجاهدين، ثم الدولة الإسلامية في العراق عام 2007، وطلبه البيعة بالإجبار من الجماعات الأخرى. الأمر الذي استثمرته الولايات المتحدة في تأسيس مليشيات أبناء العراق العشائرية المعروفة باسم الصحوات، التي بدأت في محافظة الأنبار ثم امتدت إلى ديالى وغيرها من المناطق السنية، تحت لافتة حماية المناطق السنية من تنظيم الدولة الإسلامية الذي نافس قادة العشائر في السيطرة على الأراضي وطرق التهريب، وقتل أبناء العشائر المنخرطين في أجهزة الأمن الجديدة، مقابل حصول الصحوات على تمويل وأسلحة من الجيش الأميركي.
بحلول ينايركانون الثاني 2005، شهد العراق أول انتخابات نيابية، لكن العرب السنة قاطعوها في ظل أغلبيتهم المشاركة في عملية سياسية ينظمها المحتل، فشارك 1 فقط من الناخبين في محافظة الأنبار، بينما شارك 14 من ناخبي الموصل، وفاز تحالف من الأحزاب الشيعية الكردية بأغلبية كاسحة، وتولى إبراهيم الجعفري منصب رئيس الوزراء، وأصبح الحزب الإسلامي هو الممثل السياسي للسنة في ظل مشاركته منفردا في الانتخابات.
تكرر الأمر في الاستفتاء على الدستور، الذي رفضته محافظتا الأنبار وصلاح الدين بنسبة تتجاوز ثلثي الناخبين، في حين رفضته محافظة نينوى بنسبة 55 من أصوات الناخبين، لتكون المحصلة هي تمرير الدستور، الذي يُشترط لعرقلته رفض ثلاث محافظات بنسبة تتجاوز الثلثين في كل منها، وذلك إثر خرق الحزب الإسلامي للإجماع السني وموافقته على تمرير الدستور مقابل وعود أميركية لم تتحقق، بتشكيل لجنة لمراجعة الدستور مستقبلا لتعديله بما يوافق مطالب العرب السنة، وبالأخص ما يتعلق برفضهم مبدأ الفيدرالية، في ظل خشيتهم من تقسيم العراق إلى أقاليم؛ مما قد يجعل أقاليم وسط وغرب البلاد لا تملك موانئ ولا نفطًا.
أسفرت الانتخابات النيابية، ثم اعتماد الدستور الجديد في أكتوبرتشرين الأول 2005 عن تقنين تهميش العرب السنة في بناء الدولة الجديدة، فحاولوا استدراك ذلك عبر زيادة رقعة مشاركتهم في الانتخابات النيابية الثانية نهاية عام 2005، وحصلت القائمتان الرئيستان للعرب السنّة على مزيد من المقاعد، إذ نالت جبهة التوافق الوطني بقيادة عدنان الدليمي وطارق الهاشمي من قادة الإخوان المسلمين 44 مقعدًا، والجبهة العراقية للحوار الوطني بقيادة صالح المطلك 11 مقعدا، وهو ما يعادل 20 من المقاعد، لكن ذلك بدا عددا محدودا مقارنة بالتقييمات التي رجحت أن نسبة العرب السنة تتراوح بين 35 و45 من إجمالي سكان العراق.
استثمرت الأحزاب الشيعية والكردية الامتيازات الحكومية لترسيخ نفوذها في الدولة الجديدة، فطلبت أغلب الوزارات من المتقدمين للعمل إحضار تزكية من الحزب الذي ينتمي إليه الوزير المختص، وهو ما أدى إلى امتداد المحاصّة الطائفية والعرقية في المناصب السياسية إلى توزيع الوظائف وموارد الدولة، وتحولت المؤسسات الحكومية إلى إقطاعيات للأحزاب المشكلة للحكومة، فترسخت الطائفية اجتماعيًّا وسياسيًّا، وأصبح الانتماء الطائفي هو معيار تعريف المواطن لهويته.
وساهم تولي بيان جبر صولاغ، وهو شيعي تركماني عمل ممثلًا للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق في سوريا، منصب وزير الداخلية عام 2005، في تشكيل فرق الموت التي أوغلت في المداهمات والتصفيات بالمناطق السنية بحجة التصدي للبعثيين والتكفيريين، كما أسس سجونا سرية تعرض فيها العرب السنة لتعذيب شديد.
كذلك، ساهمت الهجمات المتبادلة في تأجيج الانقسامات الطائفية، وقد بدأت في أغسطسآب 2003 مع اغتيال محمد باقر الحكيم رفقة العشرات من أنصاره بتفجير نفذه صهر الزرقاوي في النجف.
في المقابل صعدت القوات الأميركية المدعومة من قوات الأمن العراقية الجديدة من عمليات القصف والمداهمة في المناطق السنية، وبالأخص في المثلث السني المؤلف من مدن الفلوجة وبلد واليوسفية، فضلا عن الموصل والأحياء السنية في بغداد باعتبارها معاقل للمقاومة، وأدى الاستخدام المفرط للقوة والاعتماد على المليشيات الطائفية إلى تأجيج الصراع السني الشيعي.
تصاعدت الأحداث إثر تنفيذ القوات الأميركية والعراقية لهجوم على تلعفر، فأعلن الزرقاوي في سبتمبرأيلول 2005 ما سماه الحرب الشاملة على الشيعة في جميع أنحاء العراق. بهذا، تصاعدت التفجيرات في المدن والمناطق الشيعية، ووصلت ذروتها بتفجير استهدف مرقد الإمام الحسن العسكري في فبرايرشباط 2006 بسامراء، أعقبته هجمات انتقامية وحرق للمساجد السنية، واختطاف وقتل للأفراد خارج نطاق القانون، وبدأ نزوح السكان من الأحياء المختلطة في بغداد، وهاجر السنة العرب من البصرة والمدن ذات الأغلبية الشيعية إلى مدن سنية، كما هاجر آخرون إلى سوريا والأردن وتركيا ومصر، وبدأ اقتناع يسود لدى العرب السنة بوجود مخطط مدعوم من إيران، تنفذه الأحزاب الشيعية العائدة إلى العراق من إيران، لطردهم إلى خارج العراق بحسب طارق الهاشمي.
تراجعت حدة الاقتتال الأهلي، إثر زيادة عدد القوات الأميركية في العراق، في حين راهن من اختاروا المشاركة السياسية من العرب السنة على التحالف مع إياد علاوي، الشيعي والقيادي البعثي السابق المقرب من الولايات المتحدة.
قدّم علاوي خطابا وطنيا متجاوزا للطائفية، وفاز تحالفه القائمة العراقية بالأغلبية في انتخابات عام 2010، إذ حصل على 91 مقعدا مقابل 89 مقعدا حصلت عليها قائمة رئيس الوزراء نوري المالكي. وقد تضمنت مقاعد القائمة العراقية 12 مقعدا في المناطق ذات الأغلبية الشيعية، و79 مقعدا في المناطق السنية، مما عكس حجم الدعم السني لها.
غير أن المالكي تمكن من اجتذاب نواب شيعة من قائمة علاوي إلى صفه، فضلا عن اجتذاب نواب آخرين في ظل المخاوف من فقدان السيطرة على الحكومة لصالح تحالف يدعمه السنة. وقد منح المالكي رموز السنة في القائمة العراقية عددا من المناصب، مثل تعيين طارق الهاشمي نائبا لرئيس الجمهورية، وصالح المطلك نائبا لرئيس الوزراء، وأسامة النجيفي رئيسا للبرلمان، ورافع العيساوي وزيرا للمالية.
لكن في العام التالي مباشرة، وقبيل انسحاب القوات الأميركية من العراق، استخدم المالكي سلطة الحكومة في مطاردة قادة القائمة العراقية من العرب السنة، فأصدر القضاء قرارا باعتقال طارق الهاشمي لاتهامه بالتورط في اغتيالات، وحُكم عليه بالإعدام، فهرب إلى خارج العراق، كما أقيل صالح المطلك وحُرم من المشاركة السياسية بحجة ارتباطه سابقا بحزب البعث. واتُّهم الساسة العرب السنة من قِبَل جمهورهم، بأنهم قدموا مصالحهم الشخصية، وبأن المالكي تلاعب بهم ثم تخلص منهم.
عقب تراجع أنشطة جماعات المقاومة إثر تنامي الخلافات البينية، ونجاح تجربة الصحوات في مطاردة المقاومين بمختلف انتماءاتهم التنظيمية، سلمت واشنطن مسؤولية دفع رواتب عناصر الصحوات إلى حكومة المالكي بنهاية عام 2008، التي خشيت من تحول الصحوات إلى كيان سياسي منافس للحكومة، ففتحت قضايا إرهاب بحق قادتها، وسجنت وطاردت العديد منهم، واكتفت بدمج 20 منهم في وظائف حكومية، وسرحت الباقين، وانتهت التجربة باستخدام الصحوات في دحر المقاومة السنية، ثم التخلص منها.
نشر ذلك أجواء من الإحباط بين أبناء العشائر السنية، إذ تزامن تفكيك الصحوات مع الانسداد السياسي والتنكيل بالهاشمي ورفاقه. وواكب ذلك اندلاع الثورة في سوريا المجاورة، التي تمثل امتدادا جيوسياسيا للعراق، حيث تحولت إلى بؤرة صراع طائفي جديد عبر انخراط طهران والمليشيات العراقية الشيعية في القتال إلى جانب نظام بشار الأسد، في حين انضم مقاتلون سنة عراقيون إلى الثوار.
جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير، إثر اعتقال قوات الأمن العراقية لحراس النائب ووزير المالية رافع العيساوي في نهاية عام 2012، فاندلعت احتجاجات واسعة في محافظته الأنبار، ثم توسعت إلى بقية المناطق السنية في البلاد، للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين، وتعديل قانون المساءلة والعدالة الذي حل محل لجنة اجتثاث البعث، ومحاسبة المتورطين في قتل واختطاف المواطنين على الهوية.
واجهت حكومة المالكي الاحتجاجات بالقمع، وقتلت قوات الأمن خمسين محتجا في مدينة الحويجة بمحافظة كركوك عام 2013. في هذه اللحظة، تحولت الاحتجاجات السلمية إلى أنشطة مسلحة، واجتمع أغلب المتضررين من حقبة ما بعد الاحتلال في جبهة واحدة ضمت قادة العشائر، وبقايا النظام السابق، وبقايا مجموعات المقاومة، واليائسين من جدوى المشاركة السياسية. ودخل تنظيم الدولة الإسلامية على الخط ليوظف تلك الحالة في شن عمليات عسكرية للسيطرة على المدن السنية، ثم أعلن إقامة الخلافة عقب سيطرته على مدينة الموصل ونحو ثلث العراق عام 2014.
ضغطت الولايات المتحدة على نوري المالكي للاستقالة، وشكلت تحالفا دوليا انخرط في قتال تنظيم الدولة في العراق وسوريا، وقدمت طهران الخطط والدعم للقوات العراقية، التي استعادت السيطرة على الموصل ومناطق سيطرة تنظيم الدولة تباعا، ولكن بثمن باهظ تضمن نزوح السكان مجددا من مدنهم وقراهم، وتدمير العديد من المناطق السنية. وقد ساهم خطاب وممارسات تنظيم الدولة في حشد أبناء الطائفة الشيعية خلف قياداتهم السياسية ومراجعهم الدينية، خوفا من التهديد الوجودي الذي شعروا به.
لقد ساهمت سياسة تفكيك واستبدال مؤسسات الدولة العراقية في إعادة هيكلة المجتمع، وأخرجت السنة العرب من دوائر الحكم إلى الهامش، وأدى غياب مرجعية سنية أو قيادات مجمع عليها إلى التشظي وكثرة الخلافات البينية، بين من يرى الإصلاح من داخل المنظومة السياسية الجديدة، بيد أنه تعرض عمليا للتوظيف ضد منافسيه ضمن لعبة فرق تسد ثم أُقصِي لاحقا، ومن تبنى خيار المقاومة المسلحة ضد الاحتلال لكنه فتح النار ضد الجميع بمن فيهم مخالفوه من نفس طائفته، فاتفقوا عليه، وكرّس بيئة عدائية نفرت المؤيدين قبل الخصوم.
لقد ثبت عدم فاعلية خيار المراهنة على الولايات المتحدة في مواجهة النفوذ الإيراني في العراق مثلما فعلت الصحوات، فضلا عن صعوبة مواجهة واشنطن وطهران في وقت واحد.
إضافة إلى ذلك، أدى الجمود في الملف السوري إلى إحباط الرهان على حلحلة الوضع العراقي عبر النافذة السورية. وفي المجمل أدت الصراعات المتتالية إلى استنزاف البيئة العربية السنية العراقية، وأوصلتها إلى مسارات مسدودة.
في النهاية، يحتاج السنة العرب في العراق إلى استراحة لالتقاط الأنفاس، يعيدون فيها بناء نخبهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويتبنون خلالها مشاريع جامعة قدر الإمكان، ويترقبون الفرص المتاحة في ظل التقلبات الإقليمية والدولية، مع تجنب الخيارات الصفرية في الأوقات غير المواتية، وفتح مسارات تواصل مع المكونات الأخرى العراقية للبناء على المشتركات معهم، وتحييد ما أمكن منهم، إذ إن الانخراط في المسارات الطائفية يعمق أزمتهم وأزمة العراق كله، ويفيد الأطراف الخارجية التي تستثمر في الأزمات. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/5/22/%d8%b3%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d9%82-%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%aa%d8%b9%d9%85%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d9%82%d8%b3%d8%a7%d9%85 | 2024-05-22T18:26:56 | 2024-06-12T08:26:52 | أبعاد |
|
178 | ديفيد ميلر.. بروفيسور الجامعة الذي واجه الصهيونية في بريطانيا وانتصر | انتصار ميلر التاريخي لم يقضِ على الحركة الصهيونية بالتأكيد، ولم يحرر شبرًا من الأرض عمليًّا، ولكنه كشف ثغرة في درعها المنيع، ثغرة قد تؤدي إلى سقوط الفكرة ذاتها في الوعي الجمعي. | الصهيونية ليست حركة يمكن التفاوض معها، يقولها الرجل الأبيض، الأشقر الشعر، بصيغة توحي بأنها مقولة جاءت نتيجة لتجربة معملية جرت في أحد المختبرات، وهو ما حدث فعلًا، إن أمكن اعتبار صراعه مع الحركة الصهيونية وأذرعها في بلده، إنجلترا، تجربة معملية.
عندما تسمعه يقولها، ينتابك أولًا إحساس يمزج بين اللذة والألم حينما يتولى الرجل الأبيض الغربي ما يجب أن يكون على رأس أولوياتنا ويتحدث بلساننا، نحن العرب. إحساس لذيذ لأنه يمنحنا الاعتراف الدولي الذي نبحث عنه ويمنحنا شعورا بأننا لم نندثر ونُنس بعد، ومؤلم لأنه يذكرنا بأننا ما زلنا بحاجة إلى هذا الاعتراف. لكن الفارق عند ميلر أنه يلحق عبارته بأخرى تحوله من مجرد غربي أبيض أشقر نبحث عن اعترافه بنا إلى شخص يقف بجانبنا في المعركة.
تبدأ قصة ميلر عندما قررت جامعة برِستول تعيينه ضمن طاقمها أستاذًا لعلم الاجتماع السياسي. أساتذة الجامعة في إنجلترا، وفي عدد من الدول الغربية، يتمتعون باستقلالية تصل إلى درجة الحصانة أحيانًا في تحديد مناهجهم واختباراتهم ومواضيع محاضراتهم، وميلر، بحكم دراسته وتاريخه الأكاديمي، كان متخصصًا في حملات الاحتلال الاستيطاني التاريخية وآلياتها الاجتماعية، أو ما يعرف في الغرب باسم Settler-Colonialism؛ بدءًا من احتلال الإنجليز لأيرلندا الشمالية، ومرورا باحتلال الهولنديين والإنجليز لجنوب أفريقيا، والفرنسيين للجزائر، ووصولا لليهود الأوروبيين واحتلالهم لفلسطين.
المعلومة المهمة الأولى هنا هي حقيقة أن لفظة Settler الإنجليزية ومشتقاتها لا تمنح ذات الانطباع الإجرامي للفظة استيطان العربية رغم الاتفاق الجمعي بترادفهما؛ فالأولى تُستخدم عادة في الكثير من المواقف الإيجابية، مثل قرار بالزواج والإنجاب وتكوين عائلة، أو القبول بترضية أو تسوية في نزاع قضائي ما، أو الاستقرار وإنشاء مجتمع جديد.
كل ما سبق يوصف بذات اللفظة التي ترادف الاستيطان الذي بُني بالأساس على التطهير العرقي والإبادة الجماعية، ولعل هذا مقصود في ذاته؛ لفظة Settle، مثل أغلب الألفاظ في قاموس الاحتلال عمومًا والاستيطان خصوصًا، لا تعترف بوجود الطرف الآخر ابتداءً، ثم تبني على ذلك متظاهرة بـالبراءة لاحقًا، وكأن المستوطنين مجموعة من المُخلّصين الذين أُرسلوا ليعمّروا بقعة غير مأهولة من الأرض، ولسبب ما، يحاول الإرهابيون منعهم.
من منطلق دراسته للمسألة بكل تفاصيلها ومفرداتها، بدأ ميلر عمله مباشرة بصورة طبيعية، ولم يمر الكثير من الوقت حتى وقع الصدام الحتمي بعد محاضرة ألقاها في فبرايرشباط 2019 عن الإسلاموفوبيا أو الخوف غير المنطقي من الإسلام والمسلمين، وفي تلك المحاضرة، عدّد ميلر خمسة أسباب للمسألة، كان أحدها هو الحركة الصهيونية ذاتها.
في الواقع، كانت الحركة الصهيونية أهم هذه الأسباب على الإطلاق؛ عندما عكف ميلر وفريقه على دراسة الإسلاموفوبيا في 2010، بعد عقد كامل من هجمات الحادي عشر من سبتمبرأيلول، اكتشفوا أن مصطلح الإرهاب الإسلامي صُكّ لأول مرة في مؤتمر بالعاصمة الأميركية واشنطن عام 1984، قبل أن يصبح متداولًا بعقدين كاملين تقريبًا.
بمزيد من البحث، علم ميلر وفريقه أن هذا المؤتمر تحديدًا كان ممولًا من 13 جمعية ومؤسسة، 12 منها منتمية للحركة الصهيونية، ولن تكون مفاجأة أن تعلم أن الداعي إلى هذا المؤتمر ابتداءً كان صهيونيًّا من عائلة بولندية يدعى بنيامين ميليكوفسكي، كان يشق طريقه على الساحة السياسية الدولية حينها، قبل أن يُعرف لاحقًا باسم بنيامين نتَنياهو.
كانت نظرية ميلر بسيطة؛ فالصهيونية لم تكن مجرد حركة تؤيد إقامة دولة لليهود، بل بما أن هذه الدولة كانت ستُقام على أرض فلسطين التاريخية التي يسكنها العرب والمسلمون، فقد كان على الصهيونية أن تعادي العرب والمسلمين أيضًا، وهذا العداء كان ضروريًّا لبقائها وتوسعها لاحقًا، وبالتبعية، كان عليها إقناع حلفائها بالشيء ذاته، خاصة أنها اختارت اللحظة المناسبة لبدء دعايتها للأمر، حينما أفل نجم الاتحاد السوفيتي وبدأ انهياره العملي، وكان حلفاؤها، وعلى رأسهم الولايات المتحدة وبريطانيا، بحاجة إلى عدو جديد يملأ فراغه، كما يقول ميلر.
توالت مؤتمرات بدعوات من ميليكوفسكي وغيره، تروج لأفكار محددة هدفها حماية إسرائيل عبر استعداء الغرب للعرب والمسلمين، ولم يكن هدفها السياسيين الذين يسهل إغراؤهم وترغيبهم وترهيبهم، بل الجماهير ذاتها، التي ستجعل عمل السياسيين أسهل لاحقًا.
لم تكن دول الاستعمار الغربية واقعة في غرام العرب والمسلمين قبل هذا المؤتمر عام 1984، بل لم تكن سياساتها منصفة اتجاههم بطبيعة الحال، ومع ذلك لم يكن الغرب يمتلك السياق الثقافي المعاصر لكراهيتهم، وتلك كانت مهمة ميليكوفسكي وأعوانه؛ الترويج لنوع جديد من الإرهاب لاستبدال الإرهاب الشيوعي، نوع خاص بالإسلام والمسلمين لأنه إسلام متخلف ولأنهم مسلمون متخلفون يعيشون في مجتمع رعوي بدوي لا يعرف الحضارة، وهذا -كحكم عام مُسبق- يجعلهم أكثر قابلية للتطرف ببساطة، رغم أن التاريخ لا يعرف مجتمعًا بدويًّا رعويًّا واحدًا محا مدينتين كاملتين من الوجود في بضع ساعات دون أن يجرح جنديًّا واحدًا من جيشه مثلما فعلت الولايات المتحدة في هيروشيما وناغازاكي.
هذه الدرجة من الوحشية والاحتقار للحياة الإنسانية يصعب على أي مجتمع بدوي رعوي متخلف كما يصفونه، تخيلها، لأن مجتمعًا كهذا، بطبيعته، سيتخيل أن فعلة كتلك لا بد أن يكون لها ثمن يدفعه، وتضحية يؤديها، ومقاومة ورد سيواجههما، وتساؤلات وحيرة وندم سيتعامل معهما لاحقًا.
أما إفناء البشر بأعداد هائلة من قمرة طائرة، دون فرصة لرؤية وجوههم ودمائهم وتوسلاتهم، دون مشاهدة الانفجار وهو يمزق أوصالهم ويحرق جلودهم ويذيب اللحم عن أجسامهم، دون شكوك أو فضول، فهو محاولة لنزع حتى الكلفة الإنسانية عن عملية القتل، محاولة لتسطيح الحدث وتحويل البشر إلى أرقام، محاولة لتحويلها إلى ضغطة زر عنصرية لا تستطيع مواجهة ضحاياها، لتحويلها إلى عملية حسابية صماء تُقاس فيها قيمة البشر بتكلفة القنبلة التي ستبيدهم.
لو كان هناك نوع خاص من الإرهاب فعلًا فهذا هو؛ الإرهاب المُصنّع المُتقدم الذي يحصن نفسه من الذنب والشك بنوافذ زجاجية وبضعة كيلومترات بينه وبين ضحاياه، الذي يحصد أرواح ما بين 129 و229 ألف إنسان من السماء بالبرق والنار كالآلهة الميثولوجية.
بالطبع كانت تلك المرحة الأولى من دعاية الحركة الصهيونية، التي لا نتخيل أنها كانت صعبة بالنظر إلى قدرات أصحاب تلك الدعاية على الاجتزاء والتلفيق والتدليس. وبمتابعة دورية لمنصات الإعلام الغربي ستدرك أي شوط قطعوه من حينها؛ الآن، لفظة جهاد ذاتها أصبحت مرادفة في المخيال الغربي للإرهاب وقتل المدنيين.
قبل تلك اللحظة، أي 1984، ربما لم يكن الغرب يهتم إلى هذه الدرجة، وهي شهادة لإصرار وتصميم وتفاني الصهيونية الاستثنائي في جعل قضيتهم محور حياة الغربيين وقدس أقداسهم، رغم أن تحرير فلسطين أو عدمه لن يغير شيئًا في عالم الغربيين أنفسهم على المستوى الشعبي. هذه هي الحقيقة المحورية المنسية التي لن يدركها الغربيون إلا عندما تتحرر فلسطين فعلًا، وستكون تلك لحظة من أعجب ما قدمت البشرية لنفسها.
باختصار؛ ميلر وفريقه وجدوا رابطًا مباشرًا بين الإسلاموفوبيا والحركة الصهيونية، ربطًا يكشف جزءًا من وجه الصهيونية الدميم كما يراه ميلر، والأهم حاضرها الآني الذي يقوده ذات الميليكوفسكي، ومن حينها، عكف الرجل على دراسة الصهيونية مدفوعًا بشغفه بالفهم.
بمجرد تسريب الدقائق الأربع التي تعرض فيها ميلر للمسألة خلال محاضرته، بدأ هدير الآلة الصهيونية من خلال مجموعات الضغط والتأثير التي تُعرف إعلاميًّا باسم لوبي أو لوبيّات وهي تنويع على لفظة Lobby الإنجليزية، أو القاعة، نسبة للمكان الذي كانت تجري فيه هذه المحادثات عادة قبل اختراع الهواتف الذكية، وهي مسألة كتب عنها عدد من الخبراء السياسيين الأميركيين، على رأسهم جون ميرشايمر وستيفن وولت.
هنا يتجلى واحد من أهم مظاهر عبقرية الصهيونية في هذه المسألة، وهو التخطيط على مراحل منفردة متتالية تتصاعد في القوة، ارتكازًا على حقيقة كونية مُثبتة بالتجربة، وهي أن الإنسان يستطيع تقبل أي وضع، مهما كانت درجة اختلاله وجنونه، ما دام قد وقع بالتدريج. للمصدر؛ انظر إلى العالم.
في البداية تتحرك منظمات الضغط التي تحمل أسماءً عمومية بريئة تتظاهر بالعمل لأجل الصالح العام؛ تلقت الجامعة خطابًا من مؤسسة تُدعى ثقة أمن المجتمع أو Community Security Trust، وهي أحد أشهر المنظمات الصهيونية في بريطانيا، تدعي فيه أن اثنين من طلاب جامعة برِستول قدما شكاوى تتصل بمنهج البروفيسور ميلر التعليمي، وبالطبع، طلبا حجب هويتهما.
فشلت الخطوة الأولى لسبب قانوني بسيط هو أن لائحة الجامعة لا تنص على آلية محددة للتعامل مع الشكاوى المقدمة من طرف ثالث مستقل عن الجامعة ومستقل عن أطراف الصراع، فانتقلت الآلة الصهيونية إلى الخطوة التالية التي تعلن فيها عن هويتها صراحة وبلا مواربة، عندما دخلت منظمة المجتمع اليهودي في برِستول The Bristol Jsoc على الخط من خلال رئيسها، الذي كان أحد خريجي الجامعة بدوره، ورئيسًا سابقًا لمجموعة اتحاد الطلبة اليهود في برِستول Union of Jewish Students UJS، ببساطة لأن كل ما سبق ينفي عنه صفة الطرف الثالث.
إذا كنت قد شعرت بالارتباك والحيرة والمحاصرة من أسماء مجموعات الضغط وتنوعها فهذا دليل آخر على عبقرية الآلة الصهيونية، طبعًا إن جاز لما يسمّيه ميلر الإرهاب الفكري أن يوصف بالعبقرية.
الخطوة التالية طبقًا للمنهجية الصهيونية هي كذبة مفرطة الوقاحة، وهو ما كتبه رئيس المجموعة السالفة الذكر في خطابه للجامعة
نحن منزعجون جدًّا من حقيقة أن مُحاضرًا يستطيع استغلال منصبه وتأثيره بالجامعة المرموقة لنشر نظريات مؤامرة وخرافات لا يملك دليلا واحدا عليها
ما حدث هنا هو التالي هناك رجل اكتشف أن أول من دعا وروج للإسلاموفوبيا في الولايات المتحدة، ونشر دعاية عما سمّاه الإرهاب الإسلامي وقتها، قبل هجمات 11 سبتمبرأيلول بعقدين من الزمن تقريبًا، هو رئيس وزراء حكومة الاحتلال الحالي، الذي يقول علنًا إنه صهيوني ويستخدم ذات اللفظة -الإرهاب الإسلامي- لوصف المقاومة المسلحة للاحتلال الذي يقوده، وأن من موّل هذه المؤتمرات آنذاك منظمات تقول علنًا إنها صهيونية، فاستنتج أن أحد أسباب انتشار الإسلاموفوبيا في الغرب هو الحركة الصهيونية.
أما الرد الذي جاء فهو نظريات مؤامرة وخرافات لا يملك دليلا واحدا عليها.
الرد على الرد تمسكت الجامعة بتقاليدها في حرية الرأي وتداول الأفكار، وأخضعت المحاضرة للمراجعة للتأكد من خلوها من التعليقات المعادية للسامية على حد وصف الشاكين، الذين استخرجوا تعليقات مشابهة من محاضراته السابقة قبل انضمامه إلى الجامعة.
في النهاية، رفضت الجامعة الشكوى مستندة على حقيقة محورية منسية أخرى؛ نحن لا نعلم ما هي معاداة السامية بالضبط.
طبعًا هذا له سبب آخر بسيط وواضح؛ المجموعات اليهودية والصهيونية ذاتها ليست متفقة على تعريف واضح قاطع لمعاداة السامية. في الواقع، هذه المجموعات ستجتمع في الولايات المتحدة بعد عامين من محاضرة ميلر لتختلف حول وجوب تبنيها لتعريف الـIHRA لمعادة السامية، وهو تعريف غير ملزم، بأداء الفنان المصري محمد صبحي في مسرحيته تخاريف.
الـIHRA منظمة صهيونية تضم أعضاء من حكومة الاحتلال الحالية والسابقة والتي سبقتهما. وأول ما تلاحظه في تعريف الاتحاد لمعاداة السامية، وبغض النظر عن موضوعيته أو عدمها، هو أنه يناقض ذاته، والأهم، والمتوقَع كذلك، أنه يمنح حكومة الاحتلال حصانة مطلقة.
طبقًا للـIHRA فمن أمثلة معاداة السامية أن تروج لنظريات المؤامرة القائلة بأن اليهود يتحكمون في اقتصاد أو إعلام أو سياسة العالم، أو أن تعقد المقارنات بين سياسات دولة إسرائيل وسياسات الحزب النازي الألماني، أو أن تدعي أن وجود دولة إسرائيل عنصري بحد ذاته، أو أن تطالب دولة إسرائيل بسلوك غير مطلوب وغير متوقع من أي دولة ديمقراطية أخرى.
بعبارة أخرى يمكن للصهيونية أن تتحكم في اقتصاد وإعلام وسياسة العالم فعلًا، أو أن يبالغوا كما شاؤوا في استحضار تاريخهم، ويمكن لوجود دولة إسرائيل أن يكون عنصريًّا بحد ذاته، وبشكل عام، يمكنها أن تفعل أي شيء سبقتها له دول ديمقراطية أخرى، كأن تغزو العراق وتقتل مليوني إنسان مثل إنجلترا والولايات المتحدة، أو أن تلقي بقنبلتين ذريتين على مدينتين من اختيارها، أو أن تخطط لانقلابات وحروب أهلية في دول لا يخدم حكامها مصالحها، أو تبيد السكان الأصليين مثل أستراليا، أو تنشئ نظام فصل عنصري في فلسطين، ما دامت كل من إنجلترا والولايات المتحدة وأستراليا وهولندا وبلجيكا تُعتبر دولًا ديمقراطية أخرى، وأي شكوى أو انتقاد لأي مما سبق تجعلك تلقائيًّا معاديًا للسامية.
في الواقع، تُستخدم هذه الحُجة تحديدًا على نطاق واسع في البرامج الحوارية الغربية، وهي التفسير الوحيد لشعور سلطة الاحتلال الدائم بالاضطهاد رغم تورطها فيما اعتبرته محكمة العدل الدولية حالة إبادة جماعية مُحتملة؛ إنها تشعر بحدة النقد وزيادة الضغط الدولي رغم أنها لم تزد على ما فعله قادة العالم الحر من قبل.
رغم ذلك، يضم تعريف الـIHRA وصفًا غاية في الأهمية والموضوعية لمعاداة السامية، وهو تحميل اليهود كجماعة مسؤولية أفعال دولة إسرائيل. عبارة منطقية أخيرًا؛ إذ كيف يتحمل أمثال إيلان بابيه ونورمان فنكلستين وآفي شلايم وكيتي هالبر وزاك فوستر مسؤولية تصرفات أمثال بنيامين نتَنياهو وبتسلئيل سموتريتش وإتمار بن غفير؟ لا يزال هناك أمل رغم كل شيء.
كان لا يزال هناك أمل فعلًا حتى تحدث ويليام داروف، رئيس المؤتمر الذي نُوقشت فيه المسألة عام 2021، معللًا رغبته في تبني تعريف الـIHRA.
عدنا لنقطة الصفر إذن، ببساطة لأننا نتحدث عن أناس يبحثون عن حصانة مطلقة؛ فمن جهة، لا تمييز بين إسرائيل واليهود والصهيونية، لأن أي انتقاد للأولى يعني انتقاد ما بعدها من وجهة نظر داروف، وفي ذات الوقت، لا يمكنك تحميل ذات اليهود والصهاينة مسؤولية أفعال دولة إسرائيل، طبقًا لتعريف IHRA الذي يطلب داروف نفسه من الجميع تبنيه. هل تشعر بالضياع والارتباك والحيرة؟ هذا هو المطلوب بالضبط.
حاول تخيل هذا العالم، أو لا حاجة إلى الخيال لأنه واقع بالفعل، ثم صدق أو لا تصدق؛ كانت هذه هي نقطة اعتراض المجموعات الصهيونية ذاتها على التعريف؛ دائرة العاملين أو The Workers Circle، المجموعة الصهيونية التي يبلغ عمرها 121 عامًا، والتي تعتبر نفسها مناصرة لإسرائيل من الرأس إلى القدم، وفي ذات الوقت تزعم الدفاع عن العدالة الاجتماعية بطريقة ما، ترى أن انتقاد إسرائيل لا يجعل أعضاءها معادين للسامية، لأنها كانت ولا تزال تنتقد إسرائيل بعنف، حرصًا منها على مستقبلها.
المهم أن هذا هو التعريف الذي أرادت مجموعات الضغط الصهيونية من الجامعة تبنيه، ثم تطبيقه على حالة ميلر بأثر رجعي، وهذه المرة، تحرك المزيد من مجموعات الضغط للتأثير في قرار الجامعة، التي عقدت لجنة أخرى خلصت إلى أن المحاضرة بشكل خاص وتعليقات البروفيسور ميلر بشكل عام خلت من التعليقات المعادية للسامية أو الكراهية اتجاه اليهود كمجموعة.
خسرت الصهيونية المعركة الأولى ولكنها عزمت ألا تخسر الحرب، وسنحت فرصتها الثانية لإقصاء ميلر بعد عامين، عندما صرح في مؤتمر أقيم افتراضيًّا على الإنترنت بأن الطلبة المنتمين لجماعات الضغط الصهيونية يعملون وفق الأجندة الإسرائيلية وينفذون مخططاتها.
طبعًا يمكن اعتبارها مقولة منطقية تمامًا لو لم يكن هناك تمييز بين جماعة اليهود ودولة إسرائيل كما يعتقد داروف، ولكن بطريقة ما، أثارت هذه العبارات اتهامات جديدة لميلر بمعاداة السامية وكراهية اليهود.
تلك المرة أيضا، لم تجد لجنة المراجعة من الجامعة أي دلائل جديدة تعضد هذه الاتهامات، ولكنها اعتبرت أن تصريحات ميلر تخالف لائحة الجامعة على أساس أنها معادية أو مؤذية للطلاب أو مجموعة منهم، وهو ما يرقى إلى وصف تلك التصريحات بأنها سوء تصرف فظيع Gross Misconduct طبقًا للائحة الداخلية، ومن ثم، اتخذت قرارها بفصل الرجل من وظيفته.
ما تلا ذلك هو قضية في محكمة العمل استغرقت عامين كاملين حتى أكتوبرتشرين الأول 2023، وأول ما يلفت الانتباه إلى القضية هو الحجة التي ارتكز عليها ادعاء ميلر، وهي أن المعتقدات المعادية للصهيونية هي معتقدات فكرية وفلسفية تتمتع بالحماية تحت مظلة قانون المساواة الإنجليزي الصادر عام 2010، وتحديدًا، الاعتقاد بأن الصهيونية، بطبيعتها، عنصرية وإمبريالية واستعمارية.
كانت المخاطرة كبيرة؛ إذ قرر ميلر أن يفوز بكل شيء، أو يتحول إلى مجرد أحمق آخر يحكي داروف وأمثاله قصته على العشاء وهم يضحكون، وفي ذلك إخلاص لمعتقده الذي لا يمل من تكراره؛ الحركة الصهيونية هي العدو الأول للسلام العالمي، ولن نصبح في مأمن حتى تتوقف مجموعاتها وأذرعها عن العمل.
الحصول على حكم بناءً على تلك الحُجة يضرب تعريف الـIHRA لمعاداة السامية في مقتل، ويعني أن فصل ميلر كان تعسفيًّا وشابه تمييز سلبي بسبب معتقداته المعادية للصهيونية، إضافة إلى كونه انتصارًا معنويًّا وماديًّا، والأهم، قانونيًّا، لكل هؤلاء الذين فقدوا وظائفهم بسبب تصريحهم بآراء ومواقف معادية للصهيونية وسلطة الاحتلال وقمع وإبادة وتهجير الفلسطينيين، تحت ضغط وترهيب جماعات الضغط الصهيونية.
لو كان هناك تعريف لـالمعاداة القصوى التي يجب أن تواجه بها الصهيونية فهو هذا؛ ميلر اختار الانتصار التام الشامل على الفكرة ذاتها، وسيصبح ذلك انتصارًا حتى لو لم يخرج الحكم لصالحه، بمجرد طرح الفكرة على خيال المجتمع الغربي، للتفكير والتأمل وزرع التساؤل في عقول الغربيين ماذا لو كانت الصهيونية كأي فكرة أخرى؟
لا بد أن تلك هي الأسئلة التي دارت في رأس القاضي روهان بيراني قبل أن يصدر حكمه معتقدات ميلر مؤهلة لتكون معتقدات فلسفية وخصائص شخصية محمية تحت مظلة قانون المساواة الإنجليزي لعام 2010، وبالتبعية، هي محمية في بيئات العمل المختلفة ولا يجوز التمييز ضدها.
انتصار تاريخي. والأهم، أنه يؤسس للمبدأ كسابقة في تاريخ محاكم العمل الإنجليزية، ويمنح كل ضحايا التمييز الصهيوني صوتًا قويًّا ونَفَسًا جديدًا، يشجعهم على التقدم بمظالمهم لمحاكم العمل استنادًا على ذات الحكم كسابقة قانونية.
هذه الجذرية الأصولية المتجاوزة للحُجج والمبررات والمتاهات والمغالطات المنطقية الصهيونية أثارت جنون الكثيرين طبعًا؛ أولًا لأنها غير مسبوقة، وثانيًا لأنها تمثل تهديدًا وجوديًّا حقيقيًّا للفكرة ذاتها، فكرة الحصانة المطلقة وأسلحة الابتزاز العاطفي والتاريخي التي أنفقت الصهيونية عقودًا ومئات المليارات في بناء أدواتها، لتصبح الصهيونية والسامية فكرة فوق الأفكار، تعبر عن بشر فوق البشر.
هدرت الآلة الصهيونية الإعلامية مرة أخرى بعنف أشد، وبتنسيق واسع وباهر كالعادة، لتشويه الرجل واغتياله معنويًّا ووظيفيًّا، ولكنها، أثناء هديرها، منحت ميلر وأمثاله أملًا قلّما تمنحه لأحد.
أتى الهدير كسولًا مُدلّلًا إن جاز التعبير؛ جولة طويلة متأنية في التقارير ومقالات الرأي التي تبنت الرد الصهيوني على حكم بيراني ستكشف لك حالة الإنكار والعجز التي عاشتها الآلة الصهيونية في تلك اللحظة.
الدليل؟ سنخبرك بمعلومة يمكنك التأكد منها بنفسك؛ من بين كل هذه المقالات والتقارير، من ديفيد هِرش في ذا جويش كرونيكل، مرورًا بديفيد فِلدمان وكنعان لِبشِتز في هآرتس، وحتى رتشِل أودونوهيو في أونست ريبورتِنغ، لم تُناقَش حُجة ميلر مرة واحدة، لم يتعرض أي منهم لفكرته بالنقد والتمحيص والتدقيق، لم يحاول أي منهم مخاطبة المتشككين أو المتسائلين، وكل ما حصلنا عليه هو أشبه بـكورال جماعي يرتكب ذات الخلط الذي يتحدث عنه ميلر بين اليهود وإسرائيل، وكأنهم يؤكدون نظريته، ويرددون مُعادٍ للسامية بلا توقف، وكأن هذا كافٍ بحد ذاته لإسكات أي حُجّة، مهما كانت موضوعيتها وقدرتها على مخاطبة وعي الناس.
هذا الكسل والاستسهال والعجز عن المواجهة والتفكيك والنقد الفعلي، يُبطن صدمة عنيفة من الفشل الذي لم يكن متخيلًا قبل تلك اللحظة، وتحديدًا، في إنجلترا؛ الدولة التي أفنت الحركة الصهيونية أعمارهم في استمالتها رفقة الولايات المتحدة وألمانيا، والتي نجحوا في تهذيب وتشذيب واختراق معارضَتها، حتى صار زعيمها الحالي، كير ستارمر، يزايد على رئيس الوزراء ريتشي سوناك في محاباة سلطة الاحتلال.
لو كان هناك أمر واحد يُنبئ بسقوط الصهيونية كما يتوقع المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، فهو حقيقة أن الجيل الحالي من الصهاينة ألِف التدليل الزائد، وألِف المحاباة والانحياز والانصياع، وصار يظن أن الوقاحة وحدها تكفي كما يقول بابيه، وأن قضيته لم تعد بحاجة إلى الإقناع بجدواها ومشروعيتها، ولم يعد يملك سوى إساءة استغلال مكاسبه السابقة، واستهلاك المصطلحات والفزّاعات حتى تفقد معناها وقيمتها.
في ذلك درس بديهي قديم جديد لا يُمَلّ من تكراره أبدًا؛ لا تواجه عدوك بأدواته أبدًا، لأنها أدواته ببساطة، ولأنها مُعدّة مسبقًا لتمنحه الانتصار في كل مرة، ولأن مواجهة واحدة حقيقية ناجحة بقواعد متكافئة، حتى لو أتت بعد مئة محاولة فاشلة، أفضل وأكثر فاعلية من ألف مواجهة مزيفة بقواعد عدوك، لن تنتصر في أي منها.
انتصار ميلر التاريخي لم يقضِ على الصهيونية طبعًا، ولم يحرر شبرًا من الأرض عمليًّا، ولكنه كشف ثغرة في درعها المنيع، ثغرة قد تؤدي إلى سقوط الفكرة ذاتها في الوعي الجمعي، ليس بسبب شجاعة ميلر وحسب، بل لصدقه كذلك، وهو الأهم؛ ما يقوله ميلر يجد صدى عند الناس واقعًا يعايشونه، وكل ما يحتاجون إليه هو صدمة تفيقهم، ليدركوا من خلالها أن لا مجموعة من البشر، مهما كانت، تستحق حصانة من المحاسبة والمسؤولية، لا مجموعة من البشر تستحق مكانة الآلهة، ومهما كان تاريخها والمظالم التي تعرضت لها من قبل. في الواقع، هناك أكثر من 200 مدرس وأكاديمي في إنجلترا والولايات المتحدة فقط دعموا ميلر في قضيته ضد برِستول بمجرد ذيوع صيتها. | https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2024/6/4/%d8%af%d9%8a%d9%81%d9%8a%d8%af-%d9%85%d9%8a%d9%84%d8%b1-%d8%a8%d8%b1%d9%88%d9%81%d9%8a%d8%b3%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a7%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d8%ac%d9%87 | 2024-06-04T10:46:26 | 2024-07-11T08:48:04 | أبعاد |
|
179 | الحريديم في مواجهة حماس.. لماذا يسعى المتطرفون للسيطرة على جيش الاحتلال؟ | بالوقت الذي يسعى فيه زعماء حزبي “شاس” و”يهدوت هاتوراه” المتطرفين لتشريع قانون بالكنيست يعفي الطائفة الحريدية من الخدمة العسكرية، يتخلى هؤلاء الشباب عن مدارسهم ويستبدلون اللباس العسكري بملابسهم السوداء | انتفاضة حريدية في الجيش، هكذا عَنْوَن المحلل الإسرائيلي ياغيل ليفي مقالته في صحيفة هآرتس، مُحذِّرا من موجة دينية قومية تجتاح سلاح المشاة في غزة، على خلفية انتشار نصوص وصلوات دينية تتضمن دعوات إلى الانتقام والقتل، ووعود بإحياء مستوطنات غوش قطيف، التي كانت مُقامة داخل غزة قبل الانسحاب الإسرائيلي من القطاع عام 2005، وكل ذلك برعاية بعض الحاخامات البارزين في دولة الاحتلال 1.
يرى ليفي أن هذه الظاهرة، التي يباركها مَن وصفهم بـالضباط الكبار، تعكس التطرف السياسي العام، خصوصا بعد عملية طوفان الأقصى، كما تعكس مسارا أدَّى إلى دخول القيم الدينية للجيش، وبروز الضباط والجنود من التيار الحردلي، في خضم صراع مستمر منذ عقدين من أجل السيطرة الأيديولوجية على الجيش. تلك هي الرسالة التي وضعها ليفي نصب أعين المجتمع الإسرائيلي ونُخبتِه، فمَن هم الحريديم؟ وما قصة دخولهم إلى جيش الاحتلال الإسرائيلي؟ ولماذا يريدون السيطرة عليه؟
بعد هجوم السابع من أكتوبرتشرين الأول الذي قامت به حركة حماس، لاحظ بعض المراقبين حراكا غير عادي في صفوف جيش الاحتلال، حيث تطوَّع أكثر من 2000 من اليهود الحريديم القوميين للخدمة، الأمر الذي عدَّه المراقبون أمرا نادرَ الحدوث نظرا لأن الطائفة اليهودية الحريدية معروف عنها تجنُّب دخول الجيش ورفض الخدمة العسكرية أو تأجيلها على الأقل 2. كما أن عدد المتقدمين من تلك الطائفة لصفوف الجيش الإسرائيلي في تناقص مستمر، ففي عام 2020 أدى 1200 شاب منهم فقط الخدمة العسكرية، وهو نصف عدد الجنود الحريديم الذين أدوا الخدمة بالجيش عام 2015، وفقا لدراسة أجراها المعهد الإسرائيلي للديمقراطية IDI ونشرتها صحيفة تايمز أوف إسرائيل في وقت سابق من هذا العام 3.
تُعَدُّ هذه الظاهرة نوعا من التحدي لتعليمات الحاخامات الأرثوذكس المُتشدِّدين، التي تمنع شباب الطائفة الحريدية من الالتحاق بالجيش والتخلي عن المدارس التلمودية التي يجب أن يهبوا لها حياتهم كلها. ففي الوقت الذي يسعى فيه زعماء حزبَيْ شاس ويهدوت هاتوراه المتطرفَيْن لتشريع قانون في الكنيست يعفي نهائيا أبناء الطائفة الحريدية من الخدمة العسكرية من أجل تفريغهم لدراسة التلمود، يتخلى هؤلاء الشباب عن مدارسهم ويستبدلون اللباس العسكري بملابسهم السوداء. ولا تقتصر هذه الظاهرة على الشباب الحريديم وحدهم، بل تشمل الشابات أيضا، إذ أشار مقال نشره موقع تايمز أوف إسرائيل عام 2016 إلى تزايد التحاق النساء المُتدينات بالجيش الإسرائيلي، وازدياد عددهن بين عامي 2010-2015 من 935 إلى 2159، هذا وتنحدر النسبة الأكبر منهن من ضواحي مدينة تل أبيب ومن مستوطنة موديعين عيليت، الأكبر في الضفة الغربية، والواقعة على الطريق بين القدس وتل أبيب 4.
ويشير مقال آخر نُشر في المرصد الديني الدولي في مارسآذار 2022 إلى أن هذه الظاهرة تعود إلى أن المتدينات القوميات المتطوعات في الجيش كُن يتعرضن للاستياء في محيطهن ويُعزَلن اجتماعيا بسبب تفضيلهن الجيش على الدراسة التلمودية، لكن هذه النظرة تغيَّرت شيئا فشيئا، وبدأ محيطهن الاجتماعي في تقبُّلهن بالزي العسكري رغم استمرار معارضة المؤسسات الدينية لتجنيد النساء 4. فما سبب ذلك التغير في موقف الشباب الحريديم من الخدمة العسكرية؟ وكيف نفهم طبيعة الحريديم وتكوينهم؟
كان اليهود في أوروبا الشرقية أثناء العصور الوسطى جماعة تعيش على هامش المجتمع، وتقوم بالأعمال التي لا تريد أي طبقة اجتماعية أخرى تأديتها تجنُّبا للكراهية والوصم، مثل المُراباة إقراض المال بالفائدة وجمع الضرائب، فلما بدأت موجة التحديث والعلمنة في أوروبا الشرقية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بدأت تلك الطائفة في فقدان وظائفها وتعرضت لمزيد من التهميش داخل مجتمعات أوروبا الشرقية. وكان رد فعل جماعة من اليهود المُتدينين هو التكتل والتضامن للحفاظ على نمط حياتهم بعيدا عن الحياة الحديثة، فظهرت طائفة الحريديم، وتعني الخائفين من الله، حيث عكفوا على دراسة التوراة وتنفيذ تعاليمها وفروضها بدقة وتزمُّت. ومع زيادة التحولات الثقافية في أوروبا، وتسرُّب اليهود من الانكفاء إلى الانصهار في المجتمع واعتناق بعضهم المسيحية، اتسعت الطائفة الحريدية وزاد نشاطها وتزمُّتها.
ولما ظهرت الحركة الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر، نظر الحريديم إليها بعين الريبة، خاصة أنها ظهرت من خارج مجتمع اليهود المُتدينين، بل ومن خارج مجتمع اليهود كله، بل إن أكثر مؤيدي الصهيونية كانوا من كارهي اليهود والداعين لطردهم من أوروبا. وبحسب الموقف من الصهيونية والعالم الحديث تأسست داخل طائفة الحريديم عدة طوائف، منها حركة الحسيديم، التي بدأت في بداية القرن التاسع عشر بوصفها حركة تصوُّف روحانية اجتذبت آلاف الأتباع في أوساط الجاليات اليهودية الكبرى بأوروبا الشرقية، وبالتحديد بولندا وروسيا البيضاء وأوكرانيا ورومانيا. ويتصف الحسيديم بالتشدد أكثر من غيرهم من الجماعات الحريدية، وتدير جاليات حسيدية كثيرة مؤسساتها التربوية والخيرية بشكل مستقل، وأبرزها جالية غور الحسيدية، المعروفة بنظامها الداخلي الصارم والتشديد على سلوكيات أفرادها وتدخلها في حياتهم. وفي غالب الأحيان يتزوج أفراد جاليات الحسيديم الكبرى من داخل الجالية نفسها 5.
في المقابل، فإن اليهود الذين رفضوا أو عارضوا الحسيديم بسبب مبالغتهم في الاهتمام بالروحانيات والتصوُّف بدلا من دراسة التلمود وتعاليمه، كوَّنوا طائفة أخرى داخل الحريديم تُسمَى الليتوانيين، وأصبحوا هم التيار الحريدي الأساسي مع الوقت. وتمتد أصول الليتوانيين إلى أوروبا الشرقية أيضا، وتبلورت رؤيتهم في المدارس الدينية الكبرى في دولة ليتوانيا، ولذلك يُسمون بالليتوانيين.
نجح الليتوانيون في اجتذاب الكثير من اليهود السفارديم الذين تعود جذورهم إلى يهود إسبانيا قبل طردهم في القرن الخامس عشر ونزوحهم نحو المنطقة العربية. في المقابل، فإن فئة أخرى من السفارديم الذين كانوا يسكنون في القدس قبل قيام دولة الاحتلال شعروا بالتمييز ضدهم داخل العالم الحريدي، نتيجة عدم تخصيص ميزانيات ومقاعد لأبنائهم في المدارس الدينية التي هيمن عليها اليهود ذوو الأصل الأوروبي. وحفَّز هذا الشعور إقامة الإطار التعليمي الحريدي الشرقي المستقل لحركة شاس، التي أسست حزب شاس اليميني المتطرف فيما بعد 6.
رغم اختلاف تلك الطوائف وفروعها داخل الطائفة اليهودية الحريدية، فإن أغلبها كان يتفق منذ ظهور الحركة الصهيونية وقيام دولة إسرائيل على معارضته الشديدة للصهيونية، إذ رأى أتباع الطائفة الحريدية أن المشروع الصهيوني مصدر الشرور في حياة اليهود في الأجيال الأخيرة، وأن قيام دولة لليهود بمنزلة نوع من الكفر والهرطقة التي تُعجِّل بنهاية العالم كما تنص العقيدة التلمودية. وترفض بعض الجماعات الحريدية الأكثر تشددا أخذ ميزانيات التعليم من الدولة، ويرفض قسم منهم تلقي مخصصات التأمين الوطني. ولا يشارك الحريديم عموما في الانتخابات، ويسعى بعضهم للامتناع عن تسديد الضرائب، ولا يخدمون في الجيش.
تعود جذور الموقف المناهض للتجنيد لدى الحريديم إلى أيام وجودهم في أوروبا، حيث امتنع أبناء الطائفة الحريدية عن التجنيد في جيوش الدول الأوروبية التي عاشوا فيها، وبعد قيام دولة إسرائيل تبنوا الموقف ذاته، وهو أمر وافق عليه ديفيد بن غوريون، مؤسس دولة إسرائيل، وأصدر قرارا بإعفاء 400 من الحريديم من الخدمة العسكرية عام 1950 وتفريغهم للدراسة الدينية، من أجل إرضاء اليهود المتدينين الذين كان يرغب في اجتذابهم إلى ائتلافه الحاكم.
رغم ذلك، ظلت العلاقة بين الحريديم والصهيونية يغلب عليها الخصومة، حتى وقع تطور مفاجئ في السبعينيات تَمثَّل في توقيع الحاخام إسحق مئير ليفين على وثيقة تأسيس إسرائيل، ليصبح بذلك أول ممثل للحريديم يعترف رسميا بإسرائيل ويتولى منصبا وزاريا في حكومة الليكود. بعدها، تغيَّر وضع الحريديم في المجتمع الإسرائيلي تماما، حيث بدأ رئيس الوزراء مناحيم بيغن في التودُّد إلى الطائفة الحريدية بخطاب ديني، وضمَّ شخصيات حريدية إلى حكومته، ورفع الميزانيات المخصصة للطائفة، وأزال حاجز الـ400 طالب المعفون من أداء الخدمة العسكرية 6.
ثم حدث التغير الجوهري الثاني عام 1982 عندما تأسس حزب شاس، الذي حصل على أصوات اليهود الشرقيين من خارج المجتمع الحريدي، وأصبح لاعبا مهما في المسرح السياسي الإسرائيلي. ومع تلك التغييرات برزت في أوساط الحريديم ظاهرة جديدة هي الحريديم العصريون، وهم حريديم يسعون إلى العيش بطريقة عصرية مع الاحتفاظ بسَمتهم الديني، لكنهم عكس الحريديم التقليديين يشاركون في الحياة السياسية والخدمة العسكرية، ويسكنون في المستوطنات خارج المدن القديمة والأحياء المخصصة للحريديم. أنتج هذا الحراك الاجتماعي لدى بعض جماعات الحسيدية والحريدية جماعة جديدة تسمى الحردليم، وهي اختصار حريدي متدين قومي، وهي جماعات من الحريديم حوَّلت تزمُّتها الديني إلى تطرف قومي، ويسعون إلى الانضمام للجيش والسيطرة عليه.
على الجهة المقابلة، يبدو أن الزيادة الديمُغرافية السريعة للحريديم غيَّرت نظرة أطراف في الدولة الصهيونية للمسألة، فقد بات هؤلاء يُشكِّلون نحو 13.3 من السكان ويتميزون بمعدلات خصوبة مرتفعة بمتوسط 6 أطفال لكل امرأة، لذلك سعى اليمين الإسرائيلي إلى تشجيع الحريديم على الانخراط في الحياة العامة والانضمام إلى صفوف الجيش، من أجل الاستفادة منهم بوصفهم قوة سياسية صاعدة.
وفي سبيل تسهيل دخول شباب الحريديم للجيش، أنشأ الجيش الإسرائيلي عدة برامج لجعل الحياة الدينية متكيفة مع أداء الخدمة العسكرية، مثل تشكيل الكتيبة العسكرية نيتسح يهودا ناحال حريدي عام 1999، التي تضم اليهود الحريديم من دون النساء، وتعتمد على الكوشر الطعام الحلال، وتعمل في الضفة الغربية المحتلة، ويتطوع فيها سنويا نحو 500 منهم. وكذلك برنامج شاحار، الذي اعتُمِد عام 2007، وخُصِّص لليهود الحريديم المتزوجين، الذين يعملون في الوحدات التكنولوجية واللوجستية، ويصل عددهم إلى نحو 2000 ويتقاضون رواتب أعلى من غيرهم 7، 8.
لكن سرعان ما ظهرت مخاطر هذا التسلل الحريدي إلى جيش الاحتلال في أعقاب الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005، حيث رأى التيار الحردلي أن ما قام به الجيش معصية دينية شارك بها في نفي شعب يهودي. ولذلك، قرر التيار الحردلي في السنوات التالية احتلال الجيش من الداخل عبر التدفق إلى فرق النخبة العسكرية، والتدرج إلى الرتب العسكرية الرفيعة، والسيطرة على بعض مراكز مؤسسة الحاخامية العسكرية التابعة للجيش 9. وتزايد نشاط ما بات يُعرَف بـتيار الصهيونية الدينية في الجيش الإسرائيلي، الذي يلعب دورا رئيسيا في دفع جنود الجيش إلى تصرفات الوحشية والإبادة.
خلال حرب 2008-2009 على غزة، انتشرت داخل الجيش الإسرائيلي خطابات تقول إن الفلسطينيين شعب يجب تدميره، وعثرت جمعية كسر الصمت آنذاك على عشرات المنشورات التي وُزِّعَت على الجنود أثناء الحرب يحمل معظمها الشعار الرسمي للحاخامية العسكرية، كما دعا الحاخام الرئيسي السابق في الجيش الإسرائيلي العميد احتياط أفيحاي رونتسكي عام 2009 إلى عدم اعتقال فلسطينيين مشتبهين بأنشطة ضد إسرائيل وإنما إطلاق النار عليهم وهم في أسِرَّتهم 10.
لاحقا، بعد سنوات في 9 يوليوتموز 2014، أي في اليوم الثاني من الحرب التي شنها الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة في ذلك العام، وُزِّعَت رسالة على جنود لواء غفعاتي، وهو أشهر ألوية المشاة في الجيش الإسرائيلي، حملت توقيع العقيد عوفر وينتر قائد اللواء، وورد فيها لقد اختارنا التاريخ لنقود الحرب على العدو الغزاوي الإرهابي الذي يلعن ويذم ويكره رب إسرائيل، واختُتمت الرسالة بنص توراتي يُبشِّر محاربي إسرائيل في ساحات القتال بالحماية الإلهية. وسرعان ما جرى تداول تلك الرسالة على وسائل التواصل الاجتماعي ومنها انتقلت إلى الصحافة، وانتقدها الإسرائيليون العلمانيون الذين رأوا أنها تخرق عُرفا متبعا منذ عقود يتمثَّل في إبعاد الدين عن المهام العسكرية 11.
عاما بعد عام يتوغل الحريديم في جيش الاحتلال، ويتبوّؤون مناصب عليا في صفوفه، فيما تحولت بعض الكتائب، خاصة كتيبة نيتسح يهودا، إلى بؤر للحريديم داخل الجيش الإسرائيلي تحاول السيطرة عليه. تأسست هذه الكتيبة المذكورة على يد حاخام أميركي متطرِّف هاجر إلى إسرائيل عام 1996 لحماية الشبان المتزمتين الذين قد ينتهي بهم المطاف متسكعين في شوارع القدس بعد أن فشلوا في الالتحاق بالمدارس التوراتية. ولكن الأمر لم يتوقف عند الشباب الحريدي المتسرب من الدراسة الدينية المغلقة، الذين لا تتجاوز نسبة المجندين منهم في الكتيبة 42، بحسب صحيفة هآرتس، بل تعدَّاه إلى تجنيد شبان متطرفين، ومن ثمَّ تحوَّلت الكتيبة في فترة وجيزة إلى وحدة عسكرية ذات بُعد ديني سياسي، ومقصد للمستوطنين المتطرفين بوصفها مملكتهم داخل مؤسسة الجيش الإسرائيلي، ما يُمكِّنهم من ممارسة عدوانيتهم.
ظهرت نتيجة هذا التحول بوضوح بعد ذلك بسنوات. ففي يونيوحزيران 2021 نشبت مواجهات بين المستوطنين والفلسطينيين في شارع 60 إلى الشرق من جبل الطويل، على خلفية إقامة البؤرة الاستيطانية عوز تسيون، وعندما هرعت قوات من حرس الحدود لتفريق المواجهات، تدخَّلت كتيبة نيتسح يهودا لدعم المستوطنين في مواجهة حرس الحدود، إذ إن أغلب المُجنَّدين فيها من أبناء المستوطنات المقامة في الضفة، ومن ثمَّ اعتبروا أنهم يدافعون عن بيوتهم. ولا يرضخ جنود هذه الكتيبة لأوامر الجيش، بل ولا يجدون مشكلة في عصيانه إن لم يكن معاقبة قادتهم أو قتلهم في حال انصاعوا إلى القيادات الدنيوية في الجيش بما يخالف التعليمات التلمودية 12.
بمرور الوقت، أصبح هذا التيار مُتمكِّنا ومنتشرا في الجيش الإسرائيلي، ما جعل محللين إسرائيليين يتحدثون عن انتفاضة حردلية داخل الجيش، توشك أن تُغير من تركيبته إلى الأبد. ويبدو أن تغيير تركيبة الجيش الإسرائيلي أزمة تلوح في الأفق وفقا لمعطيات قديمة أوردها مقال نُشر في 26 مايوأيار 2010، وأشار إلى أن الجيش الإسرائيلي لم يعُد يجتذب الشبان العلمانيين من الطبقات الوسطى، بل الفقراء من الخلفيات الأكثر تديُّنا، ولذا تغيَّرت تركيبته طيلة العشرين سنة الأخيرة.
ففي حين انحدر معظم ضباط الجيش قبل عشرين عاما من تل أبيب الكبرى وسهل سارونة على الساحل بين تل أبيب وحيفا، صارت نسبة الضباط من هاتين المنطقتين لا تكاد تُذكر، ومَن ظل في الخدمة منهم يخدم في المخابرات العسكرية أمان، وسلاح الطيران، والوحدات العسكرية العاملة في المجال الإلكتروني بصورة خاصة. وبينما أتى 2 من طلاب الكليات الحربية عام 1990 من المتدينين، فإنهم أصبحوا يُمثلون 30 من الطلاب عام 2010، وصار ستة من كل سبعة ضباط يحملون رتبة مقدم في لواء غولاني من المتدينين، علاوة على ثلاثة من أصل سبعة ممن يحملون رتبة مقدم في لواء كفير، الذي يتمركز في الضفة الغربية المحتلة. وينتمي اثنان من أصل ستة عقداء في لواء جولاني وفي سلاح المظليين إلى تيار الصهيونية الدينية، أما في بعض ألوية سلاح المشاة، فإن نحو 50 من القادة المحليين ينتمون إلى هذا التيار 12.
ومع أن قيادة الجيش تتردد في نشر معلومات عن أعداد الصهاينة الدينيين داخل الجيش، فإن التقديرات تشير إلى أن نحو نصف ضباط الصف في سلاح المشاة اليوم ينتمون إلى هذا التيار، وهو عدد مستمر في النمو، ما جعل المحلل ياغيل ليفي يقول في مقالته إن التيار الحريدي يحاول إثبات وجوده داخل الجيش الإسرائيلي عبر نشر ثقافة التمرد على الأوامر والقيم العسكرية التي لا تزال فيها بقايا الإدارة العقلانية والالتزام بالقرارات السياسية واحترام القانون. وينتهي ليفي في مقالته إلى القول إن الفخر بالوحشية وعدم الانضباط وعدم التردُّد في ممارسة العنف والمطالبة بالانتقام يعطي رسالة مقلِقة وهي أن عرس الكراهية في الجيش ورئاسة الأركان سيتحوَّل إلى وضع عام داخل الدولة، بمعنى أن العنف وعدم الانضباط والوحشية ستنتقل إلى الداخل الإسرائيلي مُهدِّدَة بانهيار الدولة الإسرائيلية ذاتها. | https://www.aljazeera.net/politics/2023/11/30/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d9%8a%d8%af%d9%8a%d9%85-%d9%81%d9%8a-%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84-%d8%b1%d9%81%d8%b6%d9%88%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ac%d9%86%d9%8a%d8%af-%d8%ab%d9%85 | 2023-11-30T12:01:55 | 2024-06-11T10:52:02 | أبعاد |
|
180 | ماذا أفعل عندما أشتاق لشخص ما؟ | الشوق يشبه الغرق، ثقيلٌ وكثيف، يُشبه ذبابةً مزعجة في يومٍ صيفي حار، تحوم حول أفكارك وتطنُّ وتطنُّ، فتعجز عن التخلص منها أو الهرب.. فماذا تفعل عندما تشتاق لشخص ما؟ | أين يذهب الحبُّ بعد نهايته، بعد موت شخصٍ عزيز أو انفصالٍ عاطفي أو صداقةٍ مبتورة؟ أين تذهب المشاعر الكثيفة التي تملؤنا والآمال البعيدة والذكريات السعيدة؟ تتحولُ إلى اشتياقٍ مضنٍ. الشوق يشبه الغرق، ثقيلٌ وكثيف، يُشبه ذبابةً مزعجة في يومٍ صيفي حار، تحوم حول أفكارك وتطنُّ وتطنُّ، تعجز عن التخلص منها أو الهرب.
تتعدد سيناريوهات الفقد، قد يكون انفصالًا عاطفيًّا، أو خسارة صداقةٍ عزيزة، أو موت شخصٍ عزيز، أو السفر إلى بلادٍ بعيدة فلا يُتاح اللقاء إلا فيما ندر. قد تختلف من شخصٍ إلى آخر، هل يفتقدك الطرف الآخر أم لا؟ هل يُتاح الحديث معه أم انقطع التواصل؟ تتعدد أسباب افتقاد الناس وفقدانهم، لكن المشاعر واحدة، وهو حدثٌ شائعٌ أكثر مما تتصور، لا عزاء في هذا بالطبع لكن ما يختلف من شخصٍ لآخر هو سلوكيات التعامل مع الشوق، مع المشاعر التي قد تزعجك ليل نهار، تؤرق نومك وتعطِّل عملك، ماذا تفعل حين تشعر أنها ستسحقك، أو حين تشعر أن ألم قلبك تحوَّل إلى ألمٍ عضوي فعلًا؟ سيحاول هذا المقال مساعدتك لتمضي قُدمًا عبر خطواتٍ إرشادية من خبراء علم النفس تساعدك على إجابة نفسك كلّما طاردك سؤال ماذا أفعل حين أشتاق لشخصٍ ما؟
البشر مخلوقاتٌ اجتماعيةٌ، مفطورةٌ على التواصل وبناء الروابط والعلاقات الاجتماعية العميقة منذ طفولتنا إلى أن نكبر ويتسع عالمنا. الاشتياق إلى شخصٍ ما هو العجز عن لقائه أو التحدث إليه أو التواصل معه، يعني الاحتياج لشخصٍ تهتمُّ لأمره، تحتاج إليه في حياتك لأنه يُسعدك أو يحسِّن من مشاعرك حيال نفسك أو حياتك، أن تشتاق إلى شخصٍ ما يعني أنكَ وصلت إلى درجةٍ عميقةٍ من التواصل معه، وشعرت بالقرب منه حدَّ أن غيابه سبّب خللًا في اتزان حياتك.
على قدر المحبة يكون الشوق، أي شيءٍ قد يُثير ذكرياتك القديمة مع مَن تفتقده. في البداية تكون المشاعر قويةً حدَّ أنها تُستثار دون محفزات. يمرُّ الوقت وننشغل قليلًا، لكن الأماكن والطعام والموسيقى والروائح أو حتى أشياء عشوائية حميمية مشتركة بينك وبين صديقك أو شريكك قد تُثير شوقك إليه، كل هذا قد يؤدي بك إلى الاستغراق في الحنين إلى ماضٍ مضى وانقضى.
قد تشعر بألمٍ في صدرك، قد ينتابك الحزن والغضب، قد تعجز عن التركيز في أي شيءٍ آخر، قد تعجز عن التفكير في أي شيءٍ سوى ذاك الشخص، قد تفقد الرغبة في كل شيء عدا أن تراه وتتحدث معه. قد تبكي، قد تمسك بهاتفك عشرات المرات وأنت على وشك الاتصال به أو إرسال رسالةٍ إليه، قد تتصل به. كلها مشاعر محيِّرة ومربكة، تغمرك فتشعر بأن ثقلها لن يخف وستظل رابضةً على صدرك إلى الأبد أو حتى عودة مَن تفتقد. قد تأتي مع غمرة هذه المشاعر تغيرات أخرى، مثل الشعور بالوحدة الشديدة أو فقدان الاهتمام بالأشياء التي تسرك عادةً، كذلك فقدان الشهية أو الأرق والتشتت، أو تغيرات في نمط تناول الطعام شراهة حادة أو عزوف تام عنه، أحيانًا يصل الأمر إلى أعراضٍ جسدية، مثل اضطرابات المعدة والصداع والتوتر العضلي. كل هذه الأعراض نتائج طبيعية للخسارة، في بعض الحالات تكون عابرة ومؤقتة، متأثرةً ببدايات الانفصال وكثافة مشاعرك، قد تقل بمرور الوقت أو تزيد وتتحول إلى قلقٍ عارم أو نوبة اكتئاب بناءً على مدتها وحدَّتها، لكنَّ الأهم هو تعلُّم ما تفعله حين تهجمُ عليك تلك المشاعر1.
لن يكون شعورًا خفيفًا، إدراك أن شخصًا تفكر فيه ليل نهار لا يفتقدك تمامًا. لكن ما الحيلة؟ تبكي، تكتئب، تتقلبُ في سريرك من الأرق؟ يُمكنك فعل كل هذا، بل هي طبيعيةٌ تمامًا وإيجابية، أنت لست متبلد المشاعر. أن تسمح لنفسك بالتوغل في هذه المشاعر ولا تكبتها هي الخطوة الأولى للمُضي قدمًا، لكن عليك أن تدرك، وتُنفِذ إدراكك إلى أن بعض الأحداث في الحياة تقع خارج نطاق سيطرتنا، ليس في مقدورك أن تجعل شخصًا يفتقدك فقط لأنك تفتقده. أفضل الحلول، وأصعبها، هي ألَّا تنظر إلى الخلف، أن تقرر المضي قدمًا، كأنك تحاول إصلاح آلةٍ صدئة. ستهدأ مشاعرك وسيتلاشى ألمك، رحلة التخطي شديدة الأهمية في العلاقات الإنسانية المُنتهية، حتى تدخل العلاقات الجديدة متحررًا من ثقل ما مضى ومستفيدًا من التجربة1.
ما الذي نفقده في الواقع حين نفقدُ شخصًا مهمًّا في حياتنا؟ قد نضيع إن استحال الحب -بشتى أشكاله ومسمياته- إلى ذكرى بعيدة. من الصعب تقبل رحيل شخصٍ ما، سواء كان رحيلًا كليًّا عن العالم، أم رحيلًا عن عالمنا نحنُ بالأخص، تحديدًا إن كانت تلك العلاقة لها صلةٌ بتشكيل هويتنا. كأننا فقدنا بوصلةً من البوصلات التي توجّه حياتنا، ربما نتوه، لا ندرك أي طريقٍ نسلك ولا ماذا نفعل. قد نشعر بالضعف، بالهشاشة، كأن أي نسمة هواءٍ ستسقطنا أرضًا، ونشتاق إلى الأوقات التي كانت علاقاتنا واضحة ومحددة وطريقها ممهد، لكننا نكبر وندرك أن للحياة تقلباتها، الثابت الوحيد -وإن بدا مبتذلًا- هو التغيير.
تتشكَّل خلال الزيجات أو الصداقات علاقاتٌ وثيقة، تذكِّر بقوة الحب بعد خسارته، وتخلق حزنًا طويل الأمد، لكننا من خلال حزننا على خساراتنا يمكننا تجاوزها والتغلب عليها، نحزن لأننا نتذكَّر الأيام الخوالي وهدوءها ونتمنى لو ظلت على حالها. المواجهة هي المفتاح، مواجهة ذاتك ومشاعرك، لا تهرب منها حين تُهاجمك، قد تفتقد شخصًا مُتوفًّى أو صديقًا مقربًا فيما سبق أو شخصًا رحل ببساطة. أيًّا كانت الحالة، تغيَّر شيءٌ. الخبر السار هو أن الحياة تستمر، لذا عليك تجنيد هذا الاستمرار لصالحك، مع إدراك أن هذه المشاعر لن تدوم إلى الأبد، مع ذلك فامتلاك ذكرياتٍ عزيزة أو جميلة هي صُلب الحياة، لكن أن تدع تلك الذكريات تُعيقك عن سير حياتك هو الحل السلبي الذي يجب أن نتجنبه بشتى الطرق. من الإيجابي والطبيعي أن تتذكر شخصًا تفتقده، يشفي الزمن آلامك لكن لا يمحوها، أن تتذكر الأوقات اللطيفة التي قضيتمانها معًا، أوالمواقف الطريفة، أو العلاقة برمتها، لأن هذه الذكريات هي الدليل على أن شيئًا جميلًا حدث، وليس صعبًا تكراره2.
ربما انتهت العلاقة نهايةً مفتوحة، لم تتحدث مع مَن فقدته أيًّا كان السبب، فجأةً وجدت نفسك عالقًا في الهواء، في صداقةٍ أو علاقة مع وقف التنفيذ، قد تهدر وقتًا طويلًا بحثًا عن مبررات وتفسيرات أو بحثًا عن نهايةٍ لقصتكما معًا، من هنا ينبع شعور الاشتياق، أنك كنت موغلًا ومستريحًا في علاقةٍ ثم فجأةً سحب أحدهم البساط من أسفل قدميك. النهايات مهمة، تمنحنا إدراكًا لمشاعرنا وتساعدنا على فهم ما جرى أكثر، لكننا قد لا نحصل عليها أبدًا، لذا تقع المسؤولية على عاتقنا بأن نُنهي العلاقة نفسيًّا حتى نمضي قدمًا.
أولًا استوعب مشاعرك، لا تستعجلها أو تلُم نفسك على استغراقك وقتًا طويلًا، اشعر بألم خسارتك دون أن تقلل من شأنها. لا تتظاهر بأن كل شيءٍ على ما يرام وأن مَن فقدته لا يعني لك أي شيء، امنح نفسك وقتًا ومِساحةً لتحلل الأحداث وتستوعبها لكن لا تغرق في هذه المرحلة، لا تسمح لمشاعرك بالتهامك، وذلك عن طريق الكتابة أو أي وسيلة تعبيرٍ تفضلها. اكتب كل ما تشعر به، كل ما تودُّ أن تخبر به الشخص الآخر وجهًا لوجه إن سنحت لك الفرصة، اكتب الأعذار التي قد تمنحها له، اكتب الثغرات التي تجدها، اكتب عن خيبة أملك وحنينك إلى الشخص الذي خسرته. ستمنحك الكتابة متنفسًا للتعبير عن نفسك بحرية، ولن تضطر إلى كبت أي شيءٍ يدور في خاطرك، ولا يتعين عليك إرسال الرسالة أبدًا، أنت تكتبها لنفسك.
تجاوز أسئلة الحلقات المفرغة، مثل ماذا لو عاد؟ ماذا لو ندم على قراره؟ ماذا لو قابل شخصًا آخر؟ ماذا لو شعر بالملل مني؟ كلها أسئلةٌ ستستهلك وقتك وطاقتك دون الوصول إلى إجابات مرضية. حينها يأتي وقت التقبُّل. تقبّل أن الأمر انتهى، أن الوعود تُخلف، والأحلام والأهداف المشتركة لن تتحقق، ستكون عمليةً مؤلمةً وشاقة، لكنها ضرورية وإلزامية حتى تتفاهم مع وحدتك الجديدة، أن تتقبل أن قيمة ذاتك وحياتك لا ترتبط بمن تشتاق إليه3.
نحتاج جميعًا إلى الفضفضة لأصدقائنا والتعبير عن مشاعرنا، لكننا نقع أحيانًا في فخ الفضفضة السلبية Ruminating، أي الدوران حول الفكرة نفسها مرارًا وتكرارًا سواء في حديثنا أو أفكارنا. لا ننصحك هنا بإنكار مشاعرك أو دفنها، بل نحذرك من أن تستحوذ عليك دون إرادةٍ منك من الغوص فيها بلا فائدةٍ أو تقدم. المشاركة مهمة، وطلب المساعدة أساسي وإلا لن نحصل عليها، لكن عليك تتبع أفكارك والتركيز في حديثك إن كنت قد ناقشت هذا الشعور من قبل أم أنه شعورٌ جديد، هل جدَّ جديدٌ فيما حدث أم أنك ستُعيد ذكر الموضع من بدايته. ستبني وعيًا بمشاعرك وتقدمها أو تراجعها، وكذلك ستتمكن من تشتيت نفسك في حال إدراك أنك تجترُّ أفكارك لدرجةٍ مستنزفة، كذلك نبّه صديقك في حال كررت الحديث نفسه على مسامعه بأن يُساعدك في كسر هذا النمط السلبي4.
سيُفيدك الخروج من منطقة الراحة لأنك ستعرِّض نفسك لأحداث جديدة تحرك رتابة الأيام، وستزيد فرص لقاء أشخاص جدد يشاركونك اهتماماتك، حتى الأنشطة التي ستؤديها بمفردك ستلهمك وتعرِّفك على ذاتك أكثر. اكتب قائمة أفلامٍ تودُّ مشاهدتها، أو أماكن في مدينتك تؤجل زيارتها كثيرًا. جرِّب ألعابًا جديدة مع أصدقائك، ليس بالضرورة أن تكون حركيةً، بل ألعابًا مثل الشطرنج أو الطاولة تُسمى النرد في بعض الأماكن أو مونوبولي. استكشف موسيقى جديدة كل يوم بالبحث عن نوعك أو مغنيك المفضل والاستماع إلى إصداراته. ابدأ تصميم bullet journal خاصة بك، ستُساعدك في تتبع كثافة مشاعرك وتنظيم أفكارك ومهامك، إضافةً إلى أن تصميمها طريقة ممتعة لتزجية الوقت. اشترك في الصالة الرياضية، أو سجل في دروسٍ لتعليم الطهي أو الكتابة الإبداعية، اقرأ كتابًا خفيفًا، أو ابدأ ناديًا للقراءة مع أصدقائك. جرِّب الاعتناء بنبتةٍ صغيرة، أو تعلُّم رعاية النباتات وزراعة ما يُناسب الموسم. تطوَّع في مؤسسةٍ خيرية محلية في مدينتك، تعلَّم اليوجا أو الرقص مع أصدقائك، كلاهما يتضمن الانتباه وحفظ حركات وخطوات معينة ستُشتتك بينما تتعلم شيئًا جديدًا تمامًا. تبنى حيوانًا أليفًا قطة أو كلبًا، أو حتى عصفورًا أو سلحفاة، ابدأ في بناء مجموعتك من العملات الغريبة أو الطوابع البريدية أو الكتب المستعملة أو حتى الحجارة مميزة الشكل1.
حين تحول الجغرافيا بينك وبين أحبائك، فمن المهم إيجاد وسائل تواصل جديدة ومبتكرة ومحاولة التأقلم معها. لا تبخل التقنيات الحديثة علينا بشتى وسائل التواصل الكتابي أو الصوتي أو المرئي، بالطبع ما من مقارنة بين الكتابة لشخصٍ تُحبه ولقائه على أرض الواقع، لكن التواصل المنتظم سيملأ مساحةً، ولو صغيرة، من الفراغ الذي خلَّفه الشخص الذي تشتاق إليه. سيُخفف الشكل الجديد من التواصل شعور الخسارة والفقد بتقريبك من أصدقائك رغم المسافة، كذلك سيُتيح لهم معرفة أنك تفكِّر فيهم وتفتقدهم كثيرًا2.
تمرين اليقظة الذهنية شديد الأهمية، لأن مشاعر الحنين والشوق تستيقظ حين يتوه عقلك ويعود إلى الذكريات القديمة، ولأن تركيزنا يتأثر ويتشتت بأقل الملهيات علينا التدرب لنسيطر عليه ونعيش في اللحظة الآنية. لا تحتاج تمارين اليقظة الذهنية إلى أي شيء، مجرد مساحةٍ فارغة و10 دقائق من الهدوء. لن تهدأ الضجة في عقلك فور بدء التمرين، والهدوء الداخلي ليس الهدف الأساسي هنا. سيتجوَّل عقلك لاشعوريًّا، قد يعود لموقفٍ حدث البارحة أو يراجع المهام التي عليك إنجازها، وهذا ليس أمرًا سلبيًّا، على العكس، هذه طبيعتنا وجوهر اليقظة الذهنية، لأنك كلما قبضت على أفكارك تتجول بعيدًا عن اللحظة الجارية، تعود وتركِّز انتباهك إليها، وهكذا دواليك.
سيحاول عقلك بالطبع التحكُّم بالدفة، في الهدوء سيذكرك الصمت بأخطاء ارتكبتها أو قراراتٍ هوجاء اتخذتها، لكن خلال التمرين لا تحكم على نفسك من خلال أي أفكار تخطر ببالك، لاحِظْها ودعها تمر لأن الأمر كله يتركز على العودة إلى اللحظة وتدريب ذهنك على التركيز، ليس على الحاضر إجمالًا فحسب، بل على ما بين يديك في تلك اللحظة، أن تمارس العودة إليها، مرةً تلو مرة، كأنك تُمرِّن عضلةً خاصة بأفكارك.
اجلس في مكانٍ هادئ ومريحٍ لك، حدد وقتًا قصيرًا في البداية، 5 دقائق أو 10، ستزداد قدرتك على التأمل وقتًا أطول مع التمرين، انتبه لجسدك، لطريقة جلوسك وموضع يديك، وتذكر أنه ليس تمرين لياقة، لذا عليك أن تجلس بوضعية مريحة. راقب أنفاسك حتى تنتظم، حاول أن تجعلها عميقة أكثر قدر الإمكان، انتبه لها ولحركة دخول الهواء إلى رئتيك ثم خروجه منها، سيساعدك هذا الانتباه على منع أفكارك من التجول رغمًا عنك. ثم حين تلاحظ تشتت تركيزك، سواء بعد عدة ثوانٍ أو دقائق، أَعِده إلى أنفاسك من جديد25.
جميعنا مُعرّضون للخسارات، للفقد ولرحيل أولئك الذين نُحبّ، ولعلّك في هذه الّلحظة تتألّم اشتياقًا وتُسيطر عليكَ هواجسٌ مفادها أنّ هذه الخسارة كان بالإمكان تفاديها، لكن الشعور بالحسرة والندم والغرق فيه، شعور مدمّر، قد يكلّفك خسارة أكبر وآلام إضافية، لأولئك الذين يحبّونك ولا يزالون يُحيطون بك ويتواجدون بالقرب منك. يُؤسفنا في فريق سكون إن كُنتَ تمرّ بهذه التجربة الصعبة، نعلم جيدًا من جهةٍ نفسية وعلمية أنّ الشعور بالاشتياق والحنين ليس شعورًا سهلًا أو هيّنًا. ولهذا نودّ أن نوصيك بأن تكون صديقًا لنفسك حتّى في أكثر الّلحظات ظلامًا وإيلامًا، وأن تُعطي لنفسك الفرصة لاستيعاب هذا الشعور الوجداني بهدوء، ونأمل أن تُعينك الخطوات والإرشادات في هذا المقال على تجاوز هذه المرحلة الصعبة من حياتك بسلام.
| https://www.aljazeera.net/sukoon/2022/8/7/%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d8%a3%d9%81%d8%b9%d9%84-%d8%b9%d9%86%d8%af%d9%85%d8%a7-%d8%a3%d8%b4%d8%aa%d8%a7%d9%82-%d9%84%d8%b4%d8%ae%d8%b5-%d9%85%d8%a7%d8%9f | 2022-08-07T08:29:01 | 2024-05-26T11:27:43 | أبعاد |
|
181 | بعد مقتل 8 جنود إسرائيليين.. هل سينجح حزب الله في صد الهجوم البري؟ | حزب الله في قلب العاصفة بلا رأسه القيادي، ووسط تعثر في منظومته الاتصالية والمعلوماتية. ونتنياهو في أشد حالاته وحشية عدوانا، وكل هذا يمضي في اتجاه يعقد من حزمة التوقعات بشأن الالتحام من المسافة صفر. | في صباح الأول من أكتوبرتشرين الأول 2024 قال الجيش الإسرائيلي إن جنوده يخوضون معارك عنيفة مع مقاتلي حزب الله في جنوبي لبنان، في حين أكد الحزب أنه استهدف تحركات لجنود العدو في موقع المطلة بقذائف المدفعية، وحقّق إصابات مباشرة.
وأكد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في تغريدة على موقع إكس اليوم الثلاثاء، أن معارك عنيفة تدور في جنوبي لبنان، داعيا السكان لعدم التحرك بالمركبات من الشمال إلى جنوب نهر الليطاني حتى إشعار آخر.
ومن جهته نفى مسؤول بحزب الله حينها دخول أي قوات من الجيش الإسرائيلي إلى لبنان أو وقوع أي اشتباكات مباشرة بين الجانبين. وأكد محمد عفيف مسؤول الإعلام في حزب الله للجزيرة أن كل الادعاءات الصهيونية بأن قوات الاحتلال دخلت لبنان كاذبة، مشددا على أنه لم يحدث بعد أي اشتباك بري مباشر بين المقاومة وقوات الاحتلال. وكان جيش الاحتلال قد أفاد بأن قوات الفرقة 98 مع لوائي الكوماندوز والمظليين واللواء 7 المدرع هي التي تشارك في عملية لبنان.
بدأت الاشتباكات في اليوم التالي، وفورًا بدأ إعلان جيش الاحتلال عن خسائره. فقد أعلنت وسائل إعلام إسرائيلية عن وقوع قتلى وإصابات في صفوف الجيش الإسرائيلي خلال اشتباكات مع حزب الله، حيث نقلت القناة 12 الإسرائيلية مقتل 8 ضباط وجنود من وحدة الكوماندوز الإسرائيلية إيغوز خلال المعارك الدائرة في جنوب لبنان منذ صباح الأربعاء.
تأتي الحرب البرية المتوقع صعود وتيرتها بعد ضربات نوعية ألحقت بحزب الله أضرارًا كبيرة، واستهدفت عناصر قيادية مهمة في طليعتها الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله، وقصف جوي مكثف بهدف إشاعة قدر كبير من الدمار داخل البيئة العسكرية والحاضنة الشعبية لحزب الله. كل هذا يجعل الصدام المباشر يجري في ظروف وسياقات يصعب التنبؤ بمآلاتها، ويطرح تساؤلات حول قدرة حزب الله على الصمود وإمكانية التصدي لمخططات الاجتياح البري الإسرائيلي، وهل يمكنه عبور لحظة الصدمة وكيف يمكنه ترميم لياقته واستعادة أساليبه القتالية المعتادة؟
بحساب الأرقام، يُعد الجيش الإسرائيلي، بعدته وعتاده ودعم الولايات المتحدة له ماليا وتقنيا، أحد أقوى الجيوش في العالم. فهو من هذه الناحية، يتفوق قطعًا على حزب الله، لكن الأخير، من الناحية العسكرية، يعد بحسب خبراء عسكريين أحد أقوى القوات المسلحة غير النظامية في العالم. فما الذي يحدث إذا التقت قوتان بهذا الاختلاف والتفاوت في أرض المعركة؟
قد تظن أن فارق العتاد وحده يكفي لتحديد خط سير المعركة، لكن ذلك غير صحيح، وحرب لبنان في عام 2006 كانت كفيلة بإظهار خطأ تلك الفكرة. ويمكن أن تلحظ ذلك في تحليل قدمه الخبير الأمني الإسرائيلي بواز جانور الذي أوضح أنه في غضون 34 يومًا فقط من الحرب غير المتكافئة ضد إسرائيل، أظهر حزب الله مرونة تنظيمية، وقدرة على البقاء، واستخدام أشكال متعددة ومبتكرة من القوة النارية.
بل ورأى بعض الخبراء في هذا النطاق، مثل باحث الدفاع الأميركي فرانك هوفمان، أن حزب الله أثبت أن الجهات غير النظامية قادرة على دراسة وتفكيك نقاط الضعف في الجيوش ذات النمط الغربي واستنباط التدابير المضادة المناسبة. السبب في ذلك لم يكن تحديدًا القوة العسكرية، ولكن ما يصفه المتخصصون بأنه نوع مختلف من الحروب الذي يُعدّ حزب الله أحد نماذج تطبيقه، وقد سُمِّيت هذه الحروب الحروب الهجينة.
لا تمتلك الحرب الهجينة تعريفًا عسكريًّا محددًا حتى الآن، ولا يزال ثمة جدل حول طبيعتها. لكن يمكن القول إنها إستراتيجية تمزج بين الحرب التقليدية والحرب غير النظامية، فتكون هناك قوات نظامية مسلحة تقليدية الطابع ذات تكتيكات ومعدات عسكرية قياسية، إلى جانب أسلحة مثل الدبابات والمدفعية والطائرات، إلى جانب تكتيكات الحرب غير النظامية، مثل استخدام وحدات أو خلايا صغيرة متنقلة وتكتيكات الكرّ والفرّ والكمائن وعمليات تخريب بنى العدو التحتية.
في هذا السياق تأتي مجموعة من الخصائص التي تميز إدارة هذا النوع من الإستراتيجيات على مستوى العمليات والتكتيكات، منها مثلا الاستجابة المرنة والسريعة. فحينما تبدأ حملة قصف جوي لمنطقة ما، تتمكن القوات المدافعة ولتكن حزب الله في هذه الحالة من التخفيض السريع لحركات القوات على الأرض ومعدلات استخدام الهواتف المحمولة، فهيكلية القوات تمكن الحزب من التكيف بسرعة مع الظروف المتغيرة، واستخدام أشكال مختلفة من الحرب حسب الحاجة وليس طبقا لتشكيلات القوات النظامية، وفي نفس الوقت تظل هناك وحدات مدربة بشكل معتدل ومنضبط، تصل إلى حجم كتيبة، مع هيكل قيادة وسيطرة مركزية شبيه بهياكل الجيوش النظامية، وهو أمر ضروري لتنسيق إستراتيجية الحرب الهجينة.
لكن سياق المعركة الآن يختلف فحزب الله، في قلب العاصفة، بلا رأس قيادي بعد اغتيال زعيمه حسن نصر الله، وكذلك في حال تفريغ لقيادات عسكرية وأمنية معتبرة، وتعثر في منظومته الاتصالية والمعلوماتية بسبب الاختراق، وتفجير البيجر. وفي نفس الوقت خصمه نتنياهو هو في أشد حالاته عدوانا، وكل هذا يمضي في اتجاه يعقد من حزمة التوقعات بشأن الالتحام من المسافة صفر.
وعلى الرغم من ذلك لا يزال الحزب يمتلك هياكل عسكرية احترافية، وربما لا يقف حزب الله في موقف دفاعي فقط، بل قد تشن قواته هجمات حرب عصابات، على الأرجح باستخدام شبكة أنفاق واسعة ومواقع دفاعية مُعدَّة جيدا بالقرب من الحدود الإسرائيلية، مستفيدة من التضاريس الوعرة هناك، ولا سيما أن حزب الله يدرك جيدا النيات التدميرية للهجوم البري المتعلق بتفكيك البنية التحتية العسكرية وقطع خطوط المواصلات بين الأفرع العسكرية، واستهداف بعض القادة في منازلهم، وتجريد حزب الله من كل عناصره المؤثرة على الأرض من منشآت ومؤسسات، كما أن الهجوم البري يدفع كذلك بتسريع موجات الإخلاء الجارية في المنطقة.
لذلك من المتوقع في حال استرداد الحزب العافية القيادية، والقدرة على امتصاص الضربة القوية التي وجهت إليه، أن يحاول أثناء صدامه البري تكثيف الضربات الدقيقة والمنهجية على مجموعة من مواقع المراقبة الإسرائيلية على طول الحدود، وإسقاط المسيّرات العالية الجودة، وضرب بطاريات القبة الحديدية الإسرائيلية، بشكل يضغط على القوات البرية المتوغلة في جنوبي لبنان، ويجعلها تتردد في تقدمها، ويربكها فضلا عن تعظيم الخسائر البشرية.
كذلك يمكن لحزب الله نشر ما بين 40 و50 ألف مقاتل يتمتع جانب كبير منهم بتدريب عالٍ ومنضبط، ولم نتحدث بعد عن فرقة الرضوان التي تضم مقاتلين ذوي خبرة عالية، وغالبا ما يكونون في الخطوط الأمامية، وكثيرا ما أرسلوا إلى إيران لتلقي تدريب متقدم مع قوات الحرس الثوري بهدف اكتساب خبرات عسكرية وتعلم كيفية استخدام مختلف أنواع الأسلحة.
ومن ثَمّ فنحن هنا لا نتحدث عن قتال خاطف يمكن أن ينتهي في أيام أو حتى أسابيع، خاصة في ضوء التعثر الذي طال إسرائيل في غزة بعد عام كامل من الحرب، إضافة إلى أن أسلحة الحزب لا يزال جزء كبير منها في حيز الفاعلية، وتُعد أكثر تطورا إذا ما قورنت بسلاح المقاومة الفلسطينية وأكثر قربا من ترسانة الحرب التقليدية، ويبدو أن الجيش الإسرائيلي يفهم ذلك، ويعرف أن الحرب البرية في جنوب لبنان ستكون مختلفة لا شك، وأنها حتى مع النجاح الاستخباري الكبير الذي نتج عنه اغتيال الأمين العام للحزب حسن نصر الله، قد تتحول إلى كارثة كبيرة، على الرغم من الدعم الأمريكي غير المسبوق.
ولذلك نقلت شبكة إن بي سي عن مسؤول أميركي أن إسرائيل نشرت 5 ألوية على الحدود، لكن لا يتوقع أن تتحرك جميعها. وأضاف المسؤول الرفيع أن إسرائيل بدأت بالفعل عمليات استطلاع ونشر مهندسين لتنفيذ مهام مثل اختراق الحواجز، مشيرا إلى أن العملية الإسرائيلية بلبنان قد بدأت الليلة الماضية وتستمر أياما لا أسابيع ضمن نطاق محدود.
ويعني ذلك أن الحذر هو سيد الموقف على مسرح العمليات، وأن تعديل أهداف التحركات البرية وارد في كل مراحل الاشتباك، ومن ضمن ذلك بالطبع إمكانية أن تتطور العملية لتصبح حربا شاملة، تنزلق فيها القوات الإسرائيلية في مواجهات من مسافة صفر، مع فرق حزب الله، وهنا ستصبح أساليب حرب العصابات هي الأنجع، وفي كل الأحوال لن تكون سهلة بالنظر إلى قدرات حزب الله من حيث عدد الجنود وتدريبهم وعتاده سلاح الصواريخ والمسيّرات.
إضافة إلى الحرب البرية من المتوقع، أن تستمر عمليات القصف لأنحاء متفرقة في إسرائيل، بما يضغط نفسيا على جدوى الغزو وتعثره في تحقيق أهدافه، وتمثل الصواريخ سلاحًا أساسيا في إستراتيجية الحزب العسكرية؛ ولذا فقد استثمر في تحديثها بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي أصبح يمثل تهديدًا أقلق جنرالات الحرب في تل أبيب. فحاليا، يمتلك حزب الله صواريخ يتجاوز مداها 300 كيلومتر، مثل صاروخ فاتح 110 ونسخه المختلفة، وهي صواريخ يمكنها الوصول إلى العمق الإسرائيلي. ويبدأ مدى صواريخ حزب الله من 10 كيلومترات لصواريخ بركان وفلق، ويرتفع ليصل إلى 40 كيلومترا فأعلى حتى حدود 100 كيلومتر لصواريخ مثل فجر 3 و5 ورعد 2 و3، وأخيرا تظهر صواريخ مثل خيبر 1 وزلزال 2 وغيرها من الصواريخ التي يزيد مداها على مئة كيلومتر.
امتلاك نسخ من الصواريخ متنوعة في مداها إلى هذا الحد يوفر لحزب الله العديد من المزايا التكتيكية، بما في ذلك تنويع الأهداف، لكن الأهم من ذلك أنها تمثل ضغطًا على العملية الإسرائيلية البرية في جنوبي لبنان، ولذلك فإن الهدف الرئيسي للعملية هو أصلا استهداف منصات الصواريخ التابعة لحزب الله، ولكن لأنها مرنة جدا في حركتها فإن استهدافها لن يكون سهلا حتى مع الاختراق الاستخباري لحزب الله، وهو ما يعطي الحزب وقتا للرد في أثناء العملية البرية.
كما أن مجموعة من الصواريخ المتنوعة المدى تسمح لحزب الله بتوزيع منصات إطلاق الصواريخ على مساحة واسعة، وهذا يجعل من الصعب على قوات الخصم جيش الاحتلال في هذه الحالة تحديد مواقع الإطلاق وتدميرها في وقت واحد.
وإلى جانب ذلك، عمل حزب الله على امتلاك وتطوير صواريخ موجهة بدقة، ويعد ذلك أحد أهم التطورات التي تم تضمينها في ترسانة حزب الله الصاروخية مؤخرا. حيث تشير تقديرات عسكرية أن لدى ترسانة حزب الله -التي تتراوح بين 120 و200 ألف صاروخ بحسب بعض المصادر- مئات من الصواريخ الدقيقة الموجهة ذات القدرة التدميرية العالية.
الصواريخ الموجهة بدقة هي أسلحة متقدمة يمكن توجيهها نحو الهدف بعد إطلاقها، حيث يتم التحكم فيها أثناء الرحلة بواسطة أنظمة توجيه مختلفة بما في ذلك نظام التموضع العالمي، ويتكون نظام الصواريخ الموجهة النموذجي من عدة أجزاء أهمها مكونات الاستهداف التي تعمل على تحديد الهدف وضربه بدقة.
أضف إلى ذلك أن حزب الله لا يستخدم الصواريخ منفردة في ضرباته الكبرى، بل يدمجها مع المسيّرات. تنوع المنتجات الهجومية الجوية هو هدف أساسي لدى حزب الله، ويُمثِّل سمة مميزة لبرنامجه العسكري، وهو التركيز على العمليات المشتركة، وهو أسلوب قتالي يسعى إلى دمج الأسلحة القتالية المختلفة لتحقيق تأثيرات تكاملية متبادلة. وعادة ما تعمل المسيّرات نفسها في أسراب تكتيكية يمكن أن تشتت قدرات أنظمة الدفاع الجوي وتتجاوز حدود قدرتها على الصدّ، وتعطل الاتصالات والخدمات اللوجستية.
وإلى جانب قدرات المراقبة، يركز حزب الله على تسليح مسيّراته بالمتفجرات، وتحويلها إلى مسيّرات انتحارية يمكن توجيهها نحو هدف وتفجيرها عند الاصطدام به؛ مما يتسبب في أضرار جسيمة، خاصة أن المسيّرات الأحدث لديها أنظمة توجيه محسنة؛ مما يسمح بضربات أدق لأهداف محددة، وهو أمر مفيد خصوصا في الحرب غير المتكافئة، تلك التي يستهدف من خلالها حزب الله إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر في إسرائيل مقابل أقل قدر ممكن من التكاليف.
حاليا يمتلك حزب الله مجموعة متنوعة من المسيّرات، بما في ذلك مرصاد-1 مداها 200 كيلومتر، وأيوب مشتق من شاهد-129 الإيرانية بمدى يزيد على 1600 كيلومتر، كما يمتلك حزب الله مسيّرات انتحارية استخدمها في الهجمات المتتالية على إسرائيل، وقد يطغى إطلاق عدد كبير منها على قدرات القبة الحديدية، أو على الأقل فإن حزب الله يقترب من تلك النقطة، حيث قدّر مركز ألما للأبحاث الإسرائيلي عام 2021 أن حزب الله يمتلك ما يزيد على 2000 من الطائرات المسيّرة المتعددة المهام. وفقا للتقرير، كان حزب الله يمتلك 200 مسيّرة عام 2013، وبمساعدة من إيران زاد حزب الله من أسطوله بشكل كبير، سواء عبر استخدام مسيّرات إيرانية مباشرة، أو إطلاق نسخ جديدة مستوحاة منها، أو تطوير التكنولوجيا الخاصة بالمسيّرات داخليا.
في تقرير بعنوان النار والدم الواقع المخيف الذي تواجهه إسرائيل في حرب مع حزب الله، أصدرته جامعة رايخمان الإسرائيلية في وقت مبكر من العام الحالي، توقع المحللون أن تستمر الضربات الصاروخية من حزب الله وحلفائه بمعدلات تتراوح بين 2500 و3000 صاروخ وقذيفة يوميا لأسابيع متتالية، بما في ذلك الصواريخ الأقل دقة والصواريخ الدقيقة البعيدة المدى والمسيّرات، مستهدفة المواقع العسكرية الإسرائيلية، فضلا عن المدن ذات الكثافة السكانية العالية في وسط البلاد، وهو ما قد يمثل تهديدًا كبيرا.
دمج الصواريخ بالمسيّرات هو مثال لكيفية استثمار القوى الأضعف من حيث العتاد في أسلحة توفر لها ميزات إستراتيجية في الحرب الهجينة، ويجري ذلك على أشياء أخرى مثل الاستثمار في القذائف المضادة للدبابات.
أطلق حزب الله في حرب لبنان عام 2006 أكثر من 1000 صاروخ مضاد للدبابات، وبسبب ذلك أصيبت العديد من الدبابات والعربات المدرعة الإسرائيلية بأعطاب مختلفة. أسس ذلك لمرحلة جديدة من أشكال الصراع مع الدبابات في هذه المنطقة، ضد دولة الاحتلال التي تفوقت بشكل أساسي في معارك الدبابات.
كان هذا هو الكورنيت، الصاروخ الروسيّ الموجه والمخصص للاستخدام ضد دبابات القتال الرئيسية الأثقل في ترسانة الحرب البرية المزودة بدروع تفاعلية متفجرة، هذه الإستراتيجية طورتها فيما بعد كتائب القسام بتطوير الياسين 105 المحلي الصنع، الذي أوقف عددا كبيرا من آليات الاحتلال عن العمل، وقتل أو أصاب من كانوا داخل تلك الآليات.
ويستخدم حزب الله حاليا أيضا نظام صواريخ موجَّهة مضادة للدبابات، يُسمى ثار الله، صُمِّم للتغلب على نظام الحماية النشط الذي تستخدمه دبابات ميركافا خصوصا، كما أفادت العديد من منافذ الأخبار في أواخر ينايركانون الثاني 2024 أن حزب الله استخدم صاروخ كورنيت-إي إم الأكثر تقدُّما لمهاجمة قاعدة مراقبة جوية إسرائيلية، وهو ما يُعد زيادة كبيرة في مدى الصواريخ المضادة للدبابات وقوتها التدميرية.
نعرف كذلك أن أجهزة الاستخبارات الأميركية أعلنت قبل عدة أشهر أن روسيا تنوي إرسال نظام دفاع جوي متقدم سمي أس أيه- 22 بشكل غير مباشر إلى حزب الله، وهو نظام دفاع جوي مضاد للطائرات ذات الأجنحة الثابتة والمروحيات وصواريخ كروز والمسيّرات يمكنه العمل بشكل مستقل أو ضمن بطارية تصل إلى ست مركبات إطلاق.
وباستخدام رادار مخصص، يستطيع نظام أس أيه- 22 تتبع ما يصل إلى 20 هدفًا تكتيكيًّا في آن واحد على مدى يتراوح بين 32 و36 كيلومترًا، وقد تم تجهيزه بما يصل إلى اثني عشر صاروخًا من طراز 57 أيه 6 بتوجيه لاسلكي ورأس حربي متشظٍّ، ومدفعين من فئة 30 ملم 2 أيه 38 أم؛ مما يسمح له بالاشتباك مع ما يصل إلى أربعة أهداف في وقت واحد.
يعد أس أيه 22 نسخة أحدث من سابقيه مثل أس أيه-8 وأس أيه-17 اللذين يمتلكهما حزب الله بالفعل، وهي قدرات لا تمتلكها عادة الجهات غير النظامية، مصحوبةً بفرق من الجنود المدربة على التعامل معها وتشغيلها.
وبحسب مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية CSIS، من المرجح أن تجبر الدفاعات الجوية لحزب الله الطائرات الإسرائيلية على التحليق على ارتفاعات أعلى؛ مما يقلل من قدرتها على ضرب الأهداف على الأرض بدقة، وسيُعد إسقاط حزب الله مقاتلة إسرائيلية مأهولة بنجاح حدثا إستراتيجيا مُهما لا يمكن استبعاد وقوعه خاصة في سياق تكثيف الضربات على جنوبي لبنان.
وفي النهاية، تتمتع إسرائيل بتفوق جوي كبير حتى في وجود منظومات حزب الله الدفاعية، لكن هذه الدفاعات النشطة سوف تؤخر انتشار قوات جيش الاحتلال بريا، وهو ما يترك الفرصة للجنود على الأرض لمقاومة الهجوم الإسرائيلي، سواء عبر استهداف الدبابات بالأسلحة المضادة للدبابات، أو في معارك مباشرة بين فرق الجنود. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/10/2/%d8%a8%d8%b9%d8%af-%d9%85%d9%82%d8%aa%d9%84-8-%d8%ac%d9%86%d9%88%d8%af-%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84%d9%8a%d9%8a%d9%86-%d9%87%d9%84-%d8%b3%d9%8a%d9%86%d8%ac%d8%ad-%d8%ad%d8%b2%d8%a8 | 2024-10-02T15:09:34 | 2024-10-15T00:11:09 | أبعاد |
|
182 | الطوفان والنبوءة والساعة ... مرحبًا بك في الأزمنة الاستثنائية | تفتح النبوءات للفاعلين نافذة للتطلّع إلى مستقبل مختلف، لا يُقاس على ماضٍ؛ ببساطة، تدخلنا النبوءات في زمن استثنائي وتُوجِد بذلك بشرًا استثنائيين أحيانًا. | النبوءات أمل الشعوب، فالسياسة لا تتحرّك بلا أحلام ترسم المستقبل
ثلاثة أحداث كبار أتت إلى عالمنا من حيث لا نحتسب، في عام 2020م أصبح الوباء الفيروسي كورونا حديث الناس وشغلهم الشاغل، وبدا لهم أنّ نظام حياتهم الاعتيادي قد يتعطّل في أية لحظة، ولسبب غير مرئي مجرد فيروس. أُجبر الجميع على تقييد حركتهم في البيوت، وتغيير أشكال وجوههم بالكمامات الطبية، أُغلقت المساجد وتعطّلت المناسك المقدّسة وتباعد المصلّون، وأصبح السفر فكرة مستبعدة، واضطرب نظام شحن البضائع، وشهدنا حوادث غريبة من قرصنة الدول والتنافس الطبي وضخّ السيولة المالية بلا حساب لإنقاذ الاقتصاد. كانت كورونا حدثًا يمثّل بدقّة ما اشتهر بين علماء الدراسات المستقبلية باسم البجعة السوداء ظاهرة غير متوقّعة يمكن أن تقلب الموازين كلها.
بعد عامين من بداية النشاط الفيروسي العالمي، وتحديدًا في 24 فبرايرشباط من عام 2022، استيقظ العالم على اجتياح الدبابات الروسية لشرق أوكرانيا، مصحوبة بخطاب يعلن فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن عملية عسكرية تهدف إلى تجريد أوكرانيا من سلاحها واجتثاث النازية.
كان هذا متوقّعًا وغير متوقّع؛ متوقّعًا من جهة التعارض الحتمي بين الجغرافيا الأوراسية التي يطمح إليها القيصر الجديد ودولته، وبين التوسّع التدريجي للناتو في محيط الأمن الإقليمي الروسي. كان ضمّ شبه جزيرة القرم نموذجًا بُروفا صغيرًا لما يمكن أن يحدث، ولكن، كعادة العقل الذي تأسره العادة، ويتمرّن على قياس المستقبل القريب بالماضي القريب، لم يكن أحد يتوقّع أن يحدث ذلك فعلًا كان هذا كما يسمّيه علماء الاستشراف فيلًا أسود في الغرفة، يراه الجميع ولكنّهم ببساطة يتجاهلونه.
في السادس من أكتوبر 2023 لم يكن أحد يعرف بالضبط ما الذي كان يدور في عقول القادة الأربعة الذين توافقوا على خطة السابع من أكتوبر هل كان شريط الأحداث اللاحقة متوقّعًا لديهم؟ هل فاجأهم حجم نجاح العملية؟ هل توقّعوا ردًّا مختلفًا من أعدائهم وحلفائهم؟ ما الذي كان يسكن قلوبهم وعقولهم ساعة ضغط الزرّ الذي غيّر طبيعة الصراع تغييرًا لا رجعة فيه، وسحب المسمار الذي كان يلجم كلّ حبال التوتّرات المكتومة عن الانفلات في ظرف إقليمي ودولي، سياسي واقتصادي واجتماعي، يقف أصلًا على رؤوس أصابعه؟ لم يعد هذا السؤال مهمًّا، فالأمر تحوّل من قرار إلى واقع، ولم يعد السؤال سؤال الإرادة، بل أصبح سؤال القدر
فمع الحروب والتحولات الضخمة يصبح كلّ شيء ممكنًا، ولا تعود معادلات الماضي بالضرورة حَكَمًا على الآتي. يرتفع منسوب اللايقين، وتتضاءل القدرة على التنبؤ، إذ تكثر العوامل والمفاعيل وتتعقّد علاقاتها، وتصبح للشذوذات العشوائية والقرارات الشخصيّة آثارها الهائلة، ويعاد تعريف ما هو العادي من جديد.
في هذه الأزمنة غير العاديّة، تعود السياسة إلى تعريفها كامتداد للحرب، ولا يعود الواقع انعكاسًا لحجم القوى وتوازناتها الموضوعيّة فقط، بل يصبح مسرحًا لصراع الإرادات؛ وفي مقابل تراجع فعالية التنبؤات، يتسارع صراع النبوءات.
كلّما تعاظمت الإرادة، تضاءلت في الأذهان قوة القدر، وكلّما تضاءلت تعاظم شأن القدر
شهد القرن الماضي موجة واسعة من التشكيك في علامات الساعة، سواء في صفوف العلماء أو الكتاب العلمانيين. وعلى اختلاف مصادرهم المعرفية، فقد اشترك الفريقان في عدّة أمور، أولها شعورهم بأنّ الأوصاف الواردة في أحاديث آخر الزمان لا تتناسب مع المستجدات التقنية في عصرهم، فعصرنا عصر السيارات والطائرات والطاقة النووية، لا عصر الخيول والسيوف كما يوحي به ظاهر تلك النصوص؛ وثانيها ميلهم إلى الاعتقاد بأنّ العقل العلمي يأبى مثل هذه الخوارق، سواء على مستوى الظواهر الطبيعية أو السنن الاجتماعية.
وثالثًا ملاحظتهم أنّ تاريخ المسلمين وتاريخ الأمم الأخرى مليء بالتعلّق بالخلاص المصاحب لنبوءات آخر الزمان، فكم من طائفة اعتقدت في مهديّ تبيّن أنّه ليس مهديّ آخر الزمان، بل ربما ليس على سبيل الهداية أصلًا، وكم مرّة استثمر السياسيون في تلك الاعتقادات الشعبية، فصنعوا النبوءات سعيًا وراء سلطة أو ثروة.
ورابعًا شعورهم بأنّ هذا التعلّق الخلاصي يعيق فاعلية الشعوب وعملها الجماعي في سبيل انتزاع حقوقها أو تحسين أوضاعها، فتتعلّق بالقدر أو بشخص المخلّص وترضى بالمقسوم في انتظار الفرج؛ وخامسًا يرافق ذلك عند الإصلاحيين النقد الحديثي لتضخّم دور الأحاديث الواهية والموضوعة في مدونة الملاحم والفتن، وهو نقد سيتمادى حتى يصل إلى حدّ ردّ الأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي ونزول عيسى عليه السلام أو التشكيك فيها، باستعمال مناهج نقد المتن والاعتماد الحصري على النصّ القرآني.
لم ينكر هؤلاء الساعة أو أشراطها، ولكنّ مؤدّى كلامهم هو تعطيل مفعولها، عبر التأكيد على أنّها حدث مباغت قد يحدث غدًا وقد يحدث بعد مئة ألف سنة، حتى قال قائلهم إنها ستأتي على غير انتظار من أحد منهم، ولا أدنى علم.
وفي مقابل التيار الإصلاحي والعلماني، حافظ العلماء التقليديون من الخط المذهبي والسلفي على السواء على مسافة آمنة، تحفظ لهذه النصوص الثابتة في المدونة الحديثية حرمتها، ولكن مع نبرة تميل إلى التحذير من العبث بأشراط الساعة والتسرّع في تنزيلها على الواقع؛ وباستثناء عدد قليل من الأعمال العلمية الجادة في هذا الحقل، تُرك هذا الحقل ميدانًا للهواة طبعات شعبية عليها صور الأفاعي والنجمة السداسية والوحش القادم ذي العين الواحدة.
في سنوات الثورات العربية، وعندما بلغ الأمل مداه بقدرة الشعوب على انتزاع حقوقها والتخلّص من حكام الملك الجبري، بدا أنّ كلّ من يتحدّث عن قرب الساعة أو تحقّق علامات قربها مخرّف أو غارق في الأوهام، بل لم يجد علماء كبار غضاضة في الاستشهاد ببيت أبي القاسم الشابي، الذي كان محلّ استشكال وتحفّظ شديد من قبل العلماء عادة
إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بدّ أن يستجيب القدر
فكلّما تعاظمت الإرادة، تضاءلت في الأذهان قوة القدر، وكلّما تضاءلت تعاظم شأن القدر.
تكسّرت أمواج التفاؤل على صخرة الواقع المرّ أو القدر، وحلّت سنوات الخوف والجوع الطويلة. وفي هذه السنوات، لم يجد أيتام الثورات العربية ملجأ في أحاديث الساعة والفتن المصاحبة لنهاية الزمان، بل شهدت تلك السنوات نوعًا من الردّة الجماعية والخروج أفواجًا من الأطر الدينية التقليدية، وصولًا إلى حالات من الشتات والحيرة واللاأدرية، وانفكاك السلوك عن نظام الاقتناعات وهو أمر سيرى المشتغلون بعلم الساعة أنّه مصداق للوصف النبوي لحال الناس بعد مرحلة الدهيماء يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرًا أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل.
وفي تلك السنوات، بدا أنّ المخيال الاجتماعي عن المستقبل قد أصبح في قبضة كتب الخيال العلمي، التي تقدّم أطروحة التقدّم بثوب خلّاب، ينسج للبشر ذات الآمال الخلاصية بثوب دنيوي، بفعل البشر لا بفعل الربّ، لتأمل البشرية أو تخشى عصر الروبوتات والذكاء الصناعي القادم، وأشكال الحياة خارج الكوكب، وتطوّر تقنيات الجينوم والخلايا الجذعية والنانو تكنولوجي وغير ذلك مما يقع في برزخ بين الواقع والخيال، والعلم والسحر.
غير أنّ قوّة النبوءات ظلّت هناك، محاطة بغلالة من التشكيك، إلى الحدّ الذي صار معه الكلام فيها مخاطرة غير مأمونة العواقب، تخرج صاحبها من دائرة القول السديد والرأي الرشيد في الأوساط العامة. ولكن، في تلك العتمة الباهرة، المسكوت عنها، ظلّت النبوءات تداعب خيال الجيل المحطّم الباحث عن أمل وخلاص جماعي يخرجه من الهاوية التي وقع فيها.
كانت فلسطين هي الميدان الأمثل، وكان الشيخ بسام جرار بطل التجربة الأولى. أما فلسطين، فهي حالة استثنائية فوق الحالات، إذ تحيط بنزول الأمة الإسرائيلية غرب النهر وقتال المسلمين لهم نصوص قويّة واضحة وصحيحة، أبرزها آيات سورة الإسراء وأحاديث قتال اليهود في آخر الزمان، ونزول الخلافة في بيت المقدس.
وقد حافظت قضيّة الصراع في فلسطين على طابعها القيامي المرتبط بعلامات الساعة في خطاب الحركات الإسلامية، التي كانت قد استبعدت معظم مفردات آخر الزمان وأشراط الساعة من خطابها الأساسي، اللهم إلا ما كان في كتبها التأسيسية من تبشير بعودة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.
وأما نبوءة زوال إسرائيل في عام 2022م، فقد كان لها قوّة خاصّة، فهي نبوءة قديمة لم تصدر في لحظة عاصفة، بل عبّر عنها الشيخ قبل أكثر من 30 عامًا، نتيجة منهج خاصّ في حساب العدد القرآني، كما أنّه عبّر عنها بصورة علمية غير جازمة، فعنون كتابه الصادر في 1992 بـزوال إسرائيل عام 2022 نبوءة أم صدف رقمية؟، ولكنّها في نفس الوقت نبوءة محدّدة تحديدًا زمانيًّا دقيقًا.
هذا فضلًا عن أنّ الشيخ بسام، وإن لم يكن صاحب منصب علمي مؤسساتي، فإنّه محلّ تقدير عند المشتغلين بالتفسير وعلوم القرآن، أي أنّه لا ينتمي إلى طبقة الهواة وأصحاب الكتب الصفراء. مع اقتراب عام 2022م، كانت النبوءة قد حظيت بحصة من الانتقاد من قبل العلماء لاعتمادها على منهج العدّ وحساب الجُمّل غير المتفق عليه، أو لوقوعها في فخّ الانحياز الإيجابي، أي البحث عن الأدلّة التي تؤكّد النتيجة المقرّرة سلفًا، ولكنّها في المقابل كانت قد حصلت على نوع من السكوت الإيجابي، بل والتأييد والمصادقة من قبل عدد من العلماء الآخرين مثل الشيخ أحمد نوفل، أستاذ التفسير في الجامعة الأردنية.
إبّان معركة سيف القدس في مايوأيار 2021، بدا أنّ النبوءة قد اكتسبت نوعًا من المصداقية الواقعية، فقد مثّلت هذه الحرب لحظة تحوّل فارقة في طبيعة المواجهة مع الكيان المحتل، ثمّ جاءت أحداث الحرب الروسية الأوكرانية لتزيد الأمر معقولية. غير أنّ عام 2022 مرّ دون أن تزول إسرائيل.
قبل أن نتابع ما جرى لصاحب النبوءة والمتحمّسين لها، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ مفاعيل هذه النبوءة في إنتاج الواقع الذي شهدته فلسطين في عامي 2021 و2022 كانت حاضرة. فللنبوءات القدرة على تحقيق نفسها، وليس بالضرورة من خلال التصديق والتسليم التام بها، بل قد تقع النبوءة موقع القبول في القلوب من دون العقول، وقد يميل البعض إلى تصديقها من دون الاعتماد التام عليها، وقد تفتح في العقول مسارًا استشرافيًّا ممكنًا يوحي للفاعلين بأنّ الانتصار ممكن ووشيك.
ومع ذلك، يبدو أنّ هذه النبوءة قد أثرت تأثيرًا مباشرًا في تزايد عدد منفّذي العمليات ضد الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، فلم يكن الاعتقاد بقرب زوال إسرائيل دافعًا إلى انتظار تحقق النبوءة بلا عمل، بل باعثًا على المشاركة في إنجاز هذا الوعد ونيل شرف الانضمام إلى معركة الحق.
لم يكن غريبًا أن يتصدّر أحد المعلّقين على القناة الـ12 الإسرائيلية للقول بأنّ نبوءة بسام جرار قد ساهمت في زيادة وتيرة العمليات الفردية في الضفة الغربية في الربع الثاني من عام 2022، وهو أمرٌ سيجد مصداقه أيضًا في الشعارات التي استعملتها فصائل المقاومة الفلسطينية في خطاباتها المصوّرة، إذ صارت مفردات آيات سورة الإسراء مفردات مركزيّة في الخطاب المقاوم، فـإساءة الوجوه والعباد أولو البأس الشديد وليدخلوا المسجد كما دخلوه أوّل مرة، أصبحت أكثر حضورًا وتكرارًا في الإصدارات المرئية الرسمية وغير الرسمية، من دون أن يستتبع ذلك بالضرورة تعيين تاريخ الانتصار.
في الكتاب الجماعي المعنون بـعندما تفشل النبوءات استعراض لحالات متعدّدة من السلوك الاجتماعي النفسي لمصدّقي النبوءات بعد فشل نبوءاتهم، اعتمادًا على نظرية التنافر المعرفي Cognitive Dissonance.
يتعلّق الأمر هنا بنبوءات محدّدة تحديدًا دقيقًا مثل نهاية العالم في سنة معيّنة أو ظهور المخلّص في الوقت الفلاني، ونبوءة جرار تقع ضمن هذه الفئة، ويتعلّق بنبوءات فشلت فشلًا واضحًا، إذ مرّ التاريخ المنتظر من دون أن تقع.
تبدو حالة بسام جرار نموذجًا مثاليًّا لهذا النوع، إذ بدا لمصدّقي النبوءة والمتحمّسين لها، أنّ مقدّمات زوال إسرائيل قد بدأت فعلًا، وأنّ العالم كلّه ونظامه الدولي يتغيّر وأنّ الإقليم مشتعل والحروب في كلّ مكان، والمقاومة تتطوّر في أدواتها وقدراتها على إيذاء إسرائيل، الكيان الهشّ على المستوى الإستراتيجي أصلًا.
بالنسبة للكثير منهم كان لسان حالهم يقول ربما يكون الشيخ مخطئًا في فهم ما يمثلّه رقم 2022، ربما هو سنة البداية التي سنؤرخ منها لزوال هذا الكيان. أحد المؤيدين لهذا الرأي هو الشيخ المعروف كمال الخطيب، الذي وجّه تغريدة كتبها في أغسطس 2023 إلى فضيلة الشيخ بسام جرار، ليقول له كل المؤشرات والدلائل والقرائن والمعطيات والإرهاصات تؤكد صدق ما قلته وما استشرفته، وإنها الأحداث بدأت منذ 2022 تختمر بشكل متسارع بل ومذهل. من أبناء شعبنا وجلدتنا من أساؤوا إليك وتطاولوا عليك وهمزوا ولمزوا فيك جهلًا أو بسوء نية. . . وقريبًا سيدرك هؤلاء أنك أصبت فيما قلت.
النبوءات أمل الشعوب، فالسياسة لا تتحرّك بلا أحلام ترسم المستقبل. وعلى خلاف ما دار في الأوساط المنتقدة لأطروحة بسام جرار، لا يبدو أنّ المتحمّسين للنبوءة قد أصيبوا بالإحباط فضلًا عن الشكّ في صدق القرآن.
أحد المُعلّقين على موقع أكس يقول عبارة تعبّر عن شعور جماعي واسع، فقد كتب في أواخر 2022 قائلاً حتى لو لم تسقط إسرائيل هذا العام، فسأصدق نبوءة الشيخ أحمد ياسين بأنّها ستسقط في عام 2027 أو قبله. الحديث عن هذه النبوءة الأخيرة نبوءة الشيخ أحمد ياسين، كان مقدّمة حلقة من بودكاست بلا حدود، الذي يعدّه ويقدّمه الإعلامي الشهير أحمد منصور على صفحته الخاصّة، حيث جعل حلقته تأكيدًا لمعقولية هذه النبوءة من خلال حشد من التنبؤات الإستراتيجية والسياسية الكبرى، والنبوءات الفكرية والدينية الإسلامية والتوراتية أيضًا، وحظيت الحلقة حتى الآن بـ8 ملايين مشاهدة على موقع يوتيوب.
مؤشر للبحث عن علامات الساعة في غوغل تريندز
في هذه الصورة، بحثتُ على أداة Google trends عن بحث مستخدمي محرك البحث الأشهر عن علامات الساعة كمؤشر إحصائي ضمن مناهج البحث في السلوك الديني غير المباشر. ولا شكّ في أنّ أوّل الملاحظات في هذا الرسم البياني، هي أنّ ذروة البحث عن علامات الساعة من قبل مستخدمي غوغل كانت متزامنة مع السابع من أكتوبرتشرين الأول، وبفارق يساوي الضعف تقريبًا عن أقرب ذروة لها.
فبحسب ترتيب نقاط البحث، حقق البحث عن علامات الساعة في الأسبوع التالي لـ7 أكتوبر 100 نقطة أي أكبر عدد من مرات البحث، ثمّ في فبرايرشباط 2023 إثر زلزال تركيا وشمال سوريا بواقع 56 نقطة، ثمّ 48 نقطة في مارسآذار 2020، أي وقت إعلان وباء كورونا، أما حرب سيف الأقصى مايو 2021 فقد حققت 31 نقطة، وتفوقت عليها بداية الثورة السورية مارس 2011 بواقع 36 نقطة، ولا يبدو أنّ الحرب الروسية الأوكرانية قد حفزت المستخدمين على البحث عن علامات الساعة.
قد تتغيّر النتائج بتغيّر الكلمات المفتاحية، فمثلًا يعطي البحث عن علامات يوم القيامة درجات أكبر لكورونا في مقابل طوفان الأقصى، كما أنّ البحث عن بعض المفردات الفرعية ضمن حقل علامات الساعة مثل الملحمة الكبرى يتصاعد إلى ذروته في أغسطسآب 2013 بالتزامن مع فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة ويعود إلى الصعود مع إعلان تنظيم الدولة الإسلامية للخلافة ويستمرّ في التذبذب ليصعد مجددًا في أواخر 2016 مع انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية وفبراير 2018، مع بدء عملية جيش النظام السوري في الغوطة الشرقية التي تشير الأحاديث النبوية إلى أنها فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى.
وفي هذه البحوث على اختلاف المفردات المستعملة، يبرز في جغرافيا البحث عن علامات الساعة اسم ليبيا بصورة ملحوظة، ومعها سوريا والسودان والأردن وفلسطين ومصر.
إذَن، من المؤكد أنّ البحث عن علامات الساعة بالجملة أو بالتفصيل يرتبط بالأحداث الكبرى، التي ترفع مستوى اللايقين، وترفع معه مشاعر الخوف والأمل؛ مما يدفع الناس إلى البحث عن مصادر أخرى للمعرفة والطمأنينة، ولإشباع الفضول اتجاه المستقبل.
قد يُشير الرسم البياني السابق إلى لحظية هذا التفاعل، إذ تميل الشريحة العامة لاحظ أنّ الشريحة العامة هي من تبحث عن عنوان علامات الساعة أو علامات يوم القيامة إلى الاهتمام بهذا الموضوع فور وقوع الحدث، ثمّ يضعف هذا الاهتمام مع الوقت، ويبقى في خلفية الرأس.
وعلى الرغم من أنّ كتب المتقدّمين والمعاصرين حول علامات الساعة لا تخلو من المواعظ الأخلاقية الناشئة عن فتن العصر وفساد الأخلاق وتغيير الطبيعة البشرية وكثرة الربا وظهور المسخ، فإنّ البحث لا يُظهر صعود المفردات ذات الصلة؛ أي أنّ الغالب على شريحة المهتمّين بالمسألة هو الجانب السياسي.
وفي هذا الجانب السياسي تبرز مجموعة مفردات مثل الدهيماء انحسار الفرات المهدي، وتأخذ كلّ مفردة إيقاعها الخاصّ. من اللافت مثلًا أنّ البحث عن الدهيماء قد تصاعد في أكتوبر 2023 ولكنه بلغ ذروته في نوفمبرتشرين الثاني، مما يشير إلى تحول سلوك المستخدم من البحث العام حول علامات الساعة إلى البحث التفصيلي في العلامات التي يرى أنها ترتبط بالحدث أو المرحلة الجارية.
لابدّ من الإشارة أيضًا إلى أنّ مستوى الاهتمام -بالعموم- متصاعد، فحدثٌ مثل الزلزال الذي ضرب تركيا وشمال سوريا، لم يكن ليحصل على المرتبة الثانية بواقع 56 نقطة، لولا أنه يأتي في سياق مرحلة يتصاعد فيها الشعور باقتراب علامات الساعة الكبرى، وهذا التصاعد العام يظهر بوضوح أكبر في الرسم البياني التالي الذي يرصد البحث عن علامات الساعة باللغة الإنجليزية، حيث اخترت البحث عنSigns of The Hour أي علامات الساعة بوصفها أشهر المفردات التي يستعملها المسلمون المتحدثون بالإنجليزية. وإضافة إلى ملاحظة التصاعد التدريجي للمنحنى مع التذبذب بطبيعة الحال، فإنّ بداية الحرب الروسية على أوكرانيا قد حصلت على نقطة الذروة، مع وجود تشابهات مع سلوك المستخدم العربي.
لم تكن النبوءات يوماً بعيدة عن السياسة، سواء أكانت رؤى وأحلاماً تبشّر القادة بالنصر أو تنذرهم بالهزيمة أو وعوداً سماوية ذات نبرة واثقة كما نقرأ في قصص الإمبراطور قسطنطين وفسبازيان أو حتى جنكيز خان أو كانت نبوءات تستمدّ مصداقها من التاريخ على غرار ما كتبه إيهود باراك لصحيفة يديعوت أحرونوت عن لعنة العقد الثامن التي سيستشهد بها أبو عبيدة الناطق الرسمي باسم كتائب القسام.
كما أنّ النبوءات ترسم لدى الأمم نوعًا من الهوية السياسية وترسم مخيالًا للعلاقات الدولية سواء بوعي أو بغير وعي، ويمكن ملاحظة التجليات الواضحة لذلك في إيمان الرئيس الأميركي السابق رونالد ريغان بالملحمة الكبرى هارمجدون والحديث الصريح للرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد عن تهيئة الأرضية للظهور القريب للمهدي المخلص.
على أنّ ما كان يبدو فلتات لسان أو تهامسًا في الغرف المغلقة قد انتقل إلى المنابر السياسية بصورة لا لبس فيها، فقد قال بنيامين نتنياهو بتاريخ 25 أكتوبر الماضي سنحقق نبوءة أشعياء، لن تسمعوا بعد الآن عن الخراب في أرضكم، سنكون سببًا في تكريم شعبكم، سنقاتل معًا وننتصر معًا مستحضرًا أبعادًا كونية للصراع نحن أبناء النور وهم أبناء الظلام، وسينتصر النور على الظلام.
وتحدّث أبو عبيدة الناطق باسم كتائب القسام صراحة في اليوم الـ100 عن دفاع المقاومة عن المسجد الأقصى ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم في مواجهة مشاريع التهويد الصهيوني قائلًا وأحضرت البقرات الحمر تطبيقًا لخرافة دينية مقيتة.
على ألسنة الفاعلين، لا تعود النبوءات أقدارًا تتنظر التحقّق بفعل فوق تاريخي، بل يصبح الفاعل هو أداة تحقّقها، كما يوحي به خطاب نتنياهو السابق سنحقّق نبوءة أشعياء وكما يظهر صريحًا في الدعاء المشهور الذي ينتشر على صفحات التواصل الاجتماعي للقائد إبراهيم السنوار اللهم أنفذ بنا قدرك فيهم بالزوال.
إذا كان المصنّفون القدماء في علم الساعة وأشراطها يجعلون من غايات تأليفهم إبراز أعلام النبوة وصدق الإخبارات النبوية عن المستقبل ودورها في تعزيز الإيمان واليقين، فإنّ تزايد حضور علامات الساعة لدى الشرائح المجتمعية المختلفة يشير في مرحلتنا هذه إلى تحولات أوسع وأعمق.
فكما أسهمت الوحشية الإسرائيلية والإسناد الغربي لها في نسف عقود من الدعاية الثقافية للأجندة الغربية وقيمها الحقوقية، دافعةً الكثيرين إلى إعادة النظر في مرجعيّتهم الدينية وموقفهم من الحضارة المعاصرة حضارة الدجال كما يسميها البعض، فإنّ استحضار علامات الساعة يعني أيضًا الخروج من دعاية التقدّم اللانهائي الذي رسمته المخيّلة العلمانية عن مستقبل الإنسان، والعودة إلى مربّع الصراع الحضاري على أساس ديني عميق.
تسكن النبوءات الدينية موقعًا عميقًا في الوجدان، ولكنّها بحكم ما يصاحب نظام الأقدار الحكيم من غيب- تبقى بمنأى عن التفعيل الفوري، حيث يتناوب على الفاعل نظامان للإدراك والفهم، نظام يرتبط بالواقع ومفاعيله ونظام آخر يقترب من لغة النبوءات الدينية؛ وبقدر ما يقترب الواقع من تصديق النبوءة، يدخل الفاعل في نظام فوق تاريخي أو فلنقل في زمن استثنائي يسهل معه أن يتصوّر الفاعل حصول تحولات جذريّة في الواقع، وهو ما يجعله مهيّأ لامتصاص الصدمات القاسية التي يمكن أن تصاحبها، وتُهيِّئَه لأنماط جديدة من الفعل.
فإذا كانت المعرفة الجيدة بالتاريخ الماضي تدفع الفاعلين إلى قياس الآتي على الماضي، وبالتالي إلى خفض سقف توقّعاتهم اتجاه المستقبل، باعتبار أنّ الماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء كما يقول ابن خلدون، فإنّ النبوءات تفتح للفاعلين نافذة للتطلّع إلى مستقبل مختلف، لا يُقاس على ماضٍ؛ ببساطة، تدخلنا النبوءات في زمن استثنائي وتُوجِد بذلك بشرًا استثنائيين أحيانًا.
تبرز التحولات الجارية في الحقل الديني كيف تؤثّر الأحداث الكبرى في تشكيل الوعي بما يتجاوز قدرة الخطابات المختلفة التربوية والدعوية، وبما يقطع في أيام أشواطًا تتجاوز ما تنجزه تلك الخطابات في عقود، فاستعادة الوعي بالأمة والمقولات الدينية المختلفة أصبحت أوسع حضورًا مما كانت في سياق يمكن تسميته بـالتربية الجماعية، إذ يعيش آلاف الشباب والشابات تحولات جذرية في الوعي والخطاب والسلوك الديني، لا تزال ملامحها ترتسم وتتشكّل وتتخمّر.
وتبقى مسألة الساعة أحد عناصر هذا التحوّل، وهي مسألة بحاجة إلى مناهج تستوعب العلاقة بين الأمر القدري والشرعي وتضع شروطًا لتنزيل النبوءات على الواقع، وتطوّر فقهًا خاصًّا لهذا الحقل، وهو أمر سعت إليه ولا تزال تسعى العديد من المشاريع الجادة التي تناولت الساعة وأشراطها وتحولات الأيّام والسنين بعين النصوص الشرعية؛ وفي المقابل، زلّت فيه الكثير من الأقدام. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/6/26/%d8%a7%d9%84%d8%b7%d9%88%d9%81%d8%a7%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%88%d8%a1%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%b9%d8%a9-%d9%85%d8%b1%d8%ad%d8%a8%d8%a7 | 2024-06-26T10:32:48 | 2024-06-26T12:49:09 | أبعاد |
|
183 | رعب نفسي لا ينتهي كيف تتسبّب المقاومة في اضطرابات نفسية للجنود؟ | بعد أقلّ من عام على عودة الجنود الأميركيين من حرب الخليج الثانية، أُصدر تقرير ينص على أنّ هناك مجموعة أعراض غير مفسّرة تظهر على الجنود العائدين من الحرب.. فما هي الأعراض، وكيف ساهمت بتطور الطب النفسي؟ | في السابع والعشرين من شهر ديسمبركانون الأول الماضي، أي عقب مرور شهرين ونصف تقريبًا على أحداث السابع من أكتوبرتشرين الأول في غزّة، وفي أحد المنتجعات العلاجية والترويحية التابعة للجيش الإسرائيلي في عسقلان، يستيقظ أحد الجنود التابعين للواء المظليّين الإسرائيلي، أو الوحدة العسكرية المعروفة باسم اللّواء 35، يستيقظ مذعورًا من أحد الكوابيس المرعبة التي تطارده من أشباح المُقاومة، فيستلّ سلاحه ويبدأ إطلاق النّار على أصدقائه الموجودين معه، متسبّبًا في جروح طفيفة، قبل أن يتمكّن زملاؤه من إعادته إلى وعيه واحتواء الموقف. المثير للاهتمام هنا، بحسب التقرير الذي نشرته صحيفة هآرتس، هو أنّ الجيش الإسرائيلي قرّر عدم فتح تحقيق في القضية، متذرّعًا بالظروف الصحّية والنفسية الخاصّة بالجنود، إذ إنّ إبعادهم إلى المنتجع الترويحي جاء عقب تضخّم الضغوط النفسية لديهم نتيجة تعرّضهم لاشتباكات عدّة في قطاع غزّة.
منذ بداية الحرب في السابع من أكتوبرتشرين الأول الماضي، يستخدم الإسرائيليون عبارات لها امتدادات صارخة في علم النفس لتوصيف معاناتهم، مثل أمّة تحت الصدمة أو أكبر أزمة نفسية تمرّ بها إسرائيل أو كارثة نفسية تعصف بالإسرائيليين. من المهم في هذا السياق أن نتنبّه إلى الوظيفة الثنائية التي تؤديها هذه الخطابات النفسية، فمن جهةٍ ما ثمّة وجه من الصحّة لوجود أزمة نفسية تعصف بالإسرائيليين، إذ بحسب الجيش الإسرائيلي، حتّى شهر فبراير فقط، راجع ما يُقارب ثلاثين ألف جُندي إسرائيلي أطباء مختصين في الصحّة النفسية للعلاج النفسي وعرض ضغوطهم النفسية عليهم، إضافة إلى تضاعف استخدام خدمات الخطّ الساخن للصحّة النفسية، والخطّ الساخن يُلجَأ إليه عادةً عند زيادة شدّة الأعراض النفسية ووصولها حدًّا لا يمكن للفرد أن يستوعب ضغوطه النفسية والأفكار الاقتحامية التي تجتاح عقله إضافة إلى احتمالات الإقدام على الانتحار وغيره. أمّا الوجه الثاني لهذه المقولات النفسية، فلا شكّ في أنّها تلعب على وتر الاستعطاف الدّولي للفاجعة النفسية، إذ إنّ منظور الصدمة النفسية يشكّل مدخلًا سهلًا إلى استعطاف العقل الجَمعي الغربي المهووس بثقافة الضحايا وثقافة المصدومين نفسيًّا، ويُحوّل الإسرائيليين من جماعة مُحتلّة إلى جماعة بشرية مليئة بالعواطف الإنسانية.
كيف نُقنع جُنديًّا إسرائيليًّا بالعودة إلى ساحة الحرب؟ هذا هو السؤال الرئيسي بحسب رئيس وحدة الصحّة النفسية في الجيش الإسرائيلي، الطبيب لوسيان تاتسا . تُشير تقارير الجيش الإسرائيلي إلى أنّ 82 من الجنود الذين تلقّوا خدمات العلاج والدعم النفسي، قد عادوا إلى الخدمة الفعّالة والنشطة في الجيش الإسرائيلي، في مُقابل نحو 18 لم يتمكّنوا من العودة إلى الخدمة العسكرية بسبب أحوالهم النفسية الصعبة. إذا كان 30,000 جندي عسكري قد عرضوا على خدمات الصحّة النفسية، فهذا يعني أنّ لدينا ما يُقارب 5,400 جُندي إسرائيلي قد توقّفوا عن الخدمة العسكرية حتّى إشعارٍ آخر. ينبغي التوجّس كذلك من هذه الأرقام، فاضطراب ما بعد الصدمة، عادةً ما يحتاج إلى علاج مُدّته في المتوسّط 6 أشهر متواصلة، تختلف بحسب شدّة الصدمة والتباينات الفردية بطبيعة الحال. علميًّا، من الشائع أن يتأخّر ظهور أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، أو أن تعاود الظهور بعد اختفائها.
تحمل الصدمات النفسية نزعات تدميرية وسلوكيات عدوانية غير مُبرّرة في كثير من الأحيان، كذلك المقطع الذي انتشر لأحد الجنود الإسرائيليين وهو يُقدِم على أعمال تخريبية في أحد المحال التجارية المهجّر أصحابها في قطاع غزّة، وفي المقطع يظهر جليًّا الطابع الصبياني في تصرّفات الجندي وفي تخريبه لألعاب الأطفال وتكسيرها. بشكلٍ عام تتجسّد أعراض اضطراب ما بعد الصدمة بهيئات مختلفة، فمن الشائع أن يعود الجنود من خدماتهم العسكرية في العراق وأفغانستان محمّلين بعقدهم النفسية وصدمات المعارك النفسية التي تظهر على هيئة تصرّفات عدوانية غير مُبرّرة، تتوجّه في كثير من الأحيان نحو الأشياء والحيوانات الأليفة وحتّى أفراد أُسَرهم من زوجات وأبناء، بحسب تقارير موثّقة عدّة عن حياة الجنود الأميركيين بعد عودتهم إلى منازلهم وانتهاء خدماتهم العسكرية.
يمتدّ الرّعب النفسي لأكثر من مُجرّد لحظات وقوع الحدث ذاته، حيث تشير شهادات عدّة لإسرائيليين مختلفين، حول إدمانهم النظر إلى مشاهد المقاومة الفلسطينية وإعادة إنتاج الرّعب والذعر في أنفسهم، كحالة عُصابية من إدمان مشاهدة ما يُثير مشاعر الخوف. بحسب الشهادات المذكورة لا يستطيع جزء كبير من الإسرائيليين منع أنفسهم من مشاهدة مقاطع الفيديو التي ترعبهم، وهو أحد الأعراض المحتملة للإصابة باضطراب ما بعد الصدمة. إضافةً إلى ذلك، ومن جهةٍ علمية، يُمكِن للمشاهدة المتكرّرة للوقائع المرعبة والصادمة أن تُنتِج حالة صدمة نفسية لدى أشخاص لم يحضروا واقعة الحدث الصادمة عيانًا، لكنّهم شاهدوها بكثرة عن بُعد، وتُسمّى هذه الحالة الصدمة الثانوية أو الصدمة بالإنابة، فكيف بمن عاشها ويستدعيها؟
ليست مشكلة الإسرائيليين فحسب الجيش الأميركي قد عانى أيضًا.
في الرابع من مارس عام 1991 وبعد انتهاء عملية عاصفة الصحراء الأميركية، شهدت منطقة الخميسية العراقية، الواقعة بين جنوب شرق بغداد وشمال مدينة الكويت، انفجارا ضخما لأحد مستودعات الذخيرة نتيجة عملية عسكرية قامت بها قوّات أميركية. كان الانفجار ضخما بطريقة غير عادية، حيث غطّت سماءَ المنطقة غيمةٌ سوداءُ هائلة، ليتّضح لاحقا أن المستودع احتوى على غاز السارين، وهو عبارة عن مادة أورغانو-فوسفيتية تُستَخدم سلاحا كيميائيا.
ستكون لهذه الحادثة لاحقا أهمية كبيرة في نشوء تحقيقات وأبحاث أميركية تحاول إيجاد ارتباط بينها وبين مجموعة أعراض نفسية وجسدية ظهرت لدى الجنود الأميركيين وسكّان المنطقة المدنيّين، عُرفت باسم متلازمة حرب الخليج، أو كما أطلقت عليها الصحافة الأميركية في مواضع مختلفة متلازمة عاصفة الصحراء.
أما اليوم، وبعد انسحاب الجيش الأميركي من أفغانستان، فقد أعاد هذا الانسحاب إلى الواجهة الآثار النفسية التي تُخلفّها الحروب التي تخوضها الولايات المتحدة على جنودها، إضافةً إلى ضحاياها. حدث ذلك في القرن الماضي في الحربين العالمية الأولى والثانية، وحرب فيتنام، وصولا إلى يومنا هذا، ولا شك في أن الأيام القادمة ستحمل معها الكثير من التفاصيل.
لطالما كان هناك ارتباط وثيق بين الطبّ النفسي وساحات المعارك، يتمثّل بعلاقة تبادلية بين الاثنين، حيث أسهمت الحرب العالمية الأولى في توفير معلومات عن إصابات طبية أُدرِجت تحت مظلّة الطب النفسي، وقد كان للطبيب دور كبير في معسكرات الجنود في محاولة منه لإيجاد حلول للانهيار الجسدي المفاجئ وبعض الأعراض الجسدية غير الـمُفسّرة، كالصداع والخمول وضعف الجسد الذي كان يُلاحظ في بعض الجنود، وهو ما أُطلق عليه مصطلح صدمة القصف Shellshock، التي أثارت التساؤل العلمي حول العديد من الأعراض الجسدية التي لم يتمكّن الأطبّاء من تحديد أسبابها العضوية1.
كانت كلمة الصدمة Trauma حتى نهاية القرن التاسع عشر تشير إلى الأذى والجراح الجسدية فقط، ثم أسهم ظهور سكك الحديد في الالتفات إلى الجانب النفسي للصدمة، وذلك بسبب استمرار أعراض مَرَضِية كالصداع بعد فترات طويلة من مرور المصابين بتجارب سيّئة مثل حوادث القطارات، وبدأ بالتدريج على إثر ذلك التنبّه إلى وجود جانب آخر للصدمة يتجاوز الجسد وحدود الضرر الجسدي، ليشمل بُعدا آخر، وهو البُعد النفسيّ. إلا أنّه، بسبب العدد القليل لمستخدمي القطارات والمصابين بها، فإنّ العلم لم يتمكّن من الخروج بأي نتيجة تشخيصية يمكن الاعتماد عليها طبيّا. استمرّ هذا مدّة، ثمّ تغيّر حينما اندلعت الحرب العالمية الأولى، لتكون نقطة تحول في الطب النفسي نظرا للعدد الهائل من الإصابات2.
في بداية الأمر، كان موقف القيادات العسكرية هادئا، إذ اعتبروا أنّ هذه الظواهر ليست سوى تَجلٍّ لإصابات جسدية يمكن علاجها بمرور الوقت. لكن زيادة عدد المصابين، والانهيارات المفاجئة في ميدان المعركة، دفعت عددا من قادة الصفّ الأول إلى الاستياء بشدة3، فأُصدرت إثر ذلك أوامر باستبعاد الجنود المصابين إلى معسكرات التأهيل عِوضا عن إرسالهم إلى المستشفيات. أثارت هذه الأوامر حفيظة عدد من الأطباء الذين أكَّدوا وجود عامل نفسي وراء تلك الانهيارات، وأصرّوا على أنّ مشكلة الجنود هي مشكلة طبّية يُمكن التعامل معها. ولإقناع القيادات بتحويل الجنود إلى المستشفيات، استُحدِث مفهوم طبي نفسي يُعنى بتقديم الرعاية والراحة النفسية للجندي المصاب في منطقة قريبة من المعركة وإعادته إليها عند تحسنه، وهو ما عرف بالإنجليزية بـForward Psychiatry.
رغم هذا التطوّر الجزئي في مفهوم الصدمة، بقي المصطلح شائعا في السياق الجسدي، وذلك حتى الحرب العالمية الثانية، حيث ظهرت إصابات عصبية ومفاهيم جديدة، مثل إجهاد الحرب Battle Fatigue. أمّا التحوّل الجذري إلى تناول الصدمة بوصفها مفهوما نفسيا، فقد وقع في حرب فيتنام تحديدا، إذ إنه خلافًا لما كان متوقعا بسبب كثافة الحرب وشدّتها، جاء عدد الإصابات النفسية أقل بعشرة أضعاف من إصابات الحرب العالمية الثانية على سبيل المثال، وقد عُزِيَ ذلك لاحقا إلى تطوّر الرعاية النفسية أكثر من أيّ وقت مضى.
لكنّ المفاجأة كانت بعد عودة الجنود الأميركيين من فيتنام، إذ حصل تغيّر دراميّ بظهور دراسات تتحدّث عن أعراضٍ لصدمات نفسية تأخّر ظهورها عشرات السنين عن زمن وقوع الحوادث، إلى أن وصلنا إلى عام 1980، وأُصدر المجلد الثالث لتشخيص الأمراض النفسية وهو المصدر الأميركي الأساسي لتشخيص الأمراض النفسية محتويا على تشخيص نفسي دقيق ذي صفات وأعراض محددة عُرف باسم اضطراب ما بعد الصدمة النفسية Post-Traumatic Stress Disorder PTSD3.
ثُمّ أُتبعت دراسات اضطراب ما بعد الصدمة النفسية بسلسلة أخرى من الدراسات، حيث نُشِرَت في عام 1993 أول ورقة بحثية أميركية في مجلة نيتشر Nature تشجّع على دراسة مجموعة أعراض جسدية ونفسية ارتبطت بالجنود العائدين من حرب الخليج، وأُطلق عليها مصطلح متلازمة حرب الخليج، وبعد ذلك نشرت مجلة لانسيت Lancet في بريطانيا عام 1994 دراسة مماثلة عن متلازمة حرب الخليج لدى الجنود البريطانيين العائدين من حرب الخليج4.
بعد أقلّ من عام على عودة الجنود الأميركيين من عملية عاصفة الصحراء، وتحديدا في يناير 1992، أُصدر تقرير من وحدة الاحتياط رقم 123 في ولاية إنديانا الأميركية ينصّ على أنّ هناك مجموعة أعراض غير مُفسّرة تظهر على الجنود العائدين من حرب الخليج. وسرعان ما بدأت هذه الأخبار تتصدّر وسائل الإعلام، متحدّثة عن تشوهّات خَلقية لحديثي الولادة من أبناء الجنود العائدين، وأعراض جسدية غير مُفسّرة تحت مسميات مختلفة، مثل حمّى صحراء الخليج أو متلازمة عاصفة الصحراء.
أدّى هذا الاهتمام الإعلامي إلى صدور أوامر لدراسة هذه الأعراض، وبالفعل أُسِّس في عام 1994 برنامج خاص لتقييم الأعراض لدى الجنود المتضرّرين، ولاحقا أخذت بريطانيا تحذو حذو أميركا في إعداد سلسلة دراسات مشابهة على الجنود. تحدّثت التقارير الأولية عن عدم وجود أعراض مُميّزة تُمثِّل متلازمة جديدة، وإنّما هي مجموعة أعراض من اضطرابات نفسية معروفة مُسبَقا. هذه التقارير لم تعجب وسائل الإعلام، لتُثار في عام 1996 حادثة الخميسية إعلاميا مرة أخرى، وبَرزَ تساؤل واضح حول علاقة هذه الحادثة بمتلازمة حرب الخليج، ولماذا تمّ التعتيم إعلاميا عليها بالرغم من نشر تقارير عن حادثة الخميسية عام 19923.
قبل الانتقال إلى الحديث عن أهمّ ما خَلَصت إليه الدراسات عن هذه المتلازمة، لا بُدّ من الإشارة إلى تعريف عام بها وأسبابها المتوقعة. خَلَص العلماء والأطباء إلى وصف هذه الأعراض بأنها مُتلازمة Syndrome، وكلمة مُتلازمة في الأصل تشير إلى مجموعة أعراض متشابهة لدى مجموعة من المرضى دون وجود سبب واضح لها، وعليه فقد وُصفت متلازمة حرب الخليج بأنّها مجموعة أعراض جسدية غير مفسّرة، مثل الطفح الجلدي والتعب الجسدي العام وأوجاع في العضلات والعظام، إضافة إلى مشكلات هضمية كالإسهال ومشكلات في الإدراك، وأعراض أخرى كان الجنود يذكرونها في مختلف الدراسات منها مشكلات في الذاكرة. تمّ التعامل مع هذه المتلازمة على مرّ السنوات عن طريق الطب النفسي وعلاج الأعراض والمتابعة الطويلة المدى إضافة إلى العلاج النفسي المعرفي السلوكي5.
عند تقصّي الأسباب الكامنة وراء هذه الـمُتلازمة، لُخِّصت الأسباب البحثية للمتلازمة في ثلاثة أسباب رئيسية المواد الكيميائية متمثّلة بشكلٍ أساسيّ بغاز السارين، وأسباب نفسية تتعلق بالصدمة النفسية وتجلياتها الجسدية، ثم أسباب ميكروبية أو كيميائية أخرى كغاز اليورانيوم5.
من بين أحداث كثيرة وقعت في حرب الخليج، فإنّ حادثة الخميسية -تحديدا- كانت من أهمّ الأحداث التي دُرست لتفسير أعراض الـمُتلازمة. وقد تباينت الدراسات في نتائجها، إذ خَلَصَت بعض الدراسات إلى عدم وجود ارتباط بين التعرّض لغاز السارين بالكمّية التي نجمت عن حادثة الخميسية والإصابة بأعراض المتلازمة، وقد انتهت بعض الدراسات إلى هذه النتيجة من خلال تجارب أجريت على الحيوانات عبر تصميم نموذج محوسب يُحاكي الانفجار لمعرفة كمية المواد المنبعثة ونِسَبها.
من جهةٍ أخرى، وجدت دراسات لاحقة ارتباطات مُحتملة بين التعرّض لغاز السارين والإصابة بأعراض المتلازمة، إلا أنّ أحد أهم مُحدداتها هو عدم اختيار عينة ممثلة ومشاركة جنود وضعهم الصحي أسوأ من غيرهم. وانتهت دراسات أخرى إلى عدم وجود معلومات وأدوات كافية للخروج بنتيجة نهائية عن العلاقة السببية، وعدم إمكانية تحديد النتيجة وفق المعطيات الـمُتاحة.
أجريت دراسات أخرى لتحديد علاقة بعض الكائنات الميكروبية، كالبكتيريا والفيروسات أو التطعيمات التي أخذها الجنود قبل الحرب، بالمتلازمة، لكنّها انتهت إلى عدم وجود أسس كافية لإيجاد علاقة سببية. وكذلك كانت النتيجة بالنسبة إلى دراسات اهتمّت بعوامل كيميائية أخرى كاليورانيوم. أما بالنسبة إلى العوامل والمسببات النفسية، فقد دافع عدد جيد من الباحثين عن كون المتلازمة تجّليا جسديا لمشكلات نفسية كما هو معروف في الطب النفسي في تشخيصات الأمراض الجسدية النفسية Psychosomatic Disorders. وقد دُعمت هذه التفسيرات ببعض الدراسات التي وجدت ارتباطا بين أعراض المتلازمة وتشخيصات نفسية أخرى مثل الاكتئاب ومتلازمة ما بعد الصدمة النفسية. قُدمت بعض الاعتراضات على هذه التفسيرات لكون كثير من الجنود في حرب الخليج كانوا يعملون خلف الكواليس ولم يتعرضوا لصدمات مباشرة، ولنقص الكثير من الأعراض المعروفة والاعتيادية لتشخيص مرض مثل متلازمة ما بعد الصدمة النفسية أو غيره من الأمراض النفسية. وأخيرا، وجد باحثون آخرون أعراضا متشابهة بين متلازمة حرب الخليج وأمراض جسدية نفسية الفيبروميالجيا Fibromyalgia منها آلام جسدية وعضلية في نقاط محددة من الجسم تعزى لأسباب نفسية ومتلازمة التعب الجسدي المزمن Chronic Fatigue Syndrome 5.
بعد هذا الملخص لمحاولات إيجاد مسببات هذه المتلازمة، إلى ماذا خَلَص النقاش الطبي حولها؟ وما مصير هذا التشخيص؟
من أهم الاعتراضات البحثية على متلازمة حرب الخليج اعتماد الدراسات بشكل كبير على الوصف الذاتي والإبلاغ الشخصي للجنود عن أعراض، وعدم وجود فحوص دقيقة ومخبرية تتأكّد من ذلك، وبالرغم من أنّ هذه الطريقة مقبولة في ممارسة الطب النفسي الإخبار الذاتي Self-report، فإنّ الاعتماد على ذلك في الدراسات البحثية يؤول إلى انحيازات بحثية معروفة في الوسط العلمي تحدث كثيرا حين نعتمد على الإخبار الذاتي، مثل انحياز الذاكرة وانحياز المشاركة، ويُعنى بكليهما أن مشاركة الشخص في دراسة ما تجعله أكثر ميلا لتذكّر أعراض سيّئة عدّة، سواء حدثت بالفعل أم لم تحدث، ولأنّ الجنود المشاركين في الدراسات يتذكّرون بكلّ تأكيد مشاركتهم في حرب الخليج، فإنّهم قد يميلون بغير وعي إلى ربط أيّ أعراض مَرَضية بخدمتهم العسكرية وتجاربهم في الحرب. ومن الأمثلة التطبيقية على هذه الانحيازات، ما خلَصَت إليه دراسة استخدمت السجلات الطبية لمعرفة عدد الجنود الذين أخذوا تطعيمات الحرب قبل الذهاب إليها، ومن ثم سُئِل الجنود عن ذلك، فكانت النتيجة أنّ 1 فقط من الجنود اتفقت أقوالهم عن أخذ اللقاحات مع السجلات الطبية الموثّقة6.
وبالرغم من تحمّس بعض العلماء لوجود متلازمة جديدة مرتبطة بحرب الخليج، كعالم الدراسات الوبائية الإحصائية إيبيديميولوجي الأميركي روبرت هالي، فإنّ أهم الاعتراضات على دراساته عدم وجود عيّنة مُمثّلة عدد كاف من المبحوثين وعدم وجود مجموعة ضابطة للمقارنة Control Group. وخلص عدد من العلماء إلى وجود أعراض وتأثيرات صحية مرتبطة بحرب الخليج، لكن لا يمكن تصنيفها باعتبارها متلازمة جديدة، لسببين أساسيين أولا، لم تُوجد أدلّة كافية تربط الحدث بهذه الأعراض، ولم تكن الأعراض كذلك مُميزة أو تشكّل مجموعة جديدة مختلفة عن أمراض سابقة. ثانيا، وجدت الدراسات أعراضًا مشابهة لدى أشخاص آخرين مدنيين أو عسكريين لم يشاركوا في الحرب6.
لكن بعيدا عن الجدل الطبي والبحثي، كيف تمّ التعامل على أرض الواقع مع هذه الأعراض؟
قبلت وزارة الدفاع البريطانية عام 2005 مصطلح متلازمة حرب الخليج بوصفه مظلة توضع تحتها مجموعة أعراض مختلفة غير مُحدّدة بتشخيص يستطيع من خلالها الجندي الحصول على تعويض مادي مقابل تشخيصه بهذه الأعراض، وقد ارتبط هذا القرار بالطريقة الـمُعتمدة أساسا للتعويضات المالية أو غيرها، التي لا تحتاج إلى تشخيص مُحدّد للحصول عليها، بل يكفي فيها مجرّد رأي خبير طبّي يُحدّد مدى الضرر والإعاقة الناتجة عن المشاركة بالحرب. أمّا بالنسبة إلى العلاج، فكما ذكرنا سابقا، فقد استُخدِم العلاج المعرفي السلوكي للتعامل مع الأعراض كما يتم التعامل مع أمراض أخرى، مثل متلازمة التعب الجسدي الـمُزمن، وهو تشخيص يعتمده الأطباء النفسيون حين يعجزون عن تحديد أسباب مباشرة للأعراض الجسدية. وقد درست وزارةُ الدفاع الأميركية عام 2003 أثر العلاج المعرفي السلوكي والتمارين الرياضية على تخفيف الأعراض، وكانت النتائج الأوّلية متواضعة بعض الشيء.
وإضافة إلى هذا كلّه، يرى بعض الباحثين أنّ من أهم عوائق دراسة هذه المتلازمة وأسبابها أو النتائج العلاجية، التأخّر في إجراء دراسات مُحكمة وكبيرة الحجم؛ مما زاد احتمالات انحيازات الذاكرة على سبيل المثال، وصعوبة إيجاد علاقات سببية بأدلّة كافية6.
يعدّ مصطلح متلازمة حرب الخليج أو الأعراض المكونة لها جزءا من مجموعة كبيرة من التشخيصات النفسية التي برزت بعد حروب مختلفة عبر التاريخ، إلا أنّ نقطة التحوّل الأساسية في تشخيصات الطب النفسي المرتبطة بالحرب كانت حرب فيتنام، إذ لم تسهم حرب فيتنام في تشكيل تشخيص نفسي أساسي مرتبط بالحروب والصدمات فحسب، بل كانت من المراحل المهمة التي غيّرت صورة الجنديّ نفسه لدى العالَم والمدنيين.
ففي مقابلة أجراها مع موقع سبايكد، يرى بروفيسور دراسات الحرب إدغر جونز من جامعة كنجز كولج في لندن أنه في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كانت المُحدّدات المُتعلّقة بوصف الجنود نابعة من ثنائيات أخلاقية، مثل الشجاعة أو الجُبن، لكنّ حرب فيتنام غيّرت طريقة التعاطي مع الجنود أنفسهم، حيث أصبحت محددات النظرة إلى الجندي مرتبطة بنفسية الإنسان وهشاشته، وصارت أنسنة الجُندي وتصويره على أنه ضحية، فكرة أكثر قبولا، ولاقت رواجا وتقديرا أكبر من فكرة الجُندي الشجاع المُضحّي بنفسه.
بدأت بذلك فكرة تقبّل المرض النفسي، لينمو الطب النفسي حينها بفضل تراكمات عديدة أسهمت فيها الحرب العالمية الأولى والثانية، وظهور حركات رافضة للتدخّلات العسكرية والحروب غير المستحقّة وغير العادلة مثل حرب فيتنام، وقد ضجّت شوارع ولايات أميركية بالمظاهرات الرافضة لحرب فيتنام حينها. هذا الرفض جعل الناس غير مُحتفين بعودة الجنود كما حصل في الحرب العالمية الثانية أو حتى الأولى على الصعيد البريطاني، وقلل هذا البرود قيمة الجندي المعنوية المتمثّلة بالشرف والشجاعة والتضحية. إضافة إلى ذلك، أصبح مجال الطب النفسي والأمراض النفسية مدخلا أساسيا لمزيد من السخط على القيادات والحكومات الداعمة للحروب بسبب ما ألحقته بالجنود من أضرار نفسية، بحيث أصبحت المعاناة النفسية مصدرا للاعتبار والتقدير.
لاقت فكرة الضحية رواجا لكونها خففت من وطأة المسؤولية الأخلاقية لأفعال الجنود، وأطّرتها على مستوى فردي، كما أسهمت -بشكل أو بآخر- في إتاحة المجال لتعويضات مادية عن الأضرار النفسية. لا بدّ من الإشارة إلى أنّ كلّ هذه التحوّلات وأثرها في صيرورة الطب النفسي وتشخيصاته لا تنفي بالضرورة الآثار النفسية للحروب والصدمات، لكن بصورة أوضح لا يوجد مسار حتمي لحصول الأمراض النفسية بقدر ما تحكمه عوامل سابقة للحدث ولاحقة له، إضافة إلى تأثيرات الثقافة وتأهّبنا الحالي والدائم، في ظل زخم المعلومات المتاحة في عصرنا، لخطر ما هو قادم.
وبالعودة إلى متلازمة حرب الخليج، يرى الباحثون أنّ الأسباب الطبية قد دُرِست بكثافة، إلا أنّ هناك أسبابا ثقافية واجتماعية تمّ تجاهلها. فعلى سبيل المثال، كان ثمّة دور كبير للإعلام الأميركي في تشجيع وتحريك الدعم لإجراء دراسات على الأعراض التي ظهرت على الجنود العائدين من الحرب، وقد استُخدم مصطلح متلازمة بكثافة قبل صدور أيّ نتائج بحثية، وكان هناك تشكيك دائم في مصداقية الجهات المسؤولة وما يتم مشاركته من تقارير عن الحرب وتأثيراتها.
في مقالة بحثية كتبها عام 2006، يرى البروفيسور بيل دورودي، أستاذ العلاقات الدولية ورئيس قسم السياسة سابقا بجامعة باث البريطانية، أنّ تحوّلات عديدة في العالم أسهمت في تكوين مصطلح متلازمة حرب الخليج؛ وذلك لأنّها أوّل حرب حقيقية اندلعت بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي وما تبع ذلك من تغيّرات في السياسة وثقافة الحروب بل وحتّى تصوّرات البشر عن القيمة والمعنى. وفي مقالته البحثية، سلّط دورودي الضوء على فكرة التحوّلات الاجتماعية وتراجع مفاهيم مثل الأهداف الجمعية لمجتمع ما، لصالح تقدّم فكرة المصلحة الفردية وما نتج عن ذلك من ثقافة خوف دائم من أخطار دائمة الاحتمال، مَرَضية كانت أم اجتماعية.
تحوّلت زعزعة المفاهيم كذلك إلى شعور دائم بعدم الأمان اتجاه المجتمع والسياسات، وصار لزاما على الدولة توفير بدائل تُشعر الإنسان براحة ما، فإذا كان لا بد من الإصابة بمرض ما، جسديا كان أم نفسيا، فإنّ من واجب الدولة توفير الدراسات اللازمة لفهم ما يحدث، إضافة إلى توفير أفضل العلاجات الممكنة. ويُنهي البروفيسور مقالته البحثية بتأكيده ارتباط عدد من الحروب بأعراض نفسية، ومنها حرب الخليج، لكنّه يرى أنّ بناء هذه المتلازمة تحديدا يعكس تحوّلات مجتمعية وتغيُّرا في القيم الحربية الجمعية نحو مقاربات فردية للحرب والمرض. | https://www.aljazeera.net/sukoon/2021/8/8/%d8%a3%d8%b4%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d8%aa%d8%b7%d8%a7%d8%b1%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%86%d9%88%d8%af-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d9%85%d9%86%d8%a7%d8%b2%d9%84%d9%87%d9%85-%d9%83%d9%8a%d9%81 | 2021-08-08T11:53:35 | 2024-06-10T09:31:31 | أبعاد |
|
184 | كيف تحضّر نفسك لجلسة العلاج النفسي الأولى؟ وماذا تتوقّع منها؟ | نشرح بعض الأسس التي يمكن أن تعين الإنسان على معرفة ما ينتظره في جلسات العلاج النفسي، وكيف يمكن أن يهيّئ نفسه وتوقعاته لتكون التجربة أكثر سلاسة وفائدة. | تعاني من مشكلة نفسية، ووجدتَ الطبيب أو المعالج المناسب، حان وقت الذهاب إليه، كل شيء واضح، لكن... حسنا، يبدو الأمر أصعب مما توقّعت، فالقلق والخوف يستولي عليك في هذه التجربة الجديدة. كيف تهيّئ نفسك لجلسات قد تُسأل فيها عن أعمق أسرارك وأهم أحداث حياتك؟ وماذا سيفعل الطبيب النفسي أصلا لكي يشفيك؟ كيف يمكن لكلام المعالج بحد ذاته أن يكون علاجا؟ يبدو الأمر ضبابيّا ومشتّتا، أليس كذلك؟ ما حقوقك الأساسية في العيادات النفسية؟ وماذا يمكن لك أن تتوقع في جلستك الأولى مع الطبيب أو المعالج؟
أسئلة كثيرة تجوب عقول الكثيرين عند اتخاذهم قرار الذهاب إلى الطبيب أو المعالج النفسي. فهل اتخذوا القرار الصائب؟ وكيف لهم أن يعرفوا ملامح ما ينتظرهم في الجلسات ليهيّئوا أنفسهم وتوقعاتهم له؟
في هذا المقال، نشرح بعض الأسس التي يمكن أن تعين الإنسان على معرفة ما ينتظره في جلسات العلاج النفسي وكيف يمكن أن يهيّئ نفسه وتوقعاته لتكون التجربة أكثر سلاسة وفائدة.
إنّ من أهم ما يمكن الحديث عنه قبل الذهاب لأي طبيب أيّا كان تخصصه، هي الحقوق الأساسية التي يتمتّع بها المريض والتي تشكّل حجر أساس للمقابلة الرسمية مع المتخصص. في العلاج النفسي، تزداد أهمية الوعي بهذه الحقوق لاعتبارات كثيرة، وفي الرسم التوضيحي أدناه تجدّ أهمّ هذه الحقوق.
هذه ليست حقوق المرضى الوحيدة، لكنها الأكثر حضورا وشيوعا، والتي يترتّب عليها الكثير من الأشياء لدى المضيّ في العملية العلاجية. وهناك بعض الاستثناءات لهذه الحقوق، لكنها قليلة وتُطبّق في حالات معيّنة مثل الطوارئ أو وجود خطر على حياة المريض أو شخص آخر أو فقدان الأهلية لدى المريض.
لا تخجل أبدا من حرصك على تحقّق هذه الشروط، وتأكد أنها حقوق تعكس أخلاقيات الطب الأساسية، ومتّفق عليها في جميع أنحاء العالم في الممارسة الطبية بشكل عام والطبية النفسية بشكل خاص.
تشكّل الجلسات الأولى أساسا مهمّا للعملية العلاجية، فهي التي تحدّد شكل العلاقة بين الطبيبالمعالج والمريض، وهي التي تكوّن الانطباعات الشخصية الأولية والانفعالات المبدئية التي توجّه العملية ككلّ.
سيحرص المتخصّص في الجلسة الأولى على الترحيب بك ومعرفة التفاصيل العامة عن سبب قدومك وشكواك العامّة، وسيسألك عن بعض الأعراض المهمّة وعن تاريخك المرضي العُضويّ والنفسي، وكذلك سيستفسر عن بعض المعلومات المتعلقة بشخصيتك وعلاقاتك مع الآخرين من حولك. ولا بدّ له أيضا من أن يفحص حالتك المزاجية وسلوكك العام ووظائفك الإدراكية وطريقة كلامك وتفكيرك. هذا كلّه ليضمن تشخيصا صحيحا للحالة، فهي أهم خطوة؛ بسبب ما ينبني عليها لاحقا من خطة علاجية كاملة.
وتعتمد فترة العلاج على التقييم المبدئي للحالة الذي سيمنح الطبيبالمعالج قدرة على التنبؤ بالمدة المتوقعة، إلّا أنه لا يستطيع الجزم بها إلا في الجلسات اللاحقة ولدى مراقبة تحسّنك من عدمه. تختلف الدراسات في تقدير عدد الجلسات التي تتنبّأ بتغيير إيجابي ملحوظ في حالة المريض، لأنّ ذلك يعتمد أيضا على المرض الذي يتمّ علاجه، إلّا أن معظمها تقول بأن التغيير الملحوظ على الأعراض وسلوك المريض يكون بعد 12-20 جلسة تقريبا على مدى 3-6 أشهر تقريبا، ويقول معالجون آخرون خصوصا روّاد مدرسة التحليل النفسي أنّ التغيير الحقيقي والعميق في الشخصية يبدأ بعد 30-40 جلسة على مدى سنة على الأقل، خصوصا في الحالات الأكثر صعوبة، كاضطرابات الشخصية والمشكلات طويلة الأمد.
يمتلك الكثير من الناس صورا نمطية ثابتة عن الطب أو العلاج النفسي، فيظنّ أحدهم أنه سيتمدّد على الأريكة ويتحدث لساعات طوال. بينما يعتقد آخر أن دواء نفسيّا سيكون في طريقه إليه مباشرة بعد الجلسة الأولى، وأن هذه الأدوية كلها تسبب الإدمان. بينما يؤمن آخرون بأن الطبيب النفسي قد يستخدم طرقا معيّنة في العلاج قد يصفونها بالخطيرة وغير الإنسانية، مثل العلاج بالكهرباء أو التنويم المغناطيسي.
والحقيقة أنّ الطب النفسي تطوّر تطوّرا كبيرا عبر السنوات، وما عادت التدخّلات العلاجية مقتصرة على شكل واحد، بل ولم يَعُد هناك تدخّلات خطيرة بالمعنى الحقيقي للكلمة. فبجانب العلاج النفسي غير الدوائي السايكوثيرابي، وسواء كان حديثنا عن العلاج بالأدوية أو بالكهرباء أو حتى بتقنيات التعديل العصبي Neuromodulation، فقد أظهرت الدراسات أن معظم هذه التدخلات آمنة ومهمّة، وأنّها ليست خطيرة بحد ذاتها، خصوصا عندما يكون الاستخدام لفترات قصيرة من الزمن. فأعراضها الجانبية لا تتجاوز الأعراض الجانبية الموجودة في جميع الأدوية الأخرى التي تُستخدم في الطب، وقد تقلّ عنها في بعض الأحيان. إلّا أن هذا لا ينفي بطبيعة الحال ضرورة استخدامها في الزمان والمكان الصحيحين، وعدم الإفراط في الاعتماد عليها على فترات طويلة من الزمن، وهذا أمر يقدّره المتخصّص بشكل أفضل في كل حالة بالتأكيد.
يقدّر الطبيب أو المعالج حاجتَك من هذه التدخّلات بحسب الحالة وتقديره لاستجابتك لأيّ منها، وقد يوجّهك إلى متخصص زميل آخر لكي تحصل على رعاية مزدوجة من متخصصين في الوقت نفسه طبيب ومعالج مثلا. وقد تستخدم طريقة واحدة غير دوائية حتّى في علاج مرض معين، على سبيل المثال أوصت هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية مؤخّرا باعتماد جلسات العلاج المعرفي السلوكي وممارسة التأمل لعلاج الاكتئاب الخفيف بدلا من الأدوية، إلا في حال تفضيل المريض الدواء على الجلسات النفسية. وهكذا، تختلف التوصيات باختلاف الأمراض وشدة الحالات وتقدير الطبيب أو المعالج.
حسنا، ربّما يتساءل أحدهم عن سبب الحاجة للاستعداد لزيارة الطبيب أو المعالج، فهي في نهاية الأمر كزيارة أي طبيب ولا داعي للاستعداد الخاص لها. وفي الحقيقة، تحمل وجهة النظر هذه كثيرا من الحقيقة، فالطب النفسي أصبح فرعا عن الطبّ كأيّ فرع آخر. إلا أنّ الحاجة للاستعداد والكتابة عن موضوع الاستعداد أصلا تنبع من أنّ هناك كمّا هائلا من التصوّرات الشائعة الخاطئة عن المجال النفسي ككلّ، وقد تسبّب هذه التصوّرات إشكالات كبيرة خلال العملية العلاجية، فهي تشكّل آمالا غير واقعية أحيانا عن قدرات الطبيبالمعالج، أو خوفا من العملية العلاجية، أو توقّعات بالتحسّن السريع بسبب الخلط بين العلاج النفسي وممارسات أخرى غير علمية مثل التنمية البشرية وغيرها مما يمنح الناس وهما بالتحسّن على المدى القصير. وهكذا، يجعل الاستعدادُ للجلسات الأولى بهذه المعرفة الأساسية المريضَ أكثر قربا للواقعية في آماله وتوقعاته من العلاج، بدلا من الخوف الشديد من جهة أو الإفراط في التفاؤل من جهة أخرى.
بالإضافة إلى ذلك، يشكّل هذا الاستعداد النفسي تدريبا جيّدا للإنسان لتقبّل طبيعة الحديث في الجلسات النفسية، فللحديث فيها خصوصية غير موجودة في أيّ حوارات إنسانية أخرى، فهي ليست كالحوار مع صديق ولا معلّم، وليست أيضا كالحوار التقني العملي واضح المعالم كما في الحديث مع المتخصصين في مجالات طبية أخرى.
خَلُصت دراسات عديدة على مدى السنوات إلى أنّ توقّعات المريض تلعب دورا محوريا في تنبّؤ نتائج العلاج، وفي تنبّؤ رضا المريض عن هذه النتائج أيضا. وقد وصل الأمر من الأهمية إلى حدّ تطوير أدوات خاصة في العقدين الأخيرين لقياس توقعات المرضى من العلاج النفسي؛ ما يعطي المتخصص قدرة أكبر على التفاهم مع المريض على الخطة العلاجية الأنسب.
وقد وجد بحثٌ نُشر عام 2010 أنّ السبب الرئيسي لنجاح العلاج النفسي هو أنّه فاق توقّعات المرضى بشكل إيجابي، بينما كان السبب الرئيسي لفشله لدى بعضهم هو أنّه خيّب آمالهم التي وضعوها فيه من الأساس. ووجد بحثان حديثان 2011 و2015 أنّ وجود إيمان لدى المريض بقدرة العلاج النفسي على تغيير الحالة للأفضل كان عاملا أساسيّا في بدء المريض للعلاج وفي النتائج الإيجابية له كذلك. وإذا علمنا أن ما نسبته 20 تقريبا من المرضى لا يلتزمون بالاستمرار في القدوم للجلسات النفسية، وأن جزءا كبيرا منهم لا يفعل ذلك بسبب عدم إحساسه بالفائدة المرجوّة التي تأمّلها في البداية؛ عرفنا أهمية وجود توقّعات واقعية ومناقشتها مع المعالج منذ البداية.
إنّ من الجيد كخطوة مبدئية وتأسيسية أن تحاول وضع شكواك ومعاناتك في كلمات واضحة. كلّما حدّدتَ مواضع الخلل والمعاناة، كانت قدرة المعالجالطبيب على مساعدتك أكبر. ممّا يُنصح به أيضا أن تهيّئ نفسك لشرح آمالك وتوقعاتك من العملية العلاجية منذ الجلسات الأولى، وأن تناقش هذا الأمر مع المتخصص بكل وضوح، وأن تخبره بالطرق التي تعتقد أن العلاج سيساعدك فيها قد تكون مثلا تغيير نمط معين من السلوكات لديك، تخفيف أعراض ما،... إلخ.
جميع المرضى يبدؤون العلاج النفسي لأنهم يعانون، وجميعهم يريدون التحسّن، إلّا أن تحديد المقصود بالمعاناة والتحسن سيُسهم بشكل كبير في صياغة خطة علاجية مناسبة لك.
في ضوء ما ذكرناه في هذا المقال، تذكّر دائما أن العملية العلاجية النفسية ليست نزهة، فهي تشتمل على بعض اللحظات الصعبة، وهي تتطلّب التزاما دون رؤية نتائج مباشرة. ستمرّ بأوقات ممتازة وأخرى سيئة، ولا بأس في ذلك، بل هذا ما يجب أن يحصل، لكنّ الالتزام طوال هذه الفترة تحديدا، والشجاعة في مواجهة الجوانب المظلمة من الذات، والصبر على ما أحطتَ وما لم تُحِط به علما؛ هو ما يُراكم الأثر الصغير شيئا فشيئا، ويمنحك النتيجة التي ترغبها في النهاية.
من المهمّ أيضا أن تتذكّر أن الطبيبالمعالج سيساعدك على حل مشكلات معينة، لكنّه لن يكون المنقذ أو المخلّص في كل جوانب حياتك، فأحد أهم أهداف العلاج النفسي هو بناء أو استعادة قدرتك المستقلة على اتخاذ قراراتك بنفسك وتحمل مسؤولياتك، وتطوير مهاراتك في حل المشكلات بشكل عام.
لدى بدء العلاج ومنذ الجلسة الأولى، ستبدأ المشاعر والأفكار تتشكّل لديك عن معالجك وعن علاقتكما خلال العملية العلاجية. من المهم جدّا أن تراقب هذه المشاعر والأفكار، وأن تكونَ صريحا جدّا بمشاركته إياها، حتى وإن بدوتَ غير واثق من ذلك. من المهم أن تكون مرتاحا في مشاركة أي شيء مع المعالج، وألا تخجل من السؤال أو إبداء الرأي، حيث إنّ العلاقة العلاجية بين المريض والطبيبالمعالج هي أحد الأركان الأساسية التي يجب الاهتمام بها بشكل كبير. ومن المهمّ طبعا أن تشعر بأنّه يحترم حقوقك الأساسية -بوصفك مريضا- طوال الوقت. من الجيّد أيضا أن تحضّر دفترا خاصا لديك لتدوين أفكارك ومشاعرك قبل الجلسات وبعدها، وكذلك لتتبّع حالتك النفسية وتطورك بشكل عام مع مضيّ الجلسات.
مقطع فيديو ـد. أحمد أبو الوفا متحدثا عن مدة العلاج وأهدافه وما يفعله الطبيب في الجلسات الأولى
| https://www.aljazeera.net/sukoon/2022/9/7/%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%aa%d8%ad%d8%b6%d9%91%d8%b1-%d9%86%d9%81%d8%b3%d9%83-%d9%84%d8%ac%d9%84%d8%b3%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d8%b3%d9%8a | 2022-09-07T06:28:25 | 2024-05-30T10:02:37 | أبعاد |
|
185 | الطريق إلى غلاف غزة.. موجز تاريخ المقاومة خلف خطوط العدو | يرسم تاريخ المقاومة الفلسطينية منذ 1948 ملامح تطور استراتيجياتها وعملياتها خلف خطوط العدو، وصولا إلى 7 أكتوبر/تشرين الثاني 2023، حيث تجسد حلم العودة في نضال متواصل. فكيف بدأت الحكاية؟ ومن هم رجالها؟ | المكان قطاع غزة، تحديداً شرق مدينة رفح، الزمان 25 يونيوحزيران 2006، الساعة 515 فجراً.. كان جنود الاحتلال الإسرائيلي آمنين في موقعهم العسكري، موقع كرم أبو سالم.. برج حراسة، ودبابة، ومدرعة، وجنود بأسلحة هجومية؛ ظنّوا أنها مانعتهم.
فجأة، خرج من تحتهم عبر نفق ممتد من القطاع إلى الأراضي المحتلة عام 1948، والتي باتت تُعرف باسم غلاف غزة، ثمانية مقاتلين من كتائب الشهيد عز الدين القسام وألوية الناصر صلاح الدين وجيش الإسلام، قسّموا أنفسهم إلى ثلاث مجموعات الأولى فجّرت الدبابة، والثانية دمّرت ناقلة الجند، والثالثة دمّرت البرج جزئياً. ونتيجة لهذا الاشتباك، نجح المقاتلون في قتل جنديين على الأقل، وأسر ثالث حيّا من قلب دبابته.
من المعروف أن عمليّة أسر الجندي جلعاد شاليط انتهت بعد 5 سنوات بعقد صفقة وفاء الأحرار، التي تحرر بموجبها 1000 أسير فلسطيني في سجون الاحتلال، ولكن ما ليس معروفاً -رُبما- هو أن هذه العملية كانت إيذانًا ببدء عهد كسر السياج الفاصل، إذ لم تبدأ حكاية غزة مع العالم المجهول خلف السياج الحدودي الفاصل مع الأرض المحتلة، أو ما يعرف محليا باسم السلك، في صبيحة يوم 7 أكتوبرتشرين الأول 2023.. فكيف بدأت الحكاية؟ ومن هم رجالها؟
في البدء كان قضاء غزة أحد ألوية فلسطين الجنوبية وفق التقسيمات البريطانية والعثمانية، ويضم غزّة ومحيطها بمساحة 1111.5 كلم2، وفيه 3 مدن كبرى هي المجدل، وغزة، وخانيونس؛ و54 قرية وبلدة، منها عراق المنشية، والجورة، وبيت جرجا، وحمامة وغيرها، وكان القطاع متصلاً بمصر عبر سكة قطار حديدية.
ظلّ الحال هكذا حتى نكبة عام 1948، بعدها قُسّم القضاء إلى منطقتين قطاع غزة، وكان تحت حكم الإدارة المصرية، وغلاف غزة وفق المسمى الإسرائيلي الذي ضم لاحقًا 50 مستوطنة وكيبوتسا موزعة على ثلاثة مجالس إقليمية، هي أشكول، وأشكلون، وشعار هنغيف، يقطنها قرابة 40 ألف مستوطن، كما تضم عددًا من المواقع والقواعد العسكرية التابعة لفرقة غزة؛ فرقة الجيش الإسرائيلي المسؤولة عن القطاع.
بعد النكبة، كان قطاع غزة قاعدة انطلاق للعمليات الفدائية تجاه الكيان الناشئ، إذ قاد ضابط المخابرات المصرية، الشهيد مصطفى حافظ، سلسلة عمليات نوعية داخل الأراضي المحتلة، عبر الكتيبة 141 فدائيون، التي ضمت المئات من أبناء القطاع.
امتدت عمليات الكتيبة عبر ثلاث موجات في الفترة ما بين أغسطسآب 1955 وحتى أغسطسآب 1956، ووصل الفدائيون خلالها إلى عمق 18 كلم داخل غلاف غزة، وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أن إحدى عمليات الاقتحام شارك بها أكثر من 200 فدائي في ليلة واحدة.
بعدها بنحو عقد من الزمن، حلّت نكسة عام 1967، التي احتلت إسرائيل بموجبها قطاع غزة بالكامل، وأقامت على أرضه عددًا من المستوطنات، موزعة على 3 كتل استيطانية كبرى في الشمال والوسط والجنوب.
وحتى انسحابها الجزئي من القطاع بعد اتفاقية أوسلو عام 1994، واجهت إسرائيل مقاومة غزّية متواصلة، بلغت ذروتها في السبعينيات مع قوات التحرير الشعبية، ثم في الانتفاضة الأولى عام 1987. وقد تركزت هذه العمليات داخل القطاع بشكل رئيسي وضد قوات الاحتلال ومستوطنيه.
سعت إسرائيل خلال الثمانينيات إلى دمج قطاع غزة مع باقي الأراضي المحتلة، فقام وزير الجيش الإسرائيلي وقتها، آرييل شارون، بتجريف معبر بيت حانون إيريز الفاصل بين القطاع والأراضي المحتلة، قبل أن يُعاد في عام 1984 تشييد المعبر إثر محاولة 4 شبان من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين اختطاف الحافلة رقم 300 من عسقلان.
في الأعوام اللاحقة وحتى عام 2000، تمكنت الفصائل الفلسطينية من تنفيذ عدة عمليات في مدن الاحتلال انطلاقًا من قطاع غزة، كان أكبرها عملية بيت ليد الاستشهادية المزدوجة، وعملية الثأر المقدس التي قادها الأسير حسن سلامة.
ومع اندلاع انتفاضة الأقصى 2000 2005، وتشديد الاحتلال للقيود المفروضة على قطاع غزة، وإغلاق المعابر المؤدية إلى الضفة الغربية وأراضي عام 1948، سعت المقاومة وأذرعها العسكرية إلى جعل المستوطنات في كافة مناطق القطاع، هدفًا لعمليات الاقتحام والتسلل الفدائية. وقد تطورت هذه العمليات على صعيد أعداد المقاتلين، والتقنيات المستخدمة فيها، مثل الأنفاق الأرضية والتسلل عبر البحر، مما أجبر الاحتلال على الانسحاب من غزة عام 2005، بعدما تكبد في الانتفاضة -بحسب اعترافاته- 105 قتلى من جنوده ومستوطنيه.
بتحرير قطاع غزة من الوجود الإسرائيلي، انفصلت غزة عن مشهد الالتحام المباشر مع جيش الاحتلال، لكن ما راكمته فصائلها من خبرات ميدانية وقتالية، وتقنيات صار بالإمكان تطويرها بأريحية بعيداً عن وجود الاحتلال ومستوطناته، أشعل في أذهان عدد من قادتها الميدانيين شرارة التفكير فيما وراء السياج الحدودي الفاصل مع الأراضي المحتلة، أو كما كانت تسميه أدبيات الإعلام المقاوم السياج الزائل.
ينسب الإعلام الإسرائيلي لمروان عيسى، نائب القائد العام لكتائب القسام، سعيه إلى تنفيذ عمليات اقتحام كبرى ضد المستوطنات الإسرائيلية في قطاع غزة، فأشارت تقارير إسرائيلية عام 2011 إلى أن عيسى خطط بإشراف مباشر من سلفه أحمد الجعبري، لتنفيذ عملية اقتحام بعشرات المقاتلين لمجمّع غوش قطيف الاستيطاني جنوبي القطاع، لكن هذه العملية أُلغيت بعد بدء الاحتلال انسحابه من غزة وإخلاء مستوطناته صيف العام 2005.
وفي نشرة خاصة أصدرتها كتائب القسام بعنوان فجر الانتصار احتفاءً بالاندحار الإسرائيلي من قطاع غزة ذلك العام، قُدّم مروان عيسى بوصفه قائد عمليات احتلال المستوطنات. وخلال مقابلة خاصة معه، تحدث عن الإستراتيجية الجديدة لكتائب القسام، قائلًا لقد تغيّر تفكيرنا، قررنا نقل المعركة إلى منازل المستوطنين، مشيرًا إلى أن أول من طرح هذه الفكرة هو القائد العام السابق للكتائب، صلاح شحادة.
وخلال المقابلة، تحدث أبو البراء كما يكنى، بإسهاب حول عمليات اقتحام المستوطنات التي نفذتها كتائب القسام خلال الانتفاضة الثانية، إذ تُنفذ هذه العمليات مجموعاتٌ خاصة تخضع لتدريبات شاقة وإعداد متواصل، تمهيدًا للعملية التي تبدأ بالرصد والمراقبة على مدى أسابيع، بهدف جمع كافة المعلومات التي تساعد في إتمام العملية.
بعد 9 أشهر فقط على الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، ومع بداية مأسسة القسام لكتائبها، كان ثمة نمط جديد من الاشتباك يرسم ميدانيًا، عُرف لاحقاً بالعمليات خلف خطوط العدو.
شكّلت عملية الوهم المتبدد عام 2006، التي بدأنا بها مقالتنا، المدماك الأول في مسار هذا النوع من العمليات، واستهداف غلاف غزة، وتحويل السياج من السياج الفاصل كما يريد الاحتلال، إلى السياج الزائل كما تريد المقاومة، ورسمت صورة مصغرة ليوم الطوفان القادم بعد أكثر من 17 عامًا.
لهذا، لم تمض سنتان حتى جاءت العملية الثانية في 17 أبريلنيسان 2008، حاملة اسم نذير الانفجار، حيث اقتحمت كتائب القسام بعربات عسكرية تشبه آليات جيش الاحتلال، موقع كرم أبو سالم العسكري، مجددًا، وانتهت العملية باستشهاد 3 من المنفذين وإصابة 13 جنديًا إسرائيليا.
مع انقضاء العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2008 2009، دخلت فصائل المقاومة فيما يشبه الثورة العسكرية والتنظيمية، فبدأت العمل بشكل أكثر مأسسة على تطوير قدراتها العسكرية، في مجالات الصواريخ ومضادات الدروع والطائرات المسيّرة. كما شهدت كتائب القسام إعادة هيكلة واسعة لوحداتها القتالية، وانزياحًا نحو التخصصية، عبر تشكيل وحدات النخبة والكوماندوز البحري، كوحدات قتالية خاصة، لتنفيذ مهام الاقتحام والسيطرة.
ولم يكن سرًا أن هذه الوحدات ستسعى لضرب الاحتلال خلف الخطوط في أي مواجهة قادمة، إذ كانت تدريباتها تعكس ترجمة لهذه المخططات، عبر مناورات اقتحام نماذج للمواقع العسكرية والمستوطنات كما في مناورات الركن الشديد.
وفي يوليوتموز 2014، انطلقت معركة العصف المأكول التي شكّلت ذروة سنام المواجهات البرية مع جيش الاحتلال، وكلّلت جهود سنوات ممتدة من الإعداد والتطوير القتالي واللوجستي والعملياتي، إلا أن أكبر مفاجآت هذه المعركة، كانت في انتقال كتائب القسام إلى العمليات الهجومية داخل الأراضي المحتلة، برًا وبحرًا، وكسر مفهوم السياج الفاصل بالنار في عدة مواقع عسكرية.
افتتحت كتائب القسام المعركة التي امتدت لأكثر من 50 يومًا، بعملية إبرار لقوات الكوماندوز البحري على شاطئ قاعدة زيكيم البحرية شمال قطاع غزة، ودارت خلالها معركة شرسة بين أربعة من مقاتلي القسام وجيش الاحتلال الذي استدعى دباباته ومروحياته وزوارقه الحربية لملاحقة المقاتلين والاشتباك معهم، على بعد أمتار من ساحل البحر خلال انسحابهم بعد إتمام العملية.
إلى جانب العملية البحرية الأولى، نفذت كتائب القسام أربع عمليات خلف خطوط العدو في المواقع العسكرية المحاذية لقطاع غزة، وهي مواقع صوفا في رفح، وموقع أبو مطيبق شرق المحافظة الوسطى، وعملية ناحل عوز شرق الشجاعية، وعملية موقع 16 قرب معبر بيت حانون إيريز شمال بيت حانون. وقد أوقعت هذه العمليات 23 قتيلا وفق بيانات القسام، فكانت بمثابة الضربة العسكرية البرية الأعنف في المواقع العسكرية المتقدمة لجيش الاحتلال في غلاف غزة.
لقد شكلت معركة العصف المأكول ما يمكن وصفه بالبداية العملياتية والميدانية لعملية طوفان الأقصى، بعدما حطّمت رهبة ما وراء السياج وحققت عمليًا مشاهد الاختراق والهجوم والسيطرة والانسحاب داخل المواقع العسكرية الإسرائيلية، وهو ما فتح الباب أمام التفكير في خطط الاقتحام الموسع للمواقع العسكرية الإسرائيلية ومستوطنات الغلاف مستقبلا.
في المقابل، أثارت هذه العمليات هلعًا إسرائيليًا من فكرة الأنفاق الحدودية، فدفعت الاحتلال إلى تدشين مشروع الجدار الذكي على طول الحدود الفاصلة مع قطاع غزة، وبعمق يصل إلى 25 متراً تحت الأرض، وقد استغرق بناؤه نحو 4 سنوات، بتكلفة تجاوزت المليار دولار. كما دفعته أيضاً لبناء العائق البحري في أقصى شمال قطاع غزة، وتكثيف عمليات البحث عن الأنفاق التي تتجاوز السياج نحو غلاف غزة، والسعي لتدميرها. وقد حقق جيش الاحتلال نجاحات ميدانية في كشف عدد من هذه الأنفاق.
وبينما كان الاحتلال الإسرائيلي يصبّ معظم تركيزه تحت الأرض نحو الأنفاق الحدودية الهجومية، باعتبارها تهديداً وشيكاً على حدود غلافه مع القطاع، كانت المقاومة تبني خططها من فوق الأرض من أجل اجتياح الغلاف في المستقبل القريب.
في يوم الجمعة 30 مارسآذار 2018، الموافق لذكرى يوم الأرض، انطلقت على طول الحدود الشرقية لقطاع غزة مسيرات العودة الكبرى، التي شارك فيها عشرات آلاف الفلسطينيين، تأكيدًا على حق العودة إلى أراضيهم المحتلة عام 1948.
خلف أهدافها المعلنة بكسر الحصار، شكلت مسيرات العودة فرصة لآلاف الفلسطينيين للوصول إلى السياج الفاصل مع الأرض المحتلة، لأول مرة في حياة الكثيرين منهم، والاشتباك مع جنود الاحتلال وجهًا لوجه، انطلاقًا من المخيمات الحدودية الخمسة التي أقيمت في محافظات قطاع غزة.
تطورت مسيرات العودة إلى اشتباكات أسبوعية مع جيش الاحتلال، وتشكلت وحدات ميدانية من متطوعين شبان، حملت تسميات وحدات الكوشوك، وقص السلك، والسواتر، والأطباق والبلالين الحارقة، والإرباك الليلي وغيرها، وذلك ضمن الأدوات الخشنة للاشتباك مع الاحتلال.
بلغت المواجهات ذروتها في ذكرى النكبة يوم 15 مايوأيار 2018، حيث كان مخططاً أن يقتحم الآلاف الحدود سلميًّا ضمن مليونية العودة، لكن الاحتلال استبق الفعاليات بارتكاب مذبحة دموية على طول الحدود راح ضحيتها 60 شهيدًا، وأصيب المئات بجراح متفاوتة.
دخلت مسيرات العودة في موجات مدٍّ وجزر تبعًا للأوضاع السياسية والأمنية في قطاع غزة، وأصبحت عنوانًا للتصعيد الميداني ضد جيش الاحتلال، عبر وحداتها الميدانية وأدواتها الخشنة، كالبلالين الحارقة وفعاليات الإرباك الليلي، التي أعيد تفعيلها لآخر مرة يوم 14 سبتمبرأيلول 2023، أي قبل ثلاثة أسابيع من تاريخ بدء معركة طوفان الأقصى.
شكلت مسيرات العودة فرصة لكوادر المقاومة من أجل الوصول إلى نقطة الصفر مع الأراضي المحتلة، والاحتكاك بجيش الاحتلال عن قرب، وفحص جهوزيته ومواقع انتشاره، وتجريب العبوات الناسفة ضد السياج الحدودي وآليات الاحتلال ميدانيًا ضمن المجموعات التي عرفت محليًا باسم الشباب الثائر. وقد شهدت آخر فعاليات المسيرات ارتقاء 5 شهداء نتيجة انفجار عبوة ناسفة فيهم، أثناء محاولتهم زرعها على السياج الفاصل.
إلى جانب فحص المشهد ميدانيًا، شهدت مسيرات العودة محطات مفصلية فارقة في العلاقة بين غزة والسياج الحدودي، لعل أبرزها قيام الشهيد أحمد أبو نعيم بسحب أحد جنود الاحتلال من داخل ثكنته المحصنة ومحاولة أسره، قبل أن يرتقي برصاص جنود آخرين، وعملية الشهيد هاني المجدلاوي على ساحل زيكيم داخل الأرض المحتلة، وكمين العلم المفخخ الذي نفذته ألوية الناصر صلاح الدين، وعملية قنص أحد جنود الاحتلال التي نفذتها سرايا القدس، وليس انتهاءً بالمشهد الملحمي لعملية قتل القناص الإسرائيلي برصاص شاب فلسطيني أطلق عليه النار من مسافة صفر من داخل إحدى فتحات إطلاق النار في السياج الحدودي شرق غزة.
75 عامًا مرت على النكبة الفلسطينية عام 1948، الحدث الفارق المؤسس لما صار يعرف باسم القضية الفلسطينية، والسنة التي زُرع فيها سياج فاصل شطر قضاءَ غزة إلى قطاع وغلاف، وزرع معها في قلب القطاع آلاف اللاجئين المهجرين الذين سيبقى حلم العودة يلاحقهم ويتوارثونه جيلا بعد جيل، ليُنبت ما كان مجرد عمليات تسلل ومحاولات فردية للعودة إلى البلاد؛ اجتياحًا جرفَ الغلاف بمواقعه العسكرية ومستوطناته وتحصيناته وجداره الحديدي الذكي، وحقق لأحفاد اللاجئين عودة صاخبة بالبارود والنار، بمشهدٍ غيّر وجه المنطقة والتاريخ، وأحدث انفجارًا إقليميًا ما تزال تبعاته مستمرة حتى اليوم. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/10/16/%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%b1%d9%8a%d9%82-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%ba%d9%84%d8%a7%d9%81-%d8%ba%d8%b2%d8%a9-%d9%85%d9%88%d8%ac%d8%b2-%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae | 2024-10-16T14:59:56 | 2024-10-16T15:00:40 | أبعاد |
|
186 | وُلد مع قيام إسرائيل وآخر أمنياته زوالها.. حوار مع سيون أسيدون | “لديّ أمنية أعرف أنها ستتحقق، وأعرف أني لن أراها بأم عيني، لكني واثق بأن أصدقائي والجيل القادم سيرى تحرر فلسطين”. | شعرت أن اللقاء اقترب من نهايته، فقلت ما أمنيتك؟، سائلا الشيخ السبعيني، المنحدر من عائلة عريقة من يهود المغرب، الذي يلبس قميصا أزرق مكفوف الأكمام، وقد لف على عنقه وشاحا منقوشا عليه خطوط الكوفية الفلسطينية وعلم فلسطين، وجعله شعارا مما يلي جسمه تحت القميص في حميمية ظاهرة وتعاطف تام مع القضية. كان يبدو كمن يستعد للسير في مظاهرة أو وقفة احتجاجية.
متنقلا بنظراته بيني وبين الشاطئ أمامنا، قال بصوته الخفيض هي أمنية أعرف أنها ستتحقق، وأعرف أني لن أراها بأم عيني، لكني واثق بأن أصدقائي والجيل القادم سيرى تحرر فلسطين كانت الشمس تحيينا تحية أخيرة وهي تستعد للغطس في المحيط الأطلسي الممتد أمامنا ونحن جلوس في حديقة فندق أفانتي في مدينة المحمدية، بالمغرب.
ولد سيون أسيدون في أكادير 1948. حين أخبرني بعام مولده وأنا أمسح العرق عن جبيني بعد أن مشيت تحت شمس الصيف عدة كيلومترات من محطة القطار إلى الفندق، لأن بطاقتي البنكية لم تعمل، ولم أكن أملك أجرة التاكسي، توقفت يدي على جبهتي حين سمعت المفارقة. في أي شهر؟ سألته شاخصا ببصري إليه. قال بابتسامة عريضة -كمن يعرف أن دهشتي ستزداد- في مايوأيار، ثم أردف، ولكن ليس في يوم 14 وإنما في يوم 15 مايوأيار.
قبل مولد أسيدون بيوم واحد، وقف ديفيد بن غوريون رئيس المنظمة الصهيونية ليعلن قيام الدولة اليهودية على أرض فلسطين، بعد نهاية الانتداب البريطاني. سيكرس أسيدون بعد ذلك عمره لمناهضة المشروع الصهيوني، ويبشر بنهايته.
سألته، وأنا أرتشف من كأس الليمون الممزوج بالنعناع الذي تعلقت فيه رائحة الثلاجة لطول بقائه فيها، هل تشاركك عائلتك موقفك النضالي من القضية الفلسطينية؟.
ابتسم ابتسامة عذبة، غابت فيها عيناه الغائرتان، وقال ببهجة وكأنه يعلن عن انتصار نجحت في أن أجعل والدي على الحياد أما أختاي فداعمتان للقضية الفلسطينية.
بادرته متحديا، وهو يفتح هاتفه ليريني صور المظاهرات التي عمل على تنظيمها منذ بداية حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة في عدة مدن مغربية.
لأنه ضد المنطق هذا الاستعمار والمجتمع الفاشي لا يمكن أن يستمرا.
لا يمكن أن يتكرر سيناريو الولايات المتحدة، نحن في القرن الـ21 وهناك شعب مقاوم ومتمسك بأرضه، هذا شعب لا يمكن أن يقهر. بالإضافة إلى أن ثمة قوى معارضة لوجود الكيان في الإقليم. كما أن الرواية الصهيونية قد انتهت تماما
ينشط أسيدون في الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع، كما أنه أحد مؤسسي حركة مقاطعة إسرائيل في المغرب بي دي إس BDS، التي تأسست عام 2010. نشأت حركة مقاطعة إسرائيل بي دي إس عام 2005 وهي حركة فلسطينية المنشأ عالمية الامتداد، تسعى لمقاومة الاحتلال والاستعمار الاستيطاني ونظام الفصل العنصري. قال لي أسيدون لم تكن حركة بي دي إس معروفه في العالم العربي. وهي تقوم على فكرة عبقرية، سكت ونظر إليّ لأسأله لماذا يصفها بالعبقرية، فلما لم يجد مني سوى الإنصات سأل نفسه. لماذا؟ وأجاب
لأنها تقوم على 3 مبادئ بسيطة وهي وقف الاستيطان وتفكيك المستوطنات، ووضع حد لنظام الفصل العنصري، ثم استطرد، بالمناسبة لقد سبقنا نحن في حركة المقاطعة، المؤسسات الحقوقية بهذا التصنيف للاحتلال. وثالثا حق عودة اللاجئين. إذا تحققت هذه الأهداف فقد فشل المشروع الصهيوني.
تجمع بي دي إس حولها فاعلين دوليين مؤثرين، وهناك طرق أخرى من الكفاح المسلح يقوم بها غيرنا. لكن المهم أن الحركة الصهيونية تعتبر بي دي إس عدوا إستراتيجيا. ونحن نحقق تطورا مستمرا. أصبحت حركة بي دي إس في 42 ولاية من الولايات الأميركية. وما يحصل في الجامعات الأميركية هو نتيجة عمل الحركة، قال الجملة الأخيرة بفخر لم يستطع إخفاءه.
نعم. الشباب الجامعي متشبع بأفكار حركة المقاطعة، وقادة الحراك إما شباب فلسطيني متشبع بهذه الأفكار، أو مجموعات يهودية موالية لحركة المقاطعة مثل منظمة الصوت اليهودي من أجل السلام.
جدي من جهة والدتي من العرائش، وجدي من جهة والدي من مراكش، لم أستطع أن أفوت طربي للسجعة غير المتكلفة، فقاطعته قائلا ياسلام
أكمل متبسما التقى والدي ووالدتي في مدينة آسفي حاضرة المحيط. وحين قررا الزواج انتقلا إلى الاستقرار في أكادير.
كانت عائلتي ليبرالية مع شيء من المحافظة على طقوس الأعياد اليهودية، كان والدي يملك محلا لقطع غيار المحركات والسيارات، لم نكن أثرياء، كنا من الطبقة الوسطى. ولم أر صرامة في أيام السبت كما تعيش بعض العوائل اليهودية المتدينة.
كنا جزءا من الشعب، كنت مغربيا في المدرسة والحي والجامعة، المجتمع المغربي مجتمع منفتح، بقيت أجهل كل شيء عن فلسطين حتى أيقظتني حرب 67.
بالتأكيد أجاب باقتضاب؟
لم تعجب والدي الفكرة، أجاب على السؤال باستياء وكأنه سؤال مقلوب، لماذا يسافر المرء من بلده الذي ينتمي إليه؟ في آخر عمر والدي، انتقل إلى العيش في فرنسا لضرورة العلاج، ولكنه أوصى بأن يدفن في المغرب، وقد كان.
هناك روايتان، روايتي ورواية أختي أيهما تحب أن تسمع؟ قالها بفصحى واضحة.
كلتيهما، أجبته بحماسة.
فتابع رواية أختي تقول إن أصولنا من إسبانيا كما يشي اسم العائلة أسيدو، وبالتحديد من مدينة شذونة بالإسبانية Medina-Sidonia وهي إحدى مدن مقاطعة قادس، التي تقع في منطقة الأندلس جنوب إسبانيا. وهي مدينة مغربية قالها بمرح وابتسامة عريضة.
إننا من الأسر المغربية من الأطلس الكبير.
صحح لي قبل أن أتم الكلمة من الأمازيغ.
جاءت النادلة التي تأخرت في الترحيب بنا وأخذ طلبنا، ولست أحملها المسؤولية تماما فقد اخترنا طاولة نائية عن المقهى تطل على المسبح، المنفتح على الشاطئ من ورائه.
ماذا تشربان؟
مع هذا الحر، أريد شيئا باردا، هل عندكم عصير ليمون بالنعناع؟
ثم أقبلت على أسيدون، فقال بالدارجة المغربية بعد أن مسح على خده الحليق، مفكرا، أعطيني واحدا من الليمون.
حين سمعت طلبه تنبهت أني طلبت برتقالا مع النعناع، فقلت لها، أقصد الليمون المشرقي، وليس ليمونكم الذي تقصدون به البرتقال. فابتسمت وقالت لي تريد الحامض؟، قلت نعم أريد عصير الحامض مع النعناع.
كان يميل إلى رواية أختي أجاب أسيدون.
بقي وضع اليهود في المغرب يمثل مشكلة للسردية الصهيونية، التي تدعي تعرض اليهود للاضطهاد في بلدان عربية وإسلامية، فيهود المغرب لا ينسون الموقف التاريخي للملك محمد الخامس حين ضاقت أوروبا بيهودها في حكم النازية، فقد فرضت ألمانيا على حكومة فيشي الفرنسية قيودا على حركة وحريات اليهود في فرنسا، فاستكانت حكومة فيشي لطلبات النازية. ولكن الأمر لم ينتقل إلى المغرب الذي كان تحت الوصاية الفرنسية حينئذ، فعندما طالب النازيون بالتضييق على اليهود المغاربة وتسليم بعضهم، جاء جواب محمد الخامس حاسما لا أوافق أبدا على القوانين الجديدة المعادية لليهود، وأرفض الاشتراك في إجراءات غير مرضية، وأريد أن أخبركم أن أفراد الطائفة اليهودية سيظلون كما كانوا في الماضي، تحت حمايتي، وأرفض أن يكون هناك أي تمييز بين رعاياي.
دخل أسيدون الجامعة ولكنه لم يتخرج منها، فقد اعتقلته الحكومة قبل تخرجه عام 1972، بعد مشاركته في تأسيس حزب اليسار الجديد. جاء اعتقاله في فترة حساسة من تاريخ المغرب، أساء المخزن الظن فيها بكل معارض، فقد وشى به بعض زملائه في الجامعة إلى الحكومة بين انقلابي الصخيرات في 1971، وأوفقير 1972، فحصلوا على عقوبات مشددة، حكم على أسيدون الشاب بـ15 عاما.
سجنت في القنيطرة، ومقارنة بتزمامرت كان فندق 5 نجوم.
ما تيسر، أجاب باقتضاب، وكأنه يحاول أن يطرد ذكرى السجن من ذاكرته.
12 سنة ونصف سنة ويوم
فأعاد الرقم وهو يضغط على كل مقطع فيه 12 عاما ونصف العام ويوم تلك سنون عمره، ولم يرغب في التعامل معها كأرقام.
لا، خرجت وعملت في العمل الحقوقي، أنا من مؤسسي ترانسبارانسي المغرب لمحاربة الفساد، وهي طريقة أخرى...، ولم يكمل الجملة المفهومة، فجازيته بتبسم على ابتسامته.
أحلم أن يكون لدي وقت لكتابتها.
بفرحة كبيرة. أظنه سيبقى حدثا يدرس في الكليات العسكرية، لأنه جمع البطولة والشجاعة، واستطاع أن يعيد للقضية حضورها.
لا شك أن الإيمان الديني يدفع الإنسان لهذه التضحية والصلابة، ولكن الإيمان ليس محصورا في الدين، يمكنك أن تؤمن بمبادئ عامة مثل العدالة وتبذل روحك في سبيلها، لا تنس أن الجبهة الشعبية أيضا تشارك في هذه الحرب.
لا يمكن التنبؤ بأفعال الحمقى، أجابني ضاحكا.
في سيارته، حين أخذني ليوصلني إلى محطة القطار، سألته وأنا أنظر إلى صناديق صغيرة لقطع الغيار، التي تناثرت في سيارته، من الشركة التي ورثها عن أبيه
لا أدري، أحب أن أتقاعد وأعود إلى بيت جميل في الأطلس الكبير. هذا ما أفكر فيه، لكني لا أعلم متى سيكون هذا. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/8/14/%d9%88%d9%84%d8%af-%d9%85%d8%b9-%d9%82%d9%8a%d8%a7%d9%85-%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84-%d9%88%d8%a2%d8%ae%d8%b1-%d8%a3%d9%85%d9%86%d9%8a%d8%a7%d8%aa%d9%87 | 2024-08-14T12:57:25 | 2024-10-15T02:19:18 | أبعاد |
|
187 | الطريق إلى الطوفان.. ما الذي أراده محمد الضيف؟ | في خطابه صبيحة 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أجمل محمد الضيف الأسباب التي قادت إلى إطلاق “عملية طوفان الأقصى”، فاستحضر بشكل مختصر ومقتضب سمات البيئة التي حكمت السنوات الأخيرة من مشهد الصراع في فلسطين. | في خطابه صبيحة 7 أكتوبرتشرين الأول 2023، أجمل محمد الضيف القائد العام لكتائب الشهيد عز الدين القسام، الأسباب التي قادت إلى إطلاق عملية طوفان الأقصى، فاستحضر بشكل مختصر ومقتضب، سمات البيئة التي حكمت السنوات الأخيرة من مشهد الصراع في فلسطين. فالتهديدات التي باتت تفرضها الجماعات الاستيطانية اليهودية على المسجد الأقصى والقدس، ومشاريع الاستيطان والضم في الضفة الغربية التي تولى أصحابها زمام الحكم في إسرائيل، وقضية الأسرى التي كاد ينساها أهلها ويتجاهلها العالم، قد بلغت كلها ذروة عالية لا يطالها سوى الطوفان.
لقد استشعرت المقاومة الفلسطينية خطراً وجودياً يتهدد الشعب الفلسطيني وقضيته وهوية أرضه، وهو التهديد الذي اقترن للمرة الأولى بموجات التطبيع التي نمت في ظلال صفقة القرن الترامبية المصممة على أساس طي صفحة نضال الفلسطينيين، وتمهيد الطريق لنزع الأرض منهم ونزعهم من أرضهم.
وكما بدأ الضيف خطابه، فإن الطريق إلى الطوفان طويل وصعب وضارب في سنوات النكبة والاحتلال والقتل والتهجير وتجاهل الأعراف والقوانين الدولية، إلا أن أشد مراحل هذا الطريق قتامة بدأت ملامحها بالظهور جليةً حين اكتملت معالم حسم إسرائيل لوجهتها يميناً، بينما حزمت كبرى الدول العربية أمتعتها للركوب في مقطورة التطبيع التي تقودها قاطرة أميركية الصنع.
بدا من اللحظات الأولى لمعركة طوفان الأقصى التي أطلقتها حركة حماس في غلاف غزة، أنها نتاج تخطيط إستراتيجي وعملياتي منذ شهور وربما سنوات، وأن هذا الأداء الذي فاجأ الجميع كان يُعد من أجل توظيفه في لحظة فارقة تحتاجها القضية الفلسطينية ويحتاجها الفلسطينيون. وظهر من خطابات قيادة حركة حماس وقيادة القسام منذ شهور وعشية انطلاق طوفان الأقصى، أن المقاومة الفلسطينية تأخذ طبيعة التحولات الجارية في المجتمع والحكومة الإسرائيلية بشكل جدي. وتظهر الدلائل مرة تلو الأخرى، أن هناك قدرة استثنائية للمقاومة الفلسطينية -وحركة حماس على وجه التحديد- على قراءة المشهد الإسرائيلي بكل مستوياته السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية، وطبيعة علاقاته الخارجية، وأن هذا الإدراك المعمق للمشهد الإسرائيلي يتم توظيفه في إدارة الصراع مع دول الاحتلال.
والخلاصة الأهم التي دفعت المقاومة الفلسطينية إلى إطلاق طوفانها تجاه إسرائيل الجديدة والمتطرفة، أن المجتمع الإسرائيلي أصبح أكثر يمينية وتطرفاً، وأن سمات المجتمع هذه وجدت طريقها إلى مؤسسات دولة الاحتلال.
وتستهدف هذه الجماعات المتطرفة عبر انضمامها إلى الحكومة؛ تعزيز وتسريع مسارات حسم الصراع وتصفية القضية الفلسطينية عملياً وعلى الأرض. بمعنى أنها تريد أن تحقق إنجازات تتعلق بالسيطرة على الأرض وطرد الفلسطينيين ووضع اليد على القدس والمسجد الأقصى، بل وهدمه وبناء الهيكل المفترض مكانه.
لقد كانت هذه الأهداف قبل سنواتٍ مجرد شعارات لمجموعات دينية متطرفة واستيطانية معزولة عن صنع القرار في إسرائيل، بل ولديها تحديات مع المؤسسات الأمنية والعسكرية لدولة الاحتلال. لقد باتت هذه الشعارات برنامج عمل تتبناه الحكومة الحالية وتوضع له الميزانيات، فقرارات تشريع البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية، وخطط جلب مزيد من المستوطنين اليهود من أرجاء العالم، هي جزء من برنامج وزارة المالية التي يشغلها زعيم التيار الديني القومي المتطرف بتسلئيل سموتريتش، الذي يتولى أيضا منصب وزيرة الإدارة المدنية بوزارة الدفاع. كما أن مسارات الضغط على فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948 والتي يقودها وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال المتطرف إيتمار بن غفير، تعمل بصمت لتغيير الوضعية القانونية والسياسية والسكانية لفلسطينيي الداخل. وبات كلا المتطرفين، وبتحالف ودعم من نتنياهو، يملكان مقدرات الدولة ونفوذها ومؤسساتها لتنفيذ مخططاتهما الاستيطانية والإحلالية.
وفي المسجد الأقصى المبارك، باتت الاقتحامات برنامجا ترعاه أحزاب وهيئات حكومية ويقودها وزراء في الحكومة، وباتت المنظومة الأمنية والعسكرية في خدمة تأمين الاقتحامات في الطريق إلى تهويد الأقصى.
ومع تصاعد دور اليمين الديني المتطرف والمستوطنين في المؤسسات الإسرائيلية السياسية والعسكرية وبروزهم ككتلة حاسمة في حكومة بنيامين نتنياهو، تصاعدت التهديدات التي تتعرض لها الضفة الغربية على مستوى السيطرة على الأرض والضغط على الفلسطينيين لمغادرة أراضيهم، واستهداف بنى المقاومة وحاضنتها، وتفكيك أي كيان سياسي للفلسطينيين.
ومنذ قدوم رئيس الوزراء نتنياهو إلى السلطة عام 2009، حكم مبدأ إدارة الصراع التصورات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وليس السعي إلى الحل، وأقيمت بناء على ذلك سياسات خاصة لكل منهما.
ويضاف إلى ذلك ضرورة التأكيد على أن إدارة الصراع تهدف في نهاية المطاف إلى تجريد الفلسطينيين من أي مستقبل سياسي في الضفة الغربية، والحيلولة دون قيام دولة فلسطينية مستقبلية ضمن ما يُعرف بحل الدولتين، والإبقاء مؤقتا على الدور الأمني للسلطة.
ويبرز تصور تيار اليمين القومي الديني المتطرف كتصور القوى الحاكمة اليوم للتعامل مع الصراع. وفيما يخص الضفة الغربية تقوم مجمل تصورات تيار اليمين الديني القومي المتطرف على متطلبات عدة
وفي سبيل ذلك، عمدت حكومة اليمين المتطرف ومعها جماعات الاستيطان والتهويد، إلى فرض وقائع جديدة في الضفة الغربية عبر تشريع البؤر الاستيطانية غير القانونية التي دشنها المستوطنون بدون الحصول على إذن من حكومة الاحتلال وجيشه، مع التوسع في هدم المنازل والمرافق الإنشائية الفلسطينية بحجة عدم الترخيص.
ومن بين تصورات تيار اليمين الديني القومي المتطرف، تظهر خطة سموتريتش كخطة يمتلك أصحابها التصور والخطة العملية والسلطة اللازمة وأدوات التنفيذ، فالضفة الغربية تمر بمرحلة حساسة ومفصلية قد تشكل مستقبلها وهويتها لعقود.
ولا تعكس هذه الأهداف الرؤية النهائية لخطة سموتريتش، إذ تهدف خطته المسماة خطة الحسم إلى السيطرة الكاملة على الضفة الغربية، ومنع قيام أي كيان سياسي للفلسطينيين فيها، وزيادة عدد المستوطنين ليصل إلى مليونين، ودعم برامج التهجير الطوعي للفلسطينيين، واستخدام الحسم العسكري مع الرافضين للهجرة أو الامتثال لحكم إسرائيل.
وتعتمد العوامل التي تساعد سموتريتش على تنفيذ مخططاته بشكل أساسي؛ على امتلاكه أوراق ضغط للتأثير على نتنياهو والجيش والسلطة الفلسطينية، بالإضافة إلى كونه لا يأبه للموقف الدولي ويترك لرئيس الوزراء مهمة التعامل مع الضغوط الخارجية.
وقبل كل ذلك، فإن مشروع الاستيطان في الضفة الغربية يشكل محط إجماع شبه مطلق في البيئة السياسية الحالية بكافة أطيافها، كما تنظر له المؤسسة الأمنية والعسكرية كحاجة أمنية.
بلا شك، فإن تداعيات خطة سموتريتش حاسمة بشأن وجود ومصير الفلسطينيين في الضفة الغربية ومجمل الصراع، لكنّ ذلك له انعكاس مهم على البيئة السياسية للعدو وتسريع حسم اتجاه الدولة والمجتمع نحو اليمين المتطرف وليس فقط اليمين، إذ إن سياسات سموتريتش وخطط الاستيطان وضم الأراضي تهدف إلى زيادة عدد المستوطنين الذين يميلون في العادة نحو التوجهات اليمينية والدينية منها، الأمر الذي يعد ارتفاعا في نسبة التأييد لليمين الديني.
كما أن نجاح التيار في تنفيذ أجندته يعد نجاحا داخل البيئة السياسية للعدو، وسينظر إلى قادة ورموز التيار على أنهم قادرون على فرض رؤيتهم، كما أن تعزيز نفوذ التيار في مؤسسات الحكومة وفي المجتمع سينعكس تلقائيا على المؤسسات الأمنية والجيش، وهو ما تظهر مؤشراته وتتصاعد بشكل مستمر، خاصة بعد طوفان الأقصى.
وتُعتبر سيطرة اليمين بكافة أطيافه على الحكومة واستمرار حاجة نتنياهو إلى التحالف مع اليمين الديني القومي المتطرف، وقرب انتهاء ولاية إدارة بايدن، واحتمالية عودة إدارة ترامب، وتراجع قدرة الجيش على التأثير في البيئة السياسية، كلها عوامل تسهم في مواصلة سموتريتش والحكومة اليمينية تنفيذ مخططاتهم للضم خلال سنوات قليلة قادمة.
يضاف إلى تلك العوامل؛ تزايد تأثير الصهيونية الدينية في أوساط الجيش وتركيزها على قيادة المنطقة الوسطى، وتعمق القناعة بإستراتيجية الاستيطان في الضفة الغربية وعدم القدرة على التعايش مع وجود الفلسطينيين، علاوة على تواطؤ السلطة الفلسطينية في قمع المقاومة بالضفة، وتَركّزِ المقاومة في بؤر محدودة.
وهذا سينعكس على المساحة التي يسيطر عليها الفلسطينيون أو تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، إذ تستهدف مخططات سموتريتش ضم 70 من مساحة الضفة في المدى المتوسط، مما سينعكس على عدد الفلسطينيين فيها وجغرافيا تواجدهم وحصرها فيما تعرف بمناطق أ.
ولا يظهر أن بيئة التفاعلات الإسرائيلية الداخلية تتجه إلى لجم خطة سموتريتش واليمين الديني القومي وجماعات الاستيطان، بل على العكس، إذ تظهر المؤشرات تزايد القناعة بهذا المسار وتغطيته من قبل نتنياهو والسكوت عنه، وتمريره من قبل الجيش والمؤسسة الأمنية.
لقد باتت سياسات حسم الصراع لليمين المتطرف وأيديولوجية التهجير الترانسفير والمزيد من العنف العسكري؛ مقارباتٍ قد تصبح العقيدة الجديدة للجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، وأن تتحول هذه السياسات اليمينية في ظل انتفاء أي أمل بالتسوية السياسية إلى مركّب أصيل من مركّبات الحكم العسكري في المستقبل.
ما بين سيف القدس وطوفان الأقصى، عمدت إسرائيل إلى التسلل لواذاً نحو تغيير نهجها في التعامل مع قطاع غزة، والذي قام بالأساس على فكرة احتواء حماس وإغرائها بالامتيازات. وفي سبيل ذلك، نهجت إسرائيل سلوكاً جديداً بتركيز استهدافها لحركة الجهاد الإسلامي وجناحها العسكري، سرايا القدس، عبر فرض جولات من التصعيد المركز معها. وكان الهدف من هذه الإستراتيجية الولوج إلى غزة وفرض قواعد اشتباك جديدة عبر عزل حركة حماس عن المواجهة واختبار استجابتها لإستراتيجية الاحتواء.
سعى الاحتلال حينها إلى فرض قواعد اشتباك جديدة عبر استهداف حركة الجهاد الإسلامي وجناحها المسلح، سرايا القدس، وتنفيذ اغتيالات نوعية ومركزة لقيادتها، وتجنب الاشتباك مع حركة حماس رغبة في تحييدها، الأمر الذي يشكل ضغطا عليها أمام الجمهور الفلسطيني، ويحدث خللاً في إدارتها للمشهد المقاوم في قطاع غزة.
وكررت إسرائيل تجربتها لثلاث جولات مع سرايا القدس، وحاولت فرض معادلة الاستفراد بفصيل بعينه، حيث سبق أن نفذت عملية اغتيال بحق القائد في السرايا بهاء أبو العطا، تبعتها جولة قتال معها كان لها تأثير سلبي على صورة حماس والعلاقة مع حركة الجهاد. وبعدها بسنتين، خاضت جولة أخرى اغتالت فيها مجموعة من أعضاء المجلس العسكري لسرايا القدس، كان أبرزهم تيسير الجعبري وخالد منصور، عقب اعتقال الاحتلال للقيادي في حركة الجهاد الشيخ بسام السعدي. وفي كلتا الحالتين، كان تقدير حركة حماس وقتها بعدم الانجرار إلى مواجهة موسعة في ظل استعداد الاحتلال الإسرائيلي العسكري. وقد قوبل هذا الموقف من الحركة بكثير من التندر والحيرة، وقد يكون أسهم بشكل كبير في تعطيل جهاز الإنذار الاستخباري لمُعدي تقديرات الموقف في أجهزة الأمن الإسرائيلية.
ويبدو أن الاحتلال الإسرائيلي فهم سلوك حركة حماس وجناحها المسلح، كتائب القسام، بشكل خاطئ وقتها، حين اعتبر أن لديه القدرة على فرض هذه المعادلة، فبادر بتنفيذ عملية اغتيال نوعية ومتزامنة لثلاثة من قادة سرايا القدس، حيث التقت مصلحة نتنياهو في استعادة زمام الأمور بعد الأزمة السياسية الخانقة التي مر بها منذ تشكيل حكومته الأخيرة؛ مع رغبة الجيش والأجهزة الأمنية في محاولة ترميم الردع مع الفلسطينيين وتثبيت قواعد اشتباك جديدة مع المقاومة في قطاع غزة.
كان واضحاً في إدارة حركة حماس لتلك المرحلة عدمُ السماح للاحتلال بفرض قواعد الاشتباك التي يرغب بها وكسرُ محاولاته لتمرير الردع، فلا يمكن السماح لنتنياهو بتحويل قطاع غزة إلى مسرح عمليات مستباح يلجأ إليه في لحظات الأزمات السياسية الداخلية، أو لتحقيق صور إنجازات أمنية وعسكرية على حساب الفلسطينيين. وبدت إستراتيجية المقاومة الفلسطينية فاعلة في إيقاع نتنياهو في الفخ الذي نصبه بنفسه. وحتى إذا صعّد الاحتلال من هجماته، سواء بمزيد من استهداف المدنيين أو بتوسيع الهجمات لتشمل حركة حماس وجناحها العسكري، أرسلت حماس وقتها رسائل بالنيران عندما وظفت غرفة العمليات المشتركة ومنحت الجهاد الإسلامي وسرايا القدس القدرات العسكرية والدعم الأمني والاستخباري لكسر المعادلة وعدم السماح بفرضها، لأن عواقب ذلك ستكون وخيمة، وستفقد غزة مع الوقت معادلة الردع التي فرضتها، بل وتمدد تأثيرها الذي فرضته في معركة سيف القدس في مايوأيار 2021.
يمكن القول إن إستراتيجية حركة حماس في الأشهر التي كانت تُعِد فيها للطوفان، قامت على اجتراح إستراتيجية مقابلة لإستراتيجيات الاحتلال الإسرائيلي الذي كان وقتها ما يزال يتمسك بنظريته الأمنية التقليدية القائمة على الاستباق والمعارك القصيرة وحصر المعركة في أرض الخصم. فإذا كان الاحتلال، نظراً لتفوقه العسكري والتقني وامتهان الغدر، قادرا على الاستباق في تنفيذ عمليات الاغتيال، فإن المقاومة أفقدته عنصريْ التحكم في المدى الزمني للمعركة وحصرها في أرض الخصم. ومع إطالة أمد الجولة وتطور أداء المقاومة في غزة، سينتقل الضغط تدريجياً من كونه منصبًّا على جبهة المقاومة في غزة، إلى جبهة الاحتلال الداخلية، وهذا ما حصل بالفعل.
في ظل هذا المشهد الصعب الذي يواجه القضية الفلسطينية ويواجه الفلسطينيين، سبق الطوفان رحى تحولات إقليمية كبيرة في المنطقة لتعزيز مسار التطبيع مع دولة الاحتلال وإدماجها في المنظومة الإقليمية. وترعى الولايات المتحدة هذا المسار وتضم إليه تباعاً الدول العربية والإسلامية الرئيسية في المنطقة وخارجها. والأخطر في موجة التطبيع أنها قامت على فلسفة تجاوز القضية الفلسطينية والفلسطينيين، وترك الموقف العربي التقليدي من الصراع -حتى بحدّه الأدنى- وراء الظهر، الأمر الذي يحوّل القضية الفلسطينية، في أحسن التصورات، إلى قضية إنسانية لمجموعات سكانية تنشد العيش والطعام والشراب والسكن.
فالمنظور الأساسي الإسرائيلي لعمليات التطبيع التي اجتاحت البيئة العربية والإسلامية منطلقها أساساً منطلق أمني. وفي ظل ما تشهده المنطقة من حالة تراجع وغياب لأي مفهوم للأمن العربي أو الإسلامي المشترك، بل واستبداله بتصدعات عربية وإسلامية، ترى دولة الاحتلال أن عمليات التطبيع يمكن أن تتطور إلى مرحلة تقود فيها دولة الاحتلال تحالفات إقليمية على المستوى العسكري والأمني والاقتصادي.
وانطلاقاً من هذه المقاربة، لم يعد التطبيع مجرد نزوات سياسية معزولة أو اضطراراً لنظام معين، أو اختراقات محدودة ينفذها العدو في المنطقة، بل بات يمثل تهديداً إستراتيجياً وأمنياً للمنطقة العربية، ويهدد مستقبلها وهويتها، ويمهد الطريق لوضع اليد على مقدراتها ومقومات أجيالها.
كما أن محاولة تأطير التطبيع في اتفاقيات إستراتيجية وأمنية مثل اتفاقيات أبراهام وتصديرها في سياق تشكيل إقليمي أوسع، لا يخفي حقيقة أن التطبيع يوفر البنية التحتية لدولة الاحتلال لتهيمن على الأمن الإقليمي وتلحق الدول المطبعة بها، وتوظف قدرات هذه الدول في رسم نظام أمني إقليمي يحمي دولة الاحتلال ومصالحه، وفي المقابل، يكشف دول التطبيع أمنياً وسياسياً أمام شعوبها وأمام كل المناهضين لدولة الاحتلال.
كذلك، لم تنجح جهود مقاومة التطبيع التقليدية في تحقيق إنجاز ملموس في صد موجة التطبيع المسمومة، ونظرت حركة حماس إلى هذه الموجة على أنها مُهدد إستراتيجي سيغيّر قواعد اللعبة لصالح الاحتلال، وسيفرض واقعاً جديداً قد يصعب مقاومته في حال استقراره وامتلاك الأدوات وآليات التحالف الفعلي بين دول التطبيع والاحتلال.
وفي الأشهر الأخيرة التي سبقت الطوفان، سيطرت على الأجواء احتماليةُ تحقيق موجة تطبيع جديدة تقودها الولايات المتحدة عبر توقيع اتفاقيات بين إسرائيل ودول عربية كبرى. وبلا شك فإن التداعيات السياسية والأمنية لأي اتفاق تطبيع كامل بين البلدان العربية ذات الثقل السياسي والكيان الصهيوني تُشكل خطورة على القضية الفلسطينية وعلى الموقف العربي والإسلامي من القضية، تتجاوز خطورة اتفاقات التطبيع السابقة التي أقدمت عليها العديد من الأطراف العربية الأخرى، فالوزن السياسي لتلك الدول قد يدشّن مرحلة جديدة متسارعة من اتفاقيات التطبيع عربياً وإسلامياً مع الكيان الصهيوني.
وتُعد موجة التطبيع الجديدة مرحلة مهمة في مسار التحولات الإستراتيجية التي ترعاها الولايات المتحدة لإعادة تشكيل المنطقة، واستمرارا لإستراتيجيتها في الحفاظ على الهدوء في المنطقة، لتحقيق فرصةٍ أفضل لإدارتها وعدم تأثيرها على صراعات دولية أخرى تحتل أولوية لدى واشنطن، فهي ليست مجرد إنشاء علاقات دبلوماسية، بل تغيير في شكل التحالفات في المنطقة.
على الصعيد الفلسطيني، ستكون القضية الفلسطينية برمتها والمقاومة الفلسطينية من أكثر المتأثرين سلباً بمسار التطبيع الجديد، لما يعنيه الأمر من مستوى جديد من تجاوز للقضية الفلسطينية، ومن دفعٍ للاحتلال إلى تنفيذ برامجه في الضفة الغربية والقدس، وتعزيزٍ للجهود الأميركية والإقليمية والإسرائيلية للقضاء على المقاومة في الضفة واحتوائها في غزة.
وبشأن استجابتها لموجة التطبيع، فإن السلطة الفلسطينية تمر بحالة من الضعف دفعتها إلى مزيد من التساوق مع أدوار تتعارض ومصلحة القضية الفلسطينية، وعليه فإن تصديها للتوجه التطبيعي كان أمراً مشكوكاً فيه. بل ظهرت بوادر لقبول السلطة بفكرة التطبيع مقابل مكاسب ضيقة وإجراءات إسرائيلية رمزية، وفق منظور يهدف إلى الاستفادة منه لتعزيز استقرارها وإحياء شكلي لمشروعها السياسي، وتحقيق مكتسبات تساهم في المحافظة على وجودها، حتى ضمن الرؤية الأميركية الإسرائيلية التي يقتصر دورها على الجانب الأمني. وبدا الفريق الحالي الذي يقود السلطة مندفعاً بشكل كبير للتعاطي مع الخطوة والسير وفقها، لما يوفره ذلك له من تعويم محلي وإقليمي مطلوب لمرحلة ما بعد محمود عباس.
لقد فرض تَعمّد تجاهل القضية الفلسطينية وحقوق الفلسطينيين نفسَه على الواقع الإقليمي. فالمنطقة التي بنت بيئتها الإقليمية لعقود على أساس مقاومة إسرائيل أو الاعتدال معها، باتت تأخذ شكلاً جديداً من المحاور لا يرى من الموقف من إسرائيل عنواناً ملحاً لنسج التحالفات. ولقد حظيت القضية الفلسطينية بلحظة مشمشية -كما يسميها الفلسطينيون- في سنوات الثورات الشعبية العربية الأولى، إلا أنها كانت لحظة عابرة عانت بعدها القضية من انشغال حلفائها أو انكسارهم وغلواء خصومها وميلهم نحو أعدائها. وسادت في السنوات الأربع التي سبقت الطوفان أجواء المصالحات الإقليمية التي أدارت رحاها إدارة بايدن، وعانق أقطاب المنطقة بعضهم البعض، بينما يشد اليمين المتطرف الإسرائيلي على عنق الفلسطينيين ومقدساتهم.
كما انحسرت خيارات الفلسطينيين، وفشلت رهانات قيادة السلطة الفلسطينية وأصبحت أكثر ميلاً إلى التعايش مع الاحتلال، بدلاً من نسج إستراتيجية وطنية شاملة.
بجانب هذا المشهد، راحت المقاومة الفلسطينية في غزة تُراكم قوتها العسكرية وتعزز وضعيتها السياسية في القطاع، وتناور مع الدول الإقليمية ومع الاحتلال، الأمر الذي بدا صبيحة 7 أكتوبرتشرين الأول أنها عملية تضليل إستراتيجي انتهجتها قيادة حماس في قطاع غزة مع إسرائيل، عطلت على إثرها أدوات الاستشعار الاستخباري السياسية قبل العسكرية، وباغتت مشروع تصفية القضية الفلسطينية بطوفان غيّر شكل المنطقة وما زال، وأدخل إسرائيل في أصعب اختبار لوجودها. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/10/13/%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%b1%d9%8a%d9%82-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d9%88%d9%81%d8%a7%d9%86-%d9%85%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%8a-%d8%a3%d8%b1%d8%a7%d8%af%d9%87-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af | 2024-10-13T16:23:46 | 2024-12-02T03:17:18 | أبعاد |
|
188 | أراقبهم أم أثق بهم.. هل أفتش هواتف أبنائي وغُرفهم بين الحين والآخر؟ | كبر الطفل وبات باب غرفته الذي كان مُشرَعا على الدوام مغلقا، وأمامه نقف -نحن الآباء والأمهات- مرتبكين، هل نقتحم خلوته ونفتش غرفته أم نتريث قليلا؟ ولماذا نشك في أطفالنا؟ | حجرة الطفل لا تقتصر على نومه واستيقاظه فحسب، فهي مساحات ينضج فيها الطفل، مدركا معاني توفرها له تلك المنطقة من الخصوصية والفردية والاستقلالية، حتى لو لم يتجاوز حيزها بضعة مترات. كلما نضج الطفل جذبته تلك المفاهيم، فانسحب ببطء، وانطوى داخل فضائه. الآن باب غرفته الذي كان مُشرَعا على الدوام بات مغلقا، وأمامه نقف -نحن الآباء والأمهات- مرتبكين، هل نقتحم خلوته ونفتش غرفته أم نتريث قليلا؟
تخبرنا نانسي دارلينج، المتخصصة في علم النفس التنموي في كلية أوبرلين، أن هدف الأبوة والأمومة قد يكون تكوين شخصية تتمتع بالاكتفاء الذاتي والاستقلالية، ما يمكّنها من مواجهة عقبات الحياة، فهذه العملية الاستقلالية تتطور تدريجيا مع تمكّن الأطفال من الزحف بعيدا عن والديهم، ومن ثم المشي، والذهاب إلى المدرسة، إلخ. لكن الصعوبة الأكبر بالنسبة إلى الوالدين تأتي عند الموازنة بين رغبة الطفل في الاستقلال الذاتي والقلق المتعلق بسلامته، بالإضافة إلى القلق الناجم عن رغبة الأهل في الحفاظ على اتساق الأطفال مع قيم الدين والأسرة والمجتمع1.
في مراحل عمرية حرجة، كالمراهقة، يُقْدم الآباء على تفتيش غرف أبنائهم وهواتفهم في أحايين عدّة، معلنين بهذا الفعل صراحة تهديد الثقة بأبنائهم، ما يبعث لدى الأبناء شعورا متزايدا من القلق والانسحاب، وربما الاكتئاب في بعض الحالات. إذ وفقا لـلورانس شتاينبرغ، أستاذ علم النفس في جامعة تيمبل، فإن هناك الكثير من الأبحاث التي تشير إلى أن الأطفال الذين يكبرون مع أبوين متطفلين بشكل مفرط هم أكثر عرضة لمشكلات نفسية، ويرجع ذلك جزئيا إلى أنها تقلل من ثقة الطفل في قدراته المستقلة2.
في الشأن نفسه، أشارت دراسة حديثة في مجلة Adolescence إلى أن التلصص من غير المرجح أن يجعل الأمور أفضل. حيث وجدت دراسة استقصائية شملت 455 مراهقا أن المراهقين الذين اعتقدوا أن والديهم قد استمعوا سرا إلى محادثاتهم أو بحثوا في ممتلكاتهم دون إذن، يشاركون معلومات أقل مع ذويهم مقارنة بالمراهقين الذين شعروا أن والديهم يحترمون الحدود المناسبة 3. تتماشى هذه النتيجة مع دراسة أخرى وجدت أن تطفل الوالدين الزائد قد يؤدي إلى أن يصبح المراهقون أكثر سرية داخل المنزل.
أول دوافع ارتياب الآباء في أبنائهم هو اتجاه أطفالهم نحو الخصوصية، وهي -بالمناسبة- مرحلة تطور أصيلة في رحلة الطفل نحو الاستقلالية والاكتفاء الذاتي الذي يرنو إليه الطفل كلما كبر. يشرح عالم النفس الاجتماعي سكايلر هوك أن هذه المرحلة، على الأرجح، حاجة إنسانية أساسية تتجاوز الثقافة. وما إن تدخل مرحلة المراهقة حتى تتغير سريعا أدمغة الأطفال وأجسادهم وحياتهم الاجتماعية. وفي أثناء تجربتهم لِهُوِيّاتهم وتعبيرهم عن أنفسهم فإنهم يحتاجون إلى مساحة لمعرفة كل شيء مما يحيط بهم. تتفق ساندرا بترونيو، أستاذة دراسات الاتصال في جامعة إنديانا، مُضيفة أن الوظيفة الرئيسة للمراهق هي التفرد والابتعاد عن سيطرة الوالدين بمطالبتهم بمساحة خاصة4.
يتحول الطفل من شخص ينحصر اهتمامه في أن يكون مركز الأنظار إلى مُحبٍّ للمكوث في غرفته طويلا مع شيء من الغموض وقلة الكلام5، وهذا -تحديدا- ما يقود الوالدين إلى القلق. عبّر عن هذا بيتر مارشال، وهو طبيب نفساني للأطفال، ومؤلف كتاب الآن أعرف لماذا يأكل النمور صغارهم، مبررا أن المراهق يميل إلى الانفصال بقوله عن المراهقين إنهم يقضون جزءا كبيرا من وقتهم في مجرد التفكير في الأشياء، ومحاولة اكتشاف مَن هم، وماذا يريدون أن يصبحوا6.
لهذا، فإن الدكتورة كريستين بيلير، وهي مستشارة مهنية مرخصة ومعالجة قضايا الزواج والأسرة، ترى أن على المراهقين أن يتمتعوا بمستوى من الخصوصية. لكن مع الوعي بأنهم ليسوا بالغين ولا يمكنهم التعامل مع الاستقلالية الكاملة، لذا، تقع على الآباء مهمة تعليم المراهقين التعامل مع المسؤولية المتزايدة من خلال إعطائهم مستويات تتناسب مع أعمارهم، من حيث الخصوصية والمسؤولية. ومع ذلك، يجب على الآباء الاستمرار في فحص المراهقين ومراقبة سلوكهم7. ومن الممكن للوالدين معرفة المزيد عن حياة أطفالهم مع السماح لهم بالخصوصية المدروسة، ما يعني أن الآباء بحاجة إلى النظر في عمر الطفل ومستوى المسؤولية قبل تحديد مستوى الخصوصية الذي يستحقه.
إن شاءت الأقدار أن تعثر على شيء، كالممنوعات، فامنح نفسك وقتا لاستيعاب الموقف. تحقق من المادة التي بين يديك، هل يتعاطاها طفلك؟ هل هناك احتمال بأنه أدمنها؟ فللمخدِّرات والإدمان مسببات وأسباب سلوكية وبيولوجية. على كل، تَخلّص مما تجده في الحال. تحدَّث مع شريكك أو مع شخص تثق به قبل مواجهة طفلك. يجب أن تحسم أمرك وتنتقي كلماتك بعناية. حاول تحليل الموقف دون الاستجابة العاطفية بشكل انفعالي، امنح نفسك الوقت الكافي لتهدأ وتُقيّم الموقف الذي واجهك حتى تتمكن من الاستعداد للمناقشة والتدخل الذي تنوي القيام به مع طفلك. بهذه الطريقة تزداد احتمالية إحراز تقدُّم بدلا من التسبب في انشقاقات بينك وبين طفلك.8.
حادث طفلك بنبرة هادئة تتجنب فيها الانفعال والغضب. فبعد اكتشافك لشيء صادم في أدواته الشخصية أو مخبوء في حجرته، سيجتاحك الغضب والحزن والإحساس بالخيانة أو الخديعة، ما سيولّد ردة فعل حادة. لكن تذكر أن الانفعال لن يجدي على الأغلب، ومن المحتمل أن يعطي نتائج غير مرجوة، لذا، حاول تجنبه في ردودك. تخلّص من كل مشاعرك قبل مواجهة طفلك، يجب أن تتعامل مع هذا بعيدا عن مشاعرك، كن هادئا ومتزنا عند التحدث إليه، واجعل جلستك معه على انفراد.
حتى ولو لم تعثر في غرفته على ما يدعم صحة شكوكك أو ينفيها، ففي الحالتين تصدق كلمات نادين كاسلو، الأخصائية النفسية والخبيرة في الانتحار لدى الشباب من المهم أن تتحدث عن مخاوفك بطريقة هادئة وغير اتهامية، في بعض الأحيان عندما يشعر الآباء بالقلق الشديد، فإنهم لا يُظهِرون اهتمامهم وعنايتهم كما هو مقصود، بل انتقادهم، وهو ما يستجيب له الأطفال بشكل سلبي9.
عندما تكتشف أن طفلك قد اتجه إلى التدخين أو أي شيء آخر، حاول أن تكتشف الأسباب التي دفعته لذلك، وما الذي جعله يسلك طريق الكذب والاختباء والخداع. ربما تجد محفزات كامنة ومحتملة هي التي دفعته إلى فعلته، ربما تَعرّض طفلك بالفعل للتنمر أو غيره من المواقف الصعبة في المدرسة، ومن الممكن أن يكون له صديق أو مجموعة من الأصدقاء الجدد الذين لهم تأثير عليه، وقد يكون تعبيرا عن مشاعر الاكتئاب أو القلق. الأسباب لا تبرر الفعل، لكنها قد تساعد في معالجتها، وإذا استوجب الأمر استعن بمختص.
يعرف الأطفال أن الكذب خطأ، لكنهم يلجؤون إليه على أي حال للتملص من العواقب، ولأنهم يعتقدون بأنه خيارهم الوحيد. إذا نظرت إلى الكذب على أنه مشكلة تستدعي الحل، فيمكنك مساعدة طفلك على تطوير إستراتيجيات حتى يتمكن من التوقف عن الكذب في المستقبل. في الحقيقة، فإن الاستجابة الأكثر فعالية هي امتصاص الخوف بمعالجة السلوك وتحديد العواقب، ومساعدة طفلك على تعلم طرق مختلفة للحصول على ما يريده بخلاف الكذب والتهرب.
عليك سؤاله وبيَان شكوكك كاملة والوقائع التي بين يديك، رغم أنه كما تقول جوديث سميتانا، أستاذة علم النفس في جامعة روتشستر إذا كان الأطفال متورطين -بالفعل- بسلوك محفوف بالمخاطر، فإنهم يميلون إلى عدم إخبار والديهم، في مثل هذه المواقف، فإنهم يخشون من التأنيب والعقاب. وفقا لذلك، تقترح أننا قد نبدأ أسئلتنا حول السلوك الذي يثير توجسنا معلنين عن رغبتنا في الاستماع إليه، دعه يتحدث عن الموقف ويشرحه، لا بأس إذا بدا طفلك عدائيا وغاضبا، مذنبا، ودفاعيا، أو مستاء، أنصت إليه ودعه يُفصِح عن كل شيء، مؤكدا على أنه لن تنفعل ولن تقع في مشكلة. أريد فقط أن تكون على ما يرام10.
ذكِّر طفلك بأنه ليس بمفرده، وأنك تريد المساعدة فقط، وإذا استدعى الأمر، أظهر تعاطفك، مثل يبدو أن هذا كان صعبا حقا، أعلم كم يمكن أن يكون ذلك مؤلما. وضح له سبب تفتيشك لغرفته من الأساس، حتى وإن لم ترَ لذلك داعيا. الأهم أن تشرح له خطأه وفداحة فعلته. على سبيل المثال، في حال تعلق الأمر بحيازة الممنوعات، وضح له مخاطرها، ودعه يستوعب حجم الموقف. أفرد له مساحة آمنة، أخبره بما لا يجب الوثوق به.
إذا انتهت مهمتك في تفتيش غرفته بمواجهة حقيقة صادمة كأن يكون مدمنا، سانِدْه وَضَعْه أمام خيار التعافي وإعادة التأهيل. في كل الأحوال، لا تتخلَّ عنه، ولا تجعل الشك يقودك دوما إلى تقريعه وتذكيره بما أخطأ فيه يوما. وقد يقود جل ما سبق في النهاية إلى حمايته أو حثه على الرجوع أو مراجعة أخطائه أو الإبقاء على حياته، وربما يجعل باب حجرته مواربا لك على الدوام.
يناقش الكتاب أولا الاكتشافات والتفسيرات العلمية لنمو دماغ المراهقين، والتي تُستخدم لاحقا لدعم تأثيرات المراهقة وإمكاناتها وسبب كونها فترة حرجة، وهو بدوره ما يحتاج إليه الآباء لإعانتهم على فهم نمو أطفالهم والتعامل معه ومع الشكوك حين تراودهم.
____________________________________________________________________________________-
المصادر
Parents Shouldnt Spy on Their Kids, Nautilus. KIRSTEN WEIR 2017 We Know Some Things Parent-Adolescent Relationships in Retrospect and Prospect, Journal of Research on ADOLECENCE. Laurance Steinberg Is Snooping on Teenagers Ever Ok., The New York Times. Lisa Damour 2017 Parents Shouldnt Spy on Their Kids, Nautilus. KIRSTEN WEIR 2017 Is Your Kid in Their Poom All Day Why Teens Crave Privacy, Grown and flown. Katie Bingham Smith 2020 Parents and the importance the adolescent bedroom, psychology today. Carl E Pickhardt Ph.D. 2019 Is Your Kid in Their Poom All Day Why Teens Crave Privacy, Grown and flown. Katie Bingham Smith 2020 المصدر الثامن What Do You Do If You Find Drugs in Your Childs Room The Active Age. Aaronk 2020 Help My Teen Stopped Talking To Me, Child Mind Institute. Is Snooping on Teenagers Ever Ok., The New York Times. Lisa Damour 2017 | https://www.aljazeera.net/sukoon/2021/9/5/%d8%a3%d8%b1%d8%a7%d9%82%d8%a8%d9%87%d9%85-%d8%a3%d9%85-%d8%a3%d8%ab%d9%82-%d8%a8%d9%87%d9%85-%d9%87%d9%84-%d8%a3%d9%81%d8%aa%d8%b4-%d9%87%d9%88%d8%a7%d8%aa%d9%81 | 2021-09-05T16:27:22 | 2024-06-06T11:44:50 | أبعاد |
|
189 | لماذا تخشى إسرائيل القدرات العسكرية لحزب الله؟ | شهدت القدرات العسكرية التي يمتلكها “حزب الله” في لبنان تطورا كبيرا خلال السنوات القليلة الماضية، حتى وصف البعض هذا التطور بأنه سيغير قواعد اللعبة مع الجيش الإسرائيلي. | أفادت وسائل إعلام إسرائيلية، الاثنين، بأن قصفا صاروخيا استهدف تل أبيب الكبرى أسفر عن إصابات ودمار كبير في المباني، فيما أعلن حزب الله اللبناني استهداف نقاط عسكرية حساسة في المنطقة.
وأكدت تقارير إسرائيلية بسماع دوي 4 انفجارات في تل أبيب الكبرى، وذكر الجيش الإسرائيلي أن التحقيق الأولي أظهر أن جزءا من صاروخ أطلق من لبنان تم اعتراضه وسقط في رمات غان، ونقلت إذاعة الجيش عن رئيس هيئة الإطفاء والإنقاذ تأكيده تسجيل أضرار كبيرة في الممتلكات بالمنطقة.
وتأتي هذه التصريحات بعد يوم واحد من خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الكنيست الإسرائيلي، والذي فيه أن جيشه دمر ما بين 70 و80 من المنظومة الصاروخية لحزب الله، مع إشارته أن الحزب لا يزال يمتلك قدرات صاروخية.
وفي وقت سابق، وتحديدا صباح الاثنين 25 سبتمبرأيلول، نفذ الجيش الإسرائيلي مئات الغارات الجوية على جنوب لبنان وشرقه. وقال المتحدث باسمه إن هذا الهجوم يعدّ ضربة استباقية بعد رصد تحركات لحزب الله لاستهداف إسرائيل. في المقابل، قال حزب الله في بيان صدر في اليوم الذي يليه إنه قصف 3 مرات متتالية مطار مجيدو العسكري غرب مدينة العفولة شمالي إسرائيل بصواريخ فادي 1 وفادي 2. وهذا هو القصف الأول لمطار مجيدو من قبل حزب الله خلال المواجهات الحالية مع إسرائيل المستمرة منذ نحو عام.
وخلال الشهرين الأخيرين، تفاقم التصعيد المتبادل بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله، ومنذ بدء عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبرتشرين الأول الماضي، سيطر الفزع على سكان المستوطنات الحدودية الواقعة شمال إسرائيل مع بدء صواريخ ومسيرات حزب الله اللبناني في التدفق إليهم. وقد تحولت أغلب المستوطنات الحدودية في شمال إسرائيل إلى مدن أشباح، مع قيام إسرائيل تباعا بإخلاء عشرات المستوطنات والبلدات على الحدود اللبنانية.
في الواقع، شهدت القدرات العسكرية التي يمتلكها حزب الله في لبنان تطورا ملحوظا خلال السنوات القليلة الماضية، وصفه البعض بأنه يغير قواعد الصراع مع إسرائيل. وقد استخدم الحزب العديد من الأسلحة الجديدة منذ السابع من أكتوبرتشرين الأول الفائت في هجماته على إسرائيل، بما ينبئ بشكل مختلف للحرب بين الطرفين.
في عام 2021، نشرت صحيفة جيروزاليم بوست العبرية تقريرا يشير إلى أن حزب الله نشر أنظمة دفاع جوي روسية الصنع قادرة على التصدي للضربات الجوية الإسرائيلية، وذلك في جنوب لبنان ومنطقة جبال القلمون شمال غرب دمشق والقريبة من منطقة البقاع اللبنانية، وهو ما عدّته العديد من التقارير تغيُّرا في مفهوم الدفاع الجوي لدى الحزب اللبناني.
أثار هذا الأمر قلق مسؤولين إسرائيليين خوفا من أن تعوق أنظمة حزب الله الدفاعية حرية العمليات الجوية الإسرائيلية داخل الأجواء اللبنانية، وهو ما حدث بالفعل يوم 29 أكتوبرتشرين الأول الفائت، إذ أعلن حزب الله عن إسقاط طائرة بدون طيار إسرائيلية كانت تحلق فوق الجنوب اللبناني، بصاروخ أرض-جو، في حادثة تُعد الأولى من نوعها التي يعلن فيها الحزب عن إسقاط طائرة مسيرة.
تشمل منظومة حزب الله الدفاعية صواريخ أرض-جو تكتيكية قصيرة المدى تعمل على ارتفاعات منخفضة من طراز SA8، وهو نظام دفاع صاروخي متنقل يشمل مركبات كبيرة سداسية العجلات، ومنصات إطلاق محسنة بإمكانها حمل ستة صواريخ، كما أنه معزز بثلاثة أنظمة من الرادارات نظام مراقبة من طراز H-BAND بيضاوي الشكل يصل مداه إلى 30 كيلومترا، ونظام رادار نبضي للتعقب من طراز J-BAND يبلغ أقصى نطاق تتبع له نحو 20 كيلومترا، ورادار التوجيه من طراز I-BAND الذي بإمكانه توجيه صاروخين إلى هدف واحد.
تضم المنظومة الدفاعية أيضا نظام الدفاع الجوي SA17 المعزز بصواريخ أرض-جو متوسطة المدى، وهو نسخة مطورة من نظام الدفاع الجوي المحمول Buk-M1، وتحتوي على أربع قاذفات صواريخ، ورادارات لتحديد الأهداف، ورادار للتوجيه، ومحطة لإدارة المعركة، ومركبات إطلاق ذاتية الدفع. ويمكن للمنظومة الاشتباك مع مجموعة واسعة من الأهداف تحلق على ارتفاعات تتراوح بين 10-24 ألف متر، وبمدى أقصى يصل إلى 50 كيلومترا، ويمكنها الاشتباك مع ما يصل إلى 24 هدفا في وقت واحد ومن أي اتجاه.
هذا بخلاف نظام الدفاع الجوي قصير المدى SA22 الذي صممته روسيا في التسعينيات خصوصا لحماية الأهداف العسكرية والإستراتيجية. بإمكان هذا النظام التعامل مع مجموعة واسعة من الأهداف الجوية، مثل الطائرات والصواريخ البالستية وصواريخ كروز والمسيرات، هذا النظام مزود بنحو 12 صاروخا اعتراضيا أرض-جو جاهزة للإطلاق، ومحرك يعمل على مرحلتين بالوقود الصلب، ويصل مداه إلى 20 كيلومترا كحد أقصى.
في يومي 6 و9 ينايركانون الثاني الجاري، نجح حزب الله في تنفيذ هجومين بطائرات مسيرة على أهداف إسرائيلية، الأول استهدف قاعدة مراقبة حركة المرور التابعة لسلاح الجو الإسرائيلي في جبل ميرون، والثاني استهدف مقر القيادة الشمالية للجيش الإسرائيلي في مدينة صفد. الأمر الذي أرجعه البعض إلى أخطاء تكتيكية جسيمة من قِبَل منظومة الدفاع الإسرائيلية، في حين تساءل البعض الآخر عما إذا كانت المسيرات قد ساعدت حزب الله في قلب موازين المعادلة مع إسرائيل.
وفقا لتقديرات مركز ألما للأبحاث الإسرائيلي لعام 2021، يمتلك حزب الله ما يزيد على 2000 من الطائرات المسيرة متعددة المهام في حين لا توجد أرقام رسمية من الحزب، وهي الطائرات التي استُخدمت في أكثر من مناسبة خلال الجولة الحالية من الاشتباك، فقد أعلن الأمين العام للحزب حسن نصر الله أن الطائرات المسيرة الهجومية الانتحارية استُخدمت لأول مرة في الحرب الأخيرة، كما رصدت تقارير الجيش الإسرائيلي نحو 19 حادثا لطائرات بدون طيار انطلقت من جنوب لبنان وشكلت تهديدا لإسرائيل منذ السابع من أكتوبرتشرين الأول 2023.
تشمل ترسانة حزب الله من المسيرات طائرات متعددة الأحجام، لها قدرات استطلاعية وهجومية، أهمها الطائرتان مرصاد 1 ومرصاد 2، وهي نسخ مستوحاة من الطائرات الإيرانية مهاجر 2 ومهاجر 4، ويصل مداها من 50 إلى 150 كيلومترا، كما أنها مزودة بكاميرتين أو ثلاث كاميرات من أجل المهام الاستطلاعية.
وتأتي بعد ذلك المسيرة أيوب، المسماة نسبة إلى حسين أيوب، أحد أهم العقول العسكرية للحزب في مجال التصنيع العسكري، ويتراوح مدى المسيرة ما بين 1700-2400 كيلومتر، ويمكنها حمل ما يصل إلى ثماني قنابل دقيقة التوجيه، بحسب بعض التقديرات. ويلي ذلك الطائرة أبابيل، وهي طائرة هجومية انتحارية يصل مداها إلى 150 كيلومترا، وبإمكانها حمل ما يصل إلى 45 كيلوغراما من المتفجرات. ثم تأتي المسيرة حسان، التي جالت في الأراضي الفلسطينية المحتلة فبرايرشباط 2022، وذلك لمدة 40 دقيقة إبان مهمة استطلاعية بعمق 70 كيلومترا، وعادت بعدها إلى قواعدها سالمة.
وفقا للعديد من التقديرات، يُعد حزب الله اللبناني الجهة غير الحكومية الأكثر تسليحا في العالم، وهو يعمل على تحديث وتوسيع مخزونه من الصواريخ باستمرار. ويمتلك الحزب ترسانة ضخمة من الصواريخ، لا نعرف حجمها بالتحديد، لكن التقديرات الإسرائيلية تشير إلى أن القدرة الصاروخية لحزب الله تزيد على 150 ألف صاروخ.
في نوفمبرتشرين الثاني 2023، أعلن حسن نصر الله، الأمين العام للحزب، عن إدخال صاروخ جديد من طراز بركان 2 إلى ساحة المعركة، إذ استهدف الحزب بأربعة صواريخ بركان مركز قيادة الفرقة 91 للجيش الإسرائيلي في ثكنة برانيت. ووفقا لتصريحات نصر الله، فإن بإمكان بركان حمل رؤوس حربية تزن ما بين 300-500 كيلوغرام من المتفجرات.
تشمل ترسانة حزب الله الصاروخية أيضا مئات الصواريخ الدقيقة ذات القدرة التدميرية العالية، بإمكانها الوصول إلى العمق الإسرائيلي وضرب الأهداف بدقة شديدة وهامش خطأ أقل، الأمر الذي أثار مخاوف المسؤولين الإسرائيليين في حال توسعت الحرب لتشمل جبهة جنوب لبنان، إذ ستضطر إسرائيل حينها إلى تحويل منظومتها الدفاعية بالكامل لحماية مؤسساتها العسكرية الحساسة.
يمتلك الحزب أيضا منصة ثأر الله المزدوجة للصواريخ الموجهة، وهي منظومة مضادة للدروع أعلن عنها الحزب في أغسطسآب عام 2023، وتتميز بقدرتها العالية على إصابة الأهداف بدقة، ومؤلفة من منصتَيْ إطلاق مخصصة لصواريخ الكورنيت. أضف إلى ذلك صواريخ أرض-أرض غير الموجهة، التي تطورت بشكل كبير بعد آخر حرب خاضها حزب الله مع إسرائيل عام 2006، ومنها على سبيل المثال لا الحصر صواريخ كاتيوشا، وهي صواريخ روسية الأصل، يصل مداها إلى 40 كيلومترا، وبإمكانها حمل رأس حربي يزن 20 كيلوغراما، وصواريخ فجر 5، مداها 75 كيلومترا، مع رأس حربي يزن 90 كيلوغراما، وصواريخ زلزال التي يبدأ مداها من 160 كيلومترا ويصل إلى 210 كم وبإمكانها حمل رأس حربي يزن 600 كيلوغرام من المتفجرات. وصواريخ سكود التي يصل مداها إلى 700 كيلومتر، ورأس حربي يصل إلى 800 كيلوغرام من المواد شديدة الانفجار.
في تقرير نشره موقع واللا العبري يوم 5 ينايركانون الثاني الجاري، صرح المسؤولون في جناح العمليات بالجيش الإسرائيلي بأن تهديدات حزب الله الأخيرة تستند إلى أساس قوي، خاصة بعدما تمكن الحزب من تطوير قدراته بطريقة متسارعة طوال العقد الماضي، ويزعم مسؤولو الجيش الإسرائيلي أن إيران تمكنت من تهريب أنظمة تكنولوجية وأسلحة متقدمة إلى الحزب منذ بداية الحرب.
كما أشارت وكالة رويترز الإخبارية في تقرير نُشر 30 أكتوبرتشرين الأول 2023 إلى أن حزب الله يكرس جهوده لإضافة أنظمة توجيه إلى الصواريخ غير الموجهة، وهذا من أجل تحويلها إلى صواريخ دقيقة، وتعزيز قدرتها على الضرب المباشر لأهداف إستراتيجية مثل المقرات والقواعد العسكرية.
بالإضافة إلى ذلك، يمتلك الحزب مخزونا من الصواريخ المضادة للطائرات، بما في ذلك الصواريخ المحمولة على الكتف، التي يستخدمها في استهداف الطائرات والمروحيات على ارتفاعات منخفضة. كما أن مسيراته بإمكانها أن تُشكِّل تهديدا إستراتيجيا لإسرائيل، خاصة أنها رخيصة التكلفة ويمكن إنتاجها بكميات كبيرة، وفي حال قيام أسراب من هذه المسيرات بمهاجمة أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية فإنها قد تؤدي إلى استنزاف نظام القبة الحديدية وتحييده.
كل هذا بخلاف ما يمتلكه الحزب من قدرات سيبرانية، وهو ما عزز قدراته على تعطيل أنظمة الاتصالات ونظام تحديد المواقع العالمي GPS. كما بات بإمكان حزب الله القيام بهجمات سيبرانية متطورة على شبكة الإنترنت واستهداف البنى التحتية الحساسة.
إلى جانب هذا كله، هناك شبكة ضخمة من الأنفاق التابعة لحزب الله التي تربط قرى الجنوب اللبناني ببعضها على غرار أنفاق حركة المقاومة الفلسطينية حماس، التي يصعب تدميرها من خلال الضربات الجوية، وفقا للتقرير، مما يجعل القضاء على حزب الله أمرا صعبا لا يمكن القيام به إلا من خلال مناورات برية واسعة النطاق.
لكن رغم هذه الترسانة الصاروخية الضخمة والجاهزية العسكرية التي لدى حزب الله، فإنه حتى الآن يستخدمها في إطار الردع فقط، إذ يدير الحزب الاشتباكات الحدودية والمعارك بدقة شديدة، دون المخاطرة بتوسيع رقعة الحرب إلى الجبهة اللبنانية. هذا من ناحية الحزب، إلا أن الطرف الآخر من المعادلة، قد يكون له رأي آخر. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/1/21/%d8%a3%d8%b3%d9%84%d8%ad%d8%a9-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d9%88%d9%85%d9%86%d8%b8%d9%88%d9%85%d8%a9-%d8%af%d9%81%d8%a7%d8%b9-%d9%85%d8%aa%d8%b7%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d9%84%d9%90%d9%85%d9%8e | 2024-01-21T11:07:31 | 2024-11-19T06:59:52 | أبعاد |
|
190 | إيران تبني سفينة الشهيد باقري فما أهداف حاملة المسيرات الضخمة؟ | نشرت وسائل الإعلام الإيرانية أول لقطات واضحة لحاملة المسيرات الأولى في البلاد، والتي سميت الشهيد باقري. فما وظيفة الحاملة وأهدافها؟ | هناك معضلة رئيسية غالبا ما تظهر حين تقرر دولة أو جهة ما شن هجوم بالصواريخ أو الطائرات المسيرة ضد خصم يبعد عنها مسافة كبيرة، وهذه المعضلة تتعلق بالمسافة، حيث يكون على هذه الأسلحة أن تسبح لوقت طويل في الجو قبل أن تصل إلى هدفها، ما يزيد من فرصة اعتراضها، وهو ما يجعل الهجوم في النهاية أقل فعالية وتأثيرا.
إذا أخذنا إيران وإسرائيل مثالا عبر النظر إلى الهجوم الذي شنته طهران على تل أبيب ليل الثالث عشر من إبريلنيسان 2024، الذي وُصف بأنه أكبر هجوم بالمسيرات في تاريخ الحروب حتى الآن، تتكشف هذه المعضلة بوضوح.
حيث تبلغ أقصر مسافة من طهران إلى تل أبيب نحو 1000 كيلومتر نحو 620 ميلا، وهي مسافة تقطعها الصواريخ الباليستية في قرابة 12 دقيقة، في حين تستغرق صواريخ الكروز ما بين ساعة وساعتين، لكن المسيرات، التي يمكن أن تضرب أهدافها بدقة شديدة، قد تحتاج إلى أكثر من 9 ساعات للوصول إلى أهدافها، مما يعزز من فرص اعتراضها، خاصة مع المساعدة التي تحصل عليها إسرائيل من الولايات المتحدة ودول أوروبية وإقليمية.
لكن إيران وجدت حلًا ما، فقد نشرت وسائل الإعلام الإيرانية أول لقطات واضحة لحاملة المسيرات الأولى في البلاد، والتي سميت الشهيد باقري.
كشفت اللقطات، التي تناولتها بعض الصحف الغربية بقلق، عن تطورات واضحة في السفينة التي يبلغ طولها حوالي 240 مترا، حيث أضيف لها سطح مائل للطيران بالمقدمة، مع علامات للمساعدة في توجيه الطائرات الهابطة والصاعدة.
ويبدو أن الحرس الثوري الإيراني، المسؤول عن هذا المشروع، يريد أن يشغل الحاملة بسرعة وبأقل تكلفة ممكنة، فتقرر ألا يتم بناؤها من الصفر. إذ كانت سفينة الشهيد باقري في الأصل سفينة تجارية حاملة للحاويات، ثم استُغلت ضخامتها ومساحة سطحها الواسعة وعدّلت على مدى عدة سنوات لتخدم الأغراض العسكرية.
وأطلق الحرس الثوري الإيراني اسم الشهيد باقري على حاملة المسيرات نسبة إلى حسن باقري، وهو أحد رموز الثورة في إيران، الذي رغم مقتله في سن مبكرة عام 1983 خلال الحرب العراقية الإيرانية، فإن المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي لا يزال يعدّه معجزة الثورة الإيرانية من حيث قدراته العسكرية والاستخباراتية.
صورة جديدة لحاملة الطائرات المسيّرة الشهيد باقري التابعة لقوات الحرس الثوري الإيراني، والتي لا تزال قيد الإنشاء. pic.twitter.comYBUCob2BWq
إيران بالعربية iraninarabic_ir August 20, 2024
لا يوجد إلى الآن تعريف واضح لحاملة المسيرات حيث لا تزال مشروعا أوليا تنوي عدد من الدول المضي قدما فيه، لكن يمكن القول إنها سفينة بحرية تلعب الدور نفسه لحاملة الطائرات التقليدية لكن في نطاق المسيرات.
في هذا السياق، تكون السفينة مصممة للعمل كمنصة متحركة تعمل في المقام الأول لتشغيل المسيرات، كمركز قيادة وتحكم، ومنصة إطلاق وموقع استرداد. من المرجح كذلك أن تكون السفن من هذا النوع مجهزة بتقنيات استطلاع ورصد، ومؤهلة لمعارك الغواصات، بالإضافة لمرافق الصيانة والتحكم في أساطيل من المسيرات.
أما أنواع المسيرات التي يمكن أن تعمل على السفينة الإيرانية الجديدة فلا تزال غير محددة، ولكن المدرّج المنحني مخصص بوضوح للأنواع ذات الأجنحة الثابتة، والتي تنطلق بطريقة التزحلق والقفز، حيث تكون نهاية مدرج الطيران القصير مائلة إلى الأعلى مما يعطي الطائرة دفعة في الارتفاع ويسمح لها بالإقلاع، حتى لو لم تصل إلى سرعتها الكاملة في الطيران.
هذه الطريقة مفيدة بشكل خاص لإطلاق الطائرات الثقيلة أو تلك التي تعمل من مدارج أقصر.
ويعتقد أن سفينة الشهيد باقري يمكن أن تستخدم لإطلاق مسيرات مثل شاهد-129 الأحادية المحرك والمتوسطة الارتفاع والطويلة المدى، والتي تتمتع بالقدرة على تنفيذ مهام قتالية واستطلاعية ويمكنها السفر لمدة 24 ساعة.
وإلى جانب ذلك يمكن للسفينة حمل مسيرات أخرى متوسطة الارتفاع وطويلة الأمد، مثل مهاجر-6 وفطرس وكمان-12، كما يمكنها حمل مسيرات صاعقة الأقل قابلية للملاحظة، أو مسيرات شاهد-136 الانتحارية.
صورة حديثة لسفينة حاملة الطائرات المسيرة الشهيد باقري أثناء إستعدادها لإجراء إختباراتها البحرية... pic.twitter.comoPWdpT9cGK
Meteor شهاب iranianmil_ar May 4, 2024
ومن المتوقع أيضا تحويل سفينة حاويات ثانية إلى منصة تشغيل مسيرات، ستسمى الشهيد مهدوي. ففي مايوأيار 2023، قال قائد البحرية بالحرس الثوري الإسلامي الإيراني العميد علي رضا تانجسيري إن إيران تخطط لبناء حاملة طائرات فريدة ستتمتع بالقدرة على حمل عدد كبير من قاذفات الصواريخ.
وفي حديث سابق أوضح تانجسيري أن سفينة الشهيد مهدوي تحديدا ستزود بأربعة صواريخ بمدى 750 و300 كيلومتر وثلاث طائرات مروحية، وأن الشهيد باقري ستحمل 30 قارب دورية سريعا من فئة عاشوراء.
وإن كانت تلك هي المرة الأولى التي تصنع فيها حاملة مخصصة للمسيرات، إلا أن هذه ليست المرة الأولى التي تعيد فيها إيران استخدام السفن التجارية التي كانت خارج الخدمة وتحوّلها إلى سفن عسكرية بحرية يمكنها حمل مسيرات قتالية.
ففي عام 2020، حولت قوات الحرس الثوري الإيراني سفينة تجارية إلى سفينة حربية متعددة الأدوار لأغراض الاستطلاع والقتال واللوجستيات، مع مدى تشغيلي محتمل يصل إلى البحر الأحمر، وأطلقت عليها اسم الشهيد رودكي.
أمكن لهذه السفينة حمل طائرات مروحية ومسيرات وزوارق صغيرة الحجم سريعة مسلحة، تستخدمها قوات الحرس الثوري لأغراض المراقبة في الخليج العربي باستمرار.
وفي عام 2021، حولت قوات الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط سفينة مكران إلى حاملة مسيرات قتالية سافرت لمدة أربعة أشهر في المحيط الأطلسي وبحر البلطيق، حيث مثلت إيران في عرض بحري روسي إلى جانب الفرقاطة سهند. وتم رصدها في ديسمبركانون الأول 2022 وهي تعبر المحيط الهادئ.
تعتمد إيران اعتمادا كبيرا على سلاح المسيرات، فهي توفر أداة مهمة في حربها غير المتكافئة مع إسرائيل والولايات المتحدة، فإلى جانب التكلفة المنخفضة، تعد المسيّرات سلاحا مرنا وديناميكيا إلى حد كبير؛ كما أنها متعددة الاستخدامات وقادرة على التكيف مع مجموعة من السيناريوهات والأهداف، ويمكن توظيفها لابتكار تكتيكات غير مسبوقة عظيمة الأثر في سياق معارك بعينها.
تتمكن المسيرات من أداء مهام المراقبة وجمع المعلومات الاستخبارية عن تحركات القوات والبنية التحتية والأهداف المحتملة في الوقت الحقيقي، كما يمكنها أن تحمل صواريخ أو قنابل لاستهداف أفراد العدو أو أصوله ذات القيمة العالية، وفي مستوى متقدم وبقيمة سعرية تنافسية يمكنها توجيه ضربات جوية دقيقة جدا.
وبوجود حاملة مسيرات، فإن ذلك يمكن أن يوفر للإيرانيين توسيعا للنطاق التشغيلي لمسيراتهم بشكل كبير بحيث يتخطى الحاجز الجغرافي للدولة وصولا إلى بحار وربما محيطات بعيدة عنها، مما يسمح بتغطية مناطق كبرى بالمراقبة والاستطلاع ومهام القتال دون الحاجة إلى أن تكون حاملة المسيرات نفسها قريبة من ساحة المعركة.
ومن خلال نشر المسيرات بشكل مستمر، يمكن للحاملة الحفاظ على تغطية مستمرة لمنطقة مستهدفة، مما يوفر مراقبة مستمرة والقدرة على الاستجابة بسرعة للتهديدات الناشئة، وبسبب قرب المسافة يمكن نشر المسيرات واستعادتها بسرعة، الأمر الذي يسمح باستجابات سريعة ومرنة لظروف ساحة المعركة المتغيرة.
أضف إلى ذلك أنه يمكن إطلاق المسيرات من تلك الحاملات لجمع المعلومات الاستخباراتية في الوقت الفعلي، ومراقبة تحركات الأهداف، وتوفير الوعي الظرفي للقادة في غرف اتخاذ القرار، ثم تنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف عالية القيمة، لأنه من المعروف أنه كلما كانت المسافة بين المسيرة وهدفها أقل كانت الدقة أعلى.
وسيكون لحاملة المسيرات دور مهم حينما تنطلق المسيّرات منها في أسراب تكتيكية. وعلى سبيل المثال، فإنه في سيناريو الحرب، سيكون الدور الرئيسي لمسيّرات مثل مهاجر 6 هو تدمير أنظمة الدفاع الجوي وتمهيد الطريق لسلسلة شاهد للتوغل في أراضي المنطقة المستهدفة، في حين تقوم فرقة ثالثة من المسيّرات بالاستطلاع ودراسة الضربة.
وجود حاملات المسيرات سيضيف دقة لتلك الضربات، لكن ما سبق لا يعني أن الحاملة ستمثل طفرة في الصراعات التي تخوضها إيران، وذلك لعدة أسباب، منها أن تحويل السفن التجارية لسفن عسكرية له عيوبه، فهي غير مجهزة لخوض المعارك البحرية، ويمكن استهدافها بسهولة خاصة في وجود حماية ضعيفة.
كما أن إيران لا تمتلك قوة بحرية كبيرة يمكنها خوض معارك من هذا النوع ببراعة، وبالتالي فإن الهدف من هذه الحاملات لا علاقة له ببناء قوة بحرية بقدر ما هو تقريب المسافة بين المسيرات وأهدافها بشكل متخفٍ، وهو أمر يمكن بالفعل أن يحقق أهدافه المرجوة بتقريب سلاح إيران الأهم من أهدافه في أي مكان كان قريبا من إيران أو بعيدا عنها.
بشكل عام، فإن حاملات المسيرات ستجعل المسيرات أصولًا متعددة الاستخدامات في الحرب البحرية الحديثة، ولذلك فإن إيران ليست الدولة الوحيدة التي تبحث عن التطوير في هذا النطاق، فقد رصدت سفينة شبيهة في حوض بناء السفن على نهر اليانغتسي في الصين، تحمل التصميم نفسه لحاملات الطائرات الصينية المعروفة لكن أصغر، ويتوقع فريق من الخبراء في هذا المجال أنها صممت لا لحمل الطائرات، بل المسيرات، بحيث تكون جزءا من الأسطول الصيني الذي يتوسّع يوما بعد يوم.
كانت الصين قد أعلنت في مايوأيار 2022 عن إطلاق أول حاملة مسيرات صينية باسم تشو هاي يون في قوانغتشو بمقاطعة غوانغدونغ الصينية، لكن إطلاقها كان بهدف تعزيز البحث والاقتصاد البحري وليس لأغراض عسكرية، بحسب الإعلان الصيني. تتكون السفينة من هيكل من الألومنيوم، ويبلغ طولها 88 مترا.
وللولايات المتحدة كذلك محاولات في هذا النطاق، ففي عام 2014 قالت وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة الأميركية داربا إنها بحاجة إلى زيادة قدراتها في مجال المراقبة والاستطلاع جوًا، وفي هذا السياق يتم العمل على تجهيز سفن صغيرة لأداء مهام إطلاق واسترجاع المسيرات الطويلة المدى عند الطلب، الأمر الذي من شأنه أن يوسع بشكل كبير من الوعي بالموقف والقدرة على الاشتباك بسرعة ومرونة في النقاط الساخنة.
لكن لا يبدو أن المشروع قد رأى النور حتى الآن، وحاليا تعمل الولايات المتحدة على تكييف بحريتها الضخمة لاستيعاب المسيرات من مختلف الأشكال عبر تعديل حاملات الطائرات العملاقة وحاملات المروحيات الأصغر حجمًا لاستيعاب المسيرات، لا بناء سفن جديدة مخصصة لهذا الغرض.
ويعمل الجيش التركي على إنتاج سفينة خاصة به من النوع نفسه، وهي حاملة الطائرات التركية تي سي جي الأناضول. فقد بدأ في بناء السفينة يوم 30 أبريلنيسان 2016، وتم تصميمها في البداية لتحمل طائرات من فئة إف-35 ذات الإقلاع العمودي، بعد الاتفاق مع الولايات المتحدة على ذلك، لكن بعد فشل الاتفاق حوّلت تركيا السفينة إلى حاملة مسيرات.
يعتقد أن الحاملة ستشغل بشكل أساسي مسيرات بيرقدار تي بي 3 المتوسطة الارتفاع والطويلة المدى والقادرة على الهبوط والإقلاع في مسافات قصيرة، كما أن الطائرة المسيرة تمتلك أجنحة قابلة للطي، مما يعني أنها ستشغل مساحة أقل على سطح السفينة. التجربة التركية تعد الأهم في هذا النطاق، وإذا نجحت فربما تدفع دولا كثيرة لبناء سفن لأغراض تشغيل المسيرات بشكل خاص. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/9/12/%d8%a5%d9%8a%d8%b1%d8%a7%d9%86-%d8%aa%d8%a8%d9%86%d9%8a-%d8%b3%d9%81%d9%8a%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%87%d9%8a%d8%af-%d8%a8%d8%a7%d9%82%d8%b1%d9%8a-%d9%81%d9%85%d8%a7 | 2024-09-12T17:24:56 | 2024-10-31T02:31:32 | أبعاد |
|
191 | رسائل إلهية في الحلم.. كيف رأى المحللون النفسيون والفلاسفة والفنانون عالم الأحلام؟ | في الحلم يتوحّد الجميع بفضاءات مُختلقة، لا يعود فيها السجين سجينا ولو لدقائق أو ساعات، ليُحلِّق بعيدا إلى حيث يستنشق الجموع أنفاس الحرية. فهل هي رسائل إلهية؟ وكيف رآها المحللون النفسيون والفلاسفة؟ | نحن جميعا شعراء، سواء رغبنا بذلك أم لا.
سيجموند فرويد
الحلم والشعر متشابهان، ولأننا لا نكف عن الحلم في معظم الليالي، فإننا نَسترسل في نظم القصائد. ومنذ العهود الغابرة، ضَاهت حاجة الإنسان إلى النوم حاجته إلى الأحلام، ففي الحلم يتوحّد الجميع في فضاءات مُختلقة، لا يعود فيها السجين سجينا ولو لدقائق أو ساعات، ليُحلِّق بعيدا عن قضبان الزنزانة مع العامة، إلى حيث يستنشق الجموع أنفاس الحرية. فهل الأحلام محض أرواح تهيم بعيدا عن الجسد لدقائق، أم هي رسائل إلهية، أم لوحة فنية تُعبِّر عن المشاعر والرغبات واللا وعي؟
من المُسلَّمات أنها لغة منسية كما يصفها إيريك فروم، لغة تَشارَكها منذ القِدَم وإلى اليوم جميع سكان الأرض، وانكب عليها الفلاسفة والفنانون والمحللون النفسيون لعدة قرون لمحاولة قراءتها، وتحليلها، والتوصل إلى ماهيتها، وعلّتها، وأهميتها، ومحاولات تفسيرها. ربما لهذا دوَّن ملوك بلاد ما بين النهرين أحلامهم على ألواح الشمع في الألفية الثالثة قبل الميلاد، وبعد ألف عام كتب المصريون القدامى في كتاب الحلم تعداد أكثر من مئة حلم مشترك ومعانيها.
ومن قبلهما جاء في القرآن والكتاب المقدس قصة يعقوب ويوسف -عليهما السلام-، إذ تجلَّت للنبي يعقوب رؤيا كان فيها يوسف -عليه السلام- مُحاطا بعشرة ذئاب، والذئاب تنبيه بأن شيئا على وشك أن يقع. كان يعقوب على جبل، ينظر مُشفِقا على يوسف في السهل، ولا يملك أن يرد عنه كيد الذئاب، فتألَّم لعجزه، وعلى حين غرة بينما كان يوسف يعاركُ الذئاب؛ انفرجت الأرض له فغار فيها، وتفرّقت عنه الذئاب. فيما بعد، طلب أبناء يعقوب منه أن يأخذوا يوسف معهم، فقال لبنيه وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون سورة يوسف الآية 13. وتمضي السنوات، ويُساق يوسف إلى السجن ظلما، يُفسِّر حلمَيْ سجينين معه، أحدهما خباز والآخر ساقي خمر، وفيما بعد يُفسِّر حلم فرعون، قائلا إن البقرات السمان والسنبلات الخضر التي حلم بها فرعون هي علامة على سبع سنين يكثر فيها الخير وينجو الناس فيها من الهلاك، مُقدِّما لهم الحل السليم تجاه هذه الأزمة، وهو أن يدَّخروا في سنوات الخير ما ينفعهم في سنوات القحط والحاجة.
كانت رؤى يعقوب -عليه السلام-، وكذلك تلك التي فسّرها يوسف لفرعون، موضوعات تأثر بها الفنان رافائيل ورسمها على سقف قصر الفاتيكان بالازو أبوستوليكو في عام 1518. تظهر الاستعارات الحية للأحلام في مجالات تطفو في السماء كما لو نؤكد أن فهمها كان أمرا يفوق الإنسان الفاني.
تُعرَف الأحلام أنها قصص وصور، واقعية أو خيالية، تحوكها أذهاننا خلال النّوم، وتحدث الأحلام في أي وقت خلال دورة النوم، ولكنّها تكون أكثر عمقا ووضوحا أثناء فترة الريم REM وهي مرحلة الحركات السريعة للعين، ويحدث أن تكون بعض الأحلام واضحة أيّ إننا نعلم خلالها بأننا نحلم، وهي حالة متوسّطة بين الحلم واليقظة يكون خلالها الدّماغ قد بلغ ذروة نشاطه وفعاليّته. وتُظهِر أحدث نتائج اختبارات علم الأعصاب أن الحلم ضروري لتنظيم المشاعر، بالإضافة إلى حل المشكلات الإبداعية، وهو ما سنتطرَّق إليه بتوسُّع بعد قليل.
يرتبط فقدان الحلم أو حركة العين السريعة بزيادة الاكتئاب والقلق، وفي مقابلة مع لين ورلي، الحاصل على الدكتوراه في علم النفس الإرشادي وركَّز فيها في بحثه عن الأحلام بوصفها جزءا من العلاج النفسي، قال لين ورلي بصرف النظر عن الفوائد التي أثبتها العلم، فإن تجربتي مع الأحلام، بمجرد فهمها بشكل هادف، يتضح أنها أكبر راوٍ للحقيقة، فهي تكشف عن الجوانب العمياء لدى الإنسان، وتُشير إلى الحلول التي عادة ما نتغاضى عنها.
بحسب مايكل بريوس، الحاصل على دكتوراه في علم النفس السريري، فالحلم مُكوِّن وشكل من أشكال معالجة الذاكرة، مما يساعد في دمج التعلم والذاكرة قصيرة المدى لتخزين الذاكرة طويلة المدى، كما أنه امتداد لوعي اليقظة، إذ يعكس تجارب حياة اليقظة، وهو وسيلة يعمل بها العقل من خلال الأفكار والمشاعر والتجارب القاسية والمعقدة والمقلقة لتحقيق التوازن النفسي والعاطفي، كما يُعَدُّ استجابة الدماغ للتغيرات الكيميائية الحيوية والنبضات الكهربائية التي تحدث أثناء النوم، بالإضافة إلى أنه شكل من أشكال الوعي، يُوحِّد الماضي والحاضر والمستقبل في معالجة المعلومات، بالإضافة إلى كونه عملا وقائيا للدماغ لتهيئة نفسه لمواجهة التهديدات والأخطار والتحديات.
تتلخص مهمة الإنسان المستيقظ في الحفاظ على بقائه، لذا فهو يخضع للقوانين التي تحكم الواقع، مما يعني أن عليه أن يُفكِّر ضمن إطارَيْ الزمان والمكان، وأن أفكاره خاضعة للقواعد الناجمة عن منطق زماني ومكاني. في حين أن الإنسان النائم لا يهتم أدنى اهتمام بإخضاع العالم الخارجي لغاياته ومآربه، إذ إنه يصبح عاجزا، ولذلك سُمِّي النوم بحق شقيق الموت. مع هذا فنحن أحرار خلال النوم، بل أكثر حرية مما نكون عليه خلال اليقظة، فنحن إذ نتحرر من أعباء العمل ومن مقتضيات الدفاع عن أنفسنا تجاه الواقع أو التصدي له، ولا يعود من المفترض بنا أن نراقبه أو أن نسيطر عليه، لا يعود بنا حاجة إلى النظر إلى العالم الخارجي، فتتركّز أنظارنا على ذواتنا وحسب، فلا ننظر إلا إلى عالمنا الداخلي. خلال النوم يتراجع ملكوت الضرورة ويُخلِّي مكانه لملكوت الحرية، وتغدو كينونة الـ أنا مرجعية الأفكار والمشاعر الوحيدة. من هنا كان النشاط الذهني يخضع خلال النوم لمنطق مختلف تماما عن منطق اليقظة. لذلك كان لا بد من ذكر بعض من أهمية الأحلام
يتضح أن للنوم وظائف متعددة، به تغيب صلتنا بالحضارة، ويستخرج أفضل ما في داخلنا وأسوأه في آنٍ واحد. وبالتالي، فنحن قد نكون أثناء الحلم أقل ذكاء وحكمة وحياء مما نحن عليه في حالة اليقظة، لكننا قد نكون أيضا أفضل حالا وأشد حكمة. قد ينطوي الحلم على تكهُّن يجعلنا ندرك أن معرفتنا بمَن حولنا قد تكون أنفذ وأثقب خلال النوم وفي الأحلام مما كانت عليه أثناء اليقظة. يضرب لنا إيريك فروم مثالا في قصة يرويها في كتابه اللغة المنسية التقى أ بـ ب للتباحث في أمور تتعلق بإبرام عقد بينهما، وتكوَّن لديه انطباع حسن عن ب، فقرَّر أن يتخذه شريكا له في مشروعه. في الليلة التي تلت اللقاء المذكور، رأى الحلم التالي
رأيت ب جالسا في مكتبنا. كان يُقلِّب السجلات ويُزوِّر الأرقام الواردة فيها لكي يتستر على المبالغ المالية الكبيرة التي اختلسها.
أفاق أ من نومه، واقتناعا منه بأن الأحلام إنما تُعبِّر عن رغبات دفينة، فقد اعتبر أن حلمه هذا يُعبِّر عن عداء تجاه منافسه، وأن نفوره وحذره منه هما اللذان صوّرا له أن ب قد يكون لصًّا. بناء على هذا التفسير للحلم أخذ يُعيد النظر في قراره السابق حرصا على التخلُّص من هذه الشكوك الوهمية، لكنه بدأ يلاحظ منذ بداية تشاركه مع ب أن هناك عددا من الأحداث أخذت تُثير شكوكه من جديد. رغم ذلك خلص إلى أنه عُرضة لمشاعر عدائية ووساوس لا عقلانية، فقرّر ألا يُعير أي انتباه للظروف التي جعلته مُتشكِّكا في صاحبه. وانقضى عام على هذا الحال، وما لبث أن اكتشف في نهايته أن ب قد اختلس مبالغ كبيرة من المال، وأنه تستر على هذا الاختلاس بأن أورد في سجلات الشركة واردات مُزوَّرة، وهكذا تحوَّل حلم أ بشكل حرفي إلى حقيقة.
وتقص الكاتبة تانيا هاريس حكاية مشابهة في مقالها من أين أتت أحلامي؟، إذ أخبرتها امرأة في منتصف العمر تُدعى ميج عن حلم راودها، كانت فيه ميج في غرفة نومها تحاول النظر في المرآة، لكن زوجها ظل يعترض طريقها، وعندما نظرت في المرآة أخيرا؛ شعرت بالرعب، إذ عوضا عن أن ترى انعكاسها في المرآة، رأت وجه زوجها وقد استحال وجهه إلى صورة شيطانية.
لذا استيقظت ميج من نومها مرتعبة. منذ ذلك الحلم، ضلّت الطمأنينة طريقها إلى قلبها، وبدأت ميج تتشكك في زوجها، فحصت حساباته المصرفية وراقبت سلوكه بحثا عن شيء خاطئ فيها، وسرعان ما اكتشفت ميج أن زوجها كان يحتال عليها هي وأصدقاءهما وعائلاتهما، وفي النهاية وُجِّهت إليه تهمة الاحتيال الجنائي واقتيد إلى السجن.
وقد يُعبِّر الحلم عن حكم أخلاقي، إذ يعود إيريك فروم في كتابه سابق الذكر ليُدلِّل على ذلك بمثال جاء إلى أحد الكُتَّاب عرض عمل مُغرٍ من حيث كمية المال ومن حيث الحظوة والاعتبار اللذان يعودان على الكاتب من جرّائه. لكن العرض يضطره إلى كتابة أمور لا يؤمن بها ولا يُقيم لها وزنا. لم يعمد الكاتب إلى الرفض مباشرة، واستعان كما يستعين معظم الناس في مثل هذه الظروف بطائفة من التعليلات العقلية النمطية. خلص من ذلك إلى أنه ربما ينظر إلى الوضع نظرة سوداوية متشائمة، وأن التنازلات التي يُطلب منه أن يُقدِّمها ليست ذات بال، وأنه وضع مؤقت، سيُقدِّم منه استقالته بعد أن يجمع مالا يضمن له استقلاليته التامة مما يُمكِّنه من إنجاز ذلك الكتاب العتيد الذي يود إنجازه، ثم انتقل إلى التفكير بأسرته وأصدقائه وما سيكون بوسعه تقديمه لهم آنذاك، مُبرِّرا لذاته بأن قبوله العرض من أجلهم واجب أخلاقي، ورفضه موقف أناني. لكن تلك الحجج لم تقنعه تماما، وظل حائرا وعاجزا عن حسم أمره، إلى أن أبصر ذات ليلة الحلم الآتي
كنت جالسا في سيارتي على سفح جبل مرتفع، ويبدو أنه كانت هناك طريق ضيقة وعرة تؤدي إلى قمة ذلك الجبل، فترددت في أن أسلكها، إذ بدت لي شديدة الخطورة، ثم تبيّن لي أن هناك رجلا قرب سيارتي كان يحثني على المُضيّ في تلك الطريق ويُخفِّف من روعي. أصغيت إليه وقرّرت أن آخذ بنصيحته، وشرعت أتسلق الجبل، لكن العقبات أخذت تتكاثر أمامي، ثم إنني لم أعد أقوى على التوقف، كما كان من المستحيل عليّ أن أُغيِّر اتجاه السيارة كي أعود. ولما اقتربت من القمة تعطَّل محرك السيارة، كما تعطَّلت مكابحها، وأخذت تتراجع القهقهرى ثم هوت بي في هوة عميقة، حينها فقط أفقت من نومي مذعورا.
ذكر صاحب الحلم أن الرجل الذي حثَّه على المُضي ليس إلا صديقا قديما له، وأنه كان في الأساس رسّاما، لكنه قَبِلَ عرضا مشابها لعرض كاتبنا وامتهن رسم وجوه الأشخاص، وقد جمع من عمله الجديد هذا ثروة لا شك فيها، لكنه اضطر إلى أن يتخلى عن كل عمل إبداعي. وكان الكاتب يعلم أن صديقه كان تعيسا رغم نجاحه وثروته؛ لعجزه عن تحقيق ذاته بوصفه فنانا، كما كان يأمل يوما. من هنا يصبح فهم الحلم يسيرا، فالجبل هو مسيرة النجاح المحفوفة بالمخاطر التي كان مدعوًّا لاختيارها. كما أنه كان يعي أن مصيره في حالة قبول العرض سيكون مماثلا لصديقه، إذ يجد نفسه مضطرا للقيام بما كان يزدريه فيما مضى. كان يعلم في الحلم أيضا أن مثل هذا القرار لن يؤدي به إلا إلى الانهيار، انهيار صورة الحلم بصورة القضاء على أناه الجسدية، وبالتبعية أناه الفكرية والروحية.
فالحلم إذن لا يقتصر على إلقاء الضوء على العلاقات القائمة بين الأنا والآخرين، ولا على إطلاق الأحكام الثاقبة والتكهُّنات. فعند استغراقنا في النوم، وعند خلوتنا بأنفسنا، نكون قادرين على التبصر في أمر ذواتنا بمعزل عن تأثير الضوضاء والضجيج وبمنأى عن الحماقات، فنحس بشكل أفضل ونفكر بشكل أسلم، وتكون أحساسينا وأفكارنا أقرب إلى الحقيقة.
إن التصور قبل التاريخي للحلم له صدى يتردد جليا في تقويم الشعوب، فقد كان من المُسلَّم به أن للأحلام علاقة بعالم الكائنات فوق الإنسانية التي كانوا يؤمنون بوجودها، وأن الأحلام تحمل كواشف من عند الآلهة والجن، وأن الحلم يأتي الحالم لمقصد ذي خطر، هو في القاعدة الكشف عن الغيب. لكن التنوع في محتوى الأحلام وأثرها في النفس جعل الانتهاء إلى نظرة موحَّدة عن الحلم شيئا عسيرا، وقد كان الحلم عند أرسطو موضوع بحث سيكولوجي أفرد له كتابين ذكر فيهما أن الأحلام ليست مبعوثة من عند الآلهة ولا هي ذات طبيعة إلهية.
في القرن التاسع عشر، حينما قاربت الفلسفة الغربية على إيجاد تفسير للأحلام، انشغل فرويد حينها في محاولة الكشف عن طبيعة مرض الهستيريا، ليتبيّن له أن هذا المرض يخضع لحتمية سوسيولوجية، أي إن أعراضه تُعبِّر عن معانٍ نفسية، معانٍ لا تَرِد جُزافا، يمكن تحديدها كما تحدد الظواهر الفيزيقية. ثم ما لبث أن ابتدع منهج التداعي الحر، وهو الرجوع بالذكريات إلى الماضي بوصفه وسيلة لاستقصاء المعاني المتضمنة في الأعراض، فكان يطلب من مرضاه أن يُطلقوا العنان لخواطرهم، فلا يُمسكوا عن ذكر ما يحضرهم مهما كان تافها أو نابيا. فلاحظ أن مرضاه كانوا يذكرون فيما يذكرون أحلاما عرضت لهم أثناء الليل، ثم ينطلقون في ذكر ما يعني لهم من خواطر بصدد هذه الأحلام. فأصغى فرويد إلى رواية هذه الأحلام إصغاءه لغير ذلك من خواطر، محاولا أن يتبيّن ما قد تُشير إليه هذه الأحلام من معانٍ في ضوء السياق العام الذي يُفضي به المرضى وما يعانون منه.
اعتقد فرويد أن هناك مشاعر ورغبات وقوى تُسيّرنا دون أن نعي، دعا فرويد تلك القوى بـ اللا وعي، ولأننا لا نعي بها، ولوجود رقابة تقف بيننا وبين وعينا لها، أحيانا ما تتنكّر تلك القوى المكبوتة في هيئة أمراض عصابية وتظهر خلال الأحلام، لكن الرقابة توجد بحيث نُركِّز على أتفه الأمور بينما الدوافع الأساسية تكون فيه ثانوية. هكذا تمكّن فرويد من تفسير بعض الهفوات، مثل فلتات اللسان والنسيان، على أنها دلالة على الغضب أو الكراهية بردها إلى دوافع لا عقلانية، ومثالا على ذلك، جاءت إحدى النساء تشكو من أنها كلما لمست شيئا تجد نفسها مدفوعة لغسل يديها، وتحوَّل ذلك الهوس إلى عارض عصابي شديد، يتحكم في حياتها ولا تستطيع منه فكاكا، ولا تجد بُدًّا من الانصياع إليه دون أن تعلم سببه. وبتحليل تداعياتها وأفكارها، اتضح أن هذه المرأة تخوض صراعا مريرا ضد مشاعر كُره عنيفة، تزامن شعورها مع مرورها بالتالي
تخلَّى عنها زوجها بشكل مفاجئ وفظ، بعد أن علمت بعلاقته الغرامية بامرأة أخرى، وكانت قد عاشت سنوات في كنفه ولم يدر في خلدها يوما ما حدث. واجهت تلك المرأة الموقف بصمت مُطبق، دون لوم زوجها أو توجيه كلمة غاضبة. بدأ العارض في التحكم بها منذ ذلك الحين، ومن خلال التحليل المعمق، تبيّن أن والدها كان يُسيء معاملتها في الماضي، لكنها أيضا لم تنبس ببنت شفة. بدلا من الحديث لجأت إلى تخيُّل أن والدها أصابه مكروه، غير أن ضميرها استطاع وضع حدٍّ لهذه التخيلات الغاضبة، التي عادت إلى الحياة بعد موقف زوجها منها، لو أنها وعت للكراهية التي تعتمل في نفسها لاستطاعت التعبير عنها والحد من تفاقمها، فالعارض العصابي لتلك السيدة لم يكن إلا رد فعل على كُرهها. فقد تحوَّل لمس الأشياء بصورة لا واعية إلى فعل تدمير لها، لذا وجب أن تغسل يديها حتى تُطهِّرهما من ذلك الفعل التدميري الذي كان يُدنِّسها ومن ذلك الشعور.
ارتأى فرويد أن كل أحلامنا بما فيها الكوابيس ليست سوى صور حياتنا، تحمل تلك الصور معاني رمزية مرتبطة بتحقيق رغباتنا اللا واعية، وقد ترجع هذه الرغبات إلى فترة الطفولة، فقد تظهر ذات مرة في الصغر، ثم تتوارى في أعماقنا، لكنها قد تعود من جديد في أحلامنا إن مرَّ الإنسان بحدث يوقظها، كما حدث في المثال السابق. ولأن الرقابة تظل موجودة في الحلم بحسب فرويد، فإن العملية الأساسية في الحلم هي تقنيع تلك الرغبات وتحويرها حتى يتمكّن المرء من النوم في سلام، إنه يعتبر اللغة الرمزية كناية عن شفرة أو كود سري، كما يعتبر تفسير الحلم كناية عن عمل يرمي إلى كشف سرية هذا الكود.
يخلص فرويد إلى أن الحلم هو الطريق الأمثل إلى أعماق النفس، يتبيّن فيه الإنسان منطقا لا يعهده في يقظته إلا حين ينظر في أحوال المجنون أو الرجل البدائي أو الطفل الصغير، وأسلوبا في الخيال والتعبير شديد الشبه بأسلوب الأساطير وعقائد المجتمعات قليلة الحظ من الحضارة ومراحل تطورها، فضلا عن أنها تجمع في أفق واحد بين العقل والجنون، من حيث إن الحلم خبرة من خبرات الإنسان الصحيح العقل ولكن طبيعته الهلوسية لا تختلف عن هلوسة المجنون، ومعنى ذلك أن الكشف عن طبيعة الحلم إنما يكشف عن طبيعة العقل والجنون معا.
اختلف كارل يونغ، وهو مؤسس علم النفس التحليلي، مع أستاذه فرويد في تفسير الأحلام، إذ نبذ نظرية التداعي الحر التي ابتدعها فرويد، وبدلا منها دعا إلى تشييد سياق بعناية فائقة Context. ففي حين ارتأى فرويد أن الأحلام هي صورة مُتستِّرة لمحتويات عقلية كامنة في اللا وعي وتُمثِّل بصدق أعظم الحالة الذاتية للحالم، رأى يونغ الأهمية في المحتوى الظاهر للحلم، وهو المحتوى الذي إذا ما فُهم تماما في نظره، فإنه يعطي صورة أصدق عن هذه الحالة الداخلية للحالم، ويقول يونغ في ذلك قد يمكن القول إن الحلم هو واجهة، غير أنه يترتب علينا أن نتذكر أن واجهات معظم البيوت لا تُضلِّلنا أو تخدعنا، ولكنها على العكس تتوافق مع مخطط البيت، وهي كثيرا ما تنمّ عن تصميمه الداخلي، ونحن نقول إن للحلم واجهة كاذبة فقط، لأننا لا نستطيع قراءته، وليس علينا أن نذهب إلى ما وراء ذلك النص في المقام الأول، وإنما يتحتم علينا أن نقرأه.
يذكر في كتابه علم النفس التحليلي قضية تركت في نفسه أثرا عميقا، إذ قابل يوما صديقا له كانا يلتقيان كل حين، وكان صديقه من هواة تسلق الجبال، وكان يمازح يونغ بشأن اهتمامه بالأحلام. صادفه يوما فحكى له ساخرا عن حلم أتاه، متسائلا إن كان له معنى. في الحلم أخذ يتسلق جبلا شاهقا يقع على جرف هائل تغطيه الثلوج، كان الطقس مثاليا حتى تمنى لو أنه يمضي صاعدا في الجبل إلى الأبد، وصل إلى قمته، وانتابه شعور أن بإمكانه الصعود إلى الفضاء، ومضى مُنتشيا في الصعود إلى أن استيقظ من نومه. ناشده يونغ أن يحترس ولا يذهب إلى التسلق وحده دون مرشدين، أجابه صديقه ضاحكا لا جدوى من أحلامك. بعد أشهر قليلة لقي صديقه حتفه هاويا من على سفح جبل بالطريقة ذاتها التي تنبأ بها حلمه. ربما لهذا اعتقد يونغ بفكرة أن الأحلام قد تحمل في طياتها رسائل إلهية، مؤمنا بوجود مصدر أعلى يأتي الإلهام منه، إلى جانب توكيده حكمة اللا وعي.
وهكذا يتضح الفرق بين تفسير يونغ وتفسير فرويد للأحلام، ففرويد ينظر إلى الأحلام من وجهة نظر سببية، من أين تأتي صور الأحلام، وأي الرغبات الطفولية تُرضي هذه الأحلام، وأي العُقد النفسية تكشف عنها، بينما يونغ لا يكترث بأسباب الحلم، وإنما من حيث نهاياتها، إلى أي شيء تُسيّرنا؟ وما الذي تُقدِّمه لحياتنا؟ فالحلم ليس مجرد إرضاء لرغباتنا فقط، وإنما يؤشر إلى حاجاتنا التي قد تكون على نقيض تام لما هو قائم في وعينا وظاهر في حياتنا.
يقف إيريك فروم موقفا وسطا بينهما، في كتابه اللغة المنسية، يؤكد أن اللغة الرمزية للحلم هي اللغة الوحيدة التي عرفها كل بني البشر. مع هذا فإنها منسية، ووجب تعلُّمها. يُميِّز فروم بين ثلاثة أنواع من الرموز الرمز الاصطلاحي، والرمز العرضي، والرمز الجامع. الرمز الاصطلاحي هو المعروف لدينا والمستخدم بشكل شائع في كلامنا اليومي، مثل كلمة طاولة، أما الرمز العرضي فهو لا يكون شائعا ومعروفا، مثلا إن حدث وقضى شخص فترة بائسة في مدينة معينة فإن اسمها يصبح رمزا للبؤس والشقاء بالنسبة لذلك الشخص.
تقول المعالجة النفسية فيليبا بيري نحن نصنع قصصا لفهم المشاعر المرتبطة بحاضرنا، وندعها تُعبِّر عن نفسها في الحلم، ليس بشكل مباشر ولكن بالاستعارات، وتجادل بأن العمل الفني رؤية حلم هو أول تصوير معروف في الفن الغربي لحلم شخصي للفنان. يُظهِر الرسم المائي، الذي يبدو أنه أُنتِج على عجل عند الاستيقاظ، طوفانا من الماء ينزل من السماء ليغمره، وقد ذُيِّل بكتابة تقول استيقظت مرتجفا واستغرق الأمر وقتا طويلا حتى أتعافى.
تعتقد بيري أنه على الرغم من علمها أنه لا يوجد شيء مثل قاموس الأحلام، فقد أظهرت لها عقود من الممارسة أن هناك أشياء معينة عادة ما تُمثِّل شيئا معينا، فإذا كان شخص ما يحلم بالمياه فهذا عادة ما يتعلق بالمشاعر. بالنسبة لها، يبدو الأمر كما لو أن الفنان في هذا العمل كان غارقا في شعوره، وعلى الرغم من أنها لا تستطيع التأكد من ماهية تلك المشاعر، فإنها تقول معظمنا، سواء اعترفنا بذلك أم لا، نخشى الفناء والنسيان.
تؤكد بعض الدراسات نظرية بيري، التي تتعلق بأن بعض الأشياء قد ترمز إلى أشياء أخرى. على سبيل المثال، تُشير الأروقة والمتاهات الطويلة، بحسب ما ذهب إليه محللون نفسيون، إلى ظروف معقدة أو العجز عن اتخاذ قرار، وتُشير الدراسات العلمية إلى أن الكوابيس الليلية ترتبط باللا وعي الذي يحاول أن يُثبت وجود مشكلة أو صدام نرفض معالجته. تشمل أبرز النماذج الكلاسيكية التي تُسبِّب الكوابيس صراعات داخلية، ومصاعب شخصية، والضغط النفسي، ويمكن أن يظهر الكابوس أيضا بسبب عامل أعمق أو مكبوت في الوعي الباطني، ويعود بعض الكوابيس إلى مرحلة الطفولة، أو إلى ظروف عائلية محددة، أو حدث صادم في مرحلة الشباب، أو نقص في الحب، أو إهمال، أو اعتداءات حادة ودراماتيكية. هذه العوامل كلها قد تؤثر على الكوابيس التي تراود الفرد، لكنّ أكثر من 50 من الأشخاص الذين تراودهم الكوابيس لا يكونون مصابين بأي مرض نفسي معروف.
عندما يحلم الإنسان يكون شاعرا فذًّا، لكن ما إن يصحو من الحلم حتى يعود مجرد مخلوق بسيط.
الروائي الأرجنتيني إرنستو ساباتو
عُدَّت الأحلام منبعا من منابع الفن والأدب والسينما، تحضر في ملحمة جلجامش وإلياذة هوميروس وعند كافكا، وقال عنها الشاعر ويليام بليك والمخرج إنغمار بيرجمان إنهم يعتمدون عليها لإلهامهم، وكان الشاعر إدجار آلان بو يستوحي أعماله من كوابيسه. وفي السياق ذاته، أشارت إحدى الدراسات حول أحلام الموسيقيين إلى أنهم لم يحلموا كثيرا بالموسيقى فحسب، بل إن ما يقرب من نصف الموسيقى التي يتذكرونها من أحلامهم كانت غير مألوفة ومبتكرة بالنسبة لهم، وهو مؤشر على إمكانية التأليف في الأحلام، كما فعل بول مكارتني حيث صرَّح بأن تأليف أغنية فرقة البيتلز الأمس حدث في حلم.
لا تغيب الأحلام في ألف ليلة وليلة. كان خورخي لويس بورخيس قد كتب في إحدى قصصه عن حياة كاملة في المسافة القصيرة التي تقطعها الرصاصة من فوهة المسدس حتى رأس المحكوم عليه بالإعدام. المكان مُتحوِّل أيضا في الحلم، فالحالم يقطع في الخطوة هناك بلدا كبيرا أو حتى قارة. والأحلام من ثيمات بورخيس المحببة إلى جانب المرايا والمتاهات، وقد اعتاد أن يُدوِّنها كل صباح ثم يقصّها لأمه العجوز ولزوجته فيما بعد. وفي أليس في بلاد العجائب، التي كتبها تشارلز لوتويدج دودسون تحت اسمه المستعار لويس كارول، يدور رحاها بالكامل في حلم، ويحكي عن فتاة تُدعى أليس تسقط من خلال جحر أرنب يُفضي إلى عالم خيالي يُدعى بلاد العجائب، لتُحوِّله ديزني إلى فيلم كرتوني عام 1951، وتُعيد إنتاجه عام 2010.
أحد التمثيلات السينمائية للأحلام هو فيلم بيتر إبيتسون، وهو فيلم درامي خيالي، من إخراج هنري هاثاواي وبطولة جاري كوبر وآن هاردينج. الفيلم مأخوذ عن رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب جورج دو مورييه عام 1891، يحكي الفيلم عن حكاية حب تتجاوز كل العقبات، ويدور الفيلم حول قصة شابين انفصلا في طفولتهما ثم يجمعهما القدر بعد سنوات. على الرغم من انفصالهما في الحياة الواقعية لأن بيتر أُدين ظلما بارتكاب جريمة قتل كان ذلك في الواقع دفاعا عن النفس، فإنهما يكتشفان أنه يمكن أن يحلم كلٌّ منهما بالآخر ويحضر في وعيه أثناء النوم، بهذه الطريقة يكونان معا. وقد نوقش الفيلم في الوثائقي رؤى الضوء 1992.
أما في الفن الغربي قديما، لم تكن الأحلام موضوعا سائغا، لكن كان للوحات هيرونيموس بوش صدى لدى عدد كبير من الناس، لكونها تمثيلات للجنة وللجحيم وللكوابيس التحذيرية لكل ما ينتظر المذنبين إذا لم يتوبوا. كان الرمزيون هم مَن أعادوا الأحلام إلى صدارة التعبير الفني، فبالنسبة لفنانين مثل غوستاف مورو وأوديلون ريدون كانت الأحلام طريقة لحل رموز الواقع وألغاز الوجود، استوحت منها رسوم الفيلم القصير Odilon Redon, or The Eye Like a Strange Balloon Mounts Toward Infinity المقتبس بدوره من إدجار آلان بو، وفيه يبدو منطاد الهواء الساخن الذي يأخذ شكل عين يرفع رأس رجل إلى الغيوم متصاعدا إلى ما لا نهاية، موحيا بالصور المتضاربة للأحلام في كثير من الأحيان.
ورأى السرياليون الأحلام وسيلة لإطلاق العنان للتعبير الإبداعي غير المقيد، ورد فعل ضد الثقافة البرجوازية في أوروبا التي كانت قد أصبحت مكروهة في أعقاب الحرب العالمية الأولى. جاء الإلهام الأساسي لهم من كتاب تفسير الأحلام، وقد قيل إن فرويد كان مندهشا من أفكارهم، وعندما التقى سلفادور دالي، أحضر دالي معه لوحته تحول النرجس 1937، التي كانت تحوي إبهاما يمسك بيضة متشققة تظهر منها زهرة النرجس. كان فرويد ينظر إلى السرياليين نظرة سلبية حتى رأى لوحة دالي التي جعلته يُعيد النظر في رأيه.
وقد اكتشفت المحللة النفسية بيري رابطا بين العلم والفن والأحلام، ودعت مرضاها إلى رسم أحلامهم بوصفه وسيلة للعلاج وجزءا من نهج ابتكره الطبيب النفسي الألماني فريتز بيرلز قديما، الذي يتضمن إعادة سرد أحلامك لنفسك من وجهة نظر جميع مَن في الحلم، لأن كل شيء في أحلامنا هو جزء منا، لذلك بواسطتها سنكتسب فهما أفضل لأنفسنا. | https://www.aljazeera.net/misc/2021/2/11/%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a5%d9%84%d9%87%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%84%d9%85-%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%b1%d8%a3%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d9%84%d9%84%d9%88%d9%86 | 2021-02-11T07:22:23 | 2024-05-28T07:34:30 | أبعاد |
|
192 | كيف تصنع إسرائيل القتَلة؟ | ليس الاغتيال مجرد فعل دموي معزول كما في حالات القتل التقليدية، بل هو تكتيك مدروس يهدف إلى إحداث تأثيرات بعيدة المدى على حركات المقاومة نفسها وإضعاف قدراتها العملياتية، والأهم بثّ الرعب لدى الشعوب. | في أحد ليالي أبريلنيسان الهادئة عام 1973، كانت شوارع بيروت تشهد هدوءًا نسبيًّا ولم يكن سُكّان المدينة يعلمون أنّ ثمة عملية غير عادية تجري تحت جنح الظلام. مجموعة من الكوماندوز الإسرائيليين بقيادة إيهود باراك، تسلّلت إلى قلب المدينة، مُتنّكرين في زي نساء، أما هدفهم فكان محددًا تصفية قادة بارزين في حركة فتح. بعد دقائق من التُسلّل عبر الشوارع الضيقة، وصل الفريق إلى وجهتهم، ودون أن يثيروا أيّة شكوك، اقتحموا مبنًى سكنيًّا وقتلوا يوسف النجار، نائب ياسر عرفات، وكمال ناصر المُتحدّث باسم الحركة، بالإضافة لكمال عدوان أحد مؤسسي حركة فتح. العملية كانت دقيقة ومدروسة، ولكنّها لم تكن مُجرّد ردٍّ على الهجمات التي نفّذتها فتح، بل كانت جُزءًا من إستراتيجية إسرائيلية مُتواصلة لإضعاف قدرات القيادة الفلسطينية، ولإرسال رسالة واضحة بأنّ ما يسمونه ب يد إسرائيل الطويلة تستطيع الوصول إلى أيّ مكان وأيّ شخص.
بحسب ما يرويه الإسرائيليون عن أنفسهم فإنّ الاغتيالات التي تنفذّها إسرائيل ليست عمليات عشوائية، بل تستند إلى تخطيط وتتبّع حثيث للأهداف المُحتَمَلة. تسوق إسرائيل دائما هذه العمليات بوصفها ضرورة أمنية -بحسب زعمها- لحماية الدولة من التهديدات المُستمرّة التي تُواجهها من الفصائل الفلسطينية المسلحة، أو تلك الفصائل التي تعاديها على العموم. لم يكن الهدف من هذه العمليات التخلص من القادة فقط، بل إحداث حالة من الفوضى والارتباك داخل صفوف التنظيمات المستهدفة. كما أن اغتيال القادة الرئيسيين كان يهدف أيضا إلى إحداث فَرَاغ قيادي يَصعُب على التنظيمات مَلؤه بسرعة، ممّا يمنح إسرائيل بعض الوقت للحدّ من الهجمات التي تستهدفها.
ورغم ما يبدو ظاهرا من فاعلية هذه العمليات على مستوى الأثر المباشر بتحييد الشخص المستهدف، فإنّ بعضها قد أدّى بالفعل إلى تصعيد كبير في الصراع والمواجهة بين إسرائيل وأعدائها. على سبيل المثال، لم يُؤدِّ اغتيال عبّاس المُوسوي، زعيم حزب الله عام 1992، إلى تهدئة الأوضاع كما كان مُخططًا له، بل ساهم في صعود حسن نصر الله زعيمًا جديدًا للحزب؛ مما زاد من تعقيد المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، كما أن اغتيال قادة فصائل المقاومة الفلسطينية لم يُنتج سوى المزيد من القادة الجدد.
من ناحية أخرى، كان اعتماد إسرائيل المُفرط على هذه الإستراتيجية محفوفًا بالأخطار. في عام 1997، حاول الموساد اغتيال خالد مشعل، الذي كان وقتها رئيسا للمكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس، في الأردن باستخدام سُموم كيميائية مُتطوّرة. ولكنّ العملية فشلت، وتمكّنت السُلُطات الأردنية من اعتقال العملاء الإسرائيليين، ممّا أدى إلى أزمة دبلوماسية بين إسرائيل والأردن. لم تكن هذه الحادثة مُجرّد ضربة لسُمعة الموساد الإسرائيلي، بل كشفت أيضًا عن التحدّيات الكبيرة التي تواجه إسرائيل عند تنفيذ عمليات في أراضي دول أخرى.
ومع مرور السنوات، أصبحت هذه الاغتيالات جُزءًا لا يتجزأ من إستراتيجية إسرائيل الأمنية. لكن مع تزايد الانتقادات الدولية لهذه السياسة، وخصوصًا بعد سقوط ضحايا مدنيين خلال بعض العمليات، بدأت التساؤلات تثار حول مدى فعالية هذه الإستراتيجية على المدى الطويل ناهيك عن شرعيتها. فبينما كانت إسرائيل تسعى من خلال هذه الاغتيالات إلى حماية نفسها من التهديدات، كانت تواجه في المقابل انتقادات واسعة من المجتمع الدّولي، وحتى من بعض حلفائها. وعلى الرغم من الانتقادات، فإن إسرائيل لا تزال ترى في هذه الاغتيالات أداة ضرورية.
في كتابه انهض واقتل أولًا التاريخ السري للاغتيالات المستهدفة لإسرائيل، يُسلّط الصحفي الإسرائيلي رونين بيرغمان الضوء على الدور الحيوي الذي أدته عمليات الاغتيال في إستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي، مشيرًا إلى أنها كانت ولا تزال أداة جوهرية في الحفاظ على أمن الدولة العبرية بتعبيره كما تحافظ على توازن القوى في الشرق الأوسط. منذ تأسيس دولة الاحتلال، اعتمدت الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية، وعلى رأسها الموساد والشاباك، على الاغتيالات.
أما رونين بيرغمان، فهو صحفي وكاتب إسرائيلي يعمل مراسلًا لشؤون الاستخبارات في صحيفة يديعوت أحرونوت، وهي إحدى أكبر الصحف الإسرائيلية. عُرف بيرغمان بعمله في مجال التحقيقات الصحفية، حيث كشف عن العديد من العمليات السرية التي نفذتها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية. حصل بيرغمان على درجات علمية في التاريخ والقانون الدولي، ويعتبر خبيرًا في الشؤون الأمنية والاستخبارية. بفضل مصادره العديدة داخل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، استطاع بيرغمان الوصول إلى معلومات سرية جعلت كتابه اقتل أولًا مرجعًا هامًّا لكل من يرغب في فهم السياسات الإسرائيلية في مجال الاغتيالات.
يتكون الكتاب من أكثر من 700 صفحة، ويتضمن فصولًا متعددة، كل منها يركز على حقبة زمنية معينة أو سلسلة من الأحداث المرتبطة بالاغتيالات. يبدأ الكتاب بسرد العمليات الأولى التي نفذها عناصر من الحركة الصهيونية قبل تأسيس دولة إسرائيل، مرورًا بالاغتيالات التي استهدفت زعماء فلسطينيين وأعضاء من الفصائل المسلحة، وصولًا إلى عمليات حديثة استهدفت علماء نوويين إيرانيين.
تبرز أهمية الاغتيالات في السياق الإسرائيلي من خلال قدرتها على إحداث تأثيرات ملموسة ومباشرة في مجريات الأحداث السياسية والعسكرية. يوضح بيرغمان كيف أن الاغتيالات لم تكن مجرد وسيلة للتخلص من شخصيات معادية فحسب، بل كانت جزءًا من إستراتيجية أوسع تهدف إلى إضعاف العدو وزعزعة استقراره. على سبيل المثال، يعتبر اغتيال قيادات بارزة مثل يحيى عيّاش، الذي كان يُعرف بمهندس المتفجرات في حماس، تحوّلًا حاسمًا في المواجهة مع الحركة الفلسطينية. فقد كان عيّاش يمثل تهديدًا كبيرًا لإسرائيل بسبب دوره في تطوير أساليب جديدة للهجمات ضد الإسرائيليين، وكان التخلّص منه يعني القضاء على مصدر رئيسي للعمليات التي تهدد الأمن الإسرائيلي.
في كثير من الأحيان، تُستخدم الاغتيالات وسيلةً لتقويض البُنية التحتية للمنظمات المعادية. عندما يتم استهداف القادة العسكريين أو المفكرين الإستراتيجيين، يكون الهدف إلحاق الضرر بهذه الشخصيات، وتعطيل القدرة العملياتية والتنظيمية لتلك المجموعات. فالقيادات التي تتمتع بالكاريزما والقدرة على اتخاذ القرارات المصيرية تشكل عنصرًا حاسمًا في نجاح أي تنظيم. وبالتالي، فإن اغتيالها يؤدي إلى فراغ قيادي يصعب ملؤه؛ مما يضعف القدرة على التخطيط والتنفيذ الفعّال.
يمثل اغتيال القيادات الفلسطينية مثالًا واضحًا على كيف يمكن للاغتيالات أن تكون مغيرًا لقواعد اللعبة game-changer في النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. إذ إن هذه العمليات غالبًا ما تكون مؤثرة لدرجة أنها تغيّر مسار الأحداث وتفرض على الأطراف الأخرى إعادة تقييم إستراتيجياتها. بيرغمان يشير إلى أن اغتيال قيادات مثل أحمد ياسين، مؤسس حركة حماس، كان له أثر كبير في الحركة ومكانتها بين الفلسطينيين. رغم أن حماس استمرت في عملياتها بعد اغتيال ياسين، فإن غيابه أدى إلى فقدان رمز من رموز المقاومة الفلسطينية، وأحدث هزة في بنية الحركة على حد وصفه.
على الجانب الآخر، تؤدي الاغتيالات دورًا في ردع الأطراف الأخرى عن تصعيد العمليات ضد إسرائيل. إذ ومن خلال استهداف الشخصيات المحورية، ترسل إسرائيل رسالة واضحة بأن أي محاولة لتهديد أمنها ستواجه برد قاسٍ، وأن الشخصيات البارزة ليست بمنأى عن الاستهداف. هذا الردع ليس مجرد وسيلة لحماية أمن إسرائيل، بل هو جزء من عقيدة دفاعية تهدف إلى منع الخصوم من بناء قدرات تؤدي إلى تهديد وجودي للدولة.
في ظلمة الليل الباردة في أبريلنيسان 1979، توقّفت سيارة فيات 127 قديمة، بمحركها المتعثر، على بعد أمتار قليلة من بوابة منشأة صناعية ضخمة في مدينة لا سين سور مير الفرنسية. خرجت من السيارة امرأتان بدا عليهما الارتباك والانزعاج وحاجتهما إلى المساعدة. اقتربتا من البوابة، وبابتسامة خجولة ترتسم على وجه إحداهما، طلبتا المساعدة من الحارسين الفرنسيين. لقد كانتا سائحتين بريطانيتين، بحسب ما أخبرتا به الحارسين، وقد تعطّلت سيارتهما التعيسة أثناء تجوالهما بها في منطقة الريفييرا الفرنسية.
انخدع الحارسان بسهولة، وفتحا البوابة لمساعدتهما. في تلك اللحظات، تسلّل خمسة أشخاص بسرعة وصمت من فوق السياج، وتوجهوا نحو حظيرة صناعية ضخمة تابعة لمجموعة CNIM، وهي شركة متخصصة في تصنيع مكونات ضخمة ومعقدة للسفن والمفاعلات النووية. كانت تلك المجموعة في مهمة سرية للغاية، مهمة قد تُغيّر مجرى التاريخ في الشرق الأوسط.
في غضون دقائق، قاموا بتركيب عبوات ناسفة قوية على أسطوانتين ضخمتين داخل الحظيرة، وضبطوا المؤقتات، ثم تسللوا خارجين بنفس الاحترافية. وفي الوقت نفسه، نجح الحارسان في إعادة تشغيل السيارة، وتبادلا الابتسامات مع المرأتين اللتين وعدتا بلقائهما لاحقًا في أحد البارات. ولكن بعد ثلاثين دقيقة، دوى انفجار هائل هز أرجاء الواجهة البحرية، وأضاءت ألسنة اللهب سماء الليل، مدمرةً كل شيء داخل الحظيرة، بما في ذلك المفاعلين النوويين اللذين كانا مُعدّين للشحن إلى العراق.
تأخر إكمال بناء المفاعلات حوالي سنة لإصلاح الأضرار الناتجة عن هذا التفجير. وفي 9 يوليوتموز 1979، زار رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك، ريمون باغ، العراق لعرض تغيير الوقود المستخدم إلى نوعٍ جديد يُسمّى كاراميل بتخصيب 7.5. رفض العراق هذا العرض بقوة، متمسكًا بالاتفاق الأصلي. لكن هذا لم يكن نهاية المطاف؛ إذ تبعت ذلك سلسلة من الأحداث الغامضة، حيث اغتيل اثنان من العلماء النوويين المشاركين في المشروع بطرق مروعة، أحدهما بكسر رأسه والآخر بالسم. إضافة إلى تهديدات وُجّهت إلى الفرنسيين عبر رسائل بريدية؛ مما تسبب في تأخر إكمال البناء بضعة أشهر أخرى حتى فبرايرشباط 1980.
لم يكن الانفجار في تلك الليلة مجرد عمل تخريبي، بل كان ضربة استباقية في حرب سرية استُخدمت فيها الاغتيالات والعمليات السرية أدواتٍ حاسمة. كانت هذه البداية لفصل جديد في الصراع الإسرائيلي العربي، حيث أصبحت الاغتيالات جزءًا لا يتجزأ من اللعبة السياسية في المنطقة، وفارقًا في معادلات القوة والصراع على الوجود.
يتطلب الاغتيال من حيث طبيعته، مستوى عاليًا من التخطيط والتفكير، وغالبًا ما يكون مصحوبًا بتجريد الضحية من أي نواح إنسانية، وتصويره كحيوان أو شيء محتقر يستحقّ القتل. وأعضاء فرق الاغتيال لا يرون في ضحاياهم أشخاصا لهم حقوق أو مشاعر، بل عقبات تجب إزالتها لتحقيق أهدافهم، وتوصف هذه العملية بـ نزع الأنسنة عن الضحية، وهي تحدث للقتلة نتيجة تعرضهم المستمر للدعاية الأيديولوجية، أو من خلال التربية في بيئات عنيفة أو عنصرية أو فاشية تبرر استخدام القوة لتحقيق الغايات.
على المستوى الفردي، تُظهر الأبحاث أن الغضب الشخصي والعجز يؤديان دورًا أكبر في الدافع وراء الاغتيالات مقارنة بالدوافع الأيديولوجية. وفي دراسة أجريت بين عامي 1995 و2015 على 58 شخصًا من مرتكبي الاغتيالات للشخصيات العامّة في الولايات المتحدة، وجدت أن الدوافع الأيديولوجية شكلت فقط 9 من الحالات. بدلًا من ذلك، كانت الغالبية العظمى من الهجمات مدفوعة ببواعث شخصية، أو غضب شديد.
من المهم هنا أن نوائم بين عقلية الشخص الذي احترف الاغتيال، وبين السياق الشرعي والمؤسّسي الذي يغذّي دوافعه النفسية ويُؤطّرها في سياق مؤسسي عبر العمل مع الأجهزة الاستخبارية والعسكرية؛ إذ بهذه المواءمة يُمكِن أن نفهم الاغتيال ليس بوصفه مُجرّد مهام للعمل داخل مؤسّسات ذات طابع سياسي أو أيديولوجي، بل بوصفه أيضًا سلوكًا شاذًّا تتفاعل من أجل نجاحه تبريرات أخلاقية مع تراكمات نفسية معقدة داخل هؤلاء القتلة.
وفي هذا السياق الذي تعاملت معه الدراسة، فإن عقلية الشخص أو الفريق الذي يُقْدم على الاغتيالات تمثل مزيجًا معقدًا من الدوافع النفسية، والعوامل الاجتماعية، والاضطرابات الشخصية، وأحيانا ما يعاني هذا القاتل من اضطرابات سيكولوجية داخلية، نتيجة موجات من يقظة الضمير، ولكن في الأغلب يتم تذويب هذا الشعور ومحاصرته بخطوات إجرائية معقدة، وذلك عبر بعض الحيل الدفاعية النفسية والتبريرات الدينية، وأحيانا من خلال تكريس نبل الاغتيال باعتباره عملا أخلاقيا يحمي الوطن من الخطر، إضافة إلى الفصل الحاد بين المجال المهني والشخصي، الذي تتدرب عليه تلك النماذج الشرسة.
يشير الدكتور مارشال هييمان في بحثه المنشور سنة 1984 إلى أن هؤلاء القتلة غالبًا ما يكونون أشخاصًا منعزلين، يعيشون في عالمهم الخاص، مع شعور دائم بالفشل والرفض من قبل المجتمع، وبعضهم يعاني من حياة مليئة بالإحباطات المتكررة، سواء في العمل أو العلاقات الشخصية، تراكم هذه الإحباطات على مر الزمن، ليصلوا في النهاية إلى نقطة تحول تجعلهم يتخذون العنف وسيلةً للتعبير عن غضبهم، والتنفيس عن هذا الإحباط العميق، وتحقيق هدف كبير قد يغير من صورتهم أمام الآخرين، ويبدو أن هذه الطبائع هي محل رصد وتقصٍّ من قبل بعض الجهات الأمنية والاستخبارية التي تصطاد هذه النماذج وتسعى لتوظيفها.
ولا تمضي الأمور على هذه الوتيرة المنسجمة، فأحيانا ما يستيقظ السؤال الأخلاقي، أثناء الانهماك في تلك الأعمال القذرة، ويثار السؤال عن مشروعية تلك السلوكيات التي تقوم بها فرق الاغتيالات، وفي الحيثيات التي يذكرها بيرغمان في كتابه حول اغتيال مصطفى أحمدي روشن، المهندس النووي البارز وأحد العقول الرئيسية وراء برنامج إيران النووي صبيحة يوم 11 ينايركانون الثاني 2012 عندما انفجرت قنبلة مغناطيسية وضعت على جانب مركبته بواسطة راكب دراجة نارية. يذكر بيرغمان أنّ جدلًا داخليًّا أثير داخل الموساد نفسه حيث عبّرت إحدى الموظفات، خلال اجتماع في مكتب مئير داغان، عن قلقها وتناقضها الأخلاقي بقولها والدي هو عالم بارز في برنامجنا النووي. وفقًا للطريقة التي تفكرون بها هنا، يمكن أن يكون هدفًا مشروعًا للاغتيال. أعتقد أنّ فتح هذا الباب من الاغتيالات ليس بالأخلاقي ولا القانوني.
وبالرغم من هذا الاعتراض الجزئي والعَرَضي، فإنّ حملة الاغتيالات على العلماء والأكاديميين لم تتوقّف، بل صارت مسارًا ونهجًا أساسيًّا في ملف الاغتيالات وكان لها تأثيرات عميقة في البرنامج النووي الإيراني. أصبح العلماء الإيرانيون يخضعون لحراسة مكثفة على منازلهم.
ليس الاغتيال مجرد فعل عنفي أو دموي معزول كما في حالات القتل التقليدية، بل هو تكتيك مدروس يهدف إلى إحداث تأثيرات بعيدة المدى، سواء على المستوى النفسي أو الاجتماعي. من خلال التفسيرات العلمية المختلفة، يمكن فهم الاغتيال على أنه أداة للقوة والسيطرة، وطريقة لبث الخوف وترسيخ الهيمنة.
والاغتيال لا يؤثر فقط في الضحية والفاعل، بل يمتد تأثيره إلى المجتمع بأسره. عندما يُغتال قائد سياسي أو شخصية دينية، فإن الصدمة النفسية التي يتعرض لها المجتمع قد تكون هائلة وهي الحالة التي يُسمّيها علماء النفس الصدمة الجمعية Collective Shock، حيث يشعر المجتمع كلّه بالتهديد والخوف من المستقبل، وهذا الشعور من شأنه أن يُؤدّي إلى حالة من الانقسام الاجتماعي، حيث تبدأ الفئات المختلفة في البحث عن أعداء داخليين أو خارجيين لتحميلهم مسؤولية الفعل.
تُستخدم الاغتيالات أحيانًا أداةً لترسيخ السيطرة على المجتمعات. الحكومات الدكتاتورية، على سبيل المثال، قد تلجأ إلى اغتيال المعارضين لِبثّ الرعب وإسكات الأصوات المعارضة. في هذه الحالة، يتحول الاغتيال إلى أداة سياسية تهدف إلى إخضاع المجتمع وترسيخ الخوف ليكون جزءًا من الحياة اليومية. يصف ميشيل فوكو هذا النوع من السيطرة بـالسلطة التأديبية Disciplinary Power، حيث تُستخدم العقوبات القاسية لترويض المجتمعات وإجبارها على الامتثال.
على الجانب الآخر، قد يُؤدي الاغتيال إلى تقوية عزم المجتمعات وزيادة وحدتها. في حالات كثيرة، يتحول الشخص المغتال إلى رمز للبطولة والمقاومة؛ مما يعزز من الروح المعنوية لدى الجماهير. هذه الظاهرة تُعرف بـتأثير الشهيد Martyrdom Effect، حيث يصبح الشخص المغتال مصدر إلهام للمزيد من النضال والمقاومة. يُظهر التاريخ أمثلة عديدة لهذه الظاهرة، حيث أدى اغتيال قادة مثل مارتن لوثر كينغ أو غاندي إلى تعزيز الحركة التي كانوا يقودونها بدلًا من إضعافها.
أمّا في السياق السياسي، فيُستخدم الاغتيال وسيلةً لتغيير المعادلات السياسية وتحقيق مكاسب تكتيكية. يمكن للاغتيال أن يؤدي إلى فراغ في القيادة داخل التنظيمات المعارضة، مما يضعف من قدرتها على المقاومة. كما أن اغتيال شخصية محورية قد يدفع الأطراف الباقية إلى إعادة النظر في إستراتيجياتها، خاصة إذا كانت هذه الشخصية هي العقل المُدبّر لخططهم، وبالتالي قد يتأثّر سلوك الجهة أو الحركة المستهدفة بالاغتيال إن لم تكن تعتمد على بُنى مُؤسساتية عميقة وإستراتيجيات سياسية راسخة، حينها يكون غياب العقل المُدبّر تغييرًا جذريًّا في الإستراتيجية، وهذا المُكتسب قد يكون نقمة على أجهزة استخبارية عدّة تفضّل الأنماط الواضحة بدل المجيء بين حين وآخر بأشخاص جُدد يحملون أنماطًا سلوكية جديدة ومُغايرة وبالتالي زيادة عنصر المُفاجأة والفوضى.
وفي المقابل، قد تكون للاغتيالات نتائج عكسية غير متوقعة. حينما يُغتال قائد أو شخصية بارزة، قد يؤدي ذلك إلى تصعيد الصراع بدلًا من تهدئته. هذا التصعيد يحدث نتيجة لرغبة الأطراف المستهدفة بالانتقام؛ مما يزيد من حدة العنف ويجعل النزاع أكثر دموية. كما أن الاغتيال قد يدفع المجتمع المستهدف إلى تبني سياسات أكثر تطرفًا ردًّا على الشعور بالتهديد.
في بعض الأحيان، يُستخدم الاغتيال ضمن حرب نفسية تهدف إلى إضعاف معنويات العدو. هنا، يصبح الاغتيال أداة لإرسال رسالة رمزية بأن أي شخص يمكن أن يكون هدفًا، وأن الأمان الشخصي هو وهم. هذه الرسالة يمكن أن تؤدي إلى حالة من البارانويا Paranoia داخل المجتمع المستهدف، حيث يشعر الجميع بأنهم في خطر دائم، وهذه الحالة من التوجّس والريبة والتشكّك قد تدفع الناس إلى اتخاذ قرارات غير عقلانية؛ مما يؤدي إلى زيادة الفوضى والانقسامات الداخلية.
على مستوى آخر، يمكن أن يؤدي الاغتيال إلى ردٍّ عكسي، بالمعنى الإيجابي بالنسبة للمجتمعات التي فقدت رمزًا وطنيًّا أو قائدًا شهيرًا، حيث تعمل الاغتيالات بهذا المعنى على تعزيز المشاعر الوطنية وتعميق الروابط الاجتماعية داخل المجتمعات المستهدفة وزيادة العداء أو النشاط الفاعل تجاه الآخر أو العدو. عندما يشعر الناس بأنهم مستهدفون، قد يلتفون حول قيادة جديدة أو يتبنون سياسات مقاومة جديدة أشدّ وأقوى وأكثر فاعلية، هذا الالتفاف الجماعي يُعرف بـتأثير التجمع Rally Effect، حيث تزداد وحدة المجتمع وقوته في مواجهة الخطر المشترك.
على الرغم من فعالية الاغتيالات في إزالة تهديدات محددة، فإنّ كتاب بيرغمان انهض واقتل أوّلًا يشير إلى أن إسرائيل اعتمدت بشكل مُفرِط ومُستهتر على هذه الأداة؛ مما أدّى في بعض الأحيان إلى عواقب غير متوقعة وتصعيد الصراع بدلًا من تهدئته. على سبيل المثال، اغتيال عباس الموسوي، زعيم حزب الله، لم يحقق الهدف المنشود بتهدئة الأوضاع، بل أدى إلى تصعيد خطير وظهور حسن نصر الله قائدًا أكثر قوة وفعالية؛ مما جعل الأمور أكثر تعقيدًا بالنسبة لإسرائيل، كما يصف بيرغمان.
من بين الأخطاء المتكررة التي ارتكبتها إسرائيل كان الاستخفاف بالتقنيات الأمنية والتكنولوجية للدول المستهدفة. فعلى سبيل المثال، في عملية اغتيال محمود المبحوح في دبي عام 2010، ارتكب فريق الموساد سلسلة من الأخطاء الجسيمة، منها عدم تقدير عدد كاميرات المراقبة في دبي واستخدام جوازات سفر مزورة بشكل غير دقيق. هذه الأخطاء أدت إلى فضح حيثيات العملية بشكل كامل وكشف مرتكبيها وتعرض الموساد لإحراج عالمي.
التخطيط والتنفيذ المتعجل كانا أيضًا من بين الأخطاء الشائعة التي أدت إلى فشل بعض العمليات. محاولة اغتيال خالد مشعل في الأردن عام 1997 هي مثال صارخ على ذلك، حيث تم تنفيذ العملية دون إتمام الخطوات التحضيرية المعتادة، مثل التدريبات الكاملة أو اختيار هويات مغطاة بدقة. هذا التسرع أدى إلى فشل العملية وكشف عن نقاط ضعف في إستراتيجيات الموساد.
كما أن الاستخدام المتكرر للهويات المزورة دون تغييرها بانتظام أدى إلى كشف العديد من العمليات. في بعض الحالات، استخدم الموساد نفس الهويات المزورة عدة مرات؛ مما جعل من السهل تتبع العملاء وتحديد هوياتهم الحقيقية. هذا الخطأ تكرر بشكل خاص في عملية اغتيال المبحوح؛ مما أسهم في كشف تورط إسرائيل وتعرضها لموجة من الانتقادات الدولية.
يقرّ بيرغمان بأن الاغتيالات كانت فعّالة في تحقيق العديد من الأهداف الإسرائيلية، لكنه لا يغفل عن التبعات الأخلاقية والإنسانية لهذه العمليات. فالاغتيالات، رغم نجاحها التكتيكي، تظل عمليات مثيرة للجدل من حيث تأثيرها في العلاقات الدولية وحقوق الإنسان. كما أن بعضها قد يؤدي إلى تصعيد الصراع بدلًا من إنهائه، حيث إن الردود الانتقامية قد تزيد من وتيرة العنف والتوتر.
في النهاية، يؤكد بيرغمان أن الاغتيالات ستظل جزءًا لا يتجزأ من سياسة إسرائيل الأمنية، طالما استمر النزاع، وطالما ظل هناك من يسعى لتهديد وجود الكيان الإسرائيلي. صحيح أنّ الاغتيالات أداة قوية، ولكنها تحمل في طياتها تبعات تتجاوز القتل نفسه، لتؤثر في مجمل السياق السياسي والإنساني للصراع. ورغم النجاح التكتيكي الذي قد تحققه بعض هذه العمليات، فإن التكلفة السياسية والإنسانية غالبًا ما تكون باهظة؛ مما يجعل الاغتيالات سلاحًا ذا حدين في النزاع المستمر. | https://www.aljazeera.net/sukoon/2024/9/5/%d9%83%d9%8a%d9%81-%d9%86%d9%81%d9%87%d9%85-%d8%b3%d9%8a%d9%83%d9%88%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ba%d8%aa%d9%8a%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a | 2024-09-05T01:33:56 | 2024-10-15T19:56:30 | أبعاد |
|
193 | الآثار السلوكية للصيام ماذا يقول علماء النفس عن الصبر والانضباط الذاتي؟ | يأتي الصيام بشهر رمضان ليعلمنا أن نكبح جماح رغباتنا الفطرية والطبيعية، تلك التي في أصلها مباحة في غير شهر رمضان، إنه يعلمك أن تسيطر على نفسك وتواجهها كي يعيد لك مركزية السيد الحر على انفعالاته. | يذكر الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه النفيس إحياء علوم الدّين مقولة ذكية يرشدنا فيها إلى خطوة عملية لضبط ذواتنا والسيطرة على رغباتنا، يقول فيها فإنّ النّفسَ إذا لم تُمنَع بعض المباحات طَمِعَت في المحظورات. هل بإمكانك أن تتخيّل أقرب ممارسة شعائرية لدى المسلمين لهذا التمرين السلوكي؟ بالفعل، إنّها الصيام، يأتي الصيام في شهر رمضان ليعلّمنا أن نكبح جماح رغباتنا الفطرية والطبيعية، تلك التي في أصلها مباحة في غير شهر رمضان، إنّه يعلّمك أن تسيطر على نفسك خلال نهارك، ويتركك في مواجهة عارية مع نفسك أمام شهواتك ورغباتك، ميولاتك ووساوسك، ليعلّمك أن تواجهها واحدة تلو الأخرى دون تلبيتها ودون مطاوعتها، كي يعيد لك مركزية السيّد الحرّ على انفعالاته بدل أن تظلّ أسير رغباتك وخادما تُلبّي لنفسك كلّ ما تشتهيه.
عادة ما تتصل رغبة الإنسان بالحصول على المتعة أو بتجنب الألم، لكن الرغبة قد تتحول إلى إغراء يقاومه الإنسان أو يضعف عنده، وتحديدا عندما تتعارض الرغبة مع قيمنا أو أهدافنا البعيدة، فمثلا قد يرغب الإنسان في تناول قطعة من الحلوى، لكن هدفه إنقاص وزنه أو الحفاظ على صحته بشكل جيد يجعله يقاوم لذة الحلوى، كما قد يرغب أحدنا في الجلوس ومشاهدة فيلم أو مسلسل، لكن هدفه في النجاح بامتحانه الجامعي أو في إنهاء رسالته الجامعية يجعله يؤجل المشاهدة لوقت آخر، فماذا تخبرنا الدراسات النفسية حول هذا الموضوع؟
تسمي الدراسات النفسية هذا النوع من السلوك باسم ضبط النفس SELF-CONTROL، أي القدرة على التحكم في الرغبات وتأخير اللذة والإشباع لتحقيق أهداف بعيدة المدى تتناسب مع قيمنا أو مع تصوراتنا عن الأفضل لأنفسنا.
تجربة حلوى المارشميلو هي تجربة صممها عالم النفس والتر ميشيل عام 1960م وطبقتها جامعة ستانفورد على شريحة واسعة من الأطفال يصل عددها إلى 600 طفل، حيث أعطاهم قطعة مارشميلو وأخبرهم أنهم إن لم يأكلوها الآن وأخّروها إلى ما بعد 15 دقيقة فسيحصلون على قطعة ثانية، كانت التجربة من التجارب الطويلة التي راقبت الأطفال ما يزيد على 10 سنوات، وكان من نتائجها أن المجموعة التي انتظرت وأخّرت الحصول على اللذة كانت درجاتها العلمية أعلى، وكانت أكثر تركيزا، وأقل عرضة لمشكلات القلق والاكتئاب، وأقل تدخينا، وأكثر مهارات اجتماعية. ولاقت التجربة في وقتها صدى واسعا في الأوساط التربوية، وصُممت كثير من البرامج التربوية لتعويد الطفل على ضبط نفسه وتأخير لذته.1
تشير الدراسات النفسية إلى أن الصفات الساخنة، مثل الذوق والرائحة والصوت والإحساس وما إلى ذلك، تقلل من السيطرة على النفس وتضعف تأخير الإشباع، خلافا لتوجيه الانتباه إلى الرمز والمعنى والصفات المجردة، وهذا فعلا ما ميّزه الباحثون في تجربة حلوى المارشميلو أن تغييرا ما في الموقف قد يسهّل على الأطفال الانتظار بشكل أفضل، فالأطفال الذين قيل لهم أن يفكروا في المكافأة بشكل معنوي وعاطفي كأن يتخيلوا المكافأة غيوما صغيرة رقيقة كانوا أقدر على الانتظار من الأطفال الذين قيل لهم أن يتخيلوا المذاق الحلو والملمس الناعم للحلوى، فبينما يغني الطفل الذي يتمتع بقدرة جيدة على تأخير الرغبة نغمة سعيدة لنفسه أو قد ينظر حول الغرفة أثناء الانتظار، قد يركز الطفل الذي لا يستطيع الانتظار والتأخير على البسكويت نفسه ويتخيل مذاقه الحلو2. لذلك يمكن أن نقول إننا حين نعطي المهام التي ننجزها معنى مجرّدا أو ساميا فإنها تعطينا القدرة بشكل أفضل على الصبر على إنجازها أو على دفع المشتتات عنها.2
وقد تلت تجربة المارشميلو مجموعة كبيرة من الدراسات التي ربطت بين تأخير الإشباع وضبط النفس وقلة الاكتئاب والقلق أو قلة العدوانية والغضب، بل ظهرت دراسات عديدة تتحدث عن تأثير ضبط النفس على الأطفال الذين لديهم فرط حركة أو ضعف انتباه.2
قام الباحثون في جامعة روتشستر بنيويورك بجمع 28 طفلا وقسموهم إلى مجموعتين، ثم أخبروهم بأنهم سيحصلون على لوازم فنية أفضل إذا انتظروا، وبعد أن انتظر الأطفال المكافأة بنجاح، لم تُزوَّد إحدى المجموعتين بأدوات أفضل، بينما زُوِّدت المجموعة الثانية بأدوات أفضل، وكشفت المقارنة بين المجموعتين أن الأطفال الذين تعلموا أن وعد الباحث كان غير موثوق به استسلموا سريعا لتناول المارشميلو فيما بعد، وانتظروا في المتوسط 3 دقائق فقط، خلافا للأطفال الذين تعلموا أن الباحث موثوق به، حيث كانوا قادرين على الانتظار لمدة 12 دقيقة في المتوسط.3
ويُفهم من هذه التجربة أن الإيمان بالشيء أو الثقة بالوعد يسهم في ضبط النفس، لذلك كان خطاب الإسلام في جزء كبير منه يقوم على الإيمان بالغيب والثقة بوعد الله وجنته، وأن المسلم كلما زاد إيمانه بهذا الوعد أعانه ذلك على الصبر على الطاعة وعن المعصية لنيل الجزاء الأخروي.
في دراسة أجراها عالم الاقتصاد العصبي بول جليمشر من جامعة نيويورك عام 2011 لمعرفة ما إذا كان الناس سيختارون عن طيب خاطر الإشباع الفوري أو المؤجل من خلال منحهم مبلغا محددا من المال، الذي يمكنهم الحصول عليه في الوقت الحالي، أو إخبارهم أنه يمكنهم الانتظار لمدة شهر للحصول على المزيد من المال؛ أشارت نتائج الدراسة إلى أن الرغبة في تأخير الإشباع كانت تعتمد على مقدار المال المقدم، وكان هناك تباين واضح بين الأفراد حسب المكافأة اللاحقة وتقديرها، فأظهرت الدراسة أن قيمة المكافأة كانت تنبع من الطريقة التي يراها بها الفرد، وأن المبدأ في ذلك أن الناس يكرهون الخسارة بشدة ويميلون إلى تقدير ما يعظم فقده أو التخلي عنه أكثر من النظر إليه على أنه مكسب محتمل فقط، لذلك برأي تلك الدراسة أنه من المهم ملاحظة كون المكافأة ذات معنى لنا، فليس كل تعزيز سلبي أو إيجابي يفيد في تحقيق تأخير الإشباع.4
يكتشف علماء الأعصاب اختلافات قابلة للقياس بين أدمغة الأشخاص، وتحديدا وظائف الفص الجبهي من الدماغ، للذين يدخرون أو ينتظرون وأولئك الذين لا يستطيعون الادخار أو الانتظار، لا سيما في المناطق الدماغية التي تتنبأ بالعواقب وتعالج الإحساس بالمكافأة، وما تم اكتشافه حول مرونة دماغ البالغين يشير إلى أنه من الممكن زيادة القدرة على تأخير الإشباع إذا تلقى الدماغ رسائل تهدئة أكثر، أو إذا تلقى الطفل التدريب على ذلك في سن مبكرة، لكن المشكلة التي يعاني منها جيل وسائل التواصل اليوم أن ثقافته متمثلة في التسوق بنقرة واحدة والمراسلة الفورية والحصول على الأشياء بسرعة، وهذا لا يرضي رغبتنا في الإشباع الفوري فقط، بل إنه يشجعها، يقول بيكل من جامعة فيرجينيا إذا نشأت في بيئة تتميز بتوقعات زمنية قصيرة، فإنك بالطبع ستلبي رغباتك بأسرع ما يمكن، ما لم تكن مدربا على التحكم في دوافعك، فلماذا تفعل ذلك؟ الإشباع الفوري ممتع، وهذا ما تعلمنا إياه تكنولوجيا اليوم، لكن ما تعلمنا إياه الحياة هو أمر آخر.4
تقسّم الدراسات النفسية النظام الداخلي للإنسان إلى نوعين من الأنظمة نظام الوعي ونظام اللاوعي، وفهم هذين النظامين مهم جدا لفهم ضبط النفس، ففي نظام اللاوعي تجري عمليات معقدة لضبط نظام الوعي، فمثلا يطلق الوعي رغبته بالجوع، ويرغب بتناول أي شيء صحي أو غير صحي، لكن يبدأ اللاوعي بتحديد ما يناسب الجسد أو ما لا يناسبه. وشبّه عالم النفس هايدث اللاوعي بأنه مثل الفارس الجالس على الفيل، فالفارس هو المسيطر نظريا5، لكن ماذا لو أصرّ الفيل أن يذهب شمالا؟ هل سنفشل في ضبط أنفسنا هنا؟
بدأ الحديث عن أسباب فشلنا في ضبط أنفسنا مع الدراسات التي كان على رأسها عالم النفس الاجتماعي الأميركي روي بوميستر، الذي وصف ضبط النفس بأنه عضلة يمكن أن تصبح قوية ويمكن أن تصبح مرهقة، وأن التحكم في النفس هو في الحقيقة مورد محدود يمكن أن يفرغ، وأن استخدام عضلة ضبط النفس يمكن أن تتسبب في انخفاض القوة لأداء مهمات لاحقة، أو ما يسميه بوميستر باستنزاف الأنا Ego depletion.
وقد أجرى بوميستر مع مجموعة من علماء النفس عدة تجارب رئيسية عام 1998م، منها أنه عرّض مجموعة من الأشخاص لإغراء الشوكولا، فتبين له أن الأشخاص الذين قاوموا الشوكولا كانوا لاحقا أقل قدرة على الاستمرار في مهمة صعبة كلّفهم بها، وفي دراسة أخرى لـبوميستر تبين له أن الأفراد الذين أُجبروا على إلقاء خطاب يضمّ معتقدات مختلفة عن معتقداتهم، لم يستمروا طويلا في مهمة حل الألغاز الصعبة، مقارنة بأولئك الذين اضطروا إلى إلقاء خطاب يتماشى مع معتقداتهم، لذلك كان برأي هذا النوع من الدراسات أن المهمة التي تستنفد ضبط النفس يمكن أن يكون لها تأثير سلبي على المهام اللاحقة غير ذات الصلة، وأن ضبط النفس يكلفنا الكثير من الطاقة والتركيز، ولذلك إذا كنا نعمل في مهمة تتطلب قدرا كبيرا من ضبط النفس، فلا بدّ من أن نحصل بعدها على الكثير من الراحة والاسترخاء.6
افترضت بعض الدراسات أن قوة إرادتنا هي بالفعل مثل الأوكسجين يفرغ، لذلك بدؤوا يبحثون عمّا يملأ هذه الإرادة، ووجدت بعض الدراسات التي تقول إن إرادتنا تعتمد على الجلوكوز أو على السكر الموجود في الدم، وأنه هو ما يملأ قوتنا لضبط النفس، حتى أوصت عدة دراسات أن استهلاك الجلوكوز يزيد من قدرتنا على التحكم في عدوانيتنا أو في تحسين تركيزنا أثناء ألعاب الذاكرة، لكن للمفارقة تظهر دراسات أخرى أن السكر لا يقل أصلا عند استهلاك إرادتنا أو فشلنا في ضبط أنفسنا، ليعود السؤال فلسفيا مرة أخرى هل الإرادة فسيولوجية أو نفسية؟ وهل هي فعلا محدودة القدرة؟5
في قصة رمزية غير حقيقية، يقال إن آينشتاين تأخر كلامه حتى عمر الرابعة، وكانت أول جملة قالها بنزق وهو مع عائلته على مائدة الطعام الحساء ساخن جدا، فقالوا له بدهشة هذه أول مرة تتحدث فقال لهم كل شيء كان جيدا قبل هذا الحساء الغاية الرمزية من القصة أننا نحتاج إلى محفز أو دافع يشبه سخونة الحساء لنوقف رغاباتنا، فما هذا الدافع في ضبط النفس؟
هناك مبدآن رئيسيان لفهم آلية عمل دماغنا عند محاولة ضبط الإرادة، مبدأ اللذة والحصول على الرضا والمتعة الأقرب مستقبليا، ومبدأ تجنب الألم والإحباط والفشل، وهذان المبدآن يؤثران تأثيرا كبيرا على ضعفنا في ضبط أنفسنا، حيث تراقب أدمغتنا باستمرار ما يسميه علماء النفس مستوى الرفاهية أو المتعة أو الرضا لدينا، لذلك نرى في المقابل أن المهمة التي نحبها مثلا التي تحقق لنا الرضا لا نفشل معها في ضبط نفوسنا، وقد نقضي فيها ساعات دون ملل.5
وإذا كان الدماغ هو المسؤول عن توقع اللذة أو الألم فإنه يقوم بذلك وفق مثيرات خارجية تسمى الرغبة المعززة بالإشارة cue-induced wanting، إذ يتسبب محرك خارجي أو داخلي في توقع اللذة أو الألم، فيجعلنا نكرر عادة سيئة لدينا، أو يجعلنا نفضّل لذة آنية ولحظية، أو يجعلنا نتقاعس عن مهمة ما، وهنا بدأ الخبراء النفسيون والتربويون ينصحوننا بـ
خلال الحرب الأميركية على فيتنام، أظهرت إحدى الدراسات أن 15 من الجنود الأميركيين في فيتنام قد أدمنوا المخدرات، لكن أحد المعنيين بالدراسة، وهو روبنز، حين تابع عودة الجنود إلى أميركا وجد أن 9 من 10 جنود توقفوا عن التعاطي حينما عادوا إلى موطنهم، وكانت هذه النتيجة تعارض الرأي السائد بأن إدمان الهيروين حالة لا يمكن التعافي منها، ومن ثم كان التغيّر الجذري في البيئة المحيطة يساعد على التعافي.7
غالبا ما نصف السمين والمدخن والمدمن بأنهم لا يضبطون أنفسهم، وأنهم لو ضبطوا أنفسهم لتغيرت حياتهم، لكن مقاومة الرغبة المضرة قد تستهلك كثيرا من طاقة النفس، وقد تفشل أحيانا مع الإشارات التي تحفّز الدماغ. تقول باتي أوتويل التي تعافت من إدمانها على التدخين إنها كانت عادةً ما تدخن مع صديقتها على ظهر الخيل، وإنها عندما أوقفت التدخين أوقفت معه ركوب الخيل، لكنها عندما عادت بعد 3 سنوات لتركب الخيل تحرك عندها شعور قوي ورغبة كبيرة بالتدخين.7
لذلك يقول الدارسون إن العامل الأهم والحاسم في ضبط النفس هو ضبط البيئة، وتقليل التعرّض للإشارات التي تحفّز الدماغ، فإذا كنت ممن يلعب ألعاب الفيديو ويقضي وقتا كبيرا معها، فافْصِل جهاز الألعاب وضعه في الخزانة بعد أن تستخدمه ولا تتركه قريبا من عينك، وإذا كنت ممن يعجز عن إتمام عمل ما بسبب الهاتف، فاتْرُك الهاتف بعيدا في غرفة أخرى.7
ومن هنا نتذكر في الإسلام حديث القاتل الذي قتل 100 نفس، فأمره الله تعالى أن يخرج من تلك الأرض لأنها تذكّره بمعصية القتل وبحاله القديمة فيها، ونتذكر أيضا التوجيه النبوي للغاضب بأن يُغيّر من حاله في المكان.
وهناك عدة تجارب تتحدث عن دور عامل البيئة في الاختيارات، وأن تجنب الإغراء أو تكثير شروطه أسهل من مقاومته، فإحدى الشركات كانت تريد لموظفيها أن يتناولوا الوجبات الصحية، فكانت جميع الوجبات الصحية على مستوى العين ومستوى الوصول باليد، بينما كانت جميع الوجبات الخفيفة غير الصحية إما مرتفعة جدا أو على الرف السفلي، لذلك كان على الموظف بذل مجهود للوصول إلى تلك الوجبات غير الصحية.
قد يبدو هذا عاملا صغيرا في نظر بعض الناس، لكن الدراسات النفسية تتحدث عن دوره الكبير في عملية ضبط النفس، فلو كان أحدنا جائعا واضطر للاختيار بين التفاح والأوريو، فسيذهب غالبا إلى حلوى الأوريو، لكن إذا كان التفاح هو الشيء الوحيد الذي رآه، وكان عليه أن يحضر سُلّما للحصول على الأوريو، فمن الراجح أنه سيختار التفاح.
اختبر عالم النفس فيجنر من جامعة هارفرد عدة تجارب على ما سماه Thought Suppression، أي قمع الفكر، فللخروج إلى الإنجاز والعمل لا يكفي أن يضبط الإنسان نفسه فقط، كان لا بدّ من أن يضبط نظرته للعمل الذي يقوم به. بدأ فيجنر تجاربه من جملة قالها دوستويفكسي حاول أن تطرح لنفسك هذه المهمة ألا تفكر في دب قطبي، وسترى أنه هو الشيء الذي سيتبادر إلى ذهنك في كل دقيقة.
اختبر فيجنر هذه الجملة من خلال تجربة بسيطة طلب فيها من المشاركين التعبير عن الأفكار التي تراودهم لفظيا لمدة 5 دقائق، لكن أخبرهم أنه إذا خطر ببالهم دب أبيض فعليهم أن يقرعوا الجرس، وعلى الرغم من التعليمات الصريحة لتجنبه، فإن المشاركين فكروا في وجود دب أبيض أكثر من مرة في الدقيقة، لذلك اقترح فيجنر أسلوبا لقمع الدببة البيضاء من خلال إعطاء المشاركين شيئا معينا يفكرون به، فطلب منهم أن يفكروا بسيارة من نوع معين بدلا من الدب الأبيض، وفعلا انخفض تفكيرهم بالدب الأبيض.5
إن الفشل في ضبط النفس قد يأتي من الحديث العقلي المستنزف بأن المهمة المراد إنجازها معقدة وصعبة وتحتاج إلى تركيز كبير، وما تلبث هذه الفكرة أن تصبح دبا أبيض في العقل، وتصبح فكرة مانعة للإنسان من البدء بالمهمة، لذلك لا يهم في الحقيقة مدى صعوبة العمل الذي تقوم به، لأن المهم هو رأيك عن هذا العمل الذي تقوم به، والإستراتيجيات التي تجعلك قادرا على القيام بهذا العمل، ثم قمع الدببة البيضاء التي تمثل الخواطر والأفكار عن العمل أو عن المستقبل، فتخصيص نصف ساعة للقلق مثلا يمكن أن يجنب الإنسان القلق العشوائي والكثير خلال اليوم، أو تأجيل التفكير في موضوع ما حتى يوم الثلاثاء مثلا سيعين على التركيز في الأمر المراد إنجازه، وتقسيم المهمة المراد إنجازها سيجعلنا أكثر قدرة على الإنجاز وتحييد التفكير التضخيمي تجاه المهمة المطلوبة.
في 4 دراسات قدمتها الباحثتان كايتلين وولي وإيليت فيشباتش على مجموعة من الرياضيين، وجدتا فيها ضرورة المكافآت الفورية للاستمرار نحو الأهداف بعيدة المدى، وأن الحرمان من المكافآت الآنية أو خلو المدة التي ننتظر بها تحصيل مكافأة مؤجلة من أي شيء يلبي رغباتنا يضعف القدرة على الإنجاز، وأن الذين شملتهم الدراسة كانوا أكثر قدرة على الإنجاز والمواصلة نحو الأهداف البعيدة مع حصولهم على مكافآت آنية وفورية.8
الحرمان التام أو الإزالة الكاملة لشيء نريده يمكن أن يجعلنا في الواقع نريده أكثر، بل إن الذين يتبعون نظاما صارما في الحرمان هم أكثر عرضة للإغراءات كما تشير الدراسات، لذلك يمكن استخدام ما يسمى بالتكييف الكلاسيكي للمساعدة على ضبط النفس، فإذا رغبنا في تناول الشوكولا فسنختار بدلا منها شيئا خفيفا فيه سكر طبيعي مثل الفراولة أو الأناناس، هذا سيساعد على تغيّر الرغبة مع مرور الوقت لتصبح موجهة أكثر نحو الأطعمة الصحية.
أخيرا، في موضوع ضبط النفس وتأخير الإشباع الكثير من الدراسات والكثير من النقاشات النفسية والفلسفية، والحاجة إلى ضبط النفس موضوع يمكن تناوله من زوايا متعددة، أهمها الحافز والدافع وما يحدث من علاقة تفاعلية بين السلوك والإرادة داخل عقولنا، ويمكن الاستزادة من الإستراتيجيات المفيدة لضبط الإدمان والشراهة والعادات السيئة من خلال قراءة هذا المقال هنا.
1- Attention In Delay Of Gratiflcation. Walter Mischel. Stanford University. Journal of Personality and Social Psychology.
2- A procedure to teach self-control to children with attention deficit hyperactivity disorder. L M Binder, M R Dixon. Journal of Applied Behavior Analysis.
3- A new take on the Marshmallow Test. Jennifer LaRue Huget. The Washington Post.
4- The New Science Behind Your Spending Addiction. Sharon Begley. Newsweek.
5- The science of self-control 53 Tips to stick to your diet, be more productive and excel in life. Menno Henselmans.
6- Ego Depletion Is the Active Self a Limited Resource Roy E Baumeister.
7- Atomic Habits. James Clear.
8- For the Fun of It Harnessing Immediate Rewards to Increase Persistence in Long-Term Goals. Woolley, Kaitlin and Ayelet Fishbach. | https://www.aljazeera.net/sukoon/2023/3/23/%d8%a7%d9%84%d8%a2%d8%ab%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d9%88%d9%83%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%b5%d9%8a%d8%a7%d9%85-%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d9%8a%d9%82%d9%88%d9%84 | 2023-03-23T12:10:20 | 2024-06-06T11:56:00 | أبعاد |
|
194 | كيف ومتى تعرف أن عليك الذهاب إلى طبيب نفسي؟ | نمر جميعنا بأزمات وضغوطات نفسية تؤثر علينا، وتُعيقنا عن الوصول إلى ما نطمح إليه. لكن السؤال الذي يُطرح، هو متى وكيف أعرف أن هذه الضغوطات وصلت حدًّا ينبغي معه الذهاب إلى طبيب نفسي؟.. هنا نجيب عن السؤال | نمرّ جميعنا نحن البشر بأوقات نشعر فيها بضغوطات نفسية مختلفة الأشكال والشدّة، ويحدث أن نمرّ كذلك بمراحل تجعلنا نفقد السيطرة على إدارة حياتنا اليومية والسعي نحو أهدافنا الشخصية والاجتماعية. وربّما نحسّ أحيانا بأنّنا لا نستطيع الانخراط مع الآخرين، ولا بناء علاقات إنسانية عميقة وذات معنى على المدى الطويل. لكن السؤال هنا هو هل يجب على الإنسان الذهاب إلى الطبيب أو المعالج النفسي كلّما شعر بمثل هذه الضغوط والمشكلات؟
لكي يكون الأمر واضحا منذ البداية، ليس هناك تعريف محدّد ونهائي لما يُعتبر سلوكا أو حالة غير طبيعية، وهذا يرجع إلى طبيعة الاضطرابات النفسية، وتعقيدها، وقصور قدرتنا على فهمها وتوقّعها وعلاجها. رغم ذلك، حقّق البشرُ قفزات هائلة في فهمهم للنفس البشرية وأمراضها على جميع المستويات بحثا وتصنيفا وفهما وتشخيصا وعلاجا، وأصبح المتخصصون أكثرَ قدرة على الاتّفاق على مؤشرات عامة يمكن استخدامها لنُصح الناس بمراجعة المتخصصين في حال وجودها.
إنّ الحالات النفسية والسلوكات البشرية مركّبة، وتختلف في حدّتها وأثرها من شخص لآخر. فعلى سبيل المثال، تُعدّ الوساوس Obsessions وهي أفكار متطفّلةٌ تأتي لذهن الإنسان رغما عنه ظاهرة إنسانية تحدث مع جميع الناس تقريبا، لكنها لا تأتي بنفس الطريقة والشدّة، ومن ثم فهي لا تستدعي التدخل الطبي دائما بالضرورة. ويمكن سحب هذا المنطق على جميع الأفكار والسلوكات والانفعالات البشرية وكذلك الحالات التي تشكّل مزيجا من الأفكار والسلوكات والانفعالات، فهي طيفٌ واسع وممتدّ، من غير المَرَضيّ إلى المَرَضيّ. ولذلك، فهناك ما يستطيع الإنسان أن يتعامل معه بنفسه، وهناك ما لا يمكن التعامل معه إلّا بوجود معالج أو طبيب نفسي. فكيف نميّز بين هذا وذاك؟
على المستوى الإجرائي والعملي في الطبّ النفسي، هناك العديد من المعايير التي تُوضع لتشخيص الاضطرابات النفسية التي تحتاج إلى علاج، ولكل اضطرابٍ أعراضٌ يجب قياسها والتأكد من وجودها من قبل الطبيب المتخصص، فبحسب الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية الخامس DSM-V وهو أهم الكتب الإرشادية لمعايير التشخيص وفهم الأمراض يُعدّ وجود أحد المؤشرات الأربعة التالية -على الأقل- شرطا أساسيّا في تشخيص أيّ اضطراب نفسي
تُعيننا المُؤشّرات السابقة على تحديد ما هو طبيعي وما هو مَرَضي، إذ من غير الممكن تشخيص أي اضطراب نفسي دون وجود خلل في أحد هذه المؤشرات على الأقل 2. ويظهر الخلل عادة في إحدى المساحات التالية علاقتنا مع أنفسنا، وعلاقاتنا مع الآخرين سواء كانت الحميمية منها أو العائلية أو الصداقة أو الزمالة، وعلاقتنا مع المجتمع بشكل عام بما يتضمنه ذلك من الشعور بالانتماء والاندماج والقدرة على الإنتاج والعمل.
من المهم زيارة المتخصص النفسي لأنّ الاطمئنان على النفس لا يضرّ عند الشكّ بالحاجة لذلك، ولأنّ المرض النفسي -حالَ وجوده- لن يُعالَجَ كما يجب إلّا في حال وجود تدخل علاجي متخصص. وهو بذلك يشبه الأمراض في جميع فروع الطب، له أساس عضوي وجسدي واضح ولا يمكن إنكاره، رغم اختلافه في خصوصية امتداده لما بعد البيولوجيا في التفاعل مع النفس والمجتمع وليس الجسد فقط.
قد يشعر البعض أن هذه المؤشرات يمكن أن تحوّل كل سلوكٍ إلى حالةٍ مَرَضيّة، ما يتسبب في الإفراط غير الضروري في التشخيص Over-Diagnosis and Medicalization، وهذا أمرٌ يحمل بعض أوجه الصحّة في الممارسة العملية 3، إلّا أنّ ذلك لا ينفي بأي شكل أن الاعتناء بالصحة النفسية يبدأ عبر إدراك هذه الأسس والتغيرات في هذه المؤشرات، وافتراض حدوث التشخيص غير الصحيح لا يجب أن يمنع مراجعة الطبيب النفسي عند الضرورة، لأن في ذلك دائما لزوم ما لا يلزم في التعامل مع الصحة النفسية.
بالإضافة إلى ذلك، تقوم فلسفة الطب الحديث على الوقاية من المرض قبل حدوثه أصلا، أي مبدأ الطب الوقائي Preventive Medicine، والذي يسعى إلى تنمية الصحة بوصفها اكتمالَ السلامة الجسدية والعقلية والاجتماعية كما تعرّفها منظمة الصحة العالمية 4، وليس مجرد انعدام المرض أو العجز. وهذا ليس مجرد تطوّرٍ في نظرتنا للصحة، بل هو نتيجة أبحاث على مدى سنوات طويلة أظهرت اختلاف مآلات الأمراض ومؤشرات الصحة الاجتماعية جميعها بشكل إيجابي جدّا في حالِ السعي للوقاية منها والتدخّل الطبي المبكّر فيها، حتى إنّ الطب الوقائي أصبح فرعا أساسيّا من الطبّ بشكل عام، وأصبحت ممارساته تمتدّ للتخصصات الأخرى 5.
في الطب النفسي، لا تختلف الأمور كثيرا، بل ربما تزداد فيه أهمية الوقاية والعلاج المبكّر، فقد وجدت الكثير من الأبحاث أن العلاج المبكّر للاكتئاب في نوبته الأولى أو الثانية يجعل مآلاته المستقبلية أفضل بمراحل. وهذه نتائج ثابتة عبر الدراسات، ولذلك استُحدثت العديد من البرامج والعيادات المتخصصة بالتقاط الحالات المرضية في بداياتها، قبل تعقّدها وانخفاض فعالية التدخل العلاجي فيها 6.
وإليك هذه الصورة التوضيحية التي تبيّن أثر التدخل المبكّر على المستوى العام للحياة والأداء الوظيفي للأشخاص المصابين بالذّهان
أخيرا، يُعدّ الذهاب إلى الطبيب النفسي ممارسة نضالية وأخلاقية بمعنى ما. فتطبيعُ ذلك أمام المجتمع يؤدّي لتقبّله مع الزمن، وتشجيع الآخرين على فعل هذا الأمر عند الحاجة، وتقليل الوصمة السلبية الجاثمة أمامهم يُسهم بالتأكيد في التخفيف من معاناة البشر بشكل عام.
أولا حاول أن تقيّم درجة مرضك ومدى سوئه
ربّما تساعدك الأسئلة المفتاحية التالية في تقييم ما تمرّ به بدقّة، وتفريق السلوك الطبيعي عن غير الطبيعي في تقييمك
إنّ من أهمّ المشكلات التي تجعل التعامل مع الحالات النفسية المختلفة أمرا صعبا هي عدمُ معرفتها أصلا، وعدم المعرفة المقصود هنا هو عدم تسمية الانفعالات والسلوكات بمسمّياتها وعدم الوعي بأسبابها. التأمّل الذاتي والوقوف مع النفس كأنّك تراقبها ككيانٍ منفصل عنك ودون حكمٍ عليها، هي خطوة أولى ممتازة نحو الحلّ، فالحكم على الشيء فرع عن تصوّره، والمشاعر والانفعالات هي بمثابة البيانات التي تنتظر تحليلا عقلانيّا وموضوعيّا لتتحول إلى معلومات يمكن توظيفها والتعامل معها.
ثانيا يمكنك دائما الذهاب للاستشارة حتى دون أسبابٍ مُلحّة وواضحة
مراجعة الطبيب لا تعني تشخيص مرضٍ بالضرورة. هذه حقيقة علمية وعملية يجب إدراكها. وكما أنّ الإنسان قد يذهب إلى طبيب قلب حين يشعر بأعراض تتعلق بالقلب مثل تسارع النبضات أو ألم الصدر ليتأكد من وجود مرض أو لا، فإنّ الطبيب النفسي لا يجب أن يشخّص مرضا في جميع من يزوره، بل هو يركّز على أخذ سيرة مرضية كاملة، والاطّلاع على الحالة بشكل متكامل قبل أن يقرر وجود مرض من عدمه، ثمّ يقرر كذلك فيما إذا كانت الحالة تستدعي وصف علاج دوائي أو غير دوائي أو كليهما معا.
الذهاب إلى الطبيب النفسي للتأكد من أيّ خللٍ نفسي أو شعور ضاغطٍ أو تغيّرٍ ملحوظ، هو فعلُ عنايةٍ بالنفس وحفظٌ لها، كما أنّ من حفظ الجسد والعناية به أن نقوم بفحوصات دورية للتأكد من خلوّه من الأمراض.
ثالثا جرّب إجراء بعض التغييرات على نمط حياتك
يكمن سبب ازدياد شدّة الحالة النفسية السلبية أحيانا فيما تولّده من اختلال في عادات الحياة اليومية كاضطراب النّوم، وعدم ضبط عادات الأكل، والتوقف عن ممارسة الرياضة. تشكّل هذه الجوانب الثلاثة أحجار أساسٍ لصحّتنا العامة، ويمكن لضبطها أن يُسهم في تحسين قدرتنا على تحمّل الضغط، وتقليل شدّة المعاناة النفسية من اكتئاب أو قلق أو غيرها، وهذا مُثبتٌ في العديد من الدراسات عبر التاريخ.
لا يكفي ضبط العادات اليومية من تناول غذاء صحي، وممارسة الرياضة، وضبط النوم في علاج المرض، لكنه قد يساعد في مساعدتنا على أن نُفرِّق بين الحالة النفسية التي تستلزم علاجا متخصصا من جهة، وحالات الضغط النفسي اليومية التي يمكن التعامل والتأقلم معها عبر الحفاظ على نمط حياة صحي.
من جهة أخرى، يمكن لإدخال ممارسات معينة، مثل التأمّل بشكل يومي، وتنظيم الوقت، وتخصيص وقت للهوايات والترفيه عن النفس، وأخذ استراحات من مُسبّبات القلق كالعمل والدراسة، ورؤية الأصدقاء، من الممكن لها كلها أن تساعد بوصفها إستراتيجيات تأقلم وبناء مناعة نفسية تجاه الضغط النفسي.
رابعا استشر صديقا أو شخصا تثق به، وحاول ألّا تبقى وحيدا
للدعم الاجتماعي ارتباط كبير ودور مهم في تحسين مآلات الاضطرابات النفسية 7، وتحسين الصحة النفسية والجسدية بشكل عام كذلك ، وللوحدة آثار سيئةٌ على النفس البشرية خصوصا على المدى الطويل 8. لذلك، يبدو أن عدم البقاء وحيدا خلال معاناتك النفسية هو إستراتيجية جيدة، ولا تقلّ أهمية عن تغيير نمط حياتك نحو الأفضل. هذا لا يعني طبعا أن تتحدث عن معاناتك مع جميع من تعرف، لأن ذلك قد يؤدي إلى آثار عكسية، لكنه يعني أن تُبقي دوائرك الاجتماعية فعّالة، وأن تستشيرَ شخصا تثق به عند الحاجة، وتثق بحكمته وقدرته على مساعدتك في اتخاذ القرار الصحيح.
خامسا لا تكن قاسيا على نفسك
إنّ من السهولة بمكان أن ينزلق المرء نحو جلد الذات حين يمرّ بوقتٍ سيئ وقاسٍ، فقسوة الحياة تستدعي قسوتَنا على أنفسنا أحيانا بوصفها وسيلة دفاع سريعة تخفّف من قلق مواجهة الحقيقة بعض الشيء. لكن الحقيقة هي أنّنا جميعا معرّضون للإصابة بالمرض النفسي، بلا استثناء.
وهذا ما تبيّنه أبحاث كثيرة في جميع أنحاء العالم 9 10. وللاضطراب النفسي أسبابٌ متعددة، منها البيولوجية والنفسية والاجتماعية، كثيرٌ منها ليس تحت نطاق سيطرتنا، وحتى لو كانت سلوكات الإنسان قد أسهمت في نشأة الحالة المَرَضية، فإنّ من الجيدِ العطفَ على النفس وتفهّم ما آلت إليه، حيث إن جلد الذات فعلٌ غير منتج، بل وقد يجعل الأمر أسوأ بكثير.
من نافلة القول التأكيد على أنّ هذا لا يعفي الإنسان من مسؤوليته تجاه نفسه، إلّا أنّ المسؤولية نفسها هي ما تتطلّب التعامل بطريقة أكثر نضجا من جلد الذات، بالتفهّم والبحث عن الحل والمساعدة دون مكابرة. في مثل هذه الحالات، تظهر قيم المسؤولية والتواضع وتتّضح أهميتها.
سادسا احرص على اختيار طبيب أو معالج جيد
الطبيب الجيّد يزيد من فرص التعافي والاستفادة من العملية العلاجية على مختلف المستويات. وفي الطب النفسي، تزداد قيمة هذا الاختيار ، لأنّ بعض أوجه العملية العلاجية تعتمد على المهارات السريرية الخاصّة وعلى شخصية الطبيبالمعالج. قد تساعدك توصيات من تثق بهم أو المراجعات المتاحة على الإنترنت أو قراءة السيرة الذاتية للطبيبالمعالج في اتخاذ هذا القرار بأفضل الطرق الممكنة.
سابعا حضّر نفسك وحدّد أهدافك وتوقّعاتك من العلاج
يفشل العلاج أحيانا بسبب عدم اتفاق توقعات الشخص مع واقع الجلسات العلاجية، وما ينتج عنها. إنّ الرحلة العلاجية النفسية هي مسيرة شاقّةٌ في بعض جوانبها، تتخلّلها مواجهات مباشرة مع النفس ومكامن ضعفها وقصورها، كما تتطلّب جاهزية مبدئية للتغيير ومحاسبة الذات لتطويرها للأفضل وردم فجوة الخيال بين الواقع والمأمول.
من المهمّ أن تعرف أنّ في العلاج النفسي أوقاتٌ صعبة، لكنه وبكل تأكيد يستحق تحمّل ذلك. والالتزام به يعبّر عن تعاملٍ ناضجٍ ومثاليّ مع مشكلة قد تصيب أيّا كان. حاول أن تُحضِّر أسئلتك وأفكارك قبل لقاء الطبيب، وأن تبني تصوّرا برفقتهـا عن الآمال الواقعية والأهداف الممكن تحقيقها بعد مُدّة من العلاج، واسْعَ لذلك. قد يحتاج الطبيب لإجراء بعض الفحوصات المخبرية لاستبعاد الأسباب العضوية التي قد تكون سببا للحالة النفسية قبل التشخيص ووضع الخطة العلاجية.
من المهم أيضا أن تعرف حقوقك بصفتك مريضا، فلك كامل الحقّ في الخصوصية خلال الجلسات، وكامل الحقّ في الحفاظ على سرية المعلومات، وكذلك في احترام الطبيبالمعالج لك واستماعه إليك ومنحك الفرصة الكاملة للحديث ثم السؤال والفهم في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بالتشخيص والخطة العلاجية. يمكن لك أن تصطحب صديقك أو أي شخص تحبّ إلى الطبيب، فهذا قد يمنحك المزيد من الثقة والأريحية.
في هذا الفيديو، يشرح استشاري الطب النفسي د. عبد الله السبيعي بعض المفاهيم العامة، ويجيب عن بعض الأسئلة المتعلقة بالطب النفسي ومتى ينصح بزيارة الطبيب.
يُعدّ كتاب العقل فوق العاطفة، وهو مترجم عن Mind Over Mood، لبروفيسورَيْ علم النفس السريري كريستين باديسكي ودينيس غرنيبرغر، أحدَ أهمّ الكتب التي تشرح أساسات العلاج المعرفي السلوكي للإنسان العادي غير المتخصص. وفيه العديد من الأمثلة والتطبيقات التي من الممكن الاستفادة منها في الحياة اليومية للمساعدة في التغلب على المشكلات النفسية والضغوطات اليومية ومراقبة الأفكار والمشاعر والسلوكات من أجل التحكم فيها.
هذا الاختبار عالمي ومعتمد، ويستخدم في الأبحاث وأحيانا في الممارسة الطبية العملية، لكن نتائجه ليست حاسمة ولا تعتبر إلّا مؤشرات عامة على ما تقيسه. مهما كانت النتيجة، انتبه لذلك، ولا تعتمد عليها تماما دون رأي طبي لمتخصّصين.
_________________________________ | https://www.aljazeera.net/sukoon/2021/7/25/%d9%83%d9%8a%d9%81-%d9%88%d9%85%d8%aa%d9%89-%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%81-%d8%a3%d9%86-%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%87%d8%a7%d8%a8-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%b7%d8%a8%d9%8a%d8%a8 | 2021-07-25T10:38:11 | 2024-05-27T12:15:39 | أبعاد |
|
195 | الغرق في كاليدونيا.. كيف تدير فرنسا مستعمرتها المنسية؟ | بعد اندلاع أعمال الشغب في كاليدونيا الجديدة ضد فرنسا، يبدو أن جمر المظالم الذي أشعل النيران ضد باريس طوال العقود الماضية لا يزال متأججا تحت الرماد، مهددا نفوذ باريس في منطقة غرب المحيط الهادي بأسرها. | يتذكر المسؤولون الفرنسيون حادثة كهف أوفيا بوصفها من أكثر الحوادث دموية فوق الأراضي الفرنسية خلال العقود الأخيرة، وإن كانت تلك الأرض تبعد عن بر فرنسا الرئيسي بأكثر من 10 آلاف ميل فوق اليابسة والمحيط. هنا كاليدونيا الجديدة، أرخبيل من الجزر المنعزلة في المحيط الهادي، لا تكاد مساحته تتجاوز 18 كيلومترا مربعا، وهي أقل من سدس مساحة باريس وحدها ويسكنه 270 ألف شخص، عدد لا يكاد يناهز ثمن سكان عاصمة الأنوار وموطن ساكن الإليزيه، الحاكم الرسمي لهذه الجزر البعيدة، والذي يحكم هذا الأرخبيل بموجب مرسوم استعماري صدر قبل قرابة قرنين من الزمن.
في ذلك اليوم الذي جرت فيه حادثة كهف أوفيا، الموافق 22 أبريلنيسان عام 1988، قامت مجموعة من أعضاء حركة الاستقلال في كاليدونيا الجديدة، المعروفة بـجبهة الكاناك والتحرير الوطني الاشتراكية باحتجاز وحدة من قوات الدرك الفرنسية في أحد الكهوف في جزيرة أوفيا التابعة للأرخبيل في عملية أسفرت عن مقتل 4 أفراد من قوة الدرك واحتجاز 27 منهم أسرى، إضافة إلى 7 من أفراد شرطة النخبة التابعة لقوات الدرك GIGN والمدعي العام المُرسل للتفاوض، الذين أُسروا لاحقا. تمحورت مطالب نشطاء الجبهة حول إجراء محادثات جدية مع الحكومة الفرنسية حول استقلال كاليدونيا الجديدة ووقف القمع الذي تمارسه سلطات الاستعمار الفرنسي بحق شعب الكاناك السكان الأصليين للجزيرة والنشطاء المطالبين بالاستقلال.
بشكل متوقع تماما، اختارت فرنسا التعامل مع هذا الحراك بالطريقة التي رأتها ملائمة للتعامل مع مستعمراتها، وهي استخدام القوة المفرطة وإراقة الدماء، رافضة التفاوض مع الإرهابيين أو الخضوع لمطالبهم حسب وصفها. وعلى الفور، أرسلت باريس فريقا مشتركا لاستعادة الأسرى مكونا من قوات من شرطة نخبة الدرك والقوات الخاصة للبحرية الفرنسية Command Hubert والفوج المظلي الحادي عشر وغيرها من الوحدات ضمن عملية وُصفت بالمعقدة عسكريا، على الأقل بالنسبة لهذه البقعة البعيدة من الأرض. أما نتيجة هذه العملية، فقد أسفرت عن مقتل 19 من نشطاء الاستقلال واثنين من أسرى الدرك المحتجزين.
مثلت عملية كهف أوفيا نجاحا عسكريا كبيرا لفرنسا، لكنها شكلت في الوقت نفسه إخفاقا سياسيا مروعا لها بعد أن سلطت الضوء على حركة الاستقلال المتنامية في كاليدونيا الجديدة والحرب الأهلية التي كانت مستمرة منذ أربعة أعوام 1984 1988 بين السكان الأصليين من الكاناك وبين أحفاد المستعمرين الأوروبيين الموالين لباريس. في النهاية، اضطر رئيس الوزراء الفرنسي ميشال روكار إلى التوسط في الصراع ورعاية اتفاقيات ماتينيون في يونيوحزيران 1988 التي أنشأت نظاما انتقاليا مدته 10 سنوات. وفي مايوأيار 1998، مُدِّد النظام الأساسي الانتقالي مدة 20 عامًا أخرى بتوقيع اتفاق نوميا، الذي نص على إجراء ثلاثة استفتاءات على الاستقلال، أعوام 2018 و2020 و2021، انتهت نتيجتها جميعا إلى رفض الاستقلال، وسط اعتراض كبير من السكان الأصليين والنشطاء المؤيدين للاستقلال.
خلال الأسابيع الماضية استُدعيت هذه الحادثة الدامية مرارا في الصحافة الفرنسية لتسليط الضوء على معاناة باريس التاريخية مع مستعمرتها المشاكسة، تزامنا مع تجدد الاضطرابات في كاليدونيا تحت ذات الشعارات المناهضة لفرنسا التي رفعها سكان الجزيرة منذ عقود. ففي مايوأيار 2024، اندلعت الاحتجاجات وأعمال الشغب في كاليدونيا مجددا؛ مما أسفر عن مقتل 7 أشخاص على الأقل وإعلان حالة الطوارئ ونشر وحدات الدرك والجيش الفرنسي، وحجب شبكة التواصل الاجتماعي تيك توك.
كانت شرارة الصراع هذه المرة هي موافقة الجمعية الوطنية الفرنسية البرلمان على مشروع قانون لتعديل قانون التصويت في كاليدونيا الجديدة بما يسمح بإدراج السكان الجدد الذين قطنوا الجزيرة بعد عام 1998 وأبنائهم في قوائم التصويت التي قُصرت سابقا -بموجب اتفاق نوميا- على سكان المنطقة قبل عام 1998 وأحفادهم الذين أقاموا بصورة مستمرة في البلاد مدة 10 سنوات على الأقل. من المقرر أن تضيف هذه الخطوة 25 ألف ناخب جديد إلى القوائم، وهو تغيير درامي في بلد يحتوي على أقل من 200 ألف ناخب مسجل بالفعل، تغيير يراه السكان الأصليون ونشطاء الاستقلال محاولة من فرنسا للتلاعب بالتركيبة السكانية وتشكيلة الناخبين بالجزيرة لوأد أي محاولة مستقبلية للمطالبة بالاستقلال، وتراه فرنسا إعادة للأمور إلى نصابها في بلد اختار الانضمام إلى فرنسا بمحض إرادته.
مرحليا، يبدو أن فرنسا نجحت في مساعيها وأخمدت اضطرابات كاليدونيا الجديدة هذه المرة بأقل قدر ممكن من الضوضاء والخسائر. لكن جمر المظالم الذي أشعل النيران ضد باريس طوال العقود الماضية لا يزال متأججا تحت الرماد، مهددا نفوذ باريس ليس فقط في إحدى أواخر البقاع المستعمرة على الأرض، ولكن في منطقة غرب المحيط الهادي بأسرها بما تمثله من أهمية إستراتيجية لفرنسا وأوروبا والغرب كله.
تنتمي كاليدونيا الجديدة إلى منطقة جغرافية عُرفت تاريخيا باسم ميلانيزيا نسبة إلى المجموعة العرقية التي قطنت البقعة الممتدة من غينيا الجديدة غربا إلى تونغا شرقا، وتضم اليوم بلدان جزر فيجي وجزر سليمان وفانواتو وبابوا غينيا الجديدة إضافة إلى كاليدونيا، التي يُعرف سكانها الأصليون باسم الكاناك وهم أحد أفرع العرق الميلانيزي. وتتكون كاليدونيا، الواقعة على بعد 1200 كيلومتر شرق أستراليا و1500 كيلومتر شمال نيوزيلندا، من ثلاث مقاطعات رئيسية المقاطعة الجنوبية التي تحوي العاصمة نوميا، والمقاطعة الشمالية، وتتقاسم المقاطعتان جزيرة غراند تيري الأرض الكبيرة، أكبر وأهم الجزر في كاليدونيا، وأخيرا هناك مقاطعة جزر لوياليتي، وهي سلسلة من الجزر الصغيرة المتناثرة حول الجزيرة الرئيسية.
فوق أراضيهم الحصوية الصخرية القاحلة، شكل الكاناك الميلانيزيون قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام مجتمعا بدائيا مبنيا على جمع التارو القلقاس واليام نوع من البطاطا الحلوة، وطوروا روابط عميقة مع الأرض بإمكانها أن تفسر الكثير من وقائع التاريخ الحديث للجزيرة النائية. بالنسبة إلى الكاناك لم تكن الأرض مجرد مصدر لكسب العيش والثروة ورمزا للسلطة والقوة، بل هوية كاملة وطريقة لتعريف الذات في مواجهة الأغيار والغزاة.
عرف الكاناك هؤلاء الغزاة متأخرا نسبيا، تحديدا في أواخر القرن الثامن عشر 1774، مع رسو سفن الملاح الإنجليزي جيمس كوك قرب شواطئهم مدشنة حقبة الاستعمار في غرب المحيط الهادي. لم يمض وقت طويل حتى وصل المبشرون الإنجليز، وأعقبهم الكاثوليك الفرنسيون الذين حسموا مُبكرا الصراع المذهبي الناشئ في المستعمرة الجديدة. وكالمعتاد، بدأ تدفق المستوطنين البيض الفرنسيين للسيطرة على الأرض، رافعين شعار بناء اقتصاد جديد في بلاد الحصى والصخور.
هيمن المستوطنون على الأرض تحت دعوى التنمية الاقتصادية، وقُنِّنت هذه الهيمنة في أعقاب ضم فرنسا الرسمي للجزيرة عام 1853 ونقلها السيادة على الأرض من العشائر الأصلية إلى الدولة الفرنسية ومستوطنيها. وبسبب بعدها الكبير عن الأراضي الفرنسية، حولت باريس كاليدونيا الجديدة إلى مستعمرة عقابية لأكثر من 22 ألفا من المساجين الجنائيين والمنشقين السياسيين، واستغلت ذلك ذريعة لاغتصاب المزيد من الأراضي لإقامة السجون ومزارعها ولمنحها للسجناء لتشجيعهم على الاستقرار في الجزيرة بعد انتهاء مدد محكومياتهم.
أججت السياسات الفرنسية غضب الكاناك الذين رأوها سياسات جائرة، وأسفرت عن موجات من التمرد الدموي وُوجِهَت بقمع دموي عنيف، أبرزها تمرد عام 1878 الذي يعد الثورة الأكثر دموية في تاريخ كاليدونيا الجديدة، إذ أسفر عن مقتل 1200 من الثوار الكاناك مقابل أكثر من 200 من المستوطنين البيض. كانت معظم هذه المواجهات تدور حول الأرض، رغم أنها لم تكن المظلمة الوحيدة التي زرعها الاستعمار في تلك الأراضي البعيدة جدا عن دياره.
ففيما وراء الأرض، تطور صدع لا يقل عمقا بين الكاناك والبيض سببه التهميش الاقتصادي لمجتمعات السكان الأصليين منذ بداية عهد الاستعمار، حيث ظلت التنمية والفرص حكرا على العاصمة نوميا والمناطق التي يهمين عليها الأجانب، وبقي الفقر والإهمال حليفين للكاناك، إلى درجة أن المستوطنين البيض كانوا يفضلون جلب العمال الأجانب من فيتنام وجاوة وفانواتو واليابان والهند للعمل في الزراعة والتعدين خوفا من التبعات السياسية للاعتماد على السكان الأصليين. ترافق ذلك التهميش مع سلسلة من القوانين التمييزية الفرنسية التي حرمت الكاناك من حق المواطنة، ومنعتهم من التنقل خارج مناطق معينة عُرفت بـالمحميات، وفرضت عليهم العمل القسري. نتيجة لذلك، أصبح الكاناك أقلية مهمشة في غراند تيري بنسبة أقل من 7 من سكان الجزيرة. وبشكل عام، انخفض عدد الميلانيزيين في كاليدونيا الجديدة من قرابة 62 ألفا عام 1953 إلى 27 ألفا فقط عام 1921.
تسبب هذا الانخفاض في نسب السكان الأصليين مقارنة بالمستعمرين الوافدين في خفوت روح الاستقلال الثورية في الجزيرة. ولكن في أعقاب الحرب العالمية الثانية، بدأت المجتمعات الأصلية في التعافي وعادت المطالبات بالأرض مجددا مع سماح فرنسا بعودة الكثير من العمال الميلانيزيين إلى بلادهم وعودة حق التجنيس تحت وطأة حركة الاستقلال في منطقة المحيط الهادي التي أثمرت حصول جزر ساموا 1962، وناورو 1968، وفيجي وتونغا 1970، وجزر سليمان 1975، وفانواتو 1980 على استقلالها عن المستعمرين، متسببة في رفع آمال الكاناك ليحذوا حذوهم.
تحت وطأة هذه الضغوط، اضطرت السلطات الاستعمارية الفرنسية أيضا بحلول عام 1978 إلى سن قواعد جديدة حجمت استيلاء المستعمرين على الأراضي، لكن هذه التحسينات الشكلية لم تفلح في معالجة الانقسام العميق بين الكاناك وأحفاد المستعمرين الأوروبيين المعروفين باسم الكالدوش، إذ ظل الكاناك أقلية في بلادهم 44 عام 1983 مع استمرار تدفق المستعمرين الفرنسيين بفضل سياسات حكومة رئيس الوزراء بيير مسمير التي دعت إلى حماية الوجود الفرنسي في كاليدونيا الجديدة من الدعاوى القومية للشعوب الأصلية المدعومة بواسطة حلفاء من مجتمعات الباسيفيك الأخرى، وذلك عبر تحسين التوازن العددي بين الأعراق وتحويل كاليدونيا الجديدة إلى بقعة فرنسية مزدهرة على غرار لوكسمبورغ.
لكن بدلا من أن تتحول كاليدونيا إلى لوكسمبورغ، سقطت الجزيرة إلى المصير المحتوم للكثير من المستعمرات الفرنسية السابقة وهو الحرب الأهلية التي امتدت أربعة أعوام وبلغت ذروتها مع حادثة الاحتجاز الشهيرة لقوات الدرك في كهف أوفيا، وتوقيع اتفاقية ماتينيون 1988 ثم اتفاق نوميا 1998، اللذين نصا على نظام انتقالي للحكم مدة 30 عاما.
انتهت هذه العقود الانتقالية الثلاثة عام 2018، وكان على السكان التصويت من أجل تحديد مستقبلهم السياسي، باختيار الحصول على الاستقلال الكامل، أو مواصلة التبعية لفرنسا. ووفقًا للقانون الفرنسي، إذا كانت الإجابة بالنفي رفض الاستقلال، فمن الممكن تنظيم استفتاء جديد كل عامين بحد أقصى ثلاثة استفتاءات. عُقد أول هذه الاستفتاءات عام 2018، وصوت خلاله 56.67 من الشعب ضد الاستقلال، وفي الاستفتاء الثاني الذي أجري عام 2020، صوت 53.26 مرة أخرى بـلا للاستقلال، وأظهرت النتائج هذه المرة حجم الاستقطاب العرقي في الجزيرة، حيث رفض 71 من قاطني المقاطعة الجنوبية التي يهيمن عليها الكالدوش الاستقلال، في حين أدلى الكاناك في المقاطعة الشمالية ومقاطعة جزر لويالتي بأغلبية ساحقة 76 و82 على التوالي لصالح الاستقلال.
أما بالنسبة للاستفتاء الثالث الذي أجري في ديسمبركانون الثاني 2021، فقد دعت الأحزاب الرئيسية المؤيدة للاستقلال إلى مقاطعته بسبب إصرار السلطات الفرنسية على إقامته رغم تفشي جائحة كوفيد بين صفوف الكاناك، وبالتالي صوت 96.50 ضد الاستقلال وسط نسبة مشاركة متدنية لم تكد تتجاوز 41، وتشكيك كبير في صحة النتائج ومدلولاتها، وجدوى عملية الاستفتاء برمتها من الأساس.
كانت النتيجة النهائية هي أن عملية الاستفتاء، التي قصدت منها باريس أن تؤدي إلى توافق حول شرعية سيطرتها على كاليدونيا، صارت تنذر بمواجهة سياسية لن تخلو من العنف. والسبب الرئيسي في ذلك هو أن نتائج الاستفتاءات حددتها مسبقا السياسات الفرنسية الطويلة الأمد التي حولت السكان الأصليين إلى أقلية في بلادهم. بعبارة أخرى، حولت السياسات الفرنسية عن عمد الصراع في كاليدونيا من مسألة استقلال عن المستعمر إلى صراع سياسي يتحكم فيه العرق في المقام الأول، وهي صيغة تخدم مصالح فرنسا في إدامة سيطرتها على مستعمرتها القديمة التي تعد حيوية لنفوذها الجيوسياسي ومكانتها في لعبة القوى في غرب المحيط الهادي.
جغرافيا وسياسيا، تعد ميلانيزيا إحدى ثلاث مناطق كبرى في المحيط الهادي تتشكل كل منها من عدد من الجزر المتشابهة المترابطة نسبيا على المستويين العرقي والثقافي، وتُعرف المنطقتان الأخريان بميكرونيزيا وبولينيزيا، وتقع المناطق الثلاث في قلب صراع بحري محتدم بين القوى الكبرى ونخص بالذكر هناك 4 قوى رئيسية تتنازع السيادة والقوة في المنطقة الولايات المتحدة والصين وأستراليا، ومن خلفهم فرنسا.
بدأ العالم ينتبه إلى الأهمية الجيوسياسية لهذه المنطقة إبان الحرب العالمية الثانية عندما أعطتها الحرب البحرية أهمية إستراتيجية ولوجستية بسبب دورها في الحفاظ على خطوط الإمداد للقوى المتحاربة، إلى درجة أن الجنرال الأميركي دوغلاس ماك آرثر وصفها بأنها بحيرة أنغلوساكسونية. لاحقا أدى سباق التسلح النووي إلى زيادة أهمية هذه الجزر بالنسبة للولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بوصفها موقعًا لتجارب الأسلحة النووية، إلى درجة أن باريس وحدها أجرت 193 تجربة نووية في المنطقة بين عامي 1966 و1996.
تراجعت أهمية المنطقة دوليا بصورة نسبية مع نهاية الحرب الباردة، لكن الوضع كان مختلفا بالنسبة إلى فرنسا بحكم احتفاظها بالسيطرة الفعلية على عدد من الجزر المنتمية إلى أقاليم ما وراء البحار الفرنسية، وتشمل 4 مناطق تحديدا كاليدونيا الجديدة وبولينيزيا الفرنسية وجزر واليس وفوتونا وأخيرا جزيرة كليبرتون، وتشكل هذه المناطق معا أساس الوجود الجيوسياسي والاقتصادي لفرنسا في المحيط الهادي، حيث تمنح المناطق الأربع مجتمعة باريس ما مجموعه 6.932.775 كيلومترا من المناطق الاقتصادية الخالصة EZZ، وهو ما يشكل السواد الأعظم من المناطق الاقتصادية الفرنسية التي تناهز 11 مليون كيلومتر مربع، وتجعل باريس صاحبة ثاني أكبر منطقة اقتصادية خالصة في العالم بعد الولايات المتحدة.
تُوفر هذه المناطق أيضا قاعدة للوجود العسكري لفرنسا التي تنشر ما لا يقل عن 2800 جندي بشكل دائم في المنطقة، يتمركز معظمهم في كاليدونيا الجديدة وبولينيزيا الفرنسية، من إجمالي 7000 جندي فرنسي في منطقة المحيطين الهندي والهادي الإندوباسيفيك، منها 1900 جندي ينتشرون في الجزر الفرنسية في المحيط الهادي مثل مايوت ولاريونيون والجزر الفرنسية القطبية الجنوبية، وأكثر من 2000 جندي في القاعدة الفرنسية في جيبوتي ومنشآت فرنسا العسكرية في الإمارات العربية المتحدة. ويعد هذا الوجود العسكري مهما لفرنسا ليس فقط لضمان السيطرة على مستعمراتها وتسهيل الوصول إليها، ولكن -وهو الأهم- لضمان موطئ قدم لها في أحد البقاع القليلة التي تمتلك فيها نفوذا واضحا خارج حدود برها الرئيسي.
ومع ذلك، فإن هذا الوجود العسكري الفرنسي أقل بكثير من حد الكفاية الذي يضمن لباريس أداء دور فاعل في المنطقة التي عادت من جديد إلى بؤرة الاهتمام مع احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين خلال العقد الأخير. أضف إلى ذلك أن المسافة الهائلة بين المنطقة وبين القواعد البحرية الرئيسية لفرنسا في البر الرئيسي تقيد قدرة باريس على الاستجابة السريعة للتحديات الأمنية المُحتملة، وحتى مع اعتبار توجه فرنسا لزيادة ميزانيتها العسكرية بنسبة 40 فيما بين 2023 و2030 فإن القدر الأكبر من هذه الموارد سيوجه غالبا للاستعداد لحرب محتملة في قلب أوروبا. وكما يشير تحليل لستراتفور، فسيصبح على القادة الفرنسيين مواجهة خيار صعب بين تعزيز قدرة بلادهم على إبراز قوتها في الخارج، وهو النموذج التقليدي الذي اعتنقته فرنسا لعقود من الزمن، والتركيز على إعادة تقديم فرنسا على أنها قوة برية أوروبية كبرى، وتقوية حضورها داخل المؤسسات العسكرية الأوروبية الأطلسية.
وللتغلب على هذا الضعف الإستراتيجي، طرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عام 2018 رؤية مقتضبة لاستعادة فرنسا مكانتها قوة فاعلة في منطقة المحيطين الهندي والهادي دون الحاجة إلى استثمار موارد كبرى وذلك عبر تعزيز أطر العمل المُشترك مع القوى الإقليمية وفي مقدمتها أستراليا والهند، ومع الولايات المتحدة أيضا بوصفها قوة عالمية مهيمنة. بادئ ذي بدء، طرح ماكرون إنشاء محور باريس دلهي كانبيرا ليكون إطارا للعمل في منطقة المحيطين الهندي والهادي، وأُطلق الحوار الثلاثي بين البلدان الثلاثة بعد ذلك بعامين. دشنت باريس عام 2019 أول إستراتيجية لها من أجل منطقة الهندي-الهادي الإندوباسيفيك، وأعادت تنشيط ارتباطاتها في المنطقة، خاصة مع أستراليا على المحور الباسفيكي ومع الهند على الجانب الهندي، كما عززت انتشارها البحري في المنطقة، بما في ذلك عبر مضيق تايوان وفي بحر جنوب الصين.
تعد هذه السياسة -بصورة ما- خروجا على نهج باريس الذي اتبعته طوال النصف الأول من القرن العشرين، حين كان موقع فرنسا الإستراتيجي في منطقة المحيطين متمحورا حصرا حول مستعمراتها في الهند الصينية، التي شملت لاوس وكمبوديا وفيتنام. لكن فرنسا اليوم ليست هي فرنسا قبل قرن، كما أن مستعمراتها السابقة ليست بذات الثقل الجيوسياسي للهند الصينية الفرنسية؛ مما يدفع باريس الآن إلى البحث عن شركاء للاعتماد عليهم، بل الانخراط في عدد من الأطر المؤسسية الإقليمية مثل رابطة حافة المحيط الهندي، فضلًا عن مشاركة كاليدونيا الجديدة وبولينيزيا الفرنسية في منتدى جزر المحيط الهادي.
لكن سياسة فرنسا في منطقة الهندي-الهادي تواجه في الحقيقة ثلاث تحديات كبيرة رئيسية أولها أن وجود فرنسا في المنطقة لا يزال مصبوغا بماضيها الاستعماري مهما حاولت شرعنته بأطر مؤسسية ليبرالية، ولا ينطبق هذا الأمر على كاليدونيا الجديدة وحدها بل يمتد أيضا إلى بولينيزيا الفرنسية أكبر مستعمرات فرنسا في منطقة الباسيفيك التي تواجه كذلك معضلة استقلال متجددة مع تشكيك في شرعية الحكومة المُنتخبة في أبريلنيسان 2023. وحتى بعيدا عن المستعمرات الفرنسية، يتسبب سلوك باريس الاستعماري في نفور العديد من الدول الجزرية المستقلة في المنطقة مثل فانواتو، التي تتهم فرنسا بالسيطرة على جزيرتين بركانيتين غير مأهولتين منذ عام 2017 هما ماثيو وهانتر اللتان تعتبرهما فانواتو جزءا من أراضيها.
ترتبط المعضلة الثانية بالوجود الصيني الكثيف في منطقة الباسيفيك وما يثيره ذلك من توترات مع الولايات المتحدة وأستراليا ومعضلات لفرنسا نفسها. ففي العقد الأخير، أنشأت الصين شبكة من الأصدقاء المحتملين في المنطقة شكلت حزاما من الدول الصديقة نسبيا لبكين يعزل أستراليا ونيوزيلندا عن الولايات المتحدة وحلفائها ويضع الصين على حافة المستعمرات الفرنسية. وكما هو معتاد في النهج الصيني، بُنيت هذه الشبكة بواسطة التجارة والاستثمارات، فمنذ عام 2013 تجاوزت تجارة الصين الثنائية مع المنطقة تجارة أستراليا، كما تضاعف حجم التجارة بين الصين ودول المنطقة من ملياري دولار عام 2014 إلى 4 مليارات دولار عام 2021.
لكن الحضور الصيني في المنطقة لا يقتصر على الاقتصاد وحده، ففي شهر مارسآذار 2022، وقعت الصين اتفاقية أمنية مع جزر سليمان تسمح للسفن البحرية الصينية بالتزود بالوقود في البلاد، كما تسمح للشرطة الصينية بالانتشار هناك بناء على طلب هونيارا، عاصمة البلاد، وهو ما أثار قلقا كبيرا في واشنطن وكانبيرا وباريس. ووفقا لستراتفور، تعد تحركات بكين في المنطقة جزءا من اهتمامها بإظهار قوتها خارج سلسلة الجزر الثانية بهدف إعاقة الوجود الأميركي في البحار القريبة من الصين. من جانبها، تركز الولايات المتحدة في تفاعلها مع المنطقة على دول ميكرونيزيا وتحديدا بالاو وجزر مارشال وولايات ميكرونيزيا الموحدة، التي توفر لواشنطن وصولًا بحريًّا إلى المنطقة وتحجم تمدد الصين وراء سلسلة الجزر الثانية. أما أستراليا فترى أن جزر المحيط الهادي هي الفناء الخلفي الإستراتيجي لها، وبالتالي فهي حريصة للغاية على تعزيز وصولها العسكري إلى المنطقة مع تقليل قدرة الدول المنافسة مثل الصين على توسيع نفوذها بحريا واقتصاديا في المنطقة.
النتيجة النهائية لكل ذلك، كما تُظهره الخريطة، هي أن جزر المحيط الهادي تنقسم حاليا بين حلفاء افتراضيين لبكين وحلفاء للولايات المتحدة، وهو ما يضع المنطقة على صفيح ساخن. افتراضيا، تظل فرنسا حليفا للولايات المتحدة والغرب؛ مما يجعلها منافسا لبكين في أدنى الأحوال، لكن الدبلوماسية الفرنسية طالما احتفظت بوجهة نظر مميزة حول التعامل مع الصين منذ رئاسة شارل ديغول، داعية إلى دمجها في النظام العالمي نظرا لثقلها الديموغرافي والسياسي، لذا لم يكن مستغربا أن تصبح فرنسا أول دولة كبرى في حلف الناتو تعترف بجمهورية الصين الشعبية عام 1964.
احتفظت باريس بسياستها الخاصة اتجاه الصين عبر الزمن، ففي كتابها الأبيض حول الدفاع والأمن القومي لعام 2013، سلطت فرنسا الضوء على رغبتها في بناء شراكة عالمية مع الصين، رغم اعترافها في التحديث الإستراتيجي الصادر عام 2021 بأن بكين أصبحت منافسا نظاميًّا للاتحاد الأوروبي، وإن ذكرت أنها شريك دبلوماسي مهم في بعض الأحيان. وخلال رحلته إلى الصين في أبريلنيسان 2023، ذهب ماكرون إلى مدى بعيد في التعبير عن نظرة بلاده الفريدة إلى بكين، معلقا بأن أوروبا لا ينبغي لها أن تنخرط في أزمات لا تخصها، الأمر الذي أثار ردودا أميركية وأوروبية غاضبة. وكما يظهر، فإن فرنسا تسعى لتجزئة علاقاتها مع الصين بالشكل الذي يضمن حماية مصالحها الاقتصادية المشتركة مع بكين، مع التصدي المحسوب لمغامراتها في المحيطين الهندي والهادي من دون المخاطرة بإشعال مواجهة واسعة.
غير أن تلك السياسة الفرنسية جاءت بتبعات خطيرة غير مقصودة، على رأسها أن حلفاء فرنسا الإقليميين والغربيين، وفي مقدمتهم أستراليا والولايات المتحدة، أصبحوا يعتبرون أن باريس تفتقر إلى سياسة متماسكة في التعامل مع الصين؛ مما يجعلها حليفا غير موثوق به أو غير قابل للاعتماد عليه، وتلك هي المعضلة الثالثة التي تواجه سياسة الباسيفيك الفرنسية. وقد ظهرت أبرز تجليات أزمة الثقة تلك في اتفاق أوكوس AUKUS الذي وقعته كانبرا عاصمة أستراليا مع واشنطن ولندن، وألغت بموجبه عقدا لشراء 12 غواصة فرنسية. ويظهر من استبعاد فرنسا من التحالف، المناهض للصين في جوهره، حجم الفجوة بين باريس من جهة والولايات المتحدة وحلفائها من جهة فيما يتعلق بمواجهة الصين في المنطقة، رغم أن فرنسا حرصت على ألا تستغرقها الأزمة طويلا، واستأنفت الجولة الثانية من حوارها مع أستراليا في يونيوحزيران 2023.
فيما وراء هذا التنافس الجيوسياسي المحتدم، تقبع كاليدونيا الجديدة في القلب من منافسة اقتصادية لا تقل أهمية، تدور حول أحد أكثر العناصر أهمية للتحول البيئي والرقمي. فكاليدونيا هي ثالث أكبر منتجي النيكل عالميا، بعد إندونيسيا والفلبين وقبل روسيا وأستراليا وكندا والصين، وصاحبة خامس أكبر احتياطي منه، وعلى مدار التاريخ كان النيكل عنصرا رئيسيا في الديناميات السياسية الداخلية والخارجية المرتبطة بالجزيرة، منذ أن استخدمته باريس قاطرة للتحول الاقتصادي ولدفع الأوروبيين إلى الهجرة إلى الجزيرة في مطلع السبعينيات. واليوم ينتج الأرخبيل قرابة 5.6 من النيكل على مستوى العالم، ويشكل 20 من ناتجه المحلي الإجمالي و90 من صادراته، ويعمل بالقطاع قرابة 15 ألف شخص يشكلون ربع القوة العاملة في كاليدونيا الجديدة.
والنيكل أحد معادن تحول الطاقة، إلى جانب النحاس والليثيوم، ويستخدم بوفرة في صناعة السبائك والفولاذ المقاوم للصدأ، لكن يظل استخدامه الأهم في قطاع البطاريات الكهربائية والتكنولوجيا المنخفضة الكربون بشكل عام؛ مما تسبب في ارتفاع الطلب عليه بصورة ملحوظة في السنوات الأخيرة. على سبيل المثال، تضاعف استهلاك الصين من النيكل المكرر بأكثر من ثلاثة أضعاف فيما بين 2010 و2020؛ لذلك فإن بكين تظل المستورد الرئيسي للنيكل من كاليدونيا الجديدة.
على صعيد العمليات على الأرض، تهيمن فرنسا عبر شركة سوسيتيه لو نيكل SLN، وهي فرع الشركة الفرنسية Eramet، على الحصة الكبرى من صناعة تعدين النيكل في كاليدونيا، وتوظف ألفي شخص في المنطقة الشمالية. وللمفارقة كان النيكل حاضرا بقوة في جولة الصراع الأخيرة في كاليدونيا إثر مطالبة رئيس الإقليم الشمالي المؤيد للاستقلال، في 12 أبريلنيسان، بوقف جميع أنشطة التعدين في المنطقة على خلفية فشل الشركة في الالتزام بالضمانات المالية لتغطية الأضرار البيئية لعملياتها؛ مما أطلق شرارة احتجاجات ضد الشركة الفرنسية في اليوم التالي مباشرة.
تعد SLN المنتج الأكبر في العالم لنوع محدد من النيكل يعرف باسم SLN 25 يمتاز بنقاوة عالية تجعله مثاليا لإنتاج الفولاذ المقاوم للصدأ، وبفضل هذا المنتج، حققت الشركة الفرنسية أرباحا في العام الماضي حتى مع انخفاض السعر العالمي للنيكل بما يزيد على 45، وما يقرب من 20 ألف دولار للطن، في حين أن منتجي النيكل الآخرين في كاليدونيا الجديدة، الذين تجاوزت تكاليفهم حاجز 23 ألف دولار للطن، لم يتمكنوا من تحقيق أي أرباح وأغلقت العديد من المصانع أبرزها مصنع شركة كونيامبو نيكل ساس KNS المملوكة لشركة جلينكور السويسرية التي خرجت من السوق بسبب تكاليف الإنتاج المرتفعة وانخفاض الأسعار.
لذلك، كان وقف إنتاج النيكل في كاليدونيا بالنسبة لباريس خسارة مجانية في صناعة تحقق فيها فرنسا الأرباح عند مستويات سعرية أقل بكثير من خصومها، لكن المشكلة الكبرى أن هذا التوقف سوف يسمح لهؤلاء الخصوم بإعادة ترتيب السوق لصالحهم. لكن لحسن حظ فرنسا هذه المرة، تزامن وقف SLN عملياتها، مع بدء العقوبات البريطانية والأميركية، ومن ثمَّ دخول حظر تداول النيكل والألومنيوم والنحاس الروسي في بورصة لندن للمعادن وبورصة شيكاغو التجارية حيز التنفيذ؛ مما تسبب في حجب النيكل الروسي وروسيا هي ثاني أكبر منتج عالميا للنيكل المكرر من الدرجة الأولى بعد الصين ودفع الأسعار إلى الارتفاع بنحو 20 منذ تطبيق العقوبات. ولكن بعد مرور أسبوع فقط على الحظر، أعلنت شركة نورنيكل الروسية عن خطط لنقل بعض عملياتها إلى الصين وإقامة مشروع مشترك مع شركة صينية، وهو تطور ربما يكون مثيرا للقلق في باريس على المدى الطويل مع التحولات السريعة في أسواق النيكل ومعادن البطاريات التي تثير اليوم منافسة عالمية محتدمة.
في ضوء هذه الديناميات المتداخلة، أصابت التطورات في كاليدونيا فرنسا بنوع من البارانويا السياسية دفعتها إلى البحث عن طرف خارجي لتحميله مسؤولية الاحتجاجات، وتركزت سهام باريس هذه المرة على أذربيجان، الدولة الحليفة لروسيا والمناهضة لفرنسا بسبب دعمها لأرمينيا، لكنها لا تمتلك من الحضور الدولي ما يمكنها من تحريك اضطرابات ضد باريس بمفردها. وترتكز ادعاءات فرنسا على استضافة أذربيجان مجموعة مبادرة باكو، التي تجمع بين القوى المؤيدة للاستقلال من مختلف أقاليم ما وراء البحار الفرنسية وتشجع الأنشطة المناهضة للاستعمار ضد فرنسا. وفي أعقاب إصلاحات التصويت الفرنسية المزعومة في كاليدونيا، نشر 4 رؤساء أقاليم فرنسية أخرى فيما وراء البحار لا ريونيون في المحيط الهندي، وغوادلوب ومارتينيك في البحر الكاريبي، وغويانا الفرنسية في أميركا الجنوبية بيانا يحث الحكومة الفرنسية على سحب قرار إصلاحات التصويت في كاليدونيا الجديدة.
تزعم باريس أيضا أنها تتبعت منشورات مواقع التواصل التي تدعو إلى التحركات المناهضة لفرنسا في كاليدونيا وكشفت أن مصدر الكثير منها هو أذربيجان. لكن حتى لو صحت هذه التفاصيل فإنها لا تثبت أن باكو أدّت دورا فاعلا في تحرك الثوار في كاليدونيا الجديدة، أولا لأن نفوذ أذربيجان في المنطقة أقل تأثيرا مما توحي به مزاعم فرنسا، والأهم أن بذور المظالم في المستعمرات الفرنسية زرعتها باريس بنفسها بالفعل وأثمرت الاضطرابات والثورة في وجهها غير ما مرة. فباريس تدرك، في قرارة نفسها أن ما فشلت في قمعه عبر قرنين لن يختفي من تلقاء نفسه اليوم، وأن تساقط أحجار الدومينو -إذا بدأ- لن يقتصر على كاليدونيا وحدها. وفي غضون ذلك، يأمل خصوم الغرب في موسكو وبكين أن تنشب موجة جديدة من مناهضة الاستعمار عاجلا أو آجلا في تلك الجزر المحيطية البعيدة، من شأنها أن تشكل تحديا لهيمنة الولايات المتحدة والغرب في أعالي البحار. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/6/23/%d9%83%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%af%d9%88%d9%86%d9%8a%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%82%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%8a%d9%88%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a | 2024-06-23T10:53:09 | 2024-06-24T07:45:54 | أبعاد |
|
196 | قصة إسلام إنجيلي أميركي.. كيف أصبح تديّن الغزيين نموذج هداية؟ | “سأبقى مدينا لما جرى في غزة طيلة حياتي رغم كل الآلام والبشائع التي تحدث، أيقظ الغزيون أنفسًا كثيرة حول العالم. ومسؤوليتنا جميعا أن نوقف هذه الإبادة التي تجري اليوم” يقول داني | ليلة الأول من رمضان الفائت، عقب صلاة العشاء مباشرة، وبينما ينتظر المصلّون القيام لصلاة التراويح، وقف رجلان كانا يصليان بجوار بعضهما، واتجه كل واحد منهما باتجاه معاكس للآخر. الأول هو الدكتور محمد عودة، فلسطيني الأصل أميركي الجنسية، الذي توجّه ناحية المحراب، بينما مالَ الآخر لتجهيز الكاميرا التي كان قد أوقفها على حاملها قبل بدء الصلاة.
يمسك عودة بمكبر الصوت المايكروفون، ويقول هذه أيام صعبة، وبينما يستمر القتل لأهل غزة، تحدث بعض المبشّرات من تأثير ما يجري هناك. فهذا هو داني الذي يُمسك بكاميرته ويجهزها كي يوثق لحظة نطقه للشهادة، بعدما كان يشارك معنا في المظاهرات الداعمة لغزة.
يتقدّم داني ببطئ بين جموع المصلين الذين يتمايلون جلوسا كي يفسحوا له الطريق وهو يسير ناحية المحراب. رجل أبيض في منتصف الثلاثينيات، يتوسط وجهه شارب أشقر اللون، جسده ممتلئ قليلا، وتلفُ رقبته كوفية ممتزجة باللونين الأحمر والأبيض. يمسك مكبر الصوت، وينطق الشهادتين.
جرت أحداث القصة في ولاية كانساس -التي تقع في غرب الوسط من الولايات المتحدة الأميركية-، أو ولاية شعب الريح الجنوبية كانزا كما تُنطق في لغة سكان أميركا الأصليين، وهي الولاية التي يكثر فيها المزارعون والأميركيون ذوي الأصول الأوروبية، والانتماء المسيحيّ الصرف.
في أن المغلوب مولع أبداً بتقليد الغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده.
هذه المقولة ذات القدرة التفسيرية العالية لعبد الرحمن بن خلدون، والتي عنون بها الفصل الثالث والعشرين من مقدمة كتابه العِبَر وديوان المبتدأ والخبر كثيرًا ما استُدعيت في واقعنا المعاش. هيمنة ثقافية واقتصادية وسياسية غربية يقابلها ما يسمونه دول عالم ثالث نعيش فيها. أُعليت بذلك الثقافة الأوروبية-الأميركية على العالمين. طبَقيا في البدء، ثم ما انعكس على إثر ذلك في عوالم الفكر، والممارسة. فالولع يبدأ فكرا وشعورا، ثم يظهر في الزي والنحلة وسائر الأحوال.
لكن دورات التاريخ، حسب ابن خلدون ذاته، لا تسير خطيًّا كمن يصعد درجات السلّم، بل هي دورة، تتبادل الصعود والهبوط على التوالي. وإن كانت الصيغة الدائرية هي مُنطلق الفكر، فذاك يعني أن لا غالبَ مُطلق ولا مغلوب مطلق، إنما تكون المدافعة هي الحال.
وكعادة الأحداث الكبرى في التاريخ، لا تنحصر تبعات الفعل في نطاق الزمان، ولا الجغرافيا، بل هي تموجّات لا يُحصر صداها في الغرفة التي سُمع منها الصوت. شيءٌ شبيه جرى في أميركا يوم الحادي عشر من سبتمبرأيلول، يوم اصطدام الطائرة ببرج التجارة العالمي، وتبنّي تنظيم القاعدة لهذا الهجوم، ثم ما تلاه من حرب أطلقها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن تحت عنوان الحرب على الإرهاب.
تخيل المشهد كما يلي اصطدام الطائرة في البرج، ثم انظر إلى أحجار الدومينو تتساقط تباعا.
ورغم انتفاء أي صلة مثبتة بين الهجوم وبين أحد المسلمين القاطنين في أميركا، فقد تبنت أميركا قوانين لتقييد حريات سكانها من المسلمين وانتهاك خصوصياتهم، وتم إصدار قانون الوطنية باتريوت أكت PATRIOT Act الذي استهدف بطريقة غير مباشرة آلاف المسلمين المقيمين بالولايات المتحدة. تلك الحرب كانت فرصة لصناعة عدو متخيل، الإسلام والمسلمون هم عنوانه، فيما عُرف لاحقا بـالإسلاموفوبيا أو الخوف غير المبرر من الإسلام. وهو قانون ما زالت آثاره قائمة إلى اليوم.
لكن النظر للتاريخ، لا يجدر أن يقتصر على دائرة التحولات الكبرى التي تتعاقب على أجيال عدة، بل بوصفه دوائر صغيرة تتشكل في الجيل الواحد، لتصنع ثقوبًا صغيرة في الجدار الأوسع. فتحت الحرب على الإرهاب الباب أمام بعض الأميركيين الذين استطاعوا الفكاك من السردية السائدة، للنظر إلى هذا الدين المحظور، جوهره، فكره، تعاليمه. وقادت هذه الموجة غير واحد من الأميركيين غير المسلمين إلى الإسلام، كما جاء في دراسة للدكتور خالد إيسيسيه، من جامعة ويسكونسون.
ولا تبدو مقارنة أحداث سبتمبر مع أحداث السابع من أكتوبر منطقية -في كثير من المعطيات التي شكلت الحدثين-، سوى استدعاء ما تقوده الأحداث الكبرى على اختلافها الشاسع في تفاصيلها، من تغيرات تطال البنى الاجتماعية، سواء في أميركا، أو في العالم.
هذان الحدثان، أي الطوفان وأحداث سبتمبر، كانا حدثين فارقين في الوعي السياسي الأميركي، خاصة لجيل الشباب الذي لم يشهد إلقاء القنبلة النووية على اليابان، أو حرب فيتنام، أو الحرب الباردة.
لذا، حينما التقينا بداني، كانت أحداث سبتمبر حاضرة في حديثه، وكيف انعكس هذا الحدث على علاقته بأحد أصدقائه المسلمين في المدرسة. هذا الطفل المسلم ذاته الذي توترت علاقة داني معه بالأمس القريب، أصبح اليوم يقف كتفًا بكتف مع داني في صف الصلاة.
سياق آخر وجد المتابعون فيه وجها لمقارنة ما جرى يوم أحداث سبتمبر، وما يجري اليوم في غزة. وهي رسالة قديمة كان قد وجهها زعيم تنظيم القاعدة السابق أسامة بن لادن للشعب الأميركي، لكن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة أعاد التذكير بها.
ومن أعاد التذكير بهذه الرسالة هي ناشطة أميركية تُدعى لينيت أدكينز على منصة تيك توك. حيث قالت في مقطع مصور أريد من الجميع أن يتوقفوا عما يفعلونه الآن وأن يذهبوا لقراءتها رسالة بن لادن. إنها صفحتان. اذهبوا واقرؤُوا رسالة إلى أميركا.
هذه الرسالة، كان قد كتبها بن لادن في نوفمبرتشرين الثاني عام 2002، ردًا على تساؤل عدد من الأميركيين حول أسباب كراهية المسلمين الولايات المتحدة. في تلك الرسالة، أسهب بن لادن في الحديث عن فلسطين، حيث عدها السبب الأول لعداء الولايات المتحدة، معتبرًا إياها العامل الرئيسي في استمرار جرائم الاحتلال الإسرائيلي بالقتل والتهجير والدمار.
فوارق عدة تكمن في طبيعة كل عملية، بدءا من اختلاف المنطقة الجغرافية للأحداث والتباين الجليّ في سياقات الأحداث وتاريخها. فانهيار برج التجارة العالمّي كان في قلب العاصمة التجارية الأميركية، نيويورك، في حين جاء طوفان الأقصى في جغرافيا أخرى، لكنها دولة حليفة لأميركا، ومن جماعة مسلحة تصنّفها واشنطن بأنها إرهابية.
ورغم أن هجوم حماس لم يطل أرضًا أميركية ولا سفارة واشنطن في إسرائيل، إلا أن الموقف الرسمي للولايات المتحدة الذي تبنّى الرواية الإسرائيلية كاملة، مسنودا بترسانة ضخمة من وسائل الإعلام التقليدية التي أشهرت كافة أسلحتها على السردية الفلسطينية، هذا الموقف، جعل من هذه القضية شأنا أميركا داخليا يتحدث فيه الصغير والكبير، وتمتلئ لأجله شوارع المدن، وتُرفع فيه اللوحات وترتفع معها الشعارات والهتافات.
داني ليس الأول، ولا خاتمة من أسلموا على إثر ما يجري في غزة. لذا، كان يُفترض للقاء الأول أن يكون سريعا، مجموعة من الأسئلة المباشرة، تتبعها ردود مباشرة، ثم تُرفق قصته إلى جانب مجموعة لقاءات أخرى في تقرير إخباريّ يستعرض قصصا لأشخاص كان حدث طوفان الأقصى العامل الرئيسيّ في إسلامهم.
بدأت الجلسة بعد صلاة العصر مباشرة، وما كان يُفترض أن يكون لقاءً سريعا، امتد لأكثر من ساعتين ونصف، وفي نهاية الجلسة، قررت أن أكتب القصة الكاملة. أما مكان اللقاء، فكان غرفة الإمام، الملاصقة لذات المسجد الذي أعلن فيه داني إسلامه قبل أيام من عقد اللقاء.
متحمّسًا، جلستُ إليه. بدأ حديثه بصيغة يصبغها تحذير لطيف أنا قرأت الكثير، وأستطيع الحديث لساعات، أُفضِّل أن تسألني أسئلة محددة، حتى لا أجلس هنا لساعات، أجبته بأنني متفرغ حتى وقت الإفطار. وبدأ الحديث.
داني رجل أبيض بكل ما تحمله كلمة الرجل الأبيض من حمولات ثقافية واجتماعية داخل أميركا. هو في منتصف الثلاثينيات من عمره، وخصلات شعره التي تنبت على رأسه ووجهه يميلان للون الأشقر، ويعيش في ولاية ريفية منذ ولادته، ومضافا لكل ذلك تبعيّته للكنيسة البروتستانتية الإيفانجيليكية، وهي الطائفة المسيحية الأكثر دعما وتمويلا وتأييدا لإقامة دولة إسرائيل.
ويُقصد ب إيفانجيليكل Evangelical في الولايات المتحدة كل الطوائف المسيحية البروتستانتية التي تميزت عن البروتستانت التقليديين بعدد من المعتقدات، ويُقدر عددهم بأكثر من 80 مليون شخصا داخل أميركا.
أما تاريخهم، فيعود إلى القرن الثامن عشر حينما كانت أميركا مجموعة من المستعمرات، لكن هذه الطائفة مرت بعدة تحولات، حتى باتت شهرتها في يومنا هذا مرتبطة بانخراط الكثير من أتباعها في صفوف اليمين المسيحي، وتقاطعها فكريا وسياسيا مع إسرائيل والحركة الصهيونية.
يؤمن الإنجيليون أن إسرائيل هي العامل المسرّع لأحداث نهاية الزمان فيما يُعرف بمعركة هرمجدون.
وفقا لهذه النبوءة فإن نزول المسيح لتخليص العالم في نهاية الزمان لن يحدث إلا في ظل هذه المعركة، والتي لن تحدث إلا عقب عودة اليهود إلى فلسطين وإنشاء دولتهم القومية، وستكون شرارتها بناء الهيكل على أطلال المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة، على اعتبار أن المسلمين لن يقفوا صامتين أمام هذه الأحداث.
أما انعكاس تأثير الإيفانجيليكية على الواقع السياسي والاجتماعي الأميركي، فهو واسع، وليس مجال حصره هنا.
أما كمعطيات عامة تعكس التأثير، فهم يمثلون اليوم شريحة أساسية من المصوتين للرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، كما أن مايك بنس، نائب ترامب السابق، ينحدر منهم، وهو المعروف بدعمه المطلق لإسرائيل، إضافة لمايك بومبيو، وزير الخارجية السابق في عهد ترامب، ومدير السي آي إيه قبلها.
بالإضافة للنائب الجمهوري ورئيس مجلس النواب الحالي مايك جونسون الذي قال في تصريح صحفي في إبريلنيسان الماضي 2024م إسرائيل حليف حيوي لنا، أعتقد أن معظم الناس يتفهمون ضرورة هذا التمويل 26 مليار دولار لإسرائيل إنهم يقاتلون من أجل وجودهم.. بالنسبة لنا نحن المؤمنين هناك توجيه في الإنجيل بأن نقف إلى جانب إسرائيل، وسنفعل ذلك بلا ريب وسينتصرون طالما كنا معهم. وغيرهم الكثير.
بالعودة للقاء، كان السؤال البدَهيّ الذي طرحته ابتداءً، ما سبب إسلامك، ما الحدث الذي جعلك تتجه لهذا التحول الجذريّ؟. استدعى السؤال تعديلا في جلسة داني، وقال مشهدان. الأول، هو هدم مسجد الهدى وصلاة الناس على أنقاضه، شعرتُ بشيء غريب، فهذا ليس فعلا فرديا، بل أشخاص يتجمعون بعد هدم منازلهم ومسجدهم ليُصلُّوا على أنقاضه.
والثاني رؤيتي لمقطع مرئي لأحدهم وهو يتوضأ من المياه المتساقطة على خيمته، حيث يضم كفيه ليجمع الماء الذي يتقاطر من الخيمة، حتى يتوضأ للصلاة.
لقد أذهلني المنظر. كنت أعتقد قبل هذا الفيديو أنني أعيش حياة مليئة بالمصاعب، وهو ما أثر على سير حياتي اليومية، لكن ما شاهدته جعلني أدرك حقيقة مؤلمة لا شيء من المصاعب التي أواجهها يمكن أن تُقارن بما يحدث له، لكنه يهتم رغم كل ما يجري معه، وفي هذا الوقت بالتحديد، بالصلاة.
استأنف وقد بدأت عيناه باللاتماع في هذه اللحظة شعرت أن ثمة شيئا مختلفا عليّ أن أبحث عنه.
سألته، هل القصة بدأت من هنا، أم أنها كانت لحظة الفصل.
أجاب لم تبدأ القصة هنا لكنها كانت منعطفا مهما في مسار التحول الذي أخذته، والحقيقة أنها قصة توالت أحداثها منذ السابع من أكتوبر، ومررتُ معها بأطوار عدة. اليوم الجميع يرى القتل وهو في منزله، هذا الهاتف لم يترك لأحد مجالا للإنكار، ولم يترك مجالا لأحد كي يسلّم عقله لوسائل الإعلام التقليدية، ولا للمجتمع من حوله.
المشاهد كانت بشعة، يقول للجزيرة نت. ويكمل شعرت بانقباض في صدري طيلة تلك الأيام، وبغضب شديد.
في الأول من نوفمبرتشرين الثاني، أي بعد أقل من شهر على بدء الحرب على غزة، وبينما كنت خارجا مع زوجتي لحضور إحدى الفعاليات الموسيقية، وجدتُ فقيرا على جانب الطريق. المختلف هذه المرة، أنني لم أكمل السير متجاهلا كما جرت العادة.
توقفت. وقلت إلى متى سيبقى هذا النظام المتوحش يجعلنا غير قادرين على رؤية معاناة من يختلف عنا من البشر. لم أحضر تلك الفعالية، وقررت العودة للمنزل. فلا يمكن للحياة أن تسير كما جرت عليه الحال. يجب أن نتوقف، وندرك ما الذي يجري حولنا.
بعيدا عن القصة، وعلى صلة بالموضوع. لا يستل الإنسان ذاته من تأثير بيئته الطاغي إلا بالوعي، وبلحظة الإدراك الفارقة التي يتحول معها ليقف على طرف النهر الجاري ناظرا إليه، وواعيا بتركيبته، عوضا عن الانجراف فيه.
وفي هذا العصر شديد التسارع، وشديد الفردانية بفكره الغربي الليبرالي الذي يؤلّه اللذة والأنا، لا يبدو الفكاك سهلا. وما يبدو حدثا مركزيا عند داني من حيث رؤيته للمشاهد التي بعثت في نفسه لحظة الإدراك، قد لا يكون عند آخر، بل قد لا يستدعي ذات المشهد التوقف عنده من الأساس والنظر والتأمل فيه. لحظات الإدراك لا تأتي جُزافًا، بل تتطلب استعدادا نفسيا مسبقا، أو لحظة إلهام سماوية تتجاوز حسّ الإنسان وتخطيطه.
عنون ابن خلدون في مقدمته أحد الفصول بقوله إن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر، وعلى الرغم مما يبدو ظاهرا من عنوان الفصل بارتباط الأخلاق بنمط العيش حصرا وابتعاده عن موضوع حديثنا، فإن ابن خلدون يعلل نظرته تلك بأن ذلك عائد لكثرة ما يتعرض له أهل الحضر من فنون الملاذ وعوائد الترف والإقبال على الدنيا، والعكوف على شهواتها بينما على الجانب الآخر، فإن أهل البدو وإن كانوا مقبلين على الدنيا مثلهم إلا أنه في المقدار الضروي. هذا الثنائية ما بين التعرض الشديد لفنون الملاذ، في مقابل التعرض للمقدار الضروري، أمر يطرأ في كل زمان وجغرافيا، حتى داخل المدينة.
يتشابه الواقع لأهل الحاضرة الواحدة إذا، دون أن يستدعي ذلك تشابه الاستجابة بالضرورة.
فمنذ أواخر أكتوبر، بدأ داني بقراءة الكثير من الكتب حول فلسطين، ليتثقف حول هذه القضية التي أدرك أنه يجهل الكثير عنها، ووصف أن هذا الجهل في أميركا ممنهج. يقول أول ما افتتحت به، هو كتاب لإيلان بابيه، ومع نهاية العام قرأت 60 كتابا، وكرست نفسي للتعلم، كي أصل للحقيقة. وما قرأته كان صادما، كمية التزييف التي تعرضنا لها كانت مخيفة بالنسبة لي. ومع القراءة بدأت الكثير من تفاصيل حياتي تتغير.
يضيف داني في السابع من نوفمبر، وبينما كنت أسير مع زوجتي في منطقة البلازا المركزية في ولاية كانساس، أشارت لي زوجتي ناحية مظاهرة مؤيدة لفلسطين، لم أشارك في تلك المظاهرة، لكنها كانت البذرة التي بدأت تنمو في ذهني.
بعدها بأسبوع، وتحديدا في الخامس عشر من نوفمبر، حضرتُ فعالية كانت تحت تنظيم منظمة الهدف، وهي منظمة تعمل على التوعية بالقضية الفلسطينية. ثم بدأتُ أتفاعل على منصات التواصل الاجتماعي الخاصة بي مع القضية الفلسطينية، وقادني ذلك لحضور أول فعالية للتضامن مع فلسطين.
كانت نية داني حينما بدأ ببناء علاقته مع المنظمين من منظمة الهدف، هي أن يتضامن مع القضية الفلسطينية. بمرور الفعاليات، يقول بدأتُ أسأل عن الإسلام. حينها أحالوني للدكتور محمد عودة، الذي نطقت الشهادتين معه.
في ذلك الوقت، كانت حياتي تنهار أمامي، أو هكذا كنت أراها. تراجعت علاقتي بالعمل، مع زوجتي، وكنت أشرب كثيرا. وربما كان هذا الانهيار هو ما جعلني أرى الإيمان لدى من أُصيبوا.
ويواصل وحينما أمسكتُ القرآن اتضحت كثير من الأمور بالنسبة لي، الكلمات في غاية الوضوح، والمباشرة. كما أن التوضيحات التي جاءت حول قصة عيسى عليه السلام كانت مدهشة بالنسبة لي، لأنها حققت أمرين، أنها أكدت نبوة عيسى عليه السلام، وصححت التصورات حول نبوته وما جرى له.
توقف قليلًا كأنه يرتب ألفاظه للتعبير عن فكرته التالية، ثم استأنف في القرآن، لا تتعلم كيف تتجاهل الوقائع، بل يكون إيمانك هو الدافع للانخراط والتفاعل مع الحقائق، وتدافع عن حقك حتى لو لم تكن موازين القوى في صالحك. في السابق، تعلمت في الكنيسة الإيفانجيليكية أن أتجاهل كافة الوقائع والحقائق المحيطة بي، وأن أتحلى بالإيمان فقط.
حينها سترى الأبرياء يقتلون، ثم تنغلق على ذاتك وتكتفي بأن تقول أنا على حق دون أن يكون ثمة دليل وبرهان. تعلّمتُ ألا أهتم إن كان لأفعالي المباشرة أثرا سلبيا، وأن لا أشعر بالذنب. هذا بالنسبة لي يُعدّ نظاما مثاليا للسيطرة والتحكم بالعقول. يُكمل داني والانفعال بادٍ على وجهه كنّا نقول من قتل المسيح، ونرد اليهود. بينما نتعامل سياسيا معهم باعتبارهم الخير المطلق، فقط لتحقيق نبوءة.
القرآن لا يأمر بذلك. يقول داني، بل لديه توجيه أخلاقي واضح، توجيه أخلاقي للمجموع وللفرد على السواء. جميعنا مسؤولون عمّا نفعل كأفراد. في النهاية، أمسك داني بالقرآن الذي اصطحبه معه، وهي نسخة باللغة الإنجليزية تملؤها ملصقات ملونة يدون داني معها ملاحظاته وتأملاته أثناء قراءته للقرآن. يقول زوجتي الآن بدأت تقرأ عن الإسلام، وآمل أن يهديها الله.
مرت الساعاتان بسرعة، ونحن نتهيّأ لإنهاء المقابلة، سألته عمّا إذا كان يريد أن يختم حديثه بملاحظة، قال سأبقى مدينا لما جرى في غزة طيلة حياتي رغم كل الآلام والبشائع التي تحدث، هؤلاء أيقظوا أنفسًا كثيرة حول العالم. ومسؤوليتنا جميعا أن نوقف هذه الإبادة التي تجري اليوم. | https://www.aljazeera.net/sukoon/2024/6/29/%d9%82%d8%b5%d8%a9-%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a5%d9%86%d8%ac%d9%8a%d9%84%d9%8a-%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1%d9%83%d9%8a-%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%a3%d8%b5%d8%a8%d8%ad-%d8%aa%d8%af%d9%8a%d9%86 | 2024-06-29T17:06:10 | 2024-12-02T03:25:02 | أبعاد |
|
197 | عشرة أفلام مشوقة تعيش معها في أحضان الطبيعة | بين القصص الحقيقية، والحكايات الخيالية، أُنتجت العديد من الأفلام التي تغوص في أعماق الطبيعة، وتعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والعالم الخارجي،وتختبر إمكانيته بالنجاة في ظروف قاسية.. تعرف على أكثرها إثارة. | لقد أُنتجت العديد من الأفلام السينمائية في العشرين سنة الماضية حول هذا النمط من الحياة، النمط المتوائم مع الطبيعة، بعض تلك الأفلام بُني على قصص حقيقية، وجسّد حكايات أشخاص قرروا ترك التمدن والعودة لمنبت الإنسان ومنبعه الأول، للأكل من خيرات الأرض والعيش بعيداً عن الهاتف والإنترنت. وأفلامٌ أخرى من نسج خيال الكُتّاب، يختبرون فيها إمكانية نجاة الإنسان في ظروفٍ قاسية، قد يُلقى بطل الفيلم في جزيرة معزولة، أو وسط بحرٍ هائج، أو يقضي الشهور ماشياً على الأقدام في رحلة انعتاقٍ وبحثٍ عن روحه التي ضاعت وسط زحمة الأشياء.
الفيلم كالطائرة الشراعية، يحملك معه في رحلة ماتعة حيثُ تشاء، فقط حدد وجهتك ثم انطلق، وما يميز الأفلام أنك تشاهد الأمور خارج السياق، تختبر الحالة دون الدخول فيها، تعيش التجربة دون تحمل التبعات، وعبر الأفلام التالية سوف تتمكن من الدخول في جو الطبيعة، ومغادرة محيطك المليء بالتلوث السمعي والبصري، والانطلاق شعورياً إلى البراري ومرافقة الأبطال وسط الغابات وفي الوديان، وخوض تجربة جديدة قد يكون من الصعب عليك خوضها على أرض الواقع.
في فيلم Into The Wild يقرربطل الفيلم أن يترك الحياة الجميلة والمستقبل الواعد الذي ينتظره، حاصل على شهادة من جامعة مرموقة، ولديه أسرة مثقفة تدعمه لمواصلة حياته؛ لكنه يقرر ترك كل ذلك، حيث يذهب دون سابق إنذار لرحلة مفتوحة إلى الطبيعة، ويرسل الأموال التي حصل عليها لجمعيات خيرية، فيترك السيارة، ويحرق ما تبقى من أموال، ومعها سفن العودة، ويهيم لا يلوي على شيء سوى العيش في تصالحٍ وسلام وانسجام مع المخلوقات والطبيعة من حوله.
إنه الفيلم الذي جسد قصة كريستوفر مكاندلز، الذي ترك الحياة العصرية وقرر الانطلاق لمعانقة الطبيعة، بدأ رحلته عام 1990 بعد تخرجه من الكلية، فسافر وعاش متنقلاً بين الولايات في أميركا، ومر عبر كندا حتى وصل إلى ألاسكا، وهنالك وجد حافلة قديمة فقرر أن يتخذها سكناً، وعاش فيها برهة من الزمن بقليلٍ من المؤن، يأكل من خشاش الأرض ويقرأ الحياة بين سطور الكتب؛ لكنه ما لبث أن وافته المنية بعدها بعدة أشهر؛ حيث وجد جثتَه صيادٌ عابر بعد موته بأسبوعين في سبتمبر 1992.
في 1997 صدر الكتاب1 الذي يحكي قصة كريستوفر، والذي ألفه جون كراكاور Jon Krakauer ثم تحولت قصته إلى فيلم أًنتج عام 2007 وأصبح أحد روائع أفلام السيرة الذاتية، كما ظهرت عدة أفلام وثائقية تطرقت إلى حكايته واستلهمت قصته، مثل
ذا كول أوف ذا وايلد The Call of the Wild
ريتيرن تو ذا وايلد Return to the Wild
عبر فيلم Wild، سوف تقطع أكثر من ألف ميل سيراً على الأقدام، وعبر ممر قمة القطب الجنوبي Pacific Crest Trail الشهير الذي يصل بين الحدود الجنوبية والشمالية لأميركا -من المكسيك إلى كندا- وبرفقة بطلة الفيلم التي تجسد امرأة قامت بهذه الرحلة الشاقة.
هو فيلم2 تم عرضه في 2014، ترشح لجائزتي أوسكار. بُني الفيلم على كتاب مشهور بنفس الاسم، الكتاب الذي حصل على أكثر من 33 ألف مراجعة مكتوبة عبر جود ريدز3 وهو عبارة عن مذكرات بطلة القصة نفسها شيرل سترايد Cheryl Strayed، التي قطعت تلك المسافة على أرض الواقع، ووجدت روحها من جديد وسط الطبيعة وبين الجبال والأنهار.
تبدأ القصة حين تقرر شيرل السفر مشياً على الأقدام في الطريق الذي يقطع أميركا من الجنوب إلى الشمال ويمر بمناطق خلابة وطبيعة ساحرة؛ لتقضي في تلك الرحلة أكثر من ثلاثة أشهر من السفر المنفرد، وكل ذلك من أجل أن تستعيد حياتها المدمَّرة والمليئة بالمعاصي التي أدت بها -في نهاية المطاف- إلى تحطيم أسرتها، يبدأ الفيلم منذ الاستعدادات الأولى للرحلة، لكن المَشاهد تتنوع بين الزمن الحاضر والماضي ليعرض المخرج لنا لمحات من طفولة شيرل وحياتها الماضية.
وعبر مسارات الرحلة، تقرأ شيرل وتكتب، وتتعرف على أشخاص، وتتعرض لمشاكل وعقبات؛ لكن النهاية فعلاً فتحت لها أبواب الحياة من جديد، ليس فقط في الفيلم، إنما على أرض الواقع، فقد أصبحت صاحبة أحد أشهر الكتب وأكثرها مبيعاً في العالم، وتحولت قصتها إلى فيلم يُلِهم الملايين ويعكس المدى الذي يسمح للطبيعة أن تؤثر في الإنسان وتعيد له روحه المسلوبة.
المَشاهد الأولى للفيلم تُظهِر الأب وجميع الأبناء وهم يتدربون على الصيد وفنون القتال وغيرها من مهارات النجاة والبقاء على قيد الحياة، أما الأم فهي غائبة عن المشهد، بعد ذلك يكتشف المُشاهِد أنها مريضة في بيت والدها؛ لتموت بعد ذلك بقليل، ويصل الخبر كالصاعقة على الأولاد، أما رب الأسرة فلم يكن على وفاق مع عمه الذي يعارض بشدة فكرة العيش في البرية ويعتقد أنها السبب الأول في موت ابنته، ويحتدم الخلاف بينهما، ويرفض الأب حضور الزوج مراسم الدفن؛ لكن الأولاد يقررون الذهاب في مهمة استرجاع أمهم المسلوبة منهم، أو بالأحرى جثتها.
رغم بعد الأسرة عن المدنية إلا أن أباهم قد حرص على تعليمهم وتثقيفهم عبر القراءة والتعليم الحر، حتى غدت ثقافة أصغرهم أفضل من ثقافة طالب في الثانوية، الفيلم مليء بالمشاهد الطريفة، ومنها أنهم حين اضطروا للدخول لأحد المطاعم لتناول وجبة الطعام، سأل الطفل الصغير وهو يتمعن في القائمة ماهي الكولا فأجاب الأب على الفور عبارة عن مياه سامة.
الأفلام السابقة تحكي عن أشخاص قرروا الحياة في البرية بإرادتهم، لكن كيف هو الحال عندما تؤدي بك الظروف -مجبراً- لهذا النمط من الحياة، فبطل هذا الفيلم لديه حياة حافلة بالنجاح في إحدى أكبر شركات نقل الطرود البريدية في العالم فيديكس FedEx، لم تكن لديه أي نية بأن يقضي بقية حياته في جزيرة معزولة في البحر، لكن تلك كانت الأقدار، وذلك كان أحد روائع السينما الأميركية، إنه فيلم Cast Away.
الفيلم من بطولة الممثل الكبير توم هانكس Tom Hanks، وقصته تدور معظمها في جزيرة معزولة برفقة بطل الفيلم الذي يعاني في سبيل النجاة مادياً ومعنوياً، فكيف له أن يقضي سنوات من عمره وحيداً لا يرى فيها إنساناً، ولا يسمع فيها صوتاً بشرياً، لذلك فقد ابتكر صديقاً افتراضياً رسمه على سطح كرة بيضاء وجدها في أحد الطرود التي معه، وجعل منها صديقه الحميم الذي يتحدث إليه ويشاركه أتراحه وأفراحه.
يعرض الفيلم إمكانية النجاة وحيداً في جزيرة معزولة، وكيف يمكن للإنسان المحافظة على صحته النفسية قبل البدنية، ويعرض لمحة عن ملحمة الإنسان في التشبث بالأمل والتطلع للحياة في أحلك الظروف، فهو لم يتخلّ عن إرادة العودة إلى حياته السابقة رغم السنوات التي مرت، تمر الشهور والسنين ويتكيف البطل مع الحياة وحيداً، لكن الوضع يتبدل والأمل يتجدد حين يجد لوحاً كبيراً ألقت به الأمواج نحو الجزيرة، وحينها يقرر بدء رحلة العودة، تلك الرحلة التي تكشف له الواقع المرير الذي ينتظره.
فيلم Life Of Pi هو فيلم مغامرات بالدرجة الأولى، لكنه -أيضاً- يحمل أبعادا فلسفية، فهو يعرض إمكانية نشوء تواصل مع جنسٍ آخر من المخلوقات، وخاصة المفترسة منها. تدور أحداث الفيلم حول شاب ينشأ في أسرة هندية تمتلك حديقة حيوانات، تقرر السفر ومغادرة الهند عبر المحيط، لكنّ عاصفة هوجاء تعصف بهم وتلقي بحمولة السفينة التي تغرق ولا ينجو منها إلا بطل الفيلم، الذي اكتشف أنه ليس وحده الناجي، بل وجد معه في القارب الصغير بعض الحيوانات، منها نمرٌ مفترس، سرعان ما أصبح صديقه، وسمّاهُ ريتشارد.
عُرض الفيلم في 2012، وهو مبني على رواية4 مشهورة تحمل نفس الاسم نشرت عام 2001، حاز الفيلم على 4 جوائز أوسكار، منها جائزة أفضل إنجاز في المؤثرات البصرية، حيث قدم الفيلم مشاهد قوية لا تكاد تختلف عن الحقيقة، لحياة الشاب على متن القارب وصراعه مع النمر المفترس لأجل البقاء والنجاة.
الجوع قد يغير كل شيء تعرفه عن نفسك
تلك كانت إحدى العبارات التي قالها الشاب باي أثناء تلقيه دروس الحياة في عرض البحر، وعبر تلك الرحلة التي تعرض لك مشاهد ساحرة لجمال البحر والسماء، يتعلم باي الكثير ويتعلم كيف ينجو بحياته، وكيف يتواصل مع النمر الذي يصبح صديقه ويصبح أحد أسباب بقائه على قيد الحياة طوال تلك الفترة.
يحكي فيلم 127 Hours قصة شاب يحب الانطلاق لوحده في البراري، يجد متعة الحياة في التجول والمغامرة بدراجته الصغيرة، ينطلق في كل فرصة تتاح له كي يعانق الطبيعة، لكن في تلك المرة الأخيرة، كانت هنالك مفاجأة بانتظاره، إنها صخرة تسقط من على منحدر فتعلق يده بينها وبين الجدار الجبلي، تمضي الساعات وهو عالق، تمر ذكريات حياته وهو واقف على قدميه يكافح من أجل البقاء، يحاول بشتى الوسائل، لكن دون جدوى، يعيش المُشاهِد مع الفيلم رحلة استثنائية، ويعيش مع بطل الفيلم تفاصيل حياته الدقيقة.
رُشِّح الفيلم لستة جوائز أوسكار، وهو من بطولة الفنان جيمس فرانكو بطل أفلام الرجل العنكبوت. الفيلم مبني على كتاب بعنوان بين المطرقة والسندان5 والذي يحكي التجربة التي خاضها رالستون Ralston عندما علقت يده بواسطة صخرة كبيرة في صحراء يوتا وسط أميركا، ومحاولاته للنجاة من ذلك الوضع، وكذلك بعض طفولته التي عرضها الفيلم أيضاً على شكل ذكريات عابرة تمر عليه وعلى المُشاهِد على حدٍّ سواء.
في فيلم Never Cry Wolf عالم أحياء يتسم بالبساطة، يتم إرساله إلى منطقة متجمدة في البراري الكندية من أجل دراسة ظاهرة انقراض حيوانات الأيائل، كان يُعتَقد أن الذئاب هي السبب في ذلك، لكنه يكتشف غير ذلك، بل يتعدى الأمر إلى تكوين علاقة تواصل غير منطوقة بينه وبين بعض الذئاب، الفيلم مليء بالمناظر الخلابة من تلك البلاد الباردة، إنه فيلم يعيد العلاقة الحميمة بين الإنسان والطبيعة، وهو مبني على كتاب نُشِر عام 1963 يتحدث فيه مؤلفه عن تجربته للعيش في المنطقة القطبية الشمالية أركتيك Arctic خلال عامي 1948 و1949.
يبدأ الفيلم بمشهد الطائرة المهترئة التي تُوصِل الباحث إلى موقع التخييم وتتركه وحيداً في محيطٍ متجمد، وبمشاعر الخوف والرهبة يبدأ الباحث مشوراه ويواجه الكثير من المتاعب أثناء محاولاته التكيف مع البيئة، يتحسن الوضع مع دخول فصل الصيف يبدأ الذئب الأبيض بالظهور فيبدأ بالاهتمام بتفاصيل حياته، ثم يتطور الأمر إلى علاقة حميمة بينه وبين الذئب، لكن الأحداث تتطور والنهايات السعيدة لا تحدث دائماً.
فيلم Into The Forest من إنتاجٍ كندي، مبني على رواية6 نشرت عام 1996 وتحمل نفس الاسم، وتتمحور القصة حول أسرة مكونة من أب وفتاتين يعيشون في الغابة بشكل شبه منعزل، تحدث زيارات إلى أقرب مدينة بين الفينة والأخرى للتزود ببعض الحاجيات، وعلى عكس بعض الأفلام والقصص الأخرى، هذه الأسرة تعيش حياة عصرية داخل المنزل المتصل بالإنترنت، فالأجهزة الذكية تملأ المنزل ولا يمكن الاستغناء عنها، لكن المشاكل تبدأ حين يحصل انقطاع دائم للتيار الكهربائي.
بعد قليل من المشاهدة تكتشف أنه فيلم من نوع سيناريو نهاية العالم مع قليلٍ من الرعب، حيث تكتشف الأسرة أن المدينة أصبحت فوضى عند زيارتهم لها، وأنه من الواجب الحذر لأن الجريمة تنتشر والأمن قد انفلت، بعدها بقليل يموت الأب ويترك ابنتيه لوحدهما في منزل معزول في الغابة، حينها تبدأ مهمة الكفاح من أجل النجاة، وتدبير أمور الحياة والاعتماد على ما تنتجه الطبيعة من خيرات.
في فيلم The Way طبيب عيون أميركي مشهور وناجح في عمله يقرر الذهاب في رحلة طويلة بين الجبال والوديان، من أجل استعادة جثة ابنه الذي تُوفي في درب ومسار للحج الكاثوليكي في إسبانيا، وفي أثناء الرحلة يتعرف على عدة أشخاص لهم أسبابهم الخاصة للمضي في نفس الطريق، تتبدل غاية الأب من هذه الرحلة مع الأيام وتبدأ رحلته الروحية الحقيقية لاكتشاف الذات والانسجام مع الطبيعة، فقد كانت فرصة ثمينة تمثلت في الابتعاد عن الحياة المادية الجافة، وأتاحت له الفرصة لتوقيف عجلة الحياة قليلاً والتفكير في حياته ومساره.
الفيلم7 مبني على كتاب نُشِر عام 1994 ويحمل اسم أوف ذا رود Off the Road، وقد قام بدور البطولة في الفيلم الأب الباحث عن بقايا ابنه الممثل مارتين شين Martin Sheen، وعبر ساعتين كاملتين يأخذنا الفيلم في رحلة عبر براري إسبانيا الشاسعة ووديانها الواسعة.
يصور فيلم The Edge صراع الحيوان والإنسان في ذات الوقت، إنها قصة ثري تتحطم طائرته التي كانت تقله وسط البرية مع شخصين آخرين، حيث لم يتبق لهم إلا بعضهم البعض، إلا أن المشكلة تبرز حينما تختفي الثقة، فالرجل الثري يظن أن الطيار يسعى لقتله، لكن الأحداث تعرض استمرار الصراع بينهم من أجل البقاء، ومن أجل النجاة من فكي الدب المفترس الذي يلاحقهم باستمرار.
رغم أن تصنيف الفيلم الأساسي هو مغامرة وأكشن إلا أنه فيلم درامي كذلك، فهو يحتوي على مجموعة من الحوارات القوية والأحداث المشوقة، وهو من بطولة الممثل صاحب الأداء المتميز أنطوني هوبكينس Anthony Hopkins بطل فيلم الرعب المشهور صمت الحملان. | https://www.aljazeera.net/arts/2017/6/5/%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d8%a9-%d8%a3%d9%81%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%85%d8%b4%d9%88%d9%82%d8%a9-%d8%aa%d8%b9%d9%8a%d8%b4-%d9%85%d8%b9%d9%87%d8%a7-%d9%81%d9%8a-%d8%a3%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d9%86 | 2017-06-05T13:29:28 | 2024-07-02T09:06:47 | أبعاد |
|
198 | لا تُؤجّل قراءة هذا التقرير إلى وقتٍ لاحق إليك نصائح علم النفس للتغلّب على عادة التسويف | يحدث أن نقع في تلك الدوامة التي تبدأ بإقناع النفس بإمكانية التأجيل. لكن النتيجة هي ضياع الوقت وعدم إنجاز المهام، وقد لا يؤدي هذا الأمر إلى الفشل والتأخر فقط وإنما غالبا ما تصاحبه دوامة نفسية غير صحية! | لماذا لا تقرأ تقرير التسويف غدا؟ قد يقفز هذا السؤال لرأسك بعد قراءة أسطر قليلة على اعتبار أنك لست مضطّرا إلى إلزام نفسك اليوم بإتمام بقية المحتوى ما دمت تمتلك إمكانية العودة إليه متى أردت. لكن هل تفعل ذلك حقا؟
بعيدا عن الإجابة المباشرة عن سؤالنا أعلاه، فإن مشكلة التسويف وتأجيل المهام والتشتّت عنها تعدُّ واحدة من أهمّ العادات السلوكية التي يُعاني منها النّاس في حياتهم اليومية. بحسب عالم النفس ويليام كناوس1، يُعرّف التسويف بأنّه الانشغال والتشتّت الذي يسبق القيام بالمهام الرئيسة المُراد إنجازها، وإقناع النفس بإمكانية تأجيل إنجازها إلى وقتٍ لاحق، ما يؤدّي إلى ضياع الوقت وعدم إنجاز المهام عن طريق مواصلة تأجيلها وتأخيرها لوقتٍ لاحق.
مشكلة التسويف أنّه يرتبط عادة بمشاعر سلبية بعد إدراك حدوثه، مثل التوتّر النفسي، والشعور بالذنب، والقلق بشكل رئيس2، وحين يتكرّر التسويف في المَهام الدراسية أو الوظيفية، فإنّه يؤدّي إلى الفشل، أو تدنّي درجات التقييم التي يحصل عليها الفرد، وربما التعرض للتوبيخ على أقل تقدير، ومن ثَم قد تقود هذه الدوامة إلى الإصابة بالاكتئاب نتيجةً للفشل المتواصل.
ولا يقتصر التسويف على عدم فعل أيّ شيء يُذكَر أو القيام بأنشطة ذات طابع ترفيهي، إذ يأتي التسويف أحيانا على هيئة الانهماك بأنشطة أخرى ليست ذات أولوية، مثل ترتيب الملابس في الخزانة أو تنظيف المنزل. فالأنشطة التسويفية تتبدّل بحسب الظرف والسياق الذي نكون فيه، ففي الوقت المُخصّص لقراءة الدروس تكون مشاهدة المسلسلات نشاطا تسويفيا، لكنّ نشاط القراءة نفسه قد يكون نشاطا تسويفيا في سياقٍ آخر، أي إذا لجأ الفرد لقراءة كتب حُرّة في حين أنه لم يُتمم دراسة محتوى امتحان الغد. وبشكلٍ عام، يكون النشاط الذي نقوم به تسويفا إذا كان
لا يحدث التسويف بشكلٍ عشوائيّ أو عفويّ. في الحقيقة، نحنُ نسوّف أحد الأنواع الآتية من المَهام
يُعدّ التسويف أحد السلوكيات التي يقوم بها الأفراد لتجنّب الانخراط بالنشاط الأساسيّ الذي يتسبّب بالخوف أو القلق، فهو طريقة سلوكية للهرب من مصدر القلق. لذلك، فإن الأنشطة ذات الأهمّية الكبرى عادة ما يرافقها الخوف من الفشل3 باعتباره الدافع الحقيقي وراء الهروب منها، مثل أن يطلب منكَ مديركَ في العمل أن تحضّر له تقريرا أو بحثا نهاية الأسبوع ليعرضه في اجتماع مهم سيحدّد مصير الشركة في الحصول على الصفقة من عدمه.
من جهةٍ أخرى، يقوم نظامنا السلوكيّ على نظام المكافأة والعقاب الدماغيّ4، وهو النظام الذي يحفّزنا لفعل النشاطات اليومية أو يمنعنا من الانخراط في أنشطة أخرى. بشكلٍ عام، حين نقوم بإنجازٍ ما، مهما كان بسيطا، فإنّ جهازنا الإدراكي يكافئنا عبر إفراز هرمونات تجعلنا أكثر سعادة ورضى. وهكذا كلّما أنجزتَ إحدى المهام اليومية مثل تنظيف المنزل، أو أداء فروضك المدرسية، إنجاز تقرير الوظيفة، فإنّ عقلكَ يمنحكَ جرعة من اللذة مكافأةً على جهودك ولتحفيزكَ على المزيد من الإنجاز في المرات المقبلة.
لكن ما علاقة هذا بالتسويف؟ كان الإنسان في الماضي يقوم بمهام مباشرة يدوية يرى أثرها المباشر ويرى قيمة إنجازه على أرض الواقع. هذا كان يحدث بالزراعة مثلا، فحين تزرع وتحصد، وترى مقدار ما أنجزته من أرضِك، ومثله على مستوى الحِرفة والصناعة، فأنتَ تبذل جهدا لصناعة أداة لاستخدامها أو بيعها وترى إنجازكَ أمامَك، فيمنحكَ دماغك الشعور بالرضا والسعادة والإنجاز.
أمّا اليوم، فيغلب على المهام الطابع غير المرئي، إذ يقوم جزء كبير من النّاس اليوم بوظائفهم ضمن نظام مكتبي أو تقني على أجهزة الحاسوب، أو في منازلهم عن بُعد، وغالبا ما تكون المَهام مرتبطة بمشاريع طويلة المَدى، ورؤية تحقّق المنجزات على أرض الواقع أو الانتهاء الكامل منها مسألة تستغرق أشهرا أو سنوات عدّة. وهكذا فإنّ نظامَك الإدراكي لا يرى فيما تفعله قيمة تُذكَر على المستوى اليوميّ، فلا يفرز أيّ نواقل عصبية أو هرمونات لتحفيز مراكز الرضا والسعادة واللذّة. لذلك، قد يشعر معظم النّاس بعدم الرضا في وظائفهم وعدم الحافزية لتقديم المزيد.
بناء على ما سبق، فإنّ النّاس يُسوِّفون وينشغلون بالكثير من الأنشطة الصغيرة التي تُوفِّر لذّة لحظية وآنية وسريعة التحقيق، أي أنّنا نُعجِّل من إفراز هرمون الدوبامين بجرعات ضئيلة ومحدودة عبر الانهماك بأنشطة غير مهمّة لكنّها تعود علينا بالشعور بالإنجاز، حتى إن كان إنجازا زائفا. يرتبط هذا بتحوّل أساسي في طبيعة أنماط المَعيشة الحديثة المتمركزة حول الاستهلاك واللهث حول ما هو مادي وآني، فالانهماك بكتابة منشور أو تعليق على مواقع التواصل الاجتماعيّ، أو مشاهدة حلقة من مسلسلك الذي تُحبّ، والّلعب للفوز على هاتفك الذكيّ، كلّ هذه السلوكيات تحقّق شعور اللذّة اللحظية، بديلا عن الانهماك بالأنشطة الكبرى والمهمة وذات الأولوية والتي ستطول لحظةُ تحقّقِ مُتعةِ إنجازها وعائدها التلذّذي.
في البداية، لا تقرأ شيئا، لا تكتب، لا تمسك بهاتفك، لا تفتح التلفاز، فقط اجلس لتفكّر في نفسك، بعيدا عن ضغوطات الإنجاز وبعيدا عن مشتّتات المقارنة بالآخرين التي تخلقها منصّات التواصل الاجتماعي.5 تشير الدراسات6 إلى أن كسر حاجز الأفعال التلقائية يتطلّب الجلوس للتأمّل دون الانخراط بأداء أي نشاط آخر لعشر دقائق أو خمس عشرة دقيقة، مهما بدا بسيطا، عبر ذلك تتلاشى تلقائيا حافزية العادات التلقائية وغير الواعية لصالح الأفعال الواعية.7
تكمن المشكلة الأساسية بالسلوكيات المُعتادة العادات، إذ يبدأ الإنسان بممارسة العادات دون وَعيٍ منه، وبطريقة تخضع للعقل التلقائي القيادة الآلية. إنّك تجدُ نفسك تقوم بكثير من الأمور التلقائية، مثل أن تتناول هاتفك وتبدأ بالتصفّح العشوائي، أو أن تشاهد فيلما أو مسلسلا.
تتسبّب المَهام الكبيرة والصعبة بالشعور بالضياع أو العجز خلال أدائها وقبله، لأنّها تبدو كما لو أنّها مساحة غير محدودة وغير قابلة للإنجاز من شدّة ضخامتها. من هنا، تأتي ضرورة تقسيم المهمة الكبيرة إلى أنشطة صغيرة قابلة للتنفيذ، فبدل الشعور بأنّك في مواجهة بحث مُخيف وصعب، فأنتَ ستقسّمه إلى مهمّات صغيرة، مثل قراءة المقال الأوّل، تحليل المقال الأول وتلخيصه، إعادة كتابة التلخيص بعباراتي الخاصّة؛ وهكذا ستشعر بأنّك تواجه مهام بسيطة وسهلة في كلّ مرّة. الأمر الأهم هو ألا تقوم من جلستك حتّى تنتهي من تلك المهام، وأن تضع علامة ترمز لانتهائكَ منها، وبذلك ستشعر بالإنجاز، وأفضل طريقة لذلك هو استخدام قائمة التحقّق من المهام Checklist.
تتأسّس هذه الخطوة على إدراك واقعي بأنّ إنجاز المهام في الغالب يحتاج إلى أكثر من جلسة واحدة متواصلة، هذا يعني أن نكون واعين بأنّ كلّ جلسة لها حدودها على مستوى الإنجاز، وأنّ بعض المهمّات ستتطلّب العديد من الجلسات والأنشطة. وإحدى الفلسفات الإدارية المُتّبعة في ذلك هو أن تُحدّد وقتا للدخول بنشاط لإنجاز المهمّة ووقتا للانتهاء من الجلسة وأخذ قسط من الراحة تحدّده مُسبقا، إذ لا يجب أن تكون الأنشطة الترفيهية دخيلة أو غير مُقرّرة مُسبقا أو غير مشروطة بنافذة زمنية؛ لكي لا تستبيح الوقت المخصّص للنشاط الرئيس.
أحد الأساليب الشهيرة لتقليل التسويف وزيادة الإنتاجية هو تقنية بومودورو الطماطم-The Pomodoro Technique، والتي تعني أن تُقسِّم الانشغال بأيّ نشاط إلى جلسات من 25 دقيقة لكلّ جلسة تقوم فيها بأداء المهمة المطلوبة دراسة، عمل، ومن ثَم أخذ 5 دقائق راحة، والعودة لجلسة من 25 دقيقة، وبعد أربع جلسات 25 دقيقة لكل جلسة تقوم بأخذ استراحة ذات فترة زمنية أكبر وأكثر ترفيها.8
تظلّ المَهام العالقة من مساحاتٍ أخرى في حياتك كما لو أنّها عِبء يقع على أكتافك، يُطاردك أينما ذهبت، ويحرمُكَ لذّة التمتّع باللحظة الحالية، وستشعر في كثير من الأحيان بضغط وهموم لا تعرف مصدرها، لكنّك حين تبحث جيدا، ستعرف أنّك تتجاهل القيام بالكثير من المَهام الأخرى المطلوبة منك، سواء أكانت على المستوى الاجتماعيّ أو الدراسيّ أو المِهنيّ أو العائلي، وحين تتجاهل إحدى المهام فإنّ ثقلها يلاحقك إلى المساحات الأخرى، لذلك سيكون من الجيّد دائما أن تتخلّص أوّلا بأوّل من كلّ مهمّة في وقتها، وإلّا ستكون عبئا على مهام أخرى لا علاقة لها بها.9
عند أداء المهام الأساسية أو الكبرى ذات الأولوية، ستجد كثيرا من المُغرَيات المُشتّتة، وقد تبدو هذه المُشتّتات كما لو أنّها أشياء ضرورية وذات فائدة، وهي قد تكون بالفعل كذلك، لكنّها ليست أولويتك بالوقت الحالي، وقد تستدعي حينها إحدى المهام المؤجلة لتشغلك عن أداء ما تقوم به الآن.
لذلك، لا تستهلك الوقت المُخصّص لأداء النشاط الرئيس في إنجاز مَهام أخرى. ولكي تستبدل جاذبية اللذّة اللحظية التي تمنحكَ إيّاها المشتّتات الأخرى، تعلّم أن تُكافئ نفسك عند إنجاز شيء ما يخصّ المهمّة الرئيسة والكبرى، أي بعد إنجاز كلّ مهمّة جزئية، ولا تنسَ أن تجعل وقت المكافأة والترفيه محدودا زمنيا، تعرف وقت دخوله ووقت الانتهاء منه.
أُجريت أبحاث عدّة لدراسة العلاقة بين الانفعال والاستثارة وبين الأداء والإنجاز، والتي كان أبرزها قانون يركيس دودسن 10Yerkes-Dodson، الذي يتلخّص بأنّ الأداء يزداد بوجود استثارة شعورية ما، مثل الحماس أو الرغبة أو التوتّر، ولكن إلى حدّ مُعيّن فقط، فزيادة الشعور بالحماس أو التوتّر بعد نقطة معيّنة يُؤدّي إلى تعطيل الأداء وإلى تقليل الإنجاز، لذلك فإن أفضل مستويات الأداء تكون عند حالة شعورية متوسّطة من الحماس أو الشعور المقبول بالضغوطات، وليس انعدام الشعور ولا كثرته بطريقة تفوق الحدّ الطبيعيّ.
تُضاف هذه التقنية إلى المتصفّح الذي تستخدمه، بحيث تُتيح لكَ تطبيق تقنية بومودورو، لتركيز الإنجاز وتحديد أوقات الأنشطة الترفيهية 25 دقيقة إنجاز مهام العملالدراسة 5 دقائق راحة بعد إضافتها ستتمكن من تفعيلها في أيّ وقت ليبدأ العدّ التنازلي لـ 25 دقيقة، وهكذا في كلّ مرّة.
عند إضافة هذه التقنية إلى متصفّحك، وتفعيلها، سيقوم طائر البوم بتقليص الوقت المتاح لكَ لزيارة مواقع مُعيّنة تختارها أنتَ مُسبقًا، مثل Netflix, Twitter.. وغيرها من المواقع التي تزيد من تشتيتك، ومن ثمّ سيقوم بإغلاق الموقع تلقائيًا بعد أن يكون قد سمح لكَ بتصفّحه لوقت محدود.
يُمكّنك هذا الموقع من صناعة قائمة مهام جُزئية Checklist للمَهام التي تودّ إنجازها سواء أكانت دراسية أو مهنية أو شخصية، بحيث ستتمكّن من تقسيم المَهام الرئيسية إلى مهام فرعية وبالتالي بإمكانك تتبّع ما تبقّى من مَهام وما قمت بإنجازه مُسبَقًا، كما يُمكِنكَ تحميله كتطبيق على هاتفك الذكيّ.
تُشير إحدى الدراسات إلى فاعلية هذا التطبيق بتقليص فترات التسويف، من خلال ممارسة التأمّل المنتظم وتفريغ الذهن والتخلّص من القلق والتوتّر المتراكم وتصفية الذهن، وهو ينتمي إلى مجموعة التطبيقات المبنية على فكرة التأمّل العلاجي، ولكيّ تتحقّق نتائج هذا التطبيق لا بدّ من ممارسة التأمّل بشكلٍ منتظم يوميًا ولو لدقائق بسيطة.
تطبيق تفريغ الذهن من المَهام العالقة من خلال إخراجها وتمثيلها بشكل مَرئي لكي تستطيع رؤيتها وتذكّرها، بدلًا من أن تظلّ عالقة وأنتَ تشعر بالقلق خوفًا من نسيانها أو من كثرة تراكم المُدخلات والمَهام.
المُدوّن الشهير تيم آربان Tim Urban صاحب مدوّنة مهلًا ولكنّ لماذا؟، يروي قصّة معاناته مع عادة التسويف، وكيف تغلّب عليها، في خطاب مشوّق وممتع على تيد Ted Talk.
كتاب التسويف، لماذا تفعل هذا، وماذا تفعل حياله الآن يُساعدك على فهم كيفية حدوث التسويف داخل الدماغ، ويُقدِّم لك برنامج علاجي عملي للتطبيق للتخلّص من التسويف والمماطلة، وضعه متخصّصون في علم النفس والتقويم السلوكي. غير مترجم.
_______________________________________________________________
المصادر | https://www.aljazeera.net/sukoon/2021/9/12/%d9%84%d8%a7-%d8%aa%d9%8f%d8%a4%d8%ac%d9%91%d9%84-%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%87%d8%b0%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%82%d8%b1%d9%8a%d8%b1-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d9%88%d9%82%d8%aa%d9%8d | null | 2024-05-27T12:13:00 | أبعاد |
|
199 | حرب الأسماك تشعل صراع المياه الرمادية بين الصين وأميركا | هل نشهد قريبًا حروبًا واسعة بسبب الصراع على الثروة السمكية؟ وكيف تستغل دول مثل الصين أساطيل صيد الأسماك في فرض سيطرتها على المياه العميقة؟ وهل هناك أهداف عسكرية لأساطيل الثروة السمكية في عالم اليوم؟ | منذ قديم الزمان، اعتمد البشر على البحر مصدرًا أساسيًّا للغذاء، ومنذ أن عرفوا مهنة الصيد نشبت بينهم صراعات على الثروات البحرية. وفي العصر الحديث، تزداد احتمالات تحول الصراعات على حقوق الصيد إلى نزاعات مسلحة بين الدول، ويرجع ذلك إلى حقيقة أن الثروة البحرية من الموارد الطبيعية المحدودة، وهي توفر الغذاء لمليارات البشر، حيث تشكل الأغذية البحرية ما يقرب من خُمس الاستهلاك العالمي من البروتين الحيواني، كما أن منتجاتها تعدّ من السلع الغذائية الأكثر تداولًا في العالم.
في غضون ذلك، تشكل مصايد الأسماك مصدرًا أساسيًّا للموارد الاقتصادية في العديد من البلدان، لكنها تواجه تحديات ضخمة بسبب ممارسات الصيد الجائر وتغير المناخ الذي يسبب تحولات مستمرة في توزيع الثروة السمكية. وتشير دراسة صدرت عام 2022 حول هجرة الأسماك بسبب المناخ، إلى أن 23 من الثروة السمكية الموجودة في المياه الإقليمية للدول سوف تتحرك من أماكنها بحلول عام 2030، ومع نهاية هذا القرن قد تصل هذه النسبة إلى 45.
يعني ذلك أن العديد من دول العالم، ومنها بعض الدول الكبرى ذات الكثافة السكانية العالية سوف تسخر جهودها لمطاردة الأسماك في أعالي البحار من أجل تأمين الغذاء لشعوبها، وإنعاش اقتصاداتها، ومنها الصين التي تمتلك أحد أكبر أساطيل صيد الأسماك في العالم. ويهدد هذا النوع من المطاردة بنشوب صراعات مسلحة بحرية حول المياه المتنازع عليها في العديد من المناطق، ومع هيمنة الولايات المتحدة على أعالي البحار، ليس من المستبعد أن نشهد صراعا بحريا واسعا بين اثنتين أو أكثر من القوى العظمى.
وإذا حدث ذلك، فلن تكون هذه هي المرة الأولى التي تنشب فيها صراعات بحرية بسبب الثورة السمكية. فخلال فترة ما بين الحرب العالمية الثانية وانهيار الاتحاد السوفياتي مطلع التسعينيات، نشب نحو ربع الصراعات العسكرية البحرية بين الدول حول مصايد الأسماك، وتظهر بيانات العقود الأربعة الماضية أنه بدلًا من أن تتراجع هذه الصراعات، فإنها ازدادت بمقدار 20 ضعفًا. يقودنا هذا إلى طرح بعض الأسئلة المُلحَّة مثل هل نشهد قريبًا حروبًا واسعة بسبب الصراع على الثروة السمكية؟ وكيف تستغل دول مثل الصين أساطيل صيد الأسماك في فرض سيطرتها على المياه العميقة؟ وهل هناك أهداف عسكرية لأساطيل الثروة السمكية في عالم اليوم؟
في فبرايرشباط عام 2022، ذكر تقرير وثائقي من قناة ناشونال جيوغرافيك، أن نحو 30 من كافة أشكال الغذاء البحري في الولايات المتحدة يجري صيدها بصورة غير قانونية من جانب قراصنة صيد الأسماك. وأبرز التقرير الاستقصائي كيفية تحول الصيد البحري غير القانوني إلى سوق سوداء بمليارات الدولارات؛ مما يزيد من حدة الضغط على المنظومات البيئية في المحيطات، التي تعاني أصلًا من ضغوط شديدة نتيجة لارتفاع عمليات الصيد القانونية.
في مختلف أنحاء العالم، تتعرض العديد من أنواع الأسماك الطبيعية المهاجرة، مثل أسماك التونة، وكذلك الأنواع الأخرى القليلة الترحال لظاهرة الصيد الجائر، الذي يستهدف اليوم قرابة ثلث مخزونات العالم من الأسماك؛ مما يهدد بتكاليف بيئية واقتصادية باهظة. وتعد الصين تحديدا هدفا لنيران الانتقادات الغربية في هذا الصدد، حيث تتهم بأن أسطولها هو الأكثر ارتكابا لعمليات الصيد غير القانونية في العالم، فضلا عن استخدام تكتيكات الصيد الممنوعة؛ مما ساهم في وصول بعض أنواع الأسماك إلى حافة الانقراض.
لكن ليست السفن الصينية وحدها هي التي تلجأ إلى الصيد غير القانوني في المحيطات، فمثلا وجد تقرير صادر في مايوأيار الماضي عن مؤسسة بلو مارين، وهي مؤسسة بريطانية معنية بالحفاظ على المحيطات، أن سفن صيد أسماك التونة التي ترفع العلمين الفرنسي والإسباني تغلق أجهزتها للتتبع وهي تصطاد في المحيط الهندي، وذلك رغم عدم قانونية هذا الفعل. ويشير التقرير إلى أن السفن التي تغلق أجهزة التتبع بصورة منتظمة تحاول غالبًا تجنب اكتشافها عندما تشارك في أنشطة الصيد غير القانونية.
قانونيًّا، تُعدّ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، الصادرة عام 1982، هي الوثيقة التأسيسية لكافة الاستحقاقات الإقليمية البحرية، وقد صادقت عليها أكثر من 150 دولة في العالم. ووفقا للاتفاقية، يحق لأي دولة أن تستحوذ حصريا على أي مورد بحري -بما في ذلك الأسماك- ضمن مسافة 200 ميل بحري من حدود اليابسة التي تخضع لسيطرتها، ويُطلق على تلك المساحات البحرية اسم المناطق الاقتصادية الحصرية exclusive economic zones أو EZZ.
تتولى كل دولة مسؤولية إدارة مصايد الأسماك الخاصة بها داخل منطقتها الاقتصادية الحصرية. ولكن خارج هذه المنطقة الحصرية، فإن مسؤولية إدارة الصيد والأنشطة في أعالي البحار تقع على عاتق أكثر من 20 هيئة دولية وإقليمية، تتنوع اختصاصاتها ومواردها بدرجات متفاوتة.
لكن هذه الهيئات ليست كافية لمنع اندلاع العديد من النزاعات البحرية في العالم للسيطرة على موارد المياه العميقة، ومنها بعض النزاعات التاريخية التي تحولت في بعض الأوقات إلى شكل من أشكال الصراعات المسلحة بين الدول. مثلا في منتصف القرن العشرين، تحديدا بين الخمسينيات والسبعينيات، خاضت بريطانيا وآيسلندا حربًا جراء حقوق صيد الأسماك اشتهرت باسم حروب سمك القد.
في الوقت الراهن، هناك العديد من المناطق بالعالم مهددة بنشوب صراعات مماثلة، في مقدمتها منطقة القرن الأفريقي التي تعد من أغنى مناطق الصيد وأكثرها ربحية في العالم، فعلى امتداد ساحل الصومال الذي يبلغ طوله 3,300 كيلومتر، والمُعلن منطقة اقتصادية حصرية منذ عام 1972، تمكن الصيادون المحليون من صيد نحو 6 آلاف طن متري من الأسماك خلال عام 2022 وحده.
وقد شهدت المنطقة ارتفاعا في حدة التوترات والصراعات بين الصيادين الأجانب وبين مجتمعات الصيد المحلية التي تعتمد بالأساس على الأسماك. ووفقًا لمبادرة مستقبل المحيطات Oceans Futures فإن انخفاض مخزون الثروة السمكية بسبب تغير المناخ، إضافة إلى المنافسة الشديدة على الصيد دون ضوابط، يضع القرن الأفريقي في أعلى درجات الخطورة للنزاعات المستقبلية على مصايد الأسماك.
لكن منطقة القرن الأفريقي ليست الوحيدة التي يلوح بها خطر نزاعات الصيد في الأفق، إذ تحدد المبادرة أكثر من 20 نقطة مرتفعة الخطورة لنزاعات الأسماك، ومنها القطب الشمالي وساحل الإكوادور وغرب وسط المحيط الهادئ وغرب أفريقيا وشرق البحر الأبيض المتوسط والأهم بحر جنوب الصين الذي يعد ساحة مرشحة لنشوب صراع بحري محتدم تقع مصايد الأسماك في القلب منه.
في نهاية شهر أغسطسآب الماضي، ذكرت الصين أن زورقا فلبينيا اصطدم عمدا بسفينة تابعة لخفر السواحل الصيني قرب منطقة شعاب مرجانية متنازع عليها في بحر جنوب الصين تعرف باسم سابينا، تبعد نحو 140 كيلومترا عن السواحل الفلبينية و1200 كيلومتر من جزيرة هاينان الصينية، في واقعة هي الأخيرة ضمن سلسلة حوادث مماثلة في الفترة الأخيرة. وترى مانيلا أن المنطقة المذكورة تقع ضمن نطاق مناطقها الاقتصادية الخالصة، وتطالب بكين بالسيادة الكاملة على بحر جنوب الصين بما في ذلك المياه والجزر القريبة من سواحل عدد من الدول المجاورة.
تعد بحار جنوب وشرق الصين اليوم هي أكثر المناطق المائية التهابا في العالم، وتسير الصين فيها دوريات بحرية مستمرة بجانب حملتها المستمرة لإقامة جزر اصطناعية وعسكرتها لفرض نفوذها البحري في المنطقة. ويعد بحر جنوب الصين تحديدا أحد أهم الممرات المائية العالمية من الناحية الإستراتيجية والاقتصادية، فهو معبر لنحو ثلث الشحن البحري عالميا، وتعتمد عليه الصين في وارداتها من الطاقة وصادراتها الواسعة. وهناك 6 دول تطل على البحر، هي الصين وفيتنام والفلبين وتايوان وماليزيا وبروناي، وتتنازع هذه الدول السيادة على أجزاء منه، ويتصاعد منذ فترة طويلة التوتر حول هذه السيادة بصورة متواصلة.
تمثّل سفن الصيد البحري السبيل الأمثل للصين -وغيرها- لإثبات الوجود وتثبيت الحقوق في هذا النزاع البحري، دون الحاجة إلى استفزاز رد عسكري من الخصوم، لأن هذه السفن -من الناحية النظرية- هي سفن غير حكومية؛ مما يمنح الدولة التي تنتمي إليها إمكانية إنكار وجودها أو أفعالها، كما أنها غير مسلحة.
وفضلا عن ذلك، فهي رخيصة الثمن مقارنة بالسفن العسكرية التابعة للقوات البحرية أو خفر السواحل، وتملك أيضًا قدرة أكبر على الحركة والانتشار في مناطق ومساحات بحرية أوسع مقارنة بالمنشآت الثابتة مثل منصات استخراج النفط أو الجزر الاصطناعية. وعلى صعيد الفوائد المباشرة، يخدم أسطول الصيد الواسع هدف الصين للحفاظ على تصدّرها منتجي الأغذية البحرية في العالم بحصة 71 مليون طن متري عام 2023، بزيادة 3.5 على عام 2022.
تعد هذه التحركات جزءا من خطة صينية أوسع لاستعادة الأمجاد القديمة في عالم البحار. في كتابها حين حكمت الصين البحار، تشير الكاتبة الأميركية لويز ليفاثيس Louise Levathes إلى أنه قبل عصر كريستوفر كولومبوس بمئة عام تقريبًا، فرضت الإمبراطورية الصينية هيمنتها على عالم البحار. ففي القرن الخامس عشر، أرسل إمبراطور الصين أسطولًا من سفن الكنز يضم سفنا حربية وسفنا لنقل الخيول بجانب السفن التجارية التي حملت الحرير والخزف في رحلة حول المحيط الهندي.
كانت تلك السفن من أضخم السفن الخشبية على الإطلاق، وتميزت بابتكارات غير مسبوقة وقتها مثل دفّاتها المتوازنة ومقصوراتها المحصنة التي سبقت التكنولوجيا الأوروبية بقرون. لم يتفوق أحد على حجم هذا الأسطول حتى نشوب الحرب العالمية الأولى، ولكن خلال عهد أسرة مينغ الحاكمة أدى الاضطراب السياسي إلى تراجع الصين وتوجهها نحو الانعزال، وبحلول منتصف القرن السادس عشر، أصبح الإبحار على متن سفينة متعددة الصواري جريمة، وفقدت الصين هيمنتها في عالم البحار.
بعد ذلك بفترة طويلة خلال القرن العشرين، هيمن الاتحاد السوفياتي واليابان وإسبانيا على الصيد في أعالي البحار. ولكن تسبب انهيار الاتحاد السوفياتي وتزايد اللوائح البيئية والعمالية في تراجع تلك الأساطيل البحرية. ومنذ ستينيات القرن الماضي، شهدت سفن الصيد تطورات في تقنيات التبريد، والإبحار عبر الأقمار الاصطناعية، وكفاءة المحركات والرادار، وأصبح بإمكان السفن قضاء أكثر من عامين في البحر دون العودة إلى اليابسة، ونتيجة لهذا ارتفع الاستهلاك العالمي للأغذية البحرية بخمسة أضعاف.
وبحلول عام 1985، قررت الصين السعي لاستعادة أمجادها القديمة، مدشنة أول أساطيلها الحديثة للصيد في المياه العميقة، وذلك حين أرسلت إحدى الشركات المملوكة للحكومة، وهي شركة مصايد الأسماك الوطنية الصينية، ثلاث عشرة سفينة صيد إلى ساحل غينيا بيساو، ومنذ ذلك التاريخ استثمرت الصين بكثافة في تطوير أسطولها، وخلال أقل من أربعة عقود امتلكت الصين أكبر أسطول صيد للأسماك في المياه العميقة عالميا؛ وأصبحت الشركات الصينية تمتلك أو تدير مرافئ في خمسة وتسعين ميناء خارجيا على الأقل، كما أشار إليه تقرير صحفي استقصائي في مجلة نيويوركر في أكتوبرتشرين الأول العام الماضي 2023.
وتشير تقديرات الصين إلى امتلاكها 2700 سفينة صيد تبحر في المياه العميقة، ولكن هذا الرقم لا يشمل السفن المنتشرة في المياه المتنازع عليها، مثل بحر جنوب الصين. وتشير الوثائق العامة وصور الأقمار الاصطناعية إلى أن حجم الأسطول الصيني يقترب من 6500 سفينة متفاوتة الحجم والقدرات، وللمقارنة، تمتلك الولايات المتحدة أقل من 300 سفينة صيد في المياه العميقة، وهو نفس عدد السفن الذي تملكه دول الاتحاد الأوروبي. تنتشر هذه السفن الصينية ليس فقط في المناطق الاقتصادية الخاصة ببكين، ولكن في المياه الدولية بل -وهو الأهم- في المياه الخاصة بدول أخرى في غرب أفريقيا وأميركا الجنوبية، وقطعا في المياه المتنازع عليها بين بكين وجيرانها.
يخدم هذا الانتشار الواسع لأسطول المياه العميقة هدف الحكومة الصينية لتوسيع نفوذها على الصعيد الدولي. ولكن أبعد من ذلك، تزعم الولايات المتحدة أن الصين هي الدولة الوحيدة التي تعتمد على أسطولها للصيد في المياه العميقة كامتداد لقواتها البحرية العسكرية الرسمية، مما يعني أن أسطول الصين السمكي الواسع هو في الحقيقة أشبه بـأسطول ظل يخدم أيضا أغراض بكين العسكرية.
لإبحار أعمق في هذا الموضوع، تحدثنا في الجزيرة نت مع الدكتور إيان رالبي، وهو أحد الخبراء البارزين في القانون الدولي والأمن البحري، والمؤسس والرئيس التنفيذي لشركة آي آر كونسيليوم I.R. Consilium وهي شركة متخصصة في مجال الأمن البحري. يرى الدكتور أن العديد من الدول تستخدم أساليب متباينة للغاية للتوظيف العسكري للموارد البحرية المدنية، لكن في الصين تحديدا فإن الخط الفاصل بين الأصول المدنية والعسكرية ليس واضحًا تماما.
بعبارة أوضح، تدير بكين مجموعة واسعة من الأصول المدنية التي تُوظف لأغراض عسكرية، وعن ذلك يقول رالبي للجزيرة نت سواءً تحدثنا عن سفن الصيد أو السفن التجارية أو الشركات الخارجية، كلها أصول تحت تصرف الدولة لتستخدمها في إيجاد تأثير إستراتيجي لصالحها.
يدعم هذا النهج مجموعة تشريعات مثل قانون الاستخبارات الوطنية لعام 2017، الذي ينص على أن كل مواطن صيني وكل شركة صينية تساهم في جهود الدولة الاستخبارية، مما يضمن إمكانية تسخير كافة العناصر المجتمعية لأغراض الأمن القومي الصيني. وتطبيقا لهذا الإطار، تدفع الصين بأسطولها إلى المياه المتنازع عليها، إذ تتخفى بعض سفنها في شكل سفن صيد، ولكنها تُكّون فعليًّا ما يُطلق عليه الخبراء المليشيا البحرية، وهي سفن مدنية غير نظامية لكنها في الحقيقة تؤدي مهامّ شبه عسكرية.
وبحسب الأبحاث التي أجراها مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية CSIS، فإن الحكومة الصينية تدفع لمالكي بعض تلك السفن مبلغا يصل إلى 4500 دولار يوميا مقابل وجودها في المياه المتنازع عليها أغلب فترات العام. وتشير بيانات الأقمار الاصطناعية إلى أنه خلال العام الماضي اصطادت عشرات السفن في المياه التايوانية كما دخلت 200 سفينة قطاعات متنازع عليها في بحر جنوب الصين.
تساعد تلك السفن في تنفيذ ما يُعرف بـعمليات المنطقة الرمادية gray zone وهي عملية انتشار تخدم أعراضا عسكرية لكن دون مستوى الحرب أو القتال. كما أنها ترافق سفن التنقيب عن النفط والغاز الصينية، وتسلم الإمدادات، وتعترض السفن التابعة لدول أخرى. وبشكل عام في عمليات المنطقة الرمادية، تستفيد الدول من قوى أو أساليب غير مألوفة في سعيها لتحقيق أهدافها الإستراتيجية دون اللجوء إلى الصدام المسلح، وهو نهج تطلق عليه المصادر الصينية حرب بلا أدخنة مدافع.
تكتيكيا، تسير الأمور وفق النهج التالي تنشر الصين سفنها التي تظهر كسفن صيد عادية تابعة لأسطول المياه العميقة، وتستخدمها لتمارس ضغوطا إقليمية في المياه المتنازع عليها، ومنها بحر جنوب الصين وحول سواحل تايوان. وبحسب الخبراء فإن هذه السفن المنتمية إلى المليشيا البحرية تعد العنصر الأبرز في إستراتيجية بكين لإعادة صياغة المشهد الجيوسياسي في المنطقة، إذ تظهر سفنها ذات الهياكل الزُّرْق باستمرار في المواجهات الإقليمية في بحر جنوب الصين.
مثلا في المنطقة المحيطة بجزر سبراتلي، تدفع بكين لسفن الصيد التجارية أكثر مما يمكن أن تجنيه من عمليات الصيد مقابل أن ترسو هناك مدة 280 يومًا على الأقل في السنة لتدعم مطالبة بكين بالأرخبيل المتنازع عليه مع كل من الفلبين وماليزيا وفيتنام، الذي يشرف على طريق بحري هام ويقع في منطقة غنية بالأسماك ويُعتقد أنها تحتوي على احتياطيات غير مستغلة من الغاز الطبيعي والنفط. وبشكل مماثل، تحتشد قوارب الصيد الصينية في منطقة سكاربورو الضحلة في بحر جنوب الصين في المنطقة الاقتصادية الحصرية للفلبين، وتسلك سلوكا مماثلا في المناطق الاقتصادية الحصرية لإندونيسيا وفيتنام وماليزيا، وإن بشكل أقل كثافة وحدة.
يصف المحللون تلك المليشيا البحرية على أنها قسم ثالث من القوات البحرية الصينية إلى جانب سلاح البحرية وخفر السواحل. لكن الحكومة الصينية تؤكد أن هذا الأسطول لا يتجاوز كونه مجموعة من الصيّادين الوطنيين. ولكن وفقا لمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، يمكن تقسيم المليشيا البحرية إلى فئتين أساسيتين؛ الأولى تشمل السفن المحترفة التي صُنعت لهذا الغرض وتتلقى أموالًا لتمويل أعمالها، أما الفئة الثانية فهي سفن الصيد التجارية التي تستوفي الحد الأدنى من المتطلبات ويجري تجنيدها عبر تقديم الإعانات المالية. والسفن في الفئة الأولى مجهزة بمدافع مائية وهيكل مقوى لعمليات التصادم بالسفن الأخرى، ويُزعم أن بعضها يشمل مخازن للأسلحة الخفيفة.
على المستوى البشري، تتكون المليشيا البحرية من أفراد يعملون في الاقتصاد البحري ويتلقون التدريب من جيش التحرير الشعبي الصيني لأداء مهام تتضمن دوريات مراقبة الحدود، وتنفيذ عمليات الاستطلاع والمراقبة، والنقل البحري، وعمليات البحث والإنقاذ، بجانب المهام المساعدة لدعم العمليات العسكرية البحرية في أوقات الحروب. وفي هذا السياق، يشير الدكتور رالبي إلى تخفّي تلك السفن، التي تُجهز أحيانا بهياكل معززة وطواقم من أفراد يرتدون الزي الرسمي، في هيئة سفن للصيد، ويتيح لها هذا الستار إمكانية التحرك في مناطق متنازع عليها، مثل المناطق الاقتصادية الحصرية للدول الأخرى، دون أن تتعرض للتدقيق أو الرد الفوري الذي قد تتعرض له السفن العسكرية.
يرجِّح بعض المحللين العسكريين الأميركيين أن الصين تستخدم أسطولها لمهام المراقبة والاستطلاع وجمع المعلومات الاستخبارية من خلال منصة لوجستية رقمية تحمل اسم لوجينك Logink، هدفها تعقب حركة السفن والبضائع في المنطقة المحيطة بها، ومنها على الأرجح الشحنات العسكرية الأميركية، لكن الحزب الشيوعي الصيني نفى تلك التخوفات وذكر أنه لا يخفى على أحد أن الولايات المتحدة أصبحت ترتاب كثيرًا في أي شيء يخص الصين.
وعكسًا لذلك أكد رالبي للجزيرة نت أن استخدام البنية التحتية البحرية التجارية لتعزيز الاستخبارات الصينية لم يعد نظرية مؤامرة. بل هو واقع فعلي، وأشار إلى مبادرات مثل شبكة معلومات المحيط الأزرق Blue Ocean Information Network، التي سخّرت بها الصين بنيتها التحتية البحرية المدنية لجمع المعلومات الاستخبارية على نحو مكثف. وتمتد هذه الشبكة عبر العالم، محوّلةً السفن التجارية إلى أجهزة استشعار على امتداد محيطات العالم الشاسعة، ومهمتها جمع البيانات حول حركة الملاحة التجارية البحرية.
ويشير رالبي إلى استفادة الصين من تلك السفن المدنية للحفاظ على وجود مستمر في المناطق الإستراتيجية تحت ستار الأنشطة التجارية؛ مما يتيح لها المراقبة المستمرة وجمع البيانات، وهو أمر بالغ الأهمية للتخطيط والعمليات العسكرية. ويوضح قائلا الاستخدام المكثف لسفن الصيد والسفن التجارية في كافة أنحاء العالم، واشتراط أن تساهم جميعًا في عمليات الاستخبارات، بالنيابة عن الدولة، يعني أن كافة المعلومات تُنقل إلى الحكومة بدءًا من مراقبة جداول قوات خفر السواحل التابعة لحكومات دول أخرى، إلى مراقبة جداول القوات البحرية لتلك الدول، بجانب المعلومات حول من يعملون في ميناء ما، وأي نوع من المعلومات الإضافية التي يمكن جمعها من العمل داخل البحار عبر مصايد الأسماك التجارية أو الشحن البحري.
شبكة معلومات المحيط الأزرق هي مشروع استخباري شامل وإستراتيجي طرحته الصين لتعزيز إمكاناتها البحرية، خاصة في مجال الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع في أهم المناطق البحرية. وتشمل تلك الشبكة توظيف مجموعة متنوعة من التقنيات المتطورة، ومنها رادارات على منصات شبه غاطسة غير مأهولة حول بحر جنوب الصين. تُزود تلك المنصات بأجهزة استشعار وأنظمة اتصالات متعددة، قادرة على تنفيذ عمليات المراقبة الإلكترونية؛ مما يجعلها قادرة على خدمة الأهداف المدنية والعسكرية على السواء.
لا تقتصر هذه الإستراتيجيات على الصين فقط، إذ يشير رالبي إلى أن دولا أخرى تستخدم نفس التكتيكات، ومنها روسيا التي استفادت من السفن التجارية لأغراض عسكرية في مناطق تشهد حروبا مثل سوريا وأوكرانيا، ويختتم مؤكدا التوظيف العسكري للسفن التجارية في أوقات الحروب والنزاعات موجود وواقع منذ زمن بعيد. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/10/12/%d8%a3%d8%b3%d8%b7%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d9%85%d8%a7%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%8a%d9%86%d9%8a-%d9%82%d8%af-%d9%8a%d8%b4%d8%b9%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d9%85%d8%b9 | 2024-10-12T01:04:41 | 2024-10-15T00:08:57 | أبعاد |
|
200 | كيف أنهى طوفان الأقصى معارك إسرائيل الخاطفة وأقحمها في حربٍ بلا نهاية؟ | قد تكون هذه الحرب بداية لعهد جديد من الحروب لم تعد تكفي فيه الأيام أو حتى الأسابيع والشهور لإحراز النصر، ما يعني بالتبعية حال حرب ممتدة ربما تستمر لأعوام عديدة. | تقترب الحرب الإسرائيلية على غزة من إتمام عامها الأول وهي تتوسع إلى جبهات جديدة مع الضربات الجوية والغزو البري الإسرائيلي للبنان قبل ساعات، ما خلق نوعا من الأُلفة والاعتياد مع مشاهد وأحداث يُفترض أن تكون غير تقليدية، مثل تحليق وقصف الطيران الإسرائيلي المتواصل، ومشاهد الشهداء والجرحى، والبيوت المهدمة، وحتى كمائن المقاومة وقذائفها وصواريخها ومسيراتها.
لكن ما يحدث يُعد غير مسبوق على مستويات عدة، فهذه أطول حرب تخوضها دولة الاحتلال الإسرائيلي منذ تأسيسها على أنقاض مدن الفلسطينيين وقُراهم عام 1948، وقد حشدت لها نحو 360 ألف جندي احتياطي، في أكبر تعبئة منذ حرب أكتوبر عام 1973. وعلى نطاق أوسع، قد تكون هذه الحرب بداية لعهد جديد من الحروب لم تعد تكفي فيه الأيام أو حتى الأسابيع والشهور لإحراز النصر، ما يعني بالتبعية حال حرب ممتدة ربما تستمر لأعوام عديدة.
في غضون ذلك، يخشى الخبراء أن يكون زمن الحروب القصيرة والخاطفة قد ولَّى إلى غير رجعة، فمع تعقُّد إستراتيجيات الحروب، والكفاءة التي يبديها الفاعلون الأصغر والأقل تجهيزا في مواجهة الجيوش النظامية الكبيرة بفضل تكتيكات الحروب غير المتكافئة التي جسرت الفجوات التقنية والتكتيكية وحتى العددية، بات تحقيق النصر بمعناه الحاسم أكثر صعوبة، وحتى تحقيق الأهداف الجزئية الأصغر بات أكثر كلفة وتعقيدا. ولا مثال أوضح على ذلك من حروب إسرائيل نفسها، فقبل أكثر بقليل من أربعة عقود، غزت إسرائيل لبنان في 6 يونيوحزيران عام 1982 بهدف معلن محدود هو تأمين شريط بعرض 40 كيلومترا داخل لبنان على الحدود الإسرائيلية، وفق تأكيدات وزير الدفاع الإسرائيلي أرييل شارون وقتها.
لكن سرعان ما طورت إسرائيل هجومها وتقدمت نحو العاصمة بيروت، واشتبكت مع القوات السورية، متسببةً في خسارة كبيرة لها بعد عبور نحو 76 ألف جندي إسرائيلي وأكثر من 1000 دبابة إلى لبنان. وفي غضون فترة قصيرة، حاصر الإسرائيليون مقر منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت الغربية، وقصفت الطائرات والدبابات والسفن المدينة لمدة عشرة أسابيع لإجبار المنظمة على الاستسلام، وهو ما وافق عليه الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في النهاية، ليخرج مع 14 ألفا من مقاتليه تحت حماية قوة متعددة الجنسيات من الجنود الفرنسيين والإيطاليين والأميركيين في 19 أغسطسآب من العام نفسه.
ورغم أن إسرائيل لم تنسحب بشكل كامل من لبنان إلا عام 2000، فإن وقائع الحرب نفسها دامت أقل من 90 يوما بين يونيوحزيران وسبتمبرأيلول 1982، حققت إسرائيل خلالها هدفها المعلن، بل وأكثر منه بكثير، بعدما أضعفت الوجود الفلسطيني في لبنان تماما، وقللت من النفوذ السوري في البلاد، وصعدت بحكومة صديقة لها إلى السلطة بقيادة بشير الجميل وإن دامت لفترة قصيرة، واحتلت أجزاء كبيرة من لبنان، وخلقت واقعا مختلفا تماما. وبالمقارنة، فإن عاما كاملا من القتال في غزة لم يكن كافيا لإسرائيل لتحقيق أهدافها المعلنة، وعلى رأسها استعادة الأسرى، ما يعني أن القتال مرشح للاستمرار لفترة أطول.
لا نبالغ إذن إذا قلنا إن الحرب الحالية في غزة تُعد نقطة تحول إستراتيجي لجيش الاحتلال الإسرائيلي في صراعاته بالمنطقة، ينتقل بموجبها من الاعتماد على المعارك والحروب الخاطفة إلى الحرب الطويلة. ويكمن الخبر الجيد لإسرائيل في هذا التحول في نجاحها في كسر العديد من المسلّمات التي طالما اعتنقتها حول نفسها، وعلى رأسها عدم القدرة على التكيف مع حالة الحرب المستمرة، واستحالة الانخراط في حرب على أكثر من جبهة في الوقت نفسه، في المقابل سوف يكون من الصعب التكهن بالتداعيات طويلة الأمد لمثل هذه الحرب على دولة الاحتلال نفسها ووضعها الداخلي، وعلى علاقاتها الإقليمية.
تُعرَّف الحروب الخاطفة بأنها ذلك النوع من المعارك الذي يتركز على المناورات السريعة واستغلال نقاط الضعف في دفاعات العدو قبل أن يتمكن من التعبئة الكاملة أو الرد، ويكون الهدف غالبا هو توجيه ضربة قاضية في غضون ساعات أو أيام، مما يعطل قدرة العدو على المقاومة أو الرد بشكل فعال. ويتطلب هذا النوع من الحروب تسليحا وتدريبا جيدين، مع خبرة وتمرُّس في إدارة غرف عمليات لأسلحة مشتركة، ربما تشمل الدبابات والمشاة الآلية والمدفعية والدعم الجوي، في نوع من التكامل يسمح باختراق خطوط العدو وتعطيل هياكل قيادته بسرعة.
ويُعد نموذج القوات الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية أحد التطبيقات المثالية لهذا النوع من الحروب الخاطفة الحاسمة، كما حدث عام 1939 عندما دمر النازيون الجيش البولندي في سلسلة من المعارك الخاطفة بعد تطويقه، وكذلك في مايوأيار 1940 خلال الهجوم على فرنسا حين اخترقت فرق الدبابات الألمانية التشكيلات الفرنسية بطيئة الحركة وقطعت الطريق على قوة المشاة البريطانية في دنكيرك، وهو ما تكرر أثناء غزو الاتحاد السوفيتي عام 1941، ما مكَّن النازيين من أسر أعداد كبيرة من الجنود السوفييت.
لطالما اعتمدت إسرائيل هذا النهج الخاطف للحروب في صراعاتها في المنطقة، وهي حقيقة تنطبق حتى على حروبها مع الجيوش النظامية العربية وأهمها حرب عام 1967، وهي حرب متعددة الجبهات ضد 3 جيوش عربية بدأتها إسرائيل وأنهتها في 6 أيام فقط، وبالمثل في حرب عام 1973 استمر القتال لمدة 20 يوما فقط، وهو ما ينطبق أيضا على حربي لبنان؛ الأولى عام 1982 التي استمرت 88 يوما، والثانية عام 2006 التي استمرت 33 يوما.
لم يختلف الحال في الحروب الإسرائيلية على غزة، بداية من معركة الفرقانالرصاص المصبوب في ديسمبركانون الأول 2008 التي استمرت 22 يوما، مرورا بحرب حجارة السجيلعمود السحاب في نوفمبرتشرين الثاني 2012 التي استمرت 8 أيام، وحرب العصف المأكولالجرف الصامد في يوليوتموز 2014 التي استمرت 51 يوما، وأخيرا معركة سيف القدسحارس الأسوار في مايوأيار 2021 التي استمرت 11 يوما. جميعها كانت حروبا خاطفة سريعة، دخلتها إسرائيل مستخدمة قوة جوية باطشة بهدف تدمير المقاومة في غزة وتحييدها، مع توغل بري محدود بغية تحقيق أهداف معايرة بدقة خلال فترة قصيرة.
ولكن على العكس من حروبها القديمة، كان سجل إسرائيل في الحروب الخاطفة بداية من عام 2006 مشوبا بالكثير من الإخفاقات. في البداية، اضطرت إسرائيل إلى العودة من لبنان عام 2006 بخفي حنين دون تحقيق أيٍّ من أهدافها الإستراتيجية، وفي قطاع غزة لم تفلح الحروب الإسرائيلية الخاطفة في وأد المقاومة الفلسطينية أو منعها من تهديد أمن إسرائيل.
ولذلك، حين انطلقت الحرب الأخيرة في أعقاب عملية طوفان الأقصى، ملأت إسرائيل فمها بأكثر مما يمكنها مضغه حين وضعت أهدافا كبيرة وهي تعلم استحالة تحقيقها من خلال حرب خاطفة. وهكذا تحولت الحرب الأخيرة دون تخطيط من أيٍّ من طرفيها إلى حالة حرب مستمرة، فقط لأن إسرائيل لا يمكنها التراجع وتجرع مرارة الهزيمة، في حين أن المقاومة لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي بينما إسرائيل تسوي غزة بالأرض وتهدم القطاع هدما فوق رؤوس ساكنيه.
وفي غضون الأشهر الأولى من الطوفان، بدا واضحا أن الحرب التي فشل صناعها في رسم حدودها بدأت ترسم معالمها بنفسها، متحولةً إلى معركة استنزاف طويلة هدفها على الجانب الإسرائيلي إضعاف المقاومة الفلسطينية باستمرار، وعدم منحها الفرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة بناء نفسها وترميم خسائرها ما دامت قد فشلت هزيمتها بنصر فوري. المشكلة أن هذا النمط من الصراع ربما يستمر لسنوات ويتخذ أشكالا عدة لن تسفر غالبا عن نتائج فورية حاسمة، ولكنها تهدف إلى تحقيق مكاسب تراكمية بمرور الوقت.
وبعكس الحروب القصيرة، يعتمد التفوق في الحروب الطويلة بالأساس على إدارة الموارد، ولا نعني هنا الموارد بمنظورها العسكري المجرد ذخيرةً وسلاحا، بل المقصد هو الموارد بمنظورها الشامل التي تشمل الاقتصاد والمجتمع الرأي العامالحاضنة الشعبية اللذين سيتحملان عبء التكيف مع حرب رتيبة بلا نهاية.
يُشكِّل هذا التحول تحديا كبيرا لكلٍّ من المقاومة الفلسطينية ودولة الاحتلال الإسرائيلي على السواء. وبالنسبة للأخيرة، فإن نمط الحروب الطويلة يتطلب عقيدة ومبادئ تختلفان عن تلك التي تتبناها إسرائيل منذ نشأتها، ما يعني أنها مرحلة فاصلة للعسكرية الإسرائيلية، بل وللمجتمع الإسرائيلي ونظامه السياسي والسلطوي، والأخطر هو أن هذه التحولات أُجبرت إسرائيل عليها ولم تخترها، وبالتالي لم تكن مستعدة لها بما يكفي.
عسكريا، اعتمدت إسرائيل منذ نشأتها على أربعة مبادئ رئيسية لإستراتيجيتها العسكرية، تعود جذورها إلى عقيدة بن غوريون، التي أكدت الطبيعة الوجودية للصراع العربي الإسرائيلي، وضرورة أن تكون إسرائيل أمة مسلحة قادرة على اتخاذ موقف عسكري استباقي.
وقد انعكست تلك المبادئ على بنية وهيكلة القوات وانتشارها وتخصصاتها العملياتية، بل وحتى ميزانيتها ونمط إدارة عملياتها الحربية. هذه المبادئ أشبه بـقواعد فوق دستورية للعسكرية الإسرائيلية، وأولها الإنذار المبكر الذي يعتمد على جمع المعلومات الاستخباراتية عن قدرات العدو، وتحديد مستويات التهديدات الإستراتيجية والتكتيكية والتعامل معها قبل أن تُشكِّل تهديدا مباشرا لأمن الاحتلال.
أما المبدأ الثاني فهو الدفاع اتخاذ القرار الذي يعمل على أن يلبي الجيش الأهداف السياسية التي يضعها صانع القرار بما يمنع الخصم من تحقيق أي مكاسب إستراتيجية ويضمن فعالية الأعمال العسكرية.
بعد ذلك يأتي المبدأ الثالث وهو الردع الذي يُعد العصب الرئيس للمبادئ الأربعة، ويهدف إلى جعل الأعداء المحتملين يفكرون مليا في التبعات قبل شن أي هجوم على إسرائيل، مما يمنعهم من المبادرة بتلك الخطوة، وينقسم إلى نوعين؛ أولهما هو الردع بالحرمان من خلال منع الخصوم من تنفيذ خططهم، أما الثاني فهو الردع بالعقاب، وذلك عن طريق فرض تكاليف عالية على الخصوم إذا قرروا الهجوم.
بينما المبدأ الرابع هو القدرة على الحسم أو النصر، وهو تتويج لعمل المبادئ الثلاثة بشكل متناغم بما يحقق النتيجة المرغوبة للحروب الإسرائيلية.
أصبح من الواضح الآن أن هجمات طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023 ضربت العقيدة العسكرية الإسرائيلية في ركيزتها الأساسية وهي الردع، حيث لم تُثنِ الحروب الأربع السابقة ضد غزة حماس عن استهداف العمق الإسرائيلي كما لم يفعل أحد من قبل في تاريخ دولة الاحتلال.
كسر الهجوم أيضا مبدأ الإنذار المبكر، بعدما كشف قدرة جيش الاحتلال الإسرائيلي على التنبؤ بالعملية ومنع الهجوم قبل تنفيذه. وذلك رغم تنفيذ غرفة العمليات المشتركة للأجنحة العسكرية في قطاع غزة مناورة عسكرية اشتملت على إطلاق النار الحي وإطلاق الصواريخ باتجاه البحر ومحاكاة هجوم على موقع إسرائيلي، ومداهمات قبل ليلة سقوط فرقة غزة في السابع من أكتوبر بخمسة وعشرين يوما، تحديدا في 12 سبتمبرأيلول 2023، ونشرها مقاطع مصورة لذلك على حساب تلغرام.
بحسب التقديرات الإسرائيلية نفسها، فإن عملية السابع من أكتوبر كانت عملية معقدة ومتعددة الأبعاد، ولم تكن مجرد حدث عابر أو وليدة فكرة طارئة، بل كانت نتيجة نقاش ودراسة وتخطيط وتنفيذ دقيق استمر لعدة أشهر وربما أكثر. وخلال حفل تذكاري في مقر شين بيت جهاز الاستخبارات الداخلي الإسرائيلي، اعترف رونين بار رئيس الجهاز بالفشل في توفير الغطاء الأمني المطلوب لـشعب إسرائيل.
ويمتد فشل أجهزة الاستخبارات إلى العجز عن الإلمام بتفاصيل شبكة أنفاق القسام، أو معرفة مكان الأسرى الإسرائيليين، وضعف التقديرات الاستخبارية في تحديد قدرات كتائب القسام العسكرية. وهذا رغم محدودية الجغرافيا في غزة، مما يجعل العمل الاستخباري -نظريا- أكثر سهولة. وسواء كانت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية قد التقطت مؤشرات حول هجوم السابع من أكتوبر وتجاهلتها أم أنها فشلت في رصدها من الأساس، فالمحصلة في النهاية هي ضربة حاسمة لمبدأ الإنذار المبكر الذي يفتتح دورة الحرب الإسرائيلية.
أما المبدأ الثالث وهو الدفاع واتخاذ القرار فقد كُسر عدة مرات خلال الحرب، أهمها في الأسبوع الأول بعد الهجوم، حيث نفذت إسرائيل بروتوكول هانيبال الذي تسبب في مقتل عدد من الجنود الإسرائيليين بحسب تحقيقات صحيفة هآرتس العبرية التي كشفت أن جيش الاحتلال قام بتفعيل البروتوكول مباشرة يوم السابع من أكتوبر، وكذلك تحقيق يديعوت أحرونوت الذي أفاد بأن الجيش الإسرائيلي نفذ بروتوكول هانيبال في وضع مرتبك وعشوائي وفي ظل ضعف تواصل بين القيادة والجنود، الذين وُجِّهوا لإطلاق النار على المركبات العائدة إلى غزة دون التمييز بين المقاتلين والرهائن المحتملين.
وفي حين أن بروتوكول هانيبال سبق أن أُلغي من قِبَل رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق غادي أيزنكوت عام 2016، الذي أكد أن الجيش سيقوم بتصميم سلسلة من الأوامر الجديدة، التي تتناسب بشكل أفضل مع المواقف المختلفة التي قد يجد الجنود أنفسهم فيها، فإن إعادة العمل به في هذه الظروف يشير إلى فقدان السيطرة الميدانية والانهيار في منظومة اتخاذ القرار التي يجب أن تستند إلى المعلومة الاستخبارية وتقدم حياة الجنود والأسرى بوصفها أولوية وليس بالتضحية بهم من خلال ضربات عشوائية.
مثال آخر لا يقل أهمية حول ارتباك عملية اتخاذ القرار يظهر في استغراق مجلس الحرب الإسرائيلي أسبوعا كاملا في تقييم الهجوم والرد عليه بخطة واضحة من خلال وضع السيناريوهات والأهداف التي ستعمل وزارة الدفاع والجيش على تحقيقها. أما الارتباك الأبرز فظهر في النتائج غير المعلنة لاجتماع مجلس الحرب يوم 13 أكتوبرتشرين الأول 2023، الذي وضعت خلاله أجهزة الاستخبارات في إسرائيل ثلاثة خيارات بوصفها أهدافا رئيسية للعملية البرية في غزة، وهي استيراد حكم السلطة من الضفة إلى غزة مجددا، أو احتلال قطاع غزة بشكل مباشر من قِبَل إسرائيل حتى بناء سلطة جديدة مواتية، وأخيرا الخيار الثالث والمرجح وهو ترحيل سكان غزة إلى سيناء.
وكما هو واضح، لم تستطع إسرائيل فرض أيٍّ من هذه الخيارات حتى الآن، وهو ما عنى بالتبعية سقوط الركيزة الرابعة والأخيرة للإستراتيجية الإسرائيلية وهي القدرة على تحقيق النصر أو الحسم.
لا نبالغ إذن إذا قلنا إن حرب غزة تحدت العسكرية الإسرائيلية كما لم تفعل أي حرب أخرى في تاريخ دولة الاحتلال، وكان التحدي الأكبر هو أنها كسرت المبادئ الرئيسية التي صُممت بالأساس لجعل الحروب الإسرائيلية سريعة وخاطفة في حال فشلت في منعها من الأساس. لكن بعد مرور أكثر من عام، بدأت إسرائيل تتكيف مع هذه الطبيعة الجديدة للحرب، ومع حقيقة أخرى لا تقل أهمية حولها، وهي أنها حرب متعددة الجبهات وليست على جبهة واحدة. وهذه الحقيقة أيضا كانت شبحا لإسرائيل التي حاولت دائما تجنب خوض حرب متعددة من خلال تسكين بعض الجبهات وتجنب إشعال الأمور بشكل متزامن مع خصومها.
لكن في أعقاب طوفان الأقصى، سرعان ما أثبتت المواجهة طبيعتها المتعددة التي أدركتها الولايات المتحدة، حليف إسرائيل الرئيسي، أسرع من تل أبيب المتخبطة حينها. لذلك، بمجرد أن تعرضت إسرائيل لهجوم المقاومة المفاجئ في السابع من أكتوبر، صدرت أوامر لحاملة الطائرات الأميركية يو إس إس جيرالد ر. فورد بالتوجه إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، جزءا من إستراتيجية عسكرية أميركية أوسع تهدف إلى ردع الأطراف الإقليمية المحتمل مشاركتها ومنعها من توسيع نطاق الحرب خارج نطاق غزة حتى تستعيد القوات الإسرائيلية توازنها.
ومع ذلك، لم تُثنِ حاملات الطائرات الأميركية باقي أطراف ما يُعرف بـمحور المقاومة من توجيه ضربات لإسرائيل سواء من حزب الله اللبناني شمالا أو من الحوثيين في اليمن جنوبا، بل أصبحت مصالح أميركا وأصولها نفسها معرضة للضربات ولو كانت غير مؤثرة عمليا، لكنها كانت إشارة على أن دعمها المطلق لإسرائيل ربما يكون له تبعات على المدى الطويل. نموذج واضح على ذلك هو ما حدث في سبتمبرأيلول الماضي 2024 حين أعلنت حركة أنصار الله اليمنية استهدافها 3 مدمرات أميركية في البحر الأحمر بـ23 صاروخا باليستيا ومجنحا وطائرة مسيّرة، في واحد من تحركاتها الأخيرة للرد على استهداف أميركا للحركة عقابا على دعمها للمقاومة في غزة في أعقاب طوفان الأقصى.
بيد أن أشباح الحرب الإقليمية ليست وليدة حرب السابع من أكتوبر وما بعده، لكنها ترجع إلى ما قبل ذلك بكثير. كانت الحرب الإقليمية متعددة الجبهات هي الحالة الطبيعية لإسرائيل منذ تأسيس الدولة العبرية قسرا في محيط عربي معادٍ، وكان النصر العسكري الأبرز لدولة الاحتلال في تاريخها عام 1967 في حرب متعددة الجبهات. لكن الأمور تغيرت مع توقيع إسرائيل اتفاقيات سلام مع مصر والأردن، ثم سقوط نظام البعث العراقي، وانشغال دول الجوار الأخرى وعلى رأسها لبنان وسوريا في أزماتها الداخلية، وهي تحولات أعادت ترتيب المشهد الإقليمي لصالح الدولة الصهيونية بشكل غير مسبوق منذ تأسيسها.
الاحتلال ينفذ برامج تدريبية مكثفة لمحاكاة سيناريوهات لحرب متعددة الجبهات رويترزبيد أن هذا الحال لم يدم طويلا. فمع اضطرار إسرائيل إلى الانسحاب مرغمة من قطاع غزة عام 2005، ثم فشلها في مواجهة حزب الله في لبنان عام 2006، أيقنت أنها تقف مجددا مع تهديد الجبهات المتعددة، لكن هذه المرة بشكل غير تقليدي.
في مواجهة ذلك، عملت تل أبيب على تعزيز قواتها بمفهوم الحرب متعددة الأطراف، لكنها واجهت معضلة تتعلق بطبيعة خصومها الجدد، سواء في غزة أو في لبنان، وهي أن هؤلاء الخصوم ليسوا جيوشا نظامية يمكن تحييدها ومواجهتها بالتكتيكات والقوة العسكرية التي تتفوق إسرائيل فيها، فالمقاوم يمتلك قدرات محدودة، وربما تكون عملياته أقل فتكا بمفردها، لكنها تعتمد على مفهوم التراكم وصناعة التأثير من خلال الاستمرار، وهو أمر فشلت المبادئ العسكرية التقليدية لإسرائيل في مواجهته.
فمنذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، لجأت خلال العقدين الماضيين إلى التعامل مع التهديدات في غزة والضفة ولبنان بمفهوم جز العشب، ويعني استهداف قيادات المقاومة وعناصرها النشطة بشكل متكرر، لكن مع تجاهل الأسباب الكامنة وراءها. ويتقاطع هذا المفهوم مع نمط الحرب السريعة والعمل العسكري قصير المدى، ورغم أنه ربما يحقق نتائج جزئية في وقته، فإن تأثيره الإستراتيجي طويل الأمد يكون ضعيفا، حيث سرعان ما تتجدد المقاومة على مختلف الجبهات، وهو ما يسلط الضوء على التهديد الذي فرضته الحرب غير النظامية لمجموعات المقاومة، وجبهاتها المتعددة، على العسكرية الإسرائيلية.
إدراكا لذلك، بدأ جيش الاحتلال ينفذ برامج تدريبية مكثفة لمحاكاة سيناريوهات حرب متعددة الجبهات. على سبيل المثال، دُرِّبت مستويات قيادية مختلفة لتحسين قدرتها على شن هجمات منسقة عبر مسارح مختلفة في وقت واحد. وفي عام 2020، قدم الجيش الإسرائيلي مفهوم النصر الحاسم العملياتي، الذي يهدف إلى إعادة تعريف الإستراتيجية العسكرية وتعزيز التوافق بين الخدمات مع الاستعداد للتصعيد الأفقي المحتمل، حيث يمكن للصراعات في منطقة واحدة أن تؤدي إلى اشتباكات في مناطق أخرى.
لم تنفذ إسرائيل معظم هذه التدريبات منفردة، ولكن بالشراكة مع أميركا، مع التركيز بشكل أساسي على حزب الله وإيران. على سبيل المثال، نفذت تل أبيب بالشراكة مع واشنطن تدريب التحدي الصارم عام 2012، الذي ركز على أنظمة الدفاع الصاروخية، وتدريب كوبرا العرعر عام 2016، وهو تدريب متكرر يحاكي هجوما على إسرائيل من 3 جبهات، وتدريب نوبل دينا عام 2018 في البحر الأبيض المتوسط، الذي حاكى سيناريوهات حرب بحرية، بما في ذلك الاستجابات للتهديدات المتوقعة من حزب الله وإيران. وكذلك تدريب عربات النار عام 2021 الذي شارك فيه آلاف الجنود، وغيرها من التمرينات التي تؤكد استعدادات عالية لحرب على أكثر من جبهة، لكن الملاحظ أن إحساس إسرائيل بالتهديد كان مركزا أكثر ناحية لبنان وإيران، في حين احتلت المقاومة الفلسطينية مرتبة أقل على سلم التهديد، وهو ما يسلط الضوء على خلل آخر في التفكير الإسرائيلي.
على كل حال، أصبحت الحرب متعددة الجبهات واقعا بعد أن بدأت إسرائيل غزوها البري للبنان قبل ساعات، تماما كما أصبحت الحرب الطويلة واقعا لم يعد من الممكن الفكاك منه. وفي ظاهر الأمر، ربما يُعد قرار مد الحرب إلى لبنان نوعا من الهروب إلى الأمام لنتنياهو من الإخفاق في غزة، لكن الأهم من ذلك يؤشر القرار إلى أن إسرائيل باتت تدرك المأزق الإستراتيجي الذي وضعها فيه طوفان الأقصى، وأنها ترى فرصة سانحة -ربما لن تتكرر قريبا- لتوجيه ضربة مؤثرة لقدرات حزب الله وإيران مستفيدة من الاستنفار الأميركي الكامل في الوقت الراهن.
من خلال هذا التحرك، كسرت إسرائيل اعتقادا دام أكثر من عقدين حول عدم إمكانية خوض حرب على أكثر من جبهة في آنٍ واحد مجددا، وفي غضون ذلك يأمل الجيش الإسرائيلي أن مغامرته في لبنان سوف تكون أقصر وأسرع حسما من حرب في غزة. لكن بغض النظر عن طبيعة ونتائج الحرب الحالية على الجبهة اللبنانية، فقد ترسخت الطبيعة الجديدة لحروب إسرائيل القادمة على أنها حروب طويلة ومتعددة الجبهات وليست حروبا خاطفة وأحادية. وفي حين أن الاحتلال بدأ يُظهِر مرونة عسكرية وسياسية في التكيف مع هذا النمط الجديد، فليس من الواضح بعد أنه سيكون قادرا على التكيف مع ضرائبها الأبعد مدى، اجتماعيا واقتصاديا.
اجتماعيا مثلا، تُعد مسألة التجنيد أحد التحديات الشائكة على الطاولة، فمع حالة الحرب المستمرة تحتاج إسرائيل إلى نوع من التعبئة العسكرية على نطاق زمني واسع أكبر مما خبرته على مدار تاريخها، ويعني هذا أنها ستحتاج إلى كل مجند محتمل، وأن التجنيد سوف ترتفع ضرائبه إلى حد عودة المجند إلى أهله في صندوق خشبي أو احتجازه أسيرا وعدم عودته من الأساس. ولكي يتحمل المجتمع مثل هذه الضريبة الباهظة، لا مفر من أن يتحملها الجميع بشكل متساوٍ، وهو ما يجعل قضية إعفاء الحريديم المتدينين من التجنيد وعددهم 1.3 مليون شخص أو نحو 13 من سكان دولة الاحتلال لغما مهددا بالانفجار في أي لحظة.
يعتقد العديد من الإسرائيليين اليوم بالفعل أن الضريبة الباهظة لطوفان الأقصى والحرب على غزة لا تُتحمَّل بشكل متساوٍ، وأن أقل المتضررين منها هم أنصار نتنياهو من المتدينين، وهؤلاء للمفارقة من أكثر المدافعين عن استمرار الحرب. هذه الخسائر تشمل الأسرى المحتجزين لدى المقاومة، وقتلى جيش الاحتلال في السابع من أكتوبر وما بعده، ناهيك بآلاف المصابين والمعاقين الذين تختلف تقديراتهم، وهي طوابير مرشحة للزيادة كلما طال أمد المعارك.
أبعد من ذلك، من المتوقع أن تكلف الحرب إسرائيل أكثر من 67 مليار دولار من النفقات الدفاعية والمدنية حتى عام 2025، وفق تقديرات بنك إسرائيل. وسوف يدفع النهج المالي الحالي للحكومة، الذي يقوم على الضرائب المنخفضة والإنفاق الاجتماعي المرتفع لدعم القطاعات والأسر الأكثر تضررا من الحرب، في اتساع العجز المالي لميزانية 2024، وما بعده.
وتُعد نفقات قوات الاحتياط البالغة 360 ألف جندي تحديدا صداعا في رأس إسرائيل، فبخلاف التكاليف المباشرة الباهظة لهذه القوات والمقدرة بـ5 مليارات شيكل نحو 1.3 مليار دولار شهريا على الأقل، فإن استمرار تغيب هذا العدد من العاملين عن وظائفهم العادية يكلف إسرائيل يوميا نحو 1.6 مليار شيكل نحو 427 مليون دولار، وهي خسارة لا أحد يعلم كم من الوقت يمكن لإسرائيل أن تتحملها.
كل هذا ولم نحسب بعد تأثير حالة الحرب المستمرة على المناخ الاستثماري، خاصة قطاع التكنولوجيا الفائقة الذي يشكل قرابة 20 من الناتج المحلي الإجمالي لدولة الاحتلال، وهو ما سيواجه تحديات كبيرة مع حالة الحرب المستمرة، بسبب المخاوف الأمنية أولا، وبسبب التداعيات المحتملة على الشركات التي يُنظر إليها على أنها تدعم الحروب الإسرائيلية في الأسواق الأخرى، مع حملات المقاطعة المحتملة.
وقد لُمس طرف من هذه الآثار بالفعل خلال العام الماضي، كما في قرار شركة إنتل إيقاف استثمار بقيمة 25 مليار دولار لبناء مصنع جديد للرقائق في إسرائيل. وعموما، منذ السابع من أكتوبر 2023، أبلغ أكثر من 80 من الشركات الناشئة في إسرائيل عن تعرضها لأضرار ناجمة عن الحرب، فيما أكد أكثر من 50 من الشركات الناشئة أنها تملك أقل من ستة أشهر من النقد اللازم لاستمرار التشغيل، ما يعني أنها مهددة فعليا بالإغلاق في وقت قريب.
في غضون ذلك، خلَّفت هجمات جماعة الحوثي آثارا سلبية كبيرة على الاقتصاد الإسرائيلي، فميناء إيلات أصبح شبه متوقف وبلا حركة، بعدما كانت تدخله بين 12-13 سفينة شحن يوميا قبل الحرب. وعموما، انخفض النشاط في الميناء بنحو 85 منذ تحويل شركات الشحن الكبرى مسار سفنها عن البحر الأحمر تجنبا للهجمات. والأهم من الخسائر الاقتصادية المباشرة، يُعد توقف ميناء إيلات أشبه بقطع غير رسمي للعلاقات بين إسرائيل من جهة وآسيا وأفريقيا من جهة أخرى.
وكذلك لم نتحدث عن السياحة التي توقفت بشكل كامل تقريبا، وخروج قطاعات جغرافية عن المساهمة في الاقتصاد الإسرائيلي كانت تساهم بنحو 30 من الناتج المحلي الإجمالي، وعلى رأسها المناطق الشمالية وغلاف غزة. كل هذه الخسائر مرشحة للزيادة، بل وللتضاعف مع طول أمد الحرب وتعدد جبهاتها، خاصة إذا طال أمد الحرب على جبهة لبنان أو اتسعت إلى المزيد من الجبهات. وأخيرا وليس آخرا، مع استمرار الحرب بلا نهاية، ليس من المستبعد أن أصدقاء إسرائيل الإقليميين سوف يبدأون في التنصل من علاقاتهم معها مع زيادة التكاليف الشعبية لهذه العلاقة في ظل استمرار الحرب وتعدد ساحاتها.
يخبرنا ذلك كله أن إسرائيل لا تزال بعيدة جدا عن تجاوز آثار طوفان الأقصى والأسئلة الجديدة التي يفرضها كل يوم، وأحجار الدومينو التي تواصل التساقط. في غضون ذلك، تبقى الحقيقة المؤكدة أن زمان الحروب الإسرائيلية الخاطفة والسريعة قد ولّى، وأن على إسرائيل، بل والمنطقة بأسرها، أن تتكيف مع واقع جديدة أصبحت حالة الحرب فيه هي القاعدة والأساس، وفترات الهدوء هي الاستثناء الذي سيصبح أشبه بهدنة قصيرة لالتقاط الأنفاس. | https://www.aljazeera.net/politics/2024/10/1/%d9%86%d9%87%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d9%88%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b5%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d9%87%d9%84-%d8%a3%d8%af%d8%ae%d9%84%d8%aa-%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84 | 2024-10-01T14:26:59 | 2024-10-15T00:11:52 | أبعاد |
Subsets and Splits